يوميات صحفي … سائق تاكسي 2

يوميات صحفي … سائق تاكسي 2

محمد الرديني

سألتني الراكبة باهتمام
– هل انت عربي
اجبت باكترات
– نعم
 قالت
سمعتم انكم تقتلون البنت التي يغتصبها الرجل بدعوى ان القتل يأتي غسلا للعار الذي لحق بالعائلة
– هذا صحيح
سالت بلهفة
–  ولكن لماذا؟
قلت
– لانها فرطت باغلى شيء لديها ، عذريتها
قالت
 –  ولماذا لاتقتلون الذي اقدم على سرقة هذا الذي تسمونه اغلى شيء لديها؟؟؟؟؟

 

لماذا ينتحرون ؟؟

 

جميع من يسكن هذه البلاد يعرف جملة من الحقائق البسيطة عنها ، اولها ان السكان لايتجاوزون اربعة مليون نسمة يعيشون في جزيرة كبيرة  تكونت بفعل البراكين، اكتشفها بحار يدعى ( كوك) ، جاءها البريطانيون اولا ثم المهاجرين من بلدان غربية متعددة حيث وجد الماوريون وهم سكان البلد الاصليون انهم قلة في هذا البلد.
 ايها السادة
لقداخذوا اروع مافي شريعتنا الاسلامية، طبقوا  نظام  بيت المال حيث تتكفل الدولة بصرف راتب اسبوعي لكل عاطل او عاطلة  عن العمل مع راتب خاص لجميع الاولاد منذ بداية ولادتهم حتى التحاقهم باول عمل لهم بعد التخرج من الجامعة، وهناك الصدق في التعامل – آه مااجمل هذه الكلمة- انهم يثقون في كل ماتقوله ، ثم الاخلاص في العمل حيث لارئيس ولا مرؤس.
ولكن هذه البلد تعاني من مشكلة قاتلة انها الدولة رقم ثلاثة عالميا في نسبة الانتحار، وهذه النسبة تنحصر مابين اعوام  (24-45) سنة  وهي السن الرائعة في عمر الانسان شغلني هذا الامر كثيرا، سألت العديد من الشباب، كانت الفرصة امامي –بفعل مهنتي- ان اعرف الجواب من هؤلاء الذين اقلهم الى بيوتهم في عطلة نهاية الاسبوع بعد ان يتجولوا بين البارات الى ساعة متأخرة من الليل
لم اعثر على الجواب
ولكن لماذا؟
ها هي نيوزيلندا ، بلد من اجمل بلدان العالم في خضرته وهدوءه، بلد يحتل فيه قطع غصن شجرة او صدمها من قبل سائق مراهق الخبر التلفزيوني الاول في نشرة الاخباراليومية  بلد فيه اروع هدية تقدمها  في اعياد رأس السنة الميلادية هي كتاب جديد بلد حباها بنعمة انها بلد بلاجيران، وهي نعمة لاتقدر بثمن في هذه الايام ، فالجزيرة المعزولة – مثل نيوزيلندا – لاتعرف الحروب ولا الارهاب ولا حتى الاعتقالات
ولكن شبابها ينتحرون!
هذه الجزيرة التي تغلق فيها معظم مراكز الشرطة في الخامسة مساءا من كل يوم مثل اي متجر في سوق عمومي، ليتسمر شبابها بعد ذلك امام التلفزيون، ويخلد كبارها الى النوم، وتنعم فيها الخرفان 40) مليون وهو اضعاف عدد السكان( بهدوء عجيب في هذه الجزيرة التي تضطجع على خاصرة الموت كل يوم.

لأن شبابها ينتحرون
لماذا، لا احد يدري!
سألت العديد منهم ، شبابا من مختلف الاعمار ومختلف المهن ، لااحد يملك الاجابة المقنعة، فبعضهم يعتقد ان الحياة مملة ليس فيها مايستحق العيش ، والبعض الآخر يهز كتفيه غير مبال حتى بالسؤال ولكن كلهم يعرفون ان نسبة الانتحار في نيوزيلندا هي الاعلى في العالم
كانت تجتاحني رغبة في ان اصرخ بوجوههم كنت اريد ان اقول لهم ، وهذا مافعلته ذات يوم اذ صرخت بوجه شاب كان يتأفف لان عليه ان يصحو في اليوم التالي مبكرا للذهاب الى العمل
هل رأيتم عسس الليل في البلدان التي يستحم ليلها بمياه البحر الاحمر او البحر العربي او حتى مياه النيل الذين يقعون( كما يقعى الكلب) في الشوارع ويقتلون الناس على الهوية  هل سمعتم باحد يقلب اهم ركن من اركان علم الفيزياء بقوله ( ان المادة تفنى) مدعما قوله بوضع الاجساد البشرية  في احواض تحوي سائلا لايذيبها  فقط وانما يلغيها من الوجود هل سمعتم عن ذاك الذي يطعم كلابه ونموره قلوبا بشرية لبشر لم تعجبه اشكالهم او انهم تجرأوا ونظروا اليه  هل سمعتم عن شباب يذهبون الى الحروب وهم لايعرفون لماذا ؟ هل سمعتم عن عواميد الاسمنت التي تجعل من اجساد البشر قوالب لها ؟ هل سمعتم عن الغرف التي تتحرك جدرانها باتجاه بعضها لتعجن البشر بعد ان تطبق عليهم؟
اذا لم تسمعوا بكل هذا وقصص اخرى يشيب لها شعر الوليد فارجوكم صادقا ان تسمعوها الان وتتوقفوا تماما عن التفكير بالموت فبلادكم ايها السادة ليست اجمل منها الا بلادي ، وحين يضوع الياسمين في صباحاتكم المشرقة فليس اعطر منه الا  خضر الياس في بلادي.
لديكم حدائق تفوح منها عطور الدنيا كلها عطور ليس اروع منها الا عطر القداح في بلادي. هل شممتم الجوري ؟ هل عندكم بيوتا تسبح بالماء ، هل لديكم “عيون كلي علي بك” ، هل عندكم جبل حمرين ، هل عندكم الفتاة التي اذا شربت عصير الزبيب يظهر لونه في شرايين عنقها، ربما عندكم اجمل من ذلك.
ولكنكم تنتحرون.
توقفوا عن الموت ايها السادة فليس الواحد منكم “عنده من الاسى جبل يمشي معه وينتقل” وليس الواحد منكم ايها السادة حين يخرج في الصباح لايعرف في اي محطة من محطات الباصات يموت
انه يموت غصبا عنه لانه يحب الحياة حد الجنون  ومن اجلها يموت.
هل عرفتم الان  لماذا  نموت نحن ولماذا انتم تموتون؟؟؟

الجزء الأول

https://mufakerhur.org/?p=1063

About محمد الرديني

في العام 1949 ولدت في البصرة وكنت الابن الثاني الذي تلاه 9 اولاد وبنات. بعد خمسة عشر سنة كانت ابنة الجيران السبب الاول في اقترافي اول خاطرة انشائية نشرتها في جريدة "البريد". اختفت ابنة الجيران ولكني مازلت اقترف الكتابة لحد الان. في العام 1969 صدرت لي بتعضيد من وزارة الاعلام العراقية مجموعة قصص تحت اسم "الشتاء يأتي جذلا"وكان علي ان اتولى توزيعها. في العام 1975 التحقت بالعمل الصحفي في مجلة "الف باء" وطيلة 5 سنوات كتبت عن كل قرى العراق تقريبا ، شمالا من "كلي علي بيك" الى السيبة احدى نواحي الفاو. في ذلك الوقت اعتقدت اني نجحت صحافيا لاني كتبت عن ناسي المعدومين وفشلت كاتبا لاني لم اكتب لنفسي شيئا. في العام 1980 التحقت بجريدة" الخليج" الاماراتية لاعمل محررا في الاخبار المحلية ثم محررا لصفحة الاطفال ومشرفا على بريد القراء ثم محررا اول في قسم التحقيقات. وخلال 20 سنة من عملي في هذه الجريدة عرفت ميدانيا كم هو مسحوق العربي حتى في وطنه وكم تمتهن كرامته كل يوم، ولكني تعلمت ايضا حرفة الصحافة وتمكنت منها الا اني لم اجد وقتا اكتب لذاتي. هاجرت الى نيوزيلندا في العام 1995 ومازلت اعيش هناك. الهجرة اطلعتني على حقائق مرعبة اولها اننا نحتاج الى عشرات السنين لكي نعيد ترتيب شخصيتنا بحيث يقبلنا الاخرون. الثانية ان المثقفين وكتاباتهم في واد والناس كلهم في واد اخر. الثالثة ان الانسان عندنا هو فارزة يمكن للكاتب ان يضعها بين السطور او لا. في السنوات الاخيرة تفرغت للكتابة الشخصية بعيدا عن الهم الصحفي، واحتفظ الان برواية مخطوطة ومجموعة قصصية ويوميات اسميتها "يوميات صحفي سائق تاكسي" ومجموعة قصص اطفال بأنتظار غودو عربي صاحب دار نشر يتولى معي طبع ماكتبت دون ان يمد يده طالبا مني العربون قبل الطبع. احلم في سنواتي المقبلة ان اتخصص في الكتابة للاطفال فهم الوحيدون الذين يقرأون.
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.