يوميات صحفي … سائق تاكسي 5

يوميات صحفي … سائق تاكسي 5

محمد الرديني

قانون الضرب

 

حيتني الام بحرارة كانها تعرفني منذ زمن – وهذه عادة نيوزيلندية اصيلة- وطلبت مني ان اساعدها في ربط حزام الامان لطفلتها التي لم تتجاوز الخامسة من عمرها قبل ان تصعد السيارة وتسألني بادب جم ان آخذها الى بيتها انها صورة تتكرر كل يوم ، ولهذا فالافضل كما اعتقد ان اكتفي بماذا حدث مع هذه الام ، وهو حدث لااعتقد انه ينمحي من ذاكرتي ماحييت.
  سمعت الام تقول لابنتها:
” حين نصل الى البيت سنفكر في اعداد اكلة لذيذة ، تضحك الام وتكمل: انا اعرف ماذا تحبين، وحين يحين موعد الشاي يكون برنامجك التلفزيوني المفضل قد بدأ، بعدها يمكن ان نجد ماذا عندك من واجبات مدرسية”
سمعت البنت ترد:
” هل يمكن ان ادعو صديقتي جاسمين لنشاهد البرنامج التلفزيوني معا
اجابت الام بحرارة :
” بالتأكيد ياحبيبتي وعلينا ان نستأذن امها في ذلك
تسكت الام قليلا ثم تعاود الحديث:
” هل انت مرتاحة في جلستك ، لابأس سنصل بعد قليل
سمعت الام تقول بعد ذلك نفس العبارة التي يكررها النيوزيلنديون صغارا وكبارا حينما يستقلون سيارة التاكسي متوجهين الى بيوتهم:
 ” انه لشىء رائع ان اعود الى البيت.
لاشك ان هذه الام تحب ابنتها وحرارة الحديث خير دليل على ذلك، ان هذه الام مثل غيرها من امهات هذه البلاد لاتسكت لحظة حين تكون برفقة ابنها او ابنتها، انها تتحدث عن كل شيء لاتترك شاردة ولا واردة تمر من امامهما الا وكان لها فيه رأي:
” اترين كيف ابتسم هذا الرجل لنا ، انه بالتأكيد رجل ظريف
او….
اترى تلك الام وهي تدفع في عربة ابنتها الصغيرة، اوه ان ضوء الشمس غطى وجه هذه الطفلة وربما سيحرق خديها، سيكون من الافضل ان تغطي الام وجه الطفلة
ارأيت ما اجمل هذا الكلب، ولكن كلبنا بوب  اجمل منه اليس كذلك؟
اوه لقد نسيت ان اشتري لبوب  السلسلة الفضية التي وعدته بها في الاسبوع الماضي  تعال معي لنختار له واحدة جميلة.
تمنيت ان اسألها قبل ان تصل الى بيتها:
” بعد كل هذا الحب ، لماذا ينتظر الابن او البنت  ان يبلغ السادسة عشر حتى يهرب من البيت؟
انه من النادر ان تجد ابنا او بنتا يعيش مع اهله بعد ان يبلغ السابعة عشر، وهو في العادة يجد في ذلك السن العمل الذي يناسبه، فالقانون هنا يتيح العمل لمن بلغ الخامسة عشر من عمره  والعمل كبائع اومنظف او محاسب وغيره  من الاعمال المتوفرة جدا  في مراكز التسويق المنتشرة في طول البلاد وعرضها.
وهذا الشاب الذي يبدأ حياته بالاعتماد على نفسه لاينسى اكمال دراسته اذ نادرا ما نجد احدهم يفعل غير ذلك حتى لو وصل الى ارذل العمر.
اعتقد اني شططت في الحديث، ليس هذه هي الفكرة التي اريد ان اوصلها بل تلك التي تتعلق بالضرب واقصد بذلك ضرب الاطفال.
لم يصادفني مشهد اب او ام ضرب ابنه او ابنته مهما كان السلوك مؤذيا واقصى مايفعله الاب او الام ان يصرخ بوجه ابنه ليشعره بانه غاضب منه او يطلب منه ان يقف في ركن الصالة لمدة ربع ساعة. ان الضرب في هذه البلاد جريمة يعاقب عليها القانون ويمكن ان يتعرض الاب او الام الى السجن او المراقبة من قبل الجهات المختصة او الاكتفاء بالتنبيه او الغرامة ومع هذا فالصحف لاتألوا جهدا في الكتابة عن هذه  الظاهرة  لتصل في النهاية الى المطالبة باعادة النظر في العقوبة التي يفرضها القانون في حالة تعرض الاطفال للضرب من قبل الوالدين.
ويصرخ الصحفيون المتحمسون الى انه قد آن الاوان لتشديد العقوبة على الوالدين بعد ان زادت عدد قضايا ضرب الاطفال التي تنظرها المحاكم…!
وبشكل عام فقد انحازت الصحف جميعها الى الاطفال المضروبين واطلقت عليهم الجيل المظلوم
وكانت احدى المحاكم  النيوزيلندية المختصة في احدى المقاطعات قد نظرت قضية الام التي ضربت طفلتها البالغة من العمر سبع سنين ، وكانت الاداة المستعملة هي القلادة الذهبية التي استقرت على جبهة الرأس  واصدرت حكما بحبس الام عشرة اشهر مع وقف التنفيذ.
وحسب القانون فان الطفل الذي يتعدى الثامنة من عمره  يحق له ان يقدم شكوى الى القضاء بحق والديه في حالة تعرضه للضرب او الاهانة او حتى رؤية احد والديه يرفع اصبعه بوجهه مهددا.
لم اكن مقتنعا حتى هذه اللحظة ان هؤلاء الاطفال يحتاجون الى كل هذه الضمانات القانونية لحمايتهم ، لان هؤلاء الاطفال ببساطة قد حصلوا على قسط وافر من الرعاية والحب والتقدير والاهتمام و( الديمقراطية).
ليس عندي اكثر من الامثلة التي تبرهن على صحة ما اقول، فليس هناك اسعد من الام او الاب الذي يبدي اهتماما استثنائيا لكل مايقوله ولده مهما كان هذا القول لايستحق الاصغاء.
قد يجد البعض ان هذا الامر ليس مهما بمافيه الكفاية ، ولكني اجده الاساس المهم في بناء شخصية الطفل، انه امر غاية في الروعة ان يجد الطفل شخص ما يصغي اليه ، انه بذلك يتعود على التعبير عن افكاره بسهولة، ليس هذا فقط بل انه يسعى الى البحث عن افكار اخرى جديدة يتحدث بها مادام هناك من يصغي اليه.
قرأت مرة في تقريرصادر من اليونسكو  ان الطالب العربي في سنته الدراسية الاولى يملك من الثروة اللغوية اقل من 100 مفردة بينما الطالب الامريكي او البريطاني او الالماني يملك في نفس العمر اكثر من  200 مفردة يستطيع استعمالها بسهولة ويسر، وليس من العجيب ان نرى هذا الطفل يتحدث بسهولة في اية مقابلة تلفزيونية او اذاعية او حتى في محفل عام.
وفي هذا التقرير نجد ايضا ان هذه المفردات اللغوية تزداد اضعافا في السنوات الدراسية اللاحقة بينما مفردات طالبنا العربي لاتزيد الا قليلا كلما تقدم في تعليمه.
والكارثة هي اننا نعلم جميعا كم هي رائعة لغتنا العربية بمفرداتها وجناسها  وطباقها وصورها المتألقة ومع هذا فانا اعترف اني لست موقنا من نجاح تجربة النيوزيلنديين في هذا المجال فالاطفال هنا يصيبهم التمرد حالما يبلغون الخامسة عشرة ، انهم يبدأون بالتدخين ” هناك مثل انجليزي يقول ان الولد يدخن في الخامسة عشرة من عمره ليثبت انه رجل وفي الاربعين يترك التدخين لنفس السبب”. ثم يستعجل الزمن ليصل الى سن الثامنة عشرة حتى يستطيع ان يتناول الكحول بحكم القانون، وبعدها تبدأ المشاكل الاخرى تنهال على رأس الابوين، فابنهما او ابنتهما تغيب كثيرا عن البيت فهي – كما هو- تنظم مع  اصدقائها السفرات الاسبوعية الى الغابات او الشواطىء البعيدة دون حتى التنازل لاخذ الاذن من الابوين، هذا عدا العلاقات الجنسية غير المشروعة ـ في عرفنا نحن ـ والتي دائما ما تتمخض عن مشاكل اجتماعية لاحصر لها.
لست هنا الان بصدد تعداد مشاكل النيوزيلنديين التربوية رغم اني ظللت ست سنوات احاول الاجابة على السؤال التالي: اذا كان هؤلاء الاطفال يتلقون مثل هذا الدعم والعناية والتعود على الاستقلال في حياتهم من قبل والديهما فلماذا اذن يسعون الى الانحراف او على الاقل البحث عن المشاكل في شبابهم، بمعنى آخر هل يعتقد هؤلاء الاباء والامهات ان جهودهم ستذهب سدىآ في تربية اولادهم ومع هذا فهم  يصرون على الاستمرار فيها اعترف باني عجزت عن الاجابة على هذا السؤال، ولكني اكتشفت على الاقل لماذا يمتنع معظمهم ـ حالهم حال الاوربيين الاخرين ـ عن الزواج.

About محمد الرديني

في العام 1949 ولدت في البصرة وكنت الابن الثاني الذي تلاه 9 اولاد وبنات. بعد خمسة عشر سنة كانت ابنة الجيران السبب الاول في اقترافي اول خاطرة انشائية نشرتها في جريدة "البريد". اختفت ابنة الجيران ولكني مازلت اقترف الكتابة لحد الان. في العام 1969 صدرت لي بتعضيد من وزارة الاعلام العراقية مجموعة قصص تحت اسم "الشتاء يأتي جذلا"وكان علي ان اتولى توزيعها. في العام 1975 التحقت بالعمل الصحفي في مجلة "الف باء" وطيلة 5 سنوات كتبت عن كل قرى العراق تقريبا ، شمالا من "كلي علي بيك" الى السيبة احدى نواحي الفاو. في ذلك الوقت اعتقدت اني نجحت صحافيا لاني كتبت عن ناسي المعدومين وفشلت كاتبا لاني لم اكتب لنفسي شيئا. في العام 1980 التحقت بجريدة" الخليج" الاماراتية لاعمل محررا في الاخبار المحلية ثم محررا لصفحة الاطفال ومشرفا على بريد القراء ثم محررا اول في قسم التحقيقات. وخلال 20 سنة من عملي في هذه الجريدة عرفت ميدانيا كم هو مسحوق العربي حتى في وطنه وكم تمتهن كرامته كل يوم، ولكني تعلمت ايضا حرفة الصحافة وتمكنت منها الا اني لم اجد وقتا اكتب لذاتي. هاجرت الى نيوزيلندا في العام 1995 ومازلت اعيش هناك. الهجرة اطلعتني على حقائق مرعبة اولها اننا نحتاج الى عشرات السنين لكي نعيد ترتيب شخصيتنا بحيث يقبلنا الاخرون. الثانية ان المثقفين وكتاباتهم في واد والناس كلهم في واد اخر. الثالثة ان الانسان عندنا هو فارزة يمكن للكاتب ان يضعها بين السطور او لا. في السنوات الاخيرة تفرغت للكتابة الشخصية بعيدا عن الهم الصحفي، واحتفظ الان برواية مخطوطة ومجموعة قصصية ويوميات اسميتها "يوميات صحفي سائق تاكسي" ومجموعة قصص اطفال بأنتظار غودو عربي صاحب دار نشر يتولى معي طبع ماكتبت دون ان يمد يده طالبا مني العربون قبل الطبع. احلم في سنواتي المقبلة ان اتخصص في الكتابة للاطفال فهم الوحيدون الذين يقرأون.
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.