نرجسية الفكر الإسلامي : ـ

يُجمع غالبية المسلمين تقريباً على أنّ الملحد لم يفهم الدين الصحيح ، وأنّ إلحاده إمّا ناجمٌ عن رغبة في تدمير الإسلام نابعة narjمن حقده على رفعة الأُمة وسمو شأنها ، أو أنّ إلحاده ناجم عن جهل ( بصحيح ) الدين أو أنّه رد فعل على الممارسات التي تتم بإسم الدين والدين منها براء ـ حسب زعمهم ـ أو أنّ مرد إلحاده نظريات وقراءات خاطئة للدين الإسلامي على حقيقته ، أو أنّ الملحد مريض نفسي يمر بصدمات إجتماعية أو أزمات جنونية . وبهكذا حجّج يطمئن المؤمن على إيمانه ، كيف لا وقد إمتلك وقبض على ( صحيح ) الدين و أمسك ( بحقيقته ) وأدرك أحابيل الشيطان التي تُلَف حول ( المتشابهات ) من الدين ، حيث يكفي أن تدخل على أحد القروبات التي جعلت همّها الرد عن الملحدين والذّب عن الإسلام حتى تجد فهارس متطاولة تحدثك عن ( شبهات ) الملاحدة والرّد عليها ، حيث تستحيل نقاط النقد وحُجّج الخصم إلى شبهات وطعون .

و كيف لا تتحول أراء الآخر ونقده إلى شبهات شيطانية وطعون تأآمُرية والمؤمن يدخل الحوار وهو مستيقن من أنّ بمعيته مطلق الحق ، وأنّ ما يطرحه الخصم المجادل في الحق هو محض تهيؤات عرضت له وقد زينها الشيطان وجعلها ( شبيهة ) بالحُجّة ، أمّا مجرد إحتمال أن تتحول تلك الشبهة إلى محاجة منطقية فهذا ما هو مستبعد تماماً من ذهنية المحاور المؤمن على تلك القروبات ( وزارات الدفاع الإيمانية ) وكثيرٌ جدا من الكتّاب بما فيهم المحسوبين على التيار التجديدي بالإسلام يُخالجهم ذات الإنطباع عن اراء المخالف، والمخالف الذي يتم التعاطي مع أراءه على هذا النحو التسطيحي قد لا يكون في جميع الحالات ملحداً ، فقد يكون صاحب تصور مغاير للإسلام من داخل حقل الإسلام نفسه لكن وفقاً لمذهب آخر ، فيتم التعاطي مع أراءه بذات منهج الإستبعاد والإقصاء من مجرد إحتمالية الصواب ، وتُعتبر أراءه أراء شيطانية أو ضالة أو تأآمرية من صنع اليهود .

إنظر مثلاً إلى طبيعة الأسماء التي تحملها بعض كتب التراث والتي تتسم بغرور مؤلِّفها وثقته بإمتلاك الحقيقة والهداية وإقصائيته للآخر مثل عدد من كتب إبن تيمية التي تحمل عنوان ( الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ).وكتابه ( معتقدات اهل الضلال ). وكتابه ( بيان الهدى من الضلال) وإلى اليوم لا زالت معظم كتب السلفيين المعاصرين والأصوليين تحمل ذات المسميات التي توحي لقارئها أنّ مؤلِّفها يوزع صكوك الهداية والضلالة على الآخرين بنحوٍ من التعالي والنرجسية ، فمثلاً إنظر إلى عنوان كتاب إبن باز أبرز شيوخ السلفيين ( العقيدة الصحيحة وما يضادها ) وكتاب آخر له يحمل عنوان ( وجوب العمل بسنة الرسول وكفر من أنكرها ) حيث نلحظ بوضوح من عنوان الكتابين ثقة ابن باز بمطابقة عقيدته التي إستخلصها من قراءته للنصوص الدينية للمراد الرباني من تلك النصوص ، دون أن يضع في حسبانه مجرد إحتمالية قصور في تصوره لمعتقده هذا ، بل نجده يُصنف على إثر تلك الثقة في إحتكار الصحة في قراءة النص الديني مختلف مذاهب المسلمين وإجتهاداتهم وقراءاتهم للنصوص ، فيدمغ ما تماشى مع قراءته بالصحة وما تناقض أو إختلف معها لا يدمغها بالخطأ من وجهة نظره ، ولكن بالخطأ المطلق ويتهمها بمضادت العقيدة الصحيحة الربانية والتي هو الممثل الوحيد لها . ولا يشز في هذا خلفه بن عثيميين حيث نجده يُعنوِن مؤلفاته بذات الأسلوب النرجسي ( إزالة الستار عن الجواب المختار لهداية المحتار ) ( بيان الفرقة الناجية ) .

وكما قلنا فإنّ إنعدام ثقافة الإختلاف ، أو ممارسة الصراع الفكري بين مدارس الفكر الإسلامي بآليات الإقصاء والتكفير أو الشيطنة للطرف الآخر لم تقتصر على التيار السلفي وإن كانا نلحظها بإفراطٍ فيه يأخذ منحى العنف المادي ، بل تعدى ذلك الداء السلفية ليُصيب تياراتٍ أخرى غيرها ، فمثلاً نلمح تلك النزعة النرجسية التي تفترض في ذاتها الصحّة المطلقة وإحتكار المراد الرباني من النص الديني ، أو الإنفراد على نحوٍ حصري بفهم الدين كما أنزله الله عند بعض الأصوليين مثل محمد رمضان البوطي الذي ألّفّ كتاباً يحمل عنوان ( الخلفية اليهودية لشعار قراءة معاصرة ) حيث ذهب فيه إلى تخوين عدّد من مدارس الفكر الإسلامي التجديدية والتي تدعوا لقراءة معاصرة للنصوص الدينية وإتهمها بأنّها مشروع يهودي الغرض منه تحريف الإسلام والقضاء عليه ومحاربته عبر الطابور الخامس … الخ .
يُشاطره في هذه الآلية في إدارة الخلافات الفكرية ، أي إدارة الزّج بنظرية المؤامرة اليهودية المفكر الإسلامي الأُصولي ( محمد أبو القاسم حاج حمد ) حيث يقول بكتابه تشريعات العائلة بالإسلام : (( الإسرائليون هم الأصل في تحويل الدين إلى خرافات وأساطير ومفتريات ، وبذلك أضلوا الناس من جانب وأفقدوا بعض الناس إحترامهم للدين من جانب اخر )) حيث نجده في محضر الرّد على التصورات السلفية للإسلام وبدلاً من مناقشة جزورها وإطارها التاريخي الذي نشأت به والعوامل السياسية الداخلية قبل الخارجية التي ساهمت في إنتشارها يختزل السبب الرئيسي في سيادة تلك التصورات وشيوعها في نظرية المؤامرة اليهودية والتي إخذتها منهم الأنظمة المستبدة كذريعة لتبرير قمعها لشعوبها وسلب حريتهم .
وعلى ذات النحو التخويني أو الإخراجي من الملة والإرتهان لخصومها ( اليهود ) نجد كاتب قرآني آخر إسمه ( سامر الإسلامبولي ) يصف الذين يأخذون بالأحاديث المنسوبة للنبي محمد بأنّهم ( عبدة المثناة / المشناة ) في إشارةٍ منه إلى اليهود الذين يأخذون بتعاليم التواراة والتلمود ، وكأنّه يضن على مخالفية الذين قرّروا الأخذ بالأحاديث المنسوبة لمحمد ( بنعمة ) الإسلام ، رغم أنّ القرآن تاريخياً أيضاً يُنسب ( إخبارياً ) لمحمد دون وثيقة تُثبت أنّه بالفعل صحيح النسبة ، تماماً كما الحديث ..
سنجد لسان حال هؤلاء المدافعين عن الإسلام في وجه خصم وهمي إسمه اليهود قد عبّر عنهم عبد الله العروي في كتابه الايدولوجيا العربية المعاصرة حيث يقول : إنكشفت لنا الحقيقة من خلال الرسالة المحمدية ، ثم غابت عنا وهجرتنا ، فغدا تاريخنا تاريخ غبية لم تنتهي ، تستثنى من هذا الحكم السلبي فترة معينة تطول أو تقصر حسب ميول كل مؤلف ويسدل على الباقي سدال الخيانة الحالك من الخونة ، إنّهم كثر ، الأجانب أوّلاً وفي مقدمتهم اليهود الذين لعبوا منذ بداية السيرة المحمدية دور الحسود (( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم بعد ما تبين لهم الحق )) الحسد هنا مفهوم عام ميتافيزقي أكثر منه نفساني ، فإن لم تُجدي نظرية المؤامرة اليهودية فقد تُجدي نظرية الشيطان .
.
والحقيقة فإنّ مفردات اراء شيطانية واراء زجّ بها اليهود في إطار المؤامرة على الإسلام تنتشر على مستوى طروحات كثيرين من المنتمين لمختلف مدارس الفكر الإسلامي من أقصي اليمين السلفي إلى أقصى اليسار التجديدي لا سيّما القرآنيين
انظر في هذا السياق مثلاً إلى الكاتب القرآني الدكتور ( حسن المتعافي ) وهو يستبدل المؤامرة اليهودية هنا بالمؤامرة الشيطانية ويتهم المخالف له في التأويل الديني بالوقوع في أحابيل الشيطان حيث يقول الدكتور: ((القول بالنسخ ليس عليه أي دليل يعتد به، وإنما هو من شر الإلقاءات الشيطانية التي عصفت بالأمة ودفعتها إلى اتخاذ كتاب الله مهجورا )) .
وكذلك الكاتب القرآني الآخر المستشار أحمد ماهر بمقالةٍ له تحمل عنوان ( الشريعة لا تُجيز بتر اليد عقوبةً للسرقة ) يقول : (( لقد فسر الفقهاء والأئمة القطع على أنه بتر، وبتر اليد هو تطبيق فقهي لا ينتمي بحال لإدراك سوي، إنما هو إدراك شيطاني لمعاني ومرامي آيات كتاب الله )) حيث تستحيل هنا قراءة الآخر وتأويله للنص إلى قراءة شيطانية لمجرد أنّ قراءته تُخالف قراءة الكاتب ، صحيح أنّ الكاتب يسوق فيما بعد حجج ليدّعم بها موقفه من تأويله لكلمة ( قطع ) الواردة في النص القرآني إلاّ أنّه ـ وبغض النظر عن مدى صحّة رأيك في قضيةٍ ما حتى ولو كانت علمية لا شعرية أو قرانية تحتمل مئات القراءات والتأويلات ـ لا يمكن أن تتعامل مع الأراء المخالفة لرأيك هذا و الذي هو رأي بشري شأنّه شأن الأراء المخالفة لك يمكن أن تكون صحيحة أو على درجة من الصحة ويمكن أن تكون خاطئة ، أقول بغض النظر عن مدى الإختلاف مع الآخر وعن مدى الثقة بصحّة الذات لكن لا يمكن إتهام رأي المخالف مهما بدا بالنسبة لنا خاطئاً بأنّه رأي شيطاني لمجرد الخلاف معه .

في صدر كتابه ( الإسلام من القرآن ) يتحدث الكاتب القراني الدكتور أيمن محمد قائلاً (( أغلب الناس يجهلون الإسلام من القران وهذا الجهل وإبتداع الباطل يحدث أمام أعيننا حتى في زمننا ….. الغالبية العظمى من الناس لا يعرفون عن الإسلام من القرآن ولذلك لزم تقديم هذا الموضوع من خلال هذا الكتاب المبسط )) هنا نُشاهد نقلة في بنية التفكير الإقصائي ، فنحن هنا إذاً إزاء رسول أو مهدي منتظر يُجدّد للناس دينها الذي ( أُبتُدِعّ ) فيه ، وبصدّد مشروع غير معرفي فحسب ، لكنه رسالي لا ينطق عن الهوى كما هو حال ( الغالبية الجاهلة المبتدعة من المسلمين ) ، وكأني بسيد قطب قد بُعث من جدثه ليُعلن جاهلية الأمة والعصر ويُقدِّم نفسه ومشروعه كخلاص وترياق سحري لهذا البلاء والإبتلاء والفتن والمحن .
ويصل الأمر عند بعض القرآنيين إلى إخراج الآخر من الدين ودمغه بالكفر مثلما فعل الكاتب القرآني الكبير أحمد صبحي منصور وهو يُسمي سلسلة ضخمة له منشورة على موقع ( أهل القرآن ) ب (كفر المحمديين بيوم الدين أساس أسطورة الشفاعة ) . وهو تقريباً ذات ما فعله الكاتب القرآني الآخر أحمد ماهر في مقالةٍ له بعنوان أكاذيب شرعية…..إسلامكم لم يكرم المرأة يقول : (( ليس الخطأ في الإسلام، لكن لأن عندنا من ابتدعوا إسلاما موازيا لدين محمد لكنه لا يلتق معه أبدا، لسبب بسيط إنه إسلام وسوس به إبليس والأبالسة لمن لا يدركون)) .
الباحث القرآني بدر أيضاً يكتب تحت عنوان يحمل إسم خدعة التقويم الهجري يقول في شأن من وضعوا التقويم الهجري (( كان مقصدهم منه هو تضليل أجيال المسلمين بعدهم وتضييع التاريخ الحقيقي لنزول القرآن …. وتضييع مواقيت الأشهر الحرم… أن من قام بوضع هذا التقويم … كان معادياً لهذه الرسالة والنبي الذي جاء بها. فمن وضع هذا التقويم لا يختلف عن من كتب أكاذيب كتب التراث )) . فبدلاً من البحث الموضوعي في الأسباب السياسية أو الثقافية المتعلقة بالحاجة إلى تدعيم الخصوصية الإسلامية والباحثة عن التميز وسط المحيط الثقافي حولها يتم إختيار أسهل الإجابات حول السبب من وارء وضع التقويم الهجري ، وهو بالطبع المؤامرة على الإسلام وطمس مواقيت طقوسه !

إنظر إلى محمد شحرور يقول : ((إن أتباع هدى التنزيل الحكيم في معرفة بداية الخلق يكون بقراءة علوم من سار في الارض وبحث ونقب واقتفى الأثار. أما ما نراه اليوم لدى رجال الدين والقائمين عليه فهو أنحراف عن هدى الكتاب وأتباع وتقليد )) ولا يختلف هنا محمد شحرور وغيره من القرآنيين في طرحهم عن سائر السلفيين بل هو مثلهم أصولي سلفي لسان حاله : لا يصلح حال الخلف الا بما صلح به أمر السلف ، والسلفي كما هو معلوم يحتج على المسلمين بالإسلام وهذا هو شان شحرور وغيره من القرانيين الذي عرضنا لهم أعلاه أيضاً ، إنّهم يحتجُّون على المسلمين بإسم إسلام نموذجي أصولي إسمه ( هدي الكتاب ) أو ( الدين المُصفى من سموم اليهودية ) أو ( صحيح الدين ) … الخ .
من هنا فان خطاب شحرور يبدوا في ظاهره ومنطوقه خطاباً نقدياً تجديداً في حين هو في حقيقته ومنطقه ـ كما قال علي حرب عن النيهوم في كتابه ( نقد النص ) ـ خطابٌ سلفي بل إنّ شحرور هو أشد سلفية من أهل السلف عندما يتحدث عن ( هدي الكتاب ) المفارق للتاريخ والمنفصل عن التطبيق والقراءات التي دارت في فكله أو مجاله ، ذلك أنّ أكثرية السلفيين يقبلون الإسلام كما هو في حقيقته وواقعه ، أي كما تجسد في التاريخ ، و يعتبرون أنّ الشريعة قد طُبِّقت بالرغم من النواقص والأخطاء والمظالم والمفاسد ، لأنّهم يرون أن لا عصمة ولا كمال لأحد في هذا العالم ، فهم لا ينفون إذاً الواقع والتاريخ ، ولا يقفزون فوق الحقائق ، وهم بذلك أكثر واقعيةً وعقلانيةً ، وربّما ديموقراطيةً من شحرور وغيره من اللآفظين لكافة التراث عدا القرآن
فهم يُشهرون سلاح نقدهم بإسم الديموقراطية نفسها والتحرُّر من سلطة السلف ، رغم أنّهم يلغون بشطحات أقلامهم، أي بطريقة سحرية مجريات التاريخ ووقائعه ، حيث يستبعدون من الدائرة الإسلامية معظم ما يتصل بالإسلام من أحداث ونصوص وعلماء ورجالات ، إنطلاقاً من نظرة طوباوية لم تتحقّق في يومٍ من الأيّام ، أقول لم تتحقّق ذلك أنّ المسلم هو في النهاية كائن من لحم ودم يعيش الحياة بغضها وغضيضها ، بأهوائها ومتعها ، بفضائلها ونقائصها ، بفجورها وتقواها ، وهو يُمارس إسلامه بحسب شرطه وظرفه ، وتبعاً لتصوره لدوره ومكانته ، وإنطلاقاً من إرادة قوته ، هذه هي النظرة الواقعية العقلانية للأمور ، وبموجب هذه النظرة نتعامل مع الإسلام بوصفه محصلة أحداثه وتواريخه ، وصنيعة أهله ، لا سيّما منهم العلماء والمفكرون والدعاة ومؤسسوا الدول وقادتها ..
لذلك لا بد أن يكف القرآنيون و الأصوليون أو السلفيون عن ترديدهم لمصطلحات ( صحيح الدين ) أو العقيدة الصحيحة ) أو ( هدي الكتاب المُبتعَد عنه ) أو ( الأصل المُطهّر من دنس اليهود ) أو ( المُنزّه من تزيين الشيطان ) فلا وجود لأسلام مجرد من سياقه التاريخي ، ولا وجود ماهوي له بعيداً عن المفاهيم التي نُسجت حوله والتطبيقات التي طُبِّقت بإسمه ، ولا يحق لتصور إقصاء تصور أو رجمه باليهودية أو الشيطانية أو إتهامه بخبث النية وسوء الطوية ، فكما ذهب علي حرب في كتابه ( نقد الحقيقة ) : النص ميزته الإتساع بحيث يجمع المختلفات ويقبل المتعارضات ، فنجد فيه الناسخ والمنسوخ ، والظاهر والباطن ، والمحكم والمتشابه ، والحقيقي والمجازي ، والمجمل والمفصل ، والعام والخاص ، والواقعي والحلمي ، والحسي والمثالي ، والشاهد والغائب ، والواحد والكثير ، والعقل والنقل ، والأمر والنهي ،والجبر والإختيار ، والتقوى والفجور ، والإلهي والشيطاني .

لا أريد بالطبع أن أتعامل مع إجتهادات القرآنيين أو غيرهم كما يتعاملوا هم مع الغير المخالف ، فهم قطعاً لهم إسهامات معرفية تُعتبر رأس الرمح في مشروع التطوير والتجديد الديني ، فالإشكال لا يتمثل في مضمون الفكر أو نتائج إجتهاداتهم ، فأنا لست هنا بصدّد إثارة قضايا دينية تأويلية أهل الإسلام قد يكونون أدرى مني بشعابها بقدر ما هو متعلق بالمنهجية المتبعة في إستخلاص تلك النتائج وفي الذهنية المسبقة التي يتم الدخول بها في حقل معرفي مهم كذلك الحقل الذي يشتغلون عليه . ذهنية مهيأة للفظ الرأي الآخر وشيطنته .
والحقيقة أنّ القرآنيين فيما بعضهم مختلفون إختلافاتٍ عميقة مثل هيئة الصلاة ومواقيت الحج والصوم ، غير أنّهم لا يصفون الإجتهادت التي تُخالفهم داخل ( عصبيتهم القرانية ) بأنّها شيطانية أو مؤامرة يهودية أو من نسج عناصر تاريخية معادية للإسلام كما يفعلون مع من يأخذ بصحيح البخاري ومسلم وغيرهما من كتب التراث ، وهذا السلوك يُماثل ما يسلكه السلفيين عندما يقولون لكّ بأنّ الإختلاف رحمة وأنّ المجتهد بغض النظر عن صحة إجتهاده فله أجر الإجتهاد ، ولكنهم يحصرون حق الإختلاف في عصبيتهم فيعترفون بالرأي المخالف فقط في الفروع ويضيِّقُون دائرة الحق في الإجتهاد والإختلاف إلى بداهات خطابهم وأساسيات منطلقاتهم ، كما يفعل القرآنيون ، فعندما يختلفون إزاء بعضهم بعضا فالإختلاف مشروع أمّا مع غيرهم فالمخالف شيطاني ويهودي ، فالسلفيون كذلك يحصرون الإجتهاد في من له شروط الإجتهاد التي يُحدِّدونها هم مسبقاً ، ويقيدون الإجتهاد بسقف النص أو قياساً عليه ، ويمنعون الإجتهاد إن وجد النص ، وهكذا في معظم أنماط الخطابات الدينية السائدة نجد أنّ الإجتهاد يحضر من الباب ليُغادر بالشباك
.
وهنا تتجلى بعمق أزمة ثقافة الإختلاف فالسلفي الجهادي يُكفِّر الآخر والتجديدي يُشيطن أفكاره ، فبالتالي لا فرق بينهما على مستوى التعاطي مع المخالف إلاّ من حيث الكم ( كم الإقصاء ) ، لا من حيث الكيف ( كيفية التعامل مع الآخر ) ، فالسلفي تصل درجة إقصائه للآخر حد القتل أحياناً والتجديدي تصل درجات الإقصاء عنده حد رجم الآخر بالشيطانية أو التآمرية .
ما أريد أن أخلص إليه من عرضي لتلك النماذج هو أنّ للإسلام أكثر من تصور يدّعي كلّ صاحب تصور فيه أنّه صاحب الحق وأنّه ممثل الفهم المطابق لمراد الله ، وأنّ غيره إمّا أنّ فهمه خاطئ أو شيطاني أو يهودي ، وهنا ينبثق التساؤل : هل القول بأنّ الملحد لم يفهم الإسلام على نحو صحيح هو يحمل دلالة بعينها أم أنّه مجرد كلام غامض ومبهم ويحتمل أكثر من وجه أو قراءة ، هل هو يعكس حقيقة موضوعية أم يعكس أوهام صاحبه ـ صاحب القول ـ ونرجسيته المُستمدة من مزاعم وتهيؤات القبض على ( المرآد الرباني ) ؟
نحن إذاً إزاء أكثر من تصور للإسلام يعتقد كلّ صاحب تصور أنّ ما عداه تصوُّرات شائهة وخاطئة للإسلام على أحسن الفروض وعلى أسوئها تصورات شيطانية وحاقدة ومغرضة هدفها النيل من الإسلام ، ورغم ذلك فالملحد هو المخطئ لأنّه فهم الإسلام على نحو خاطئ بدوره ، رغم أنّ هذا هو ما يفعله جميع المسلمين بالنسبة لجميع المسلمين : يفهمون الإسلام علو نحوٍ خاطئ . في الإسلامذاته إذاً إختلافات جذرية حول ماهية الإسلام ، ورغم ذلك نرجسية وتعالي وفوقية مبالغٌ بها يُعامل بها الملحد الذي لا يعرف ( صحيح الدين ) الذي لا يعرفه إلاّ قائل عبارة : هذا صحيح الدين على حد تعبير أحد الأصدقاء . .

فما ما هو الاسلام ؟ هل يوجد إسلام واحد ؟ يوجد في الحقيقة عدّد من التصورات السائدة والمتناقضة مع بعضها البعض عن الإسلام ، ولا أملك لا أنا ولا غيري الحق في إخراج إنسان عن أرومة الإسلام بدعوى قبضي على صحيحه ، فالنصوص الدينية فضاءات وإمكانيات مفتوحة للقراءات والتأويلات المختلفة ، وأنا كملحد أنتقد تلك التصورات التي أجدها تتناقض وأفكاري وقناعاتي ، بغض النظر عن مدى نسبتها للإسلام عند هذا أو ذاك ، فالفكرة عندي منتسبة للإسلام ومعبرةً عنه طالما زعم صاحبها ذلك وساق لها النصوص لإثبات نسبتها تلك ، لكن إلي أيّ إسلامٍ تنتمي ؟ إلى إسلام قائلها ، لذلك لا أميل على الصعيد الشخصي إلى التعميم عندما أكتب عن الإسلام ، وفي الغالب تجدني أوجِّه كتاباتي المتواضعة لتيارٍ بعينه ( قرآني ، سلفي ، أصولي ، جهادي … الخ ) فكلّ هؤلاء مسلمين ، وكلّ هذه التيارات تُعبِّر عن إسلامٍ بعينه ، هذا لا ينفي وجود ملحدين يتعاملون مع الإسلام بذات الشكل الإقصائي ، حيث يعجزون أو يكسلون عن نقد التصورات التجديدية للإسلام فيزعمون بأنّهم بدورهم قبضوا على معنى الدين وهو الوهابية كي يسهل نقدهم للإسلام ، وهذا سلوك من الناحية المعرفية يُماثل الزاعمين بوجود إسلام ماهوي مجرد أحادي وما عداه هو خارج الإسلام كحال أحد الملحدين الذي قال لي : الوهابية هي الإسلام الحقيقي كما أنزل على الرسول ؛ باقي المذاهب هي مجرد محاولات بائسة لتلميع وجه الاسلام القبيح..!.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
معاً ضد كلّ سلطة ظلامية تمنع العقل الإنساني من الوصول إلى نور الحرِّية حباً في الإستبداد وتعلقاً بالسيطرة !

محمد ميرغني – مفكر حر

About محمد ميرغني

محمد ميرغني ، كاتب ليبرالي من السودان ،يعمل كمهندس معماري
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

1 Response to نرجسية الفكر الإسلامي : ـ

  1. س . السندي says:

    ماقل ودل … بشى من المنطق والعقل ؟

    ١: كيف يستقيم الظل والعود اعوج ، وكيف يستقيم صراط دين أعور واعرج ؟

    ٢: كيف يصلح دين قوما، نبيهم صادق أمين وربه خير الماكرين ؟

    ٣: مصيبة غالبية المسلمين انهم لايقراوون ، وان قراؤ لا يفهمون ً وان فهمو تخذلهم الشجاعة في قول الحقيقة ؟

    ٤: ليغرد القرآنيون كما غيرهم فالحقاىق اليوم أسطع من ان تحجبها او تلمعها غرابيل المدعين ، سلام ؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.