كلمة د. وفاء سلطان في مؤتمر الأقباط في كاليفورنيا

وفاء سلطان

الأخوة الحضور:

أسعد الله أوقاتكم

أنا أعرف مقدار حبّكم لي، لكنني أريد أن تعرفوا مقدار حبّي لكم. إن مصدر حبّي لكم هو تقديري الكبير لجهود ومواقف الأخوة الأقباط في الدفاع عن حقوقهم المغتصبة منذ ظهور الإسلام. هم الأكثر شجاعة وإصرارا بين جميع الأقليات في الدول الإسلامية بما فيها الأقليات المسيحية الأخرى. لقد تسربلت الأقليات الأخرى بالخوف والجبن، وإلى حد ما أستطيع أن أتفهم مواقفهم فالإرهاب الإسلامي أقرب إلى عيونهم من بياضها إلى سوادها.

نحن اليوم نعيش في الزمن الأكثر ملائمة لأن نقف يدا واحدة ضد هذا الإرهاب بعد أن صار مفضوحا للعالم كله. لقد تجاهل العالم كله قضية الإرهاب الذي مورس على الأقليات في العالم الإسلامي ولمدة أربعة عشر قرنا، ولكن عندما وصل هذا الإرهاب إلى عقر ديارهم انتفضوا وأدركوا خطورة الأمر.

كان من المحزن جدا أن تتجاهل الولايات المتحدة الأمريكية قضية ذلك الإرهاب حتى دفعت الثمن غاليا عندما قتل أكثر من ثلاثة آلاف أمريكيّ في مجازر الحادي عشر من سيبتمبر.

البعض من الأمريكيين والغربيين عموما، وللأسف الشديد، مازال يقلل من خطورة الوضع، ونأمل أن لا يحتاج هذا البعض إلى مجزرة أخرى كي يستيقظ من غفوته.

وهنا تكمن مسؤوليتنا كبشر ولدنا وعشنا في عالم إسلامي وندرك تماما الطبيعة الإرهابيّة للتعاليم الإسلامية، تكمن تلك المسؤولية في رفع مستوى اليقظة لدى تلك الشعوب وإعلامها بما نعلم كي لا تعاني كما عانينا ولكي تتعاضد جهودنا مع جهودهم فنكون معا أقوى وأكثر قدرة على إنقاذ العالم كله من مغبة الوقوع فريسة لذلك الإرهاب.

نحن هنا لسنا ضد المسلمين، ولا يمكنني شخصيا أن أكون، فهم أهلي وهم أبناء الوطن الواحد. يحقّ لهم حياة كريمة كما يحقّ لكل إنسان على سطح الأرض.

لكننا ضدّ التعاليم التي وقعوا هم أنفسهم ضحيّة لها، وعليهم أن يفرقوا بين أنفسهم كبشر وبين تعاليمهم التي أحطت من إنسانيتهم.

هناك قول لأحد المفكرين الأمريكيين: أملك الحق أن ألوح قبضتي حتى حدود وجهك!

وأنا عندما ألوح قبضتي في وجه التعاليم الإسلامية التي تحض على الإرهاب لا أبغي من قريب أو بعيد أن أنال من وجوه المسلمين. فالإسلام في مفهومي له ليس هم وهم ليسوا الإسلام. وعلينا جميعا أن نميّز بين وجوهنا وبين جهازنا الفكري والعقائدي.

يحق لكل إنسان أن ينتقد الجهاز العقائدي لي ولكم ولهم، ولكن لا يحق لأي إنسان أن يهدّد حياة الناس الذين ينتقدون.

للأسف الشديد معظم المسلمين عاجزون عن التمييز بين الإنسان كإنسان وبين جهازه الفكري أو العقائدي. تصلني يوميا عشرات التهديدات بالقتل من هنا ومن هناك، وملايين الشتائم والإتهامات التي تحاول أن تنال من سمعتي ومن شخصيتي ومن كياني الثقافي والفكري والمعرفي.

بالتأكيد لا تلستطيع تلك الشتائم والإتهامات أن تنال منّي شيئا، لكنها تترك لديّ إنطباعا بالحزن على إفلاسهم الثقافي والفكري والمعرفي!

من يملك المعرفة والثقافة والفكر يواجه الناس بها، ومن لا يملكها يشتم ويتهم ويهدد بالقتل.

مرّة يتهمونني بأنني عميلة لليمين المسيحي المتطرف ومرّة بأنني عميلة لليهود، وبأنني أتقاضى أموالا كي أقول ما أقول.

عندما وقفت على شاشة تلفزيون الجزيرة وأمام ملايين العرب، لم أكن أعرف مسيحيا واحدا من اليمين المتطرف، ولم أكن أعرف يهوديا واحدا معنيا بكتاباتي ونضالي. الجزيرة قدمتني للعالم على طبق من ذهب. خاطرت بحياتي من أجل كل من عانى من الإرهاب الإسلامي ولم أكن أتوقع يوما أن يسمع بي أحد خارج نطاق المتكلمين بالعربية. لقد تبنّتني قناة عربيّة إسلامية قبل أن يعرفني العالم، وهم الآن يتهمونني بأنني عميلة للغير قبل أن يعترفوا بأنني وصلت إلى ذلك الغير من خلالهم شاؤوا أم أبوا.

هنا أنتهز الفرصة لأقول لهؤلاء المفلسين أخلاقيا وفكريا: نعم أنا مسيحية عندما يتعلق الأمر بإضهاد أي مسيحي في البلاد الإسلامية، وأنا يهودية عندما يتعلق الأمر بوصم اليهود بالقردة والخنازير وعلى مدى أربعة عشر قرنا دون رادع من ضمير أو وازع من عقل.

أنا سريانية منذ أن طمست الحملات الإسلامية حضارة السريان، وأنا أمازيغية منذ أن اجتاحت جحافل الإسلام بلاد الأمازيغ ووصمتهم ظلما وعدوانا بالبربر. أنا كردية منذ أن ’ظلم أول كرديّ بإسم العروبة وتحت راية الإسلام. أنا شيعية عندما يفجر إرهابي نفسه في مسجد للشيعة، وأنا سنية عندما ’يقتل سني في بغداد لمجرد أنه سنيّ.

أنا الإنسان أيّ أنسان في أيّ زمان ومكان، وتصبح قضية أيّ انسان قضيتي عندما تكون قضية عادلة وتتعلق بحقوقه وكرامته وإنسانيته.

أنا باختصار كل مظلوم وكل من يدافع كي يرفع ظلما!

………………..

يتسلح بعض المسلمين بحجة إنّ بقاء المسيحيين والأقليات غير المسلمة على قيد الحياة في البلاد الإسلامية هو دليل قطعي على تسامح وعدالة الإسلام. هذا هو للأسف الشديد مفهومهم للتسامح والعدل.

اجتاحوا بلادهم وقضوا على ثقافاتهم وأجبروا الكثيرين من آبائهم وأجدادهم على اعتناق الإسلام تحت حدّ السيف، ولكن طالما لم يبيدوهم عن بكرة أبيهم يعتبرون أنفسهم عادلين ومتسامحين.

الحياة لا تقاس بقدرة الإنسان على تنفس الهواء، بل تقاس بقدرته على تنفس الحرية.

فأية حريّة تتنفس تلك الأقليّات منذ ظهور الإسلام؟

عشت في بلد إسلاميّ ثلاثين عاما، كان الجار الملاصق لبيتنا مسيحيّا وكان بعض زملائي في المدرسة مسيحيّين، لكن لم أسمع طيلة حياتي هناك شيئا عن العقيدة المسيحية وعن التعاليم المسيحية سوى الإتهامات والشتائم التي لا تحمل شيئا من إحترام. لم أقرأ في حياتي، وكنت شغوفة جدا بالقراءة، عنهم شيئا ولم أسمع برنامجا إذاعيا يحكي عن ثقافاتهم وتعاليمهم. كانوا ولم يزالوا سجناء في عقر ديارهم.

حتى تاريخ اليوم الذي وطأت به قدمي أرض أمريكا، ورغم أنني جئتها سيدة ذات تحصيل علميّ عاليّ، كنت على قناعة مطلقة بأن لليهود وجوه القردة والخنازير!

هذا عن المسيحيين واليهود، ناهيك عن الأقليات الأخرى التي يخاف أتباعها أن يتنفسوا حتى الهواء.

…………………

المسلمون اليوم أمام أكبر تحدّ يواجه الإسلام في تاريخه. وفي محاولة يائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سمعة الإسلام يلقون باللوم على أنفسهم، ويدعون بأنهم هم الذين أساؤوا فهم تلك التعاليم والخلل يكمن في ممارستهم الخاطئة للدين وليس في الدين نفسه.

لا أفهم كيف يستطيع مسلم أن يقرأ الآية التي تقول: يا آيها النبي حرّض المؤمنين على القتال…

ثم يخطأ فهم تلك الآية!

وإن أخطأ الإرهابيون مفهموم ما جاء في القرآن والأحاديث من دعوة صريحة وواضحة إلى قتال كل من لا يؤمن بالإسلام، كيف يستطيعون أن يخطأوا فهم أعمال وتصرفات رسول الإسلام. فالعمل دائما أقوى من القول.

لقد أمر محمد أتباعه بقتل امرأة مسنة بأبشع طرق القتل. ربطوا رجليها بجملين وساقوهما باتجاهنين متعاكسين. كانت جريمتها الوحيدة أنها هجت رسولهم ببيتين من الشعر! كيف يستطيع المسلم أن يخطأ فهم هذا التصرف، وقد أجبره الإسلام أن يتخذ من رسوله اسوة حسنة؟!

المسلمون اليوم ملزمون بمواجهة تلك الأسئلة والإجابة عليها. لم يعد في مقدورهم أن يتجاهوا أسئلتنا، وعلينا في كل محفل وفي كلّ فرصة أن نواجههم بها كي لا نطيل زمن تجاهلهم.

……………………..

أعزائي الحضور

العالم اليوم يعيش في زمن غير عادي وخطير للغاية، ولذلك على كل انسان فينا أن يواجه مسؤولياته تجاه ما يجري. علينا أن نعلب دورا فعالا حيال الأحداث الإرهابية التي تواجه أمن وسلامة البشرية.

لا احد فينا يستطيع بعد اليوم أن يتجاهل خطورة الأمر. فالعالم اليوم قرية صغيرة وليس أحد من تلك القرية في مأمن.

المشاركة في الحرب على الإرهاب مهما كانت ضئيلة هي عمل نبيل يخدم البشرية جمعاء. مشاركتكم في ذلك المؤتمر دليل على إلتزامكم بتلك المسؤوليات وهي أضعف ما يمكن أن يتوقع العالم منكم.

أنتم لستم أقلية في مصر. من يتسلح بالحبّ يمثل الأكثرية، ومن يرفض القتل والإرهاب ينتمي إلى الإنسانية وليس فقط إلى طائفته وعليه أن يرى ويقيّم إنتمائه من خلال هذا المنظور.

من يحترق بأسيد الحقد منذ نعومة أظفاره، لن ينعم برحمة الحبّ ولن يتعلم أن يحبّ نفسه.

وهذا هو جوابي على سؤال يواجهني به الأمريكان دائما: لماذا يقتل الشيعة والسنة أنفسهم؟ أجيب ببساطة لأنهم تعلموا الحقد على عدوهم قبل أن يتعلموا كيف يحبون أنفسهم!

من يتعلم الحقد أولا لايستطيع أن يتعلم الحبّ لاحقا. ومن يتعلم الحبّ أولا لن يستطيع أن يحقد لاحقا.

القلب الذي يحب عدوه يحب نفسه، والقلب الذي يحقد على عدوه لايستطيع أن يحب أقرب المقربين إليه.

اجعلوا المحبة سلاحكم، حافظوا على حياة الغير كما تحافظون على حياتكم، ولكن إياكم أن تسمحوا لهذا الغير أن يغتصب حقوقكم، فالمحبة لا تعني الإنبطاح تحت أقدام من لا يعرفون إلى سحق البشر بأقدامهم.

التصقوا بقضيتكم وتمسّكوا بمحبتك. القوي هو من يتسلح بالمحبة والضعيف هو من يتسلح بكل ما يتاح له من وسائل القتل والإرهاب.

العنف سلاح العاجزين والمحبة تاج على رؤوس القادرين. البسوا تيجان المحبة فهي دروعكم، وستكون قادرة عاجلا أم آجلا على استرداد كل ما اغتصب من حقوقكم.

شكر لكم ولجهودكم وشكرا لهذا البلد الآمن الذي فتح لنا ابوابه وأغرقنا بكرمه ومحبته. الهزيمة للإرهابين والنصر لمن يحمي ويقّدر حق الحياة.

God bless you all

وفاء سلطان (مفكر حر)؟

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.