نظرة في التاريخ العربي المسيحي

 د. فائز عزيز أسعد (1)

ينبغي التنبيه إلى أنَّ هذا البحث سبقَ نشرُه في مجلة “مسارات”، العدد 14، الصادر في بغداد، العام 2010، تحت عنوان آخر. وقد ارتأت مجلة الفكر المسيحي نشره على حلقات خمس لأهمية موضوعه في المرحلة الراهنة. وارتأى الكاتب أن يكون نشرُه هنا تحت عنوان هو الأقرب إلى صفة البحث العلمي، وقد أجرى عليه إضافات وتعديلات طفيفة، وهو بحثٌ يحتمل، بطبيعته، التطوير والتنقيح الدائمَين.

تمهيد
لم يُكتَب الكثيرُ عن التاريخ العربي المسيحي، والذي كُتِبَ لم يرقَ إلى المستوى العلمي التاريخي المطلوب، باستثناء القليل من الكتّاب، منهم الأب لويس شيخو اليسوعي والأب د. جورج شحاتة قنواتي والأب سمير خليل اليسوعي الذي ركَّز على الجانب الثقافي. وهذا امتدادٌ للنقص في كتابة التاريخ العربي كله. إلا أنَّ هناك طمساً للتاريخ العربي المسيحي، لا يخلو من غرابة بل تساؤل، سواء في كُتب التاريخ العربي أو مناهج الدراسة العربية أو حتّى في “الدراما” العربية، التاريخية منها والمعاصرة.
إنَّ أي كتابة علمية عن تاريخ العرب المسيحيين ينبغي أن تحدِّد، بدقّة مقبولة، أصولهم ومواقع سكناهم وانتشارهم، والتواريخ التقريبية الصحيحة لقبولهم الإيمان المسيحي، والكيانات السياسية التي أسسوها أو ساهموا في تولّي السلطة فيها عبرَ المراحل التاريخية، ودَورهم في الحياة العامة، ومصيرهم الحالي. لقد وجدتُ خبطاً غير مقبول في تحديد من هو “العربي المسيحي”، ووجدتُ في الكتابات التي تطالعنا على مواقع “الإنترنت”، تسرُّعاً وخلطاً لا يمكن قبوله. فمِن رافض لفكرة الوجود العربي المسيحي، وكأنه يرفض التاريخ نفسه، إلى مغالٍ في وصف هذا الوجود، وكأنَّ كلَّ من وجِدَ على الأرض العربية، كان عربياً مسيحياً في الأصل.
لذلك سأحاول أن أُعطي صورة أقرب إلى الواقع، بالقدر الذي توفره المراجع العربية، المسيحية منها والإسلامية، والمراجع اليونانية والرومانية والسريانية التي استندت إليها المراجع العربية، والتي تتسم بدقة أكثر من المراجع العربية نفسها، وهذه هي المفارقة الغريبة.
إنَّ مدخلاً سيكون ضرورياً للحديث عن مَن هُم العرب وأين قطنوا، وما هي عقائدهم وما مستوى حضارتهم. وإنَّ البداية تتناول العرب المسيحيين قبل الإسلام وكيف دخلوا المسيحية، ومتى، وما هي مذاهبهم، وما هي مناطق انتشارهم، وما حضارتهم، وما هي الكيانات السياسية التي أسسوها. وبعد هذا ما هو مصيرهم، وما هو دَورهم في مرحلة المَد الإسلامي حتى سقوط دولة الخلفاء الراشدين، ومن ثَمَّ ما كان واقعهم في ظل الدولتين الأُموية والعباسية، وما آل إليه مصيرهم في ظل الحكم الإسلامي غير العربي حتى بداية القرن العشرين. ومن ثمَّ ما هو دَورُهم في النهضة العربية الحديثة وظهور الحكم العربي الوطني، وأخيراً ما هو واقعهم الحالي وماذا ينبغي أن يكون.
من هنا سيتناول هذا البحث المسائل الآتية:
المدخل: موطن العرب وانتشارهم.
البند الأول: العرب المسيحيون قبل الإسلام.
البند الثاني: العرب المسيحيون في العهد العربي الإسلامي.
البند الثالث: العرب المسيحيون في العهد الإسلامي غير العربي.
البند الرابع: العرب المسيحيون والنهضة العربية.
الخاتمة:
***
المدخـل: موطن العرب وانتشارهم.
اختلف الجغرافيون في تحديد الأقسام التي تشتمل عليها ما يمكن تسميتها “الأراضي العربية”. ولكن طبقاً للاتجاه العام فإنَّ الأراضي العربية الأصلية تحتل مساحة شاسعة مركزها “شبه جزيرة العرب” التي تزيد على مليون ميل مربع، وتمتد من بحر العرب جنوباً حتى أقصى حدود ما يسمى حالياً المملكة العربية السعودية. ويغلب على تكوينها الصحارى والسهول الرملية التي تجرى تحت سطحها المياه، ومنها بادية الشام وبادية العراق “1”. وعلى هذا فالأراضي العربية تشمل نجد والحجاز واليمن وحضرموت ومهرة والبحرين وعُمان والجوف واليمامة والاحساء وأجزاء من العراق ومن بلاد الشام وباديتهما إلى حوران واللجا والصفا والبلقاء والجولان وإلى برية طور سيناء “2”.
ولكن من هم العرب؟.
يكاد يُجمِع الباحثون على أنَّ العرب هم من اكثر الشعوب اقتراباً وتمثيلاً للجنس السامي، الذي ظهر حوالي الألف الرابع قبل الميلاد، وصفاته: الشعر الأسود والوجه البيضاوي والأنف المستقيم أو المحدَّب “3”. وهناك تقسيم للعرب قد لا يتفق عليه المؤرخون ولكنه يبدو وكأنه هو السائد، وهو التقسيم الثلاثي: العرب البائدة الذين لم يصلنا من آثارهم شيء ومنهم قيدار وميديان وعاد وثمود، والعرب العاربة وهم عرب شمال وجنوب الجزيرة العربية ويُعرفون بالقحطانيين، ومنهم سكّان اليمن وحضرموت، وهم العرب المتحضِّرون الذين أنشأوا دول مَعين وسبأ وحمير وتدمر والبتراء والرها. وكان الحميَريون في اليمن يكتبون بالخط المُسند وهو أقدم الخطوط العربية، ومن قبائلهم: جُرهم والأوس والخزرج والغساسنة وقضاعة وأياد وتغلب وعذرة. وسنرى أن العرب المسيحيين، في غالبيتهم، من العرب العاربة. وأخيراً العرب المستعربة وهم عرب وسط الجزيرة العربية، ويُعرفون بالعدنانيين، وهم سكّان الحجاز وتهامة ونجد، وغالبيتهم من العرب البدو الرحَّل”4″.
ديانات العرب.
لقد توزَّع العرب في عقائدهم الدينية، ولكنَّ الغالب عليهم كان عبادة آلهة متعددة أُخذ بعضها من عبادات الشعوب المجاورة بعد تعريب أسمائها، كهُبل وإساف ونائلة وود وسواع والعزّى والفُلس وذو الكعبات واللات ومناة ، بل عبَد بعضهم الظواهر كالشمس والقمر والزهرة، ومنهم من عبَد الجماد كالحجارة البيضاء والسوداء، والنبات كالنخل، والحيوان كالنسر. وكانت القبائل تختص كلٌّ منها في عبادة إله بعينه، وكان البدو الرحَّل يعبدون آلهتهم في الهواء الطلق، أما الحضَر كالحميريين والنبطيين والحيرة وكندة وغسان، فكانوا يقيمون لها أماكن ثابتة دُعيت مساجد وكعبات ولها حَرَم. وكانت هناك عبادات دخيلة كالمجوسية والصابئية الحرانية والمندائية والمانوية “5”.
ومع ذلك كانت عقيدة “التوحيد” أي الإيمان بالإله الواحد، قد تسرَّبت إليهم، ربّما، عن طريق اليهود الذين دخلوا شمال الجزيرة العربية واستوطنوا وسط الجزيرة العربية، وفي مناطق من الحجاز بخاصة، بعد هجرتهم من فلسطين بسبب القرار الروماني بطردهم بعـد فشل ثورتهم على السلطة الرومانية والتي بلغت ذروتها في السنة السبعين للميلاد، وعن طريق الاحتكاك التجاري بمسيحيي الشام والحبشة والبيزنطيين. ومن هنا، ربّما، جاءت عقيدة “الشِرك” التي جمعت بين الإيمان بالله والإيمان بآلهة وثنية تختص كل قبيلة بواحد منها، كعامل تمييز.

البند الأول: العرب المسيحيون قبل الإسلام.
يختلف المؤرخون في تحديد تاريخ دخول المسيحية كعقيدة إيمانية إلى بلاد العرب. ولكنَّ الكتاب المقدس، في العهد الجديد، يشير إلى أنَّ بعضاً من العرب الأدوميين وما وراء نهر الأردن تقاطروا لسماع تعاليم السيد المسيح (متى 4/24 ومرقس 3/7) كما أنَّ السيد المسيح عَبرَ نهر الأردن وتجوَّل في المدن العشر (متى 8/31) وفيهم العرب من أهل المدر. وفي سفر أعمال الرسل (2/41) تحديداً، ُذكرَ وجود عرب بين المجتمعين في أورشليم (القدس) يوم “العنصرة” أي يوم حلول الروح القدس على تلاميذ السيد المسيح في اليوم الخمسين بعد ارتفاعه بحسب وعده لهم، ما يعني احتمال أن يكون هؤلاء أو بعضاً منهم أول مَن نقل الإيمان المسيحي إلى العرب، ويعني أنَّ دخول المسيحية بلادَ العرب كان منذ القرن الأول الميلادي، وفي القرن الرابع الميلادي كانت المسيحية قد انتشرت بينهم. “6”
وتُشير المراجع التاريخية إلى أنَّ التبشير بالمسيحية لدى القبائل العربية تمَّ، أساساً، على يد كنائس المشرق في بلاد وادي الرافدين التي تعتمد اللغة السريانية وكنائس بلاد الشام التي تعتمد بعضها اللغة اليونانية وهي كنائس الروم وبعضها اللغة السريانية وهي كنائس أنطاكيا. كما لا يمكن إنكار دَور كنائس الحبشة أيضاً. ومن هنا نجد أنَّ العرب الذين دخلوا المسيحية لم يؤسسوا “كنيسة عربية” برغم وجود “أُسقفيات عربية”، بمعنى أنهم لم يعتمدوا اللغة العربية كلغة طقسيّة خاصة بهم. وقد يكون هذا واحداً من العوامل التي أضعفت الوجود العربي المسيحي، فلقد اعتمدوا اللغتين السريانية واليونانية في كنائسهم التي هي امتداد للكنائس ذات الطقس السرياني واليوناني ولحد الآن، برغم تعريب طقوسهم لاحقاً. وهذا ما يقود إلى التساؤل عن سبب عدم اعتماد اللغة العربية في كنائسهم، فهل هو بسبب هيمنة الكنائس السريانية واليونانية أم بسبب أنَّ اللغة العربية لم تكن قد ثبتت كلغة مكتوبة حين دخل العرب في المسيحية؟. ولكن لماذا استمر الحال حتى بعد انتشار الكتابة العربية التي كان للمسيحيين قصب السبق في نشأتها؟.
وعلى أية حال فإنَّ دخول المسيحية إلى أرض العرب كان دخولاً متقدماً، أي في وقت يرجع إلى القرن الميلادي الأول، وبطرق مختلفة، وعلى يد مبشرين من كنائس مختلفة وبلغات مختلفة، وهذا ما كان سبباً في انتشار المذاهب المسيحية المختلفة بين العرب المسيحيين كالنسطورية التي وصلت إلى مسيحيي اليمن، في نجران بخاصة، واليعقوبية والمونوفيزية في الشام، إضافة إلى الهرطقات والبدع كالآريوسية والأبيونية وبدعة المريميين التي كان لها وجود لدى بعض نصارى وسط الجزيرة العربية، برغم تحريمها من المجامع الكنسية المسكونية “7”.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ أنظر: د. حسين الشيخ ـ العرب قبل الإسلام ـ دار المعرفة الجامعية، الاسكندرية، ص 59 ـإلى63.
2ـ أنظر: لويس شيخو اليسوعي ـ النصرانية آدابها بين عرب الجاهلية ـ ط2، دار المشرق، 1989، ص3.
3ـ د.حسين الشيخ، المرجع أعلاه، ص 66 إلى 67.
4ـ د. حسين الشيخ، المرجع أعلاه، ص 69 إلى70.
5ـ لويس شيخو، المرجع أعلاه، ص 5 إلى 18.
6ـ لويس شيخو، المرجع أعلاه، ص 19.
7ـ للتفصيل أنظر: الأب د. جورج شحاته قنواتي ـ المسيحية والحضارة العربية ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط2، بيروت، 1984، ص 25 وما بعدها.
“يتبع”

About سرسبيندار السندي

مواطن يعيش على رحيق الحقيقة والحرية ؟
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply