هل كان لموسى الصدر علاقة بحافظ الأسد؟

الشرق الاوسط: حسن صبرا

قرأت مقالة للكاتب والصحافي الإيراني أمير طاهري، نشرت تحت عنوان «لبنان: استراتيجية حزب الله الخطرة» في جريدة «الشرق الأوسط» الجمعة الماضية.

ولديّ استدراكات على ما كتبه الأستاذ طاهري، مع تقديري لما احتوته المقالة من أفكار وآراء وبعض المعلومات الخاصة بالموقف من حزب الله وعدوانه على الشعب السوري في القصير وغيرها، وهو عدوان كنت أشرت إليه للمرة الأولى في شهر يونيو (حزيران) 2011 أي بعد ثلاثة أشهر من اندلاع ثورة الشعب السوري ضد طاغية سوريا بشار الأسد، وحددت مواقع وجود الحزب المذكور، في إحدى الثانويات في مدينة حمص، وقد أوردت هذه المعلومة عبر مجلة «الشراع» اللبنانية.

ملاحظاتي حول ما ورد من معلومات تخص علاقة رئيس المجلس الإسلامي الشيعي السابق السيد موسى الصدر (اختفى في ليبيا أثناء زيارة لها بدعوة من العقيد معمر القذافي في الفترة ما بين 25 إلى 31 – 8 – 1978) بالرئيس حافظ الأسد.

ولعلني أنطلق من هذه الزيارة لتبيان طبيعة علاقة الإمام الصدر بحافظ الأسد مؤسس السلطة التي أورثها لابنه بشار بعد رحيله في 11 – 6 – 2000.

فقد سمعت من نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام، في مقر إقامته في باريس بعد انشقاقه عن نظام الأسد، أن الإمام الصدر اتصل به قبل قيامه بجولة عربية شملت الكويت والجزائر (وكانت ستشمل ليبيا) بعد تدخل الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين ليستقبل القذافي الصدر، حيث لم يكن بين الصدر والقذافي أي صلة قبل وساطة بومدين.

يقول خدام للكاتب: إن الصدر طلب رأيه في هذه الجولة، وإن نائب الرئيس السوري يومها أبلغ الصدر بأن «سوريا الآن يا سيد في حالة حصار سياسي، والمطلوب من أصدقائها أن يكونوا كلهم معها، وألا يتخلوا عنها في هذه المرحلة، حتى لا يفسر كثيرون قيام صديقها المميز – ويقصد الإمام الصدر – بجولة عربية خارج سوريا بأنه تخل منه عن علاقته معها».

يعني أن خدام نصح الصدر بألا يقوم بهذه الجولة.. لكن الصدر لم يستمع إلى نصيحة خدام، فكانت نهاية جولته العربية هي نهاية حياته قتلا كما يؤكد كثيرون.. في ليبيا.

المهم – وهنا بيت القصيد – أن الصدر كان يزور سوريا دائما.. ويلتقي حافظ الأسد كثيرا جدا.. لكن آخر مرة استقبل فيها حافظ الأسد رئيس المجلس الشيعي الأعلى في لبنان موسى الصدر كانت قبل عام من لقائه المشار إليه مع خدام، وهذا ينفي قول الأستاذ طاهري بأن الأسد لم يستقبل الصدر أبدا.

ما الذي جرى في هذا اللقاء؟

سمعت من مقربين جدا من الإمام الراحل أن لقاء الصدر مع حافظ الأسد كان صريحا بما طلبه الصدر من الأسد.. بأن يتنبه إلى سلوكيات ضباط جيشه وجنوده في لبنان، حيث باتت سلوكياتهم أسوأ بكثير من سلوكيات عناصر المنظمات الفلسطينية الذين كانوا منتشرين في معظم أرجاء لبنان.

قال الصدر للأسد بصراحة: إن الفلسطينيين هم تربية منظمات مسلحة غير منضبطة، لكن الجيش السوري هو جيش منضبط.. ولا يجوز أن تنحدر سلوكياته إلى سلوكيات المنظمات الفلسطينية، مشيرا بكلام اعتبره الأسد جارحا شخصيا له عندما قال: «سيادة الرئيس، إن شعبية ياسر عرفات تدهورت عند اللبنانيين بسبب سلوكيات منظماته المسلحة.. ونحن حريصون على مكانتكم في قلوب اللبنانيين».

غير أن هذا الكلام الصريح والواقعي كان كافيا ليتوقف حافظ الأسد عن استقبال الرئيس الروحي للشيعة في لبنان.. إلى أن اختفى هذا في ليبيا.

نأتي إلى الأهم.

إن حافظ الأسد درج على استقبال موسى الصدر في دمشق اعتبارا من عام 1971.. بعد أن انتخب الأسد رئيسا للجمهورية العربية السورية مسبوقا بفتوى رجال الدين الكبار في سوريا (السنة طبعا) بجواز انتخاب علوي للرئاسة، باعتبار أن المذهب العلوي هو أحد المذاهب الإسلامية التي يجوز التعبد بها (عام 1959 أصدر شيخ الجامع الأزهر الإمام الأكبر محمود شلتوت فتوى بجواز التعبد على المذهبين الاثني عشري والزيدي، وسمح بتدريس المذهب الشيعي في الجامع الأزهر منذ ذلك التاريخ).

وفي أحد اللقاءات بين الأسد والصدر فإن الثقة التي جمعت بينهما دفعت الرئيس السوري لأن يطلب من المسؤول الشيعي اللبناني (من أصل إيراني) بأن يضم علويي لبنان إلى المذهب الشيعي ليكونوا سندا لهم في لبنان.

وقد شكر الصدر طلب الأسد. وبادر بعد عودته إلى لبنان بتجهيز الأمور إداريا ومذهبيا لتطبيق هذه الفكرة.. فأنشأ في مدينة طرابلس حيث الوجود العلوي الأهم في منطقة بعل محسن محكمة شرعية شيعية ليحتكم إليها العلويون اللبنانيون في شمال طرابلس وعكار. وكذلك الشيعة المنتشرون في بعض قرى الشمال.

وعين الإمام الصدر الشيخ خليل ياسين أحد أعضاء الهيئة العلمائية في المجلس الشيعي في الحازمية، قاضيا أول في هذه المحكمة.

لم يرق هذا الأمر لأحد أتباع رفعت الأسد الذي كان ما يزال ذا نفوذ مدمر داخل سلطة آل الأسد في سوريا، وهو علي عيد (نائب سابق في مجلس النواب اللبناني مؤسس الحزب العربي الديمقراطي ويرأسه الآن ابنه رفعت).

قيل يومها إن علي عيد وبطلب من رفعت هاجم المحكمة الشيعية في طرابلس وأطلق النار على من فيها فأصيب بعضهم وهرب الشيخ خليل إلى بيروت.. ولم يعد بعدها إلى طرابلس.. بل إن موسى الصدر أقفل المحكمة حتى لم يعد لها وجود حتى الآن. لكن هذا لم يمنع رفعت علي عيد أن يقف مع اشتداد عدوان إيران وحزب الله على الشعب السوري، من أن يعلن في مؤتمر صحافي أننا لسنا أقلية فنحن جزء من جبهة تمتد من طهران عبر العراق وسوريا ولبنان حتى الضاحية الجنوبية في جنوب بيروت وحتى جبهة جبل محسن في طرابلس.

* رئيس تحرير مجلة «الشراع» اللبنانية

 
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.