يهود السبي الآشوري، بين التكريد والتسيس

سليمان يوسف يوسف

الكثير من المصادر التاريخية، منها المصادر اليهودية مثل التوراة والتلمود بالإضافة إلى الرقيمات والنقوش الآشورية – البابلية، تؤكد على أن “الوجود اليهودي” في (بلاد ما بين النهرين – العراق) بدأ في القرن السادس ق.م مع الحملات العسكرية (الآشورية/ البابلية) على الممالك اليهودية في إسرائيل وقيام الملوك الآشوريين- البابليين بـ( سبي اليهود )، أي نقل عشرات الآلاف منهم الى نينوى و بابل واربيل ومدن أخرى في بلاد آشور. أوسع حملات السبي، كانت حملات الملك نبوخذ نصر الثاني (597 و586 و581 ) ق.م. نقرأ في (نبوة ارميا 52: 28-30) ) عن الدفعات الثلاث الأخيرة من السبي البابلي. ((في السنة السابعة لنبوخذ نصر ملك بابل 597ق.م سبى نبوخذ نصر 3.023 من اليهود، وفي السنة الثامنة عشر 586ق.م سبى 832 شخصًا. وفي السنة الثالثة والعشرين 581ق.م سبى 745 شخصًا. مجموع النفوس أربعة آلاف وست مائة )). اليهود المسبيين، تعلموا اللغة الآشورية (السريانية) وأصبحت الآشورية لغتهم في القراءة والكتابة ودخلت في صلواتهم وطقوسهم وشعائرهم الدينية. المصادر اليهودية تقر بأن نبوخذ نصر وهب اليهود المسبيين إلى بابل أخصب مقاطعاته مثل منطقة (نيبور)، ومنحهم أوسع الحريات في العمل وممارسة طقوسهم الدينية وكثير من الامتيازات، فعظم شأنهم بين البابليين وغدت بابل بالنسبة لهم الوطن الثاني. بسقوط نينوى 606 ق.م ومن ثم بابل 539 ق.م، على يد ملك الفرس(كورش)، خضعت (بلاد آشور- بلاد ما بين النهرين) ومعظم مناطق الشرق الأدنى للاحتلال الفارسي، الذي أعطى الحرية لمن يشاء من اليهود المسبيين للعودة الى وطنهم الأم (إسرائيل) والانتقال الى حيث يشاؤون. مع الغزو العربي الاسلامي لبلاد ما بين النهرين واحتلالهم لها 634، ساءت كثيراً أحوال اليهود، نتيجة سياسات التمييز الديني والعرقي والاجراءات العنصرية التي انتهجها العرب المسلمين ضدهم، الأمر الذي سرع حركة الهجرة اليهودية من (بلاد ما بين النهرين- العراق). قيام دولة إسرائيل 1948 وتفجر الصراع (العربي- الاسرائيلي) ووصول حزب (البعث العربي الفاشي) الى الحكم في العراق 1963، تنامت الأحقاد والكراهية وأعمال العنف الديني ضد اليهود، فاندفعوا ( افواجاً وقوافل) هاربين من العراق باتجاه اسرائيل،حتى خلت العراق من اليهود، سوى من بعض العوائل في بغداد وبعض مدن الشمال.

تسلسل الأحداث، يوضح بأن “الوجود اليهودي” في (بلاد ما بين النهرين – العراق)، الذي يعود الى أكثر من 2500 عام، هو أقدم بقرون طويلة من “الوجود الكردي”. يقول الكاتب الكردي (خالد خلف) : ” الحقيقة ليس للاكراد اية جذور تاريخية حضارية قديمة في شمال العراق.. لقد نزح الاكراد في منتصف القرن التاسع عشر من جبال زاغروس الايرانية الى مدن وقرى شمال العراق، واستوطنوا هناك وبمرور الوقت تم اضفاء الطابع الكردي على هذه القرى والمدن والسيطرة عليها.. “.. البروفيسور الكردي (عمر ميران) الحاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون عام 1952، والمتخصص في تاريخ شعوب الشرق الاوسط يقول: ” اننا لم نسمع او نجد الى يومنا هذا أي اثر لنا ككرد ان نقول انه تراث حضاري كردى خالص، ولم نجد أي اثر لمدينة كردية تأسست على ايدي الشعب الكردي”. ما اريد الوصول اليه، أن أكراد الشمال العراقي، ليسوا ” يهوداً أكراد “ولا هم بـ “أكراداً يهود”. يهود الشمال العراقي،كما يهود بقية مناطق بلاد ما بين النهرين، هم ليسوا يهوداً أكراد ولا يهوداً عرب ولا يهوداً آشوريين، أنهم يهود (بني إسرائيل عبرانيون)، بقايا (السبي الآشوري/ البابلي) لـ(يهوذا والسامرة وأوراشاليم ) في اسرائيل، قبل 2500 عام. تقديم يهود الشمال العراقي على أنهم ” يهوداً أكراد “، خلافاً لحقيقة اصولهم العرقية، يندرج في إطار سياسة تكريد التاريخ والجغرافيا والبشر، التي انتهجها القوميون الكورد، حتى قبل أن يكونوا حكومة وسلطة. الوجود اليهودي المحدود في الشمال العراقي (مقدر 400 عائلة)، حتى سنوات قليلة كان مهمشاً ومنسياً، لكن لأهداف وأجندات سياسية وقومية، القوميون الكرد، سيسوا هذا الوجود و أخرجوه من سياقه التاريخي وزجوا به في بازاراتهم وصفقاتهم السياسية مع “دولة إسرائيل” اليهودية. في إطار هذه الاستراتيجية الكردية، جاء قرار حكومة الإقليم بافتتاح مكتب وممثلية خاصة باليهود وتعيين ممثلاً (شيرزاد مامساني) للطائفة اليهودية في وزارة الشؤون الدينية في الإقليم، خلال احتفال نظمته الحكومة الكردية في اربيل لأحياء ذكرى مقتل مئات اليهود في العاصمة العراقية بغداد في حزيران عام 1941، المذبحة التي تعرف بأحداث “الفرهود”. نحو( 100 الف يهودي) هم من بني إسرائيل،بقايا السبي الآشوري البابلي، عادوا من الشمال العراقي في خمسينات القرن الماضي الى موطنهم الأم (إسرائيل). حكومة مسعود البرزاني، تريد (الاستثمار السياسي) لهؤلاء اليهود العائدون،على أنهم “يهوداً أكراد”، لمد الجسور مع دولة اسرائيل وتطوير العلاقة معها، التي تعود الى أيام الملا مصطفى البرزاني واستمرت سراً بعد رحيله مع ابنه( مسعود). الساسة الكرد، يدركون جيداً أهمية العلاقة الاستراتيجية مع دولة إسرائيل، لما لها من نفوذ قوي، لدى الولايات المتحدة الامريكية والعديد من الدول الأوربية. مسعود البرزاني يطمح لتطبيع العلاقة، بين اسرائيل والدولة الكردية، المنتظر الإعلان عنها، بعد الاستفتاء على الانفصال عن العراق،المقرر اجراءه في 25 أيلول القادم. رئيس الحكومة الإسرائيلية ( بنيامين نتنياهو)، يبدو أنه استجاب للغزل السياسي الآتي من أكراد العراق. نتنياهو، الوحيد من بين رؤساء وزعماء دول العالم، اعلن تأييده للاستفتاء الكردي ودعمه لانفصالهم عن الدولة العراقية. لا اقول هذا، إدانة لحكومة البرزاني على سعيها للتقرب من دولة إسرائيل وتطبيع العلاقة معها، وإنما تناول ملف ” يهود الشمال العراقي ” يتطلب توضيح الابعاد السياسية لفتح هذا الملف المنسي وفي هذه المرحلة تحديداً. فأنا من دعاة أن تقوم جميع دول وشعوب المنطقة بتطبيع علاقاتها مع دولة اسرائيل، لأن في ذلك تعزيزاً للأمن والسلام الإقليميين.
باحث سوري مهتم بقضايا الاقليات
shuosin@gmail.com

المصدر ايلاف

This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.