كما تدين تدان

كما تدين تدانمفكر71 (2)
توفيق طالب هندسة غادر قريته النائية الى المدينة ليدرس في كلية الهندسة حلمه وحلم اسرته الفقيرة المتعبه درس في سنواته الاولى على حساب والده الفلاح البسيط وعندما توفي والده لم يكن امام والدته المسكينة سبيلا سوى بيع قطعة الارض الوحيدة التي يملكونها ليستكمل توفيق دراسته الجامعية على حساب بقية اخوته الذين اكتفوا بما تيسر لهم من تحصيل في محيطهم والتحقوا بالعمل مبكرا لسد احتياجات الاسرة التي كان عدد افرادها تسعه اكبرهم توفيق
توفيق لم يحضر جنازة والده واعتذر لأن الامتحانات على الابواب ولم يعلن الحداد ولم يعلم احد من رفاقه حتى المقربين منه أن والده توفي
تخرج توفيق من كلية الهندسة وتزوج فتاة من عائلة ارستقراطية لم يكن هم العائلة البحث في تاريخ العريس ونسبه وحسبه كان يكفي انه مهندس في تلك الايام والاهم أن تتزوج ابنتهم قبل أن يدركها قطار العنوسة فلقد كان حظها من الجمال ليرى بالعين المجردة
لعبت الزوجة دورا جوهريا في ابعاد توفيق اكثر عن اهله ومحيطه الاسري مرت السنون ورسائل الام تحرق او تمزق قبل ان تقرأ كانت تتوسل الى القريب والبعيد انها لا تريد سوى أن ترى توفيق بكرها وفلذة كبدها
رزق توفيق بولدين شاب و فتاة واختار لولده اسم غير اسم والده الذي دأب رفاقه ايام الصبا ينادوه به أبو مصطفى فسمى ولده فادي وكان يمتعض هو وزوجته عندما يناديه احدهم ابو مصطفى بدلا من ابو فادي الاولاد لا يعرفون شيئا عن عائله ابوهم الى أن وصلت برقية من اخوه يقول له فيها : أمك في المستشفى في ايامها الاخيرة وليس على لسانها سوى توفيق ارجوك احضر ولو ساعة
دار في المنزل نقاش طويل بارد وهادئ بين توفيق و زوجته الحسناء كانت المدام مصرة على أنه لا داع لذهابه وبعد وقت طويل تم التوافق بينهما على ان يذهب و ذهب توفيق الى القرية ليصل متأخرا فلقد دفنت والدته قبل وصوله بيومين ولم يسمح له اخوته بحضور العزاء وطلبوا منه ان يعود من حيث أتى
وقفت أخته عند الباب تمنعه من الدخول قائله : ليس لدينا ارثا كي نتقاسمه ومن كانت تسأل عنك لم تعد موجودة لقد رحلت تغتسل بدموعها حسرة على لقائك عد يا توفيق الدنيا كما تدين تدان
عاد توفيق ادراجه الى بيته وخيم عليه حزن شديد لم تستطع زوجته اقناعه بأنها اقدار وأنت لبيت رغبة امك ولكن الله استعجل بوفاتها
لم يخرج توفيق من كآبته هذه سوى خبر اختطاف ولده الوحيد فادي من جهة مسلحة مجهولة في خضم الفوضى التي تعيشها البلاد اصيبت الام بانهيار عصبي نقلت على اثره الى المستشفى وتوفيق اصبح كالمجنون يتخبط يمينا وشمالا وعندما اتصل به الخاطفون طلبوا فدية كبيرة لم يتردد توفيق بالموافقة قدم للخاطفين كل ما يملك وضع المال في حقيبة سوداء وسار وفق تعليماتهم التي كان يتلقاها من خلال هاتفه الجوال ليضع الحقيبة ويعود منتظرا الافراج عن فادي
عاد توفيق ولكن لم يعد فادي وتمر الشهور وتوفيق ووالدته حبيسة سرير المستشفى ينتظرون فادي الذي ذهب و ذهب معه كل ما جمعه توفيق من حصاد سنين عمره لم يعد فادي والأرجح أنه لن يعود فلقد وصل خبر أن الخاطفين اجهزوا عليه لأنه تعرف عليهم واصبح من المتعذر اطلاق سراحه
قد يبدو أنه من المؤسف أن يدفع شاب ثمن عقوق الاب لابيه وامهم ولكنها مشيئة القدر أن يتذوق توفيق مرارة الحرمان التي عانت منها والدته بلا ذنب ولا خطيئة سوى أن لدى ولده عقدة نقص من بيئته القروية يأنف منها
لم يعد توفيق يذكر سوى ابنه فادي و كلمات اخته وهي تقف بوجهه في منزل العائله بالقرية تمنعه من الدخول قائله : كما تدين تدان
نفوس وضيعة كتلك لا تبني مجتمعا يعول عليه

About جميل عمار -جواد أسود

كاتب سوري من حلب
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.