كرامتنا منكم يامرثا

محمد الرديني

منذ ايام واعناقنا مشرئبة نحوكم، وسمعناكم تقولون مالم تقله شعوب اخرى..شعوب خانعة رضت بالجوع والبطالة واللطم والنواح وكانهم في ماتم يمتد 365 يوما بالسنة.

بعض شبابكم نام بين القبور ولكن بعضنا يفتش في القمامة عن شي يسد به رمقه.. بعض اطفالكم يتسولون عند اشارات المرور ولدينا ٥ ملايين طفل لايعرفون القراءة والكتابة فقط وانما امتهنوا بيع المخدرات بين طلاب المدارس.

لم نسمع ان وزيرا من وزرائكم سرق دولارا واحدا الا فيما ندر وعندنا يسرقون في وضح النهار وصاجبنا المسؤول يمارس هواية جمع الملفات لاظهارها في الوقت المناسب.

ويقولون عندنا ماهي حكاية دستوركم الذي اوجعتم به رؤوسنا.. رؤوسنا التي كتبت دستورنا في اقل من اربع ساعات وعلق على الرف من رفوف المتحف البغدادي.

حين ثرتم على الملك فاروق جهزتم له باخره لتقله الى مالطا حسب رغبته وحين ثرنا على الملكية قتلنا كل العائلة حتى الطفل الرضيع.

لم تلطموا على واحد من الائمة ولكننا نلطم طيلة ٣٦٥ يوما .. نلطم حتى في اعياد ميلاد بعض الرموز الدينية ولاندري كيف يمكن التفريق بين العزاء واعياد الميلاد.

امس يامرثا اراد احد الاصدقاء ان يتزوج في لوس انجلوس في امريكا ودعا اصحابه لحضور حفل زفافه فلم يلب ولا واحد دعوته وعاتبوه لانه يحتفل في ايام زيارة الاربعين وهذا منتهى الحرام.

كم كنت اتمنى ان تعرفي معنى المثل المشهور “الديك بنص الخر.. ويعوعي” .. انه الديك الذي يقف فوق الزبالة ويصيح على دجاجته… قطعا انه ليس بلا احساس فقط ولكنه لايراعي حتى شعور دجاجته وهو يدعوها وهو فوق الزبالة.

رأينا ساحة التحرير عندكم كم نظيفة بناسها المؤيدين والمعارضين وياليتكم ترون شارع الرشيد ومعروف الرصافي وبوابة اكاديمية الفنون الجميلة وشوارع الصليخ وبغداد الجديدة والزوية.

لم نسمع بان وزرائكم يكذبون بل يقولوا ما يؤمنون به حتى ولو لم يرض الناس عنه..انه رأي والناس احرار فيما يسمعوه ولكن عندنا الكذب سلعة تباع في المحلات ليل نهار وباسعار تنافسية .

مسؤوليكم بشر وليسوا ملائكة.. بعضهم يطمع بالسلطة والبعض الآخر يطمع بالجاه والبعض الثالث يحلم بربح ورقة اليانصيب.

هل لديكم علب مكتوب عليها الشاي المعطر وحين تفتحوها تجدون طحين التراب الاسمر.

هل لديكم وزير او مدير عام لديه ٤ فلل في دبي وقصر في ضواحي لندن واسواق تجارية في تايلاند.

انكم بطرانين ايها السادة اذ تحتجون على فقرات من الدستور حتى ان اطفالنا يضحكون حين يروكم في ساحة التحرير وانتم تصارعون قوى تسموها قوى الظلام.

تعالوا هنا لتجدوا دستورنا يرفع شعار كل عن المعنى الصحيح محرف..ولم نحتج ولماذا نحتج ونحن ناكل القيمة والهريسة مجانا ونوفر رواتبنا ليوم الضيق.

صحيح لديكم اطفال لايجدون قوت يومهم ويتسربون من المدارس وامراضهم لا تحصى ولاتعد ولكنه أمر طبيعي في بلد من بلدان العالم الخامس ولكنه ليس مألوفا في بلد ينام ناسه على اطنان من الذهب الاسود وميزانيته ١٢٠ مليار دولار وهي الميزانية التي تعادل ضعف ميزانيتكم.

اننا نقف احتراما لجيشكم الذي لم يطلق رصاصة واحدة بوجه المتظاهرين ولدينا الشرطي مستعد لقتل اي حامل كاميرا تصوير.

حين يخطا وزيركم فسرعان مايقدم استقالته وحين يخطا وزيرنا فانه يرمي كل الذنب على الشعب الاعرج.

رغم معاناتكم من الحكم الديكتاتوري الذي انهك فقرائكم ولكنكم ارسيتم تقاليد ديمقراطية عمرها الان اكثر من مائة عام اما ديمقراطية مجلس البرطمان عندنا فهي ديمقراطية الكفوف الراجديات .

عندنا الديمقراطية هي ان نركض عشرات الكيلومترات نحو المجهول حتى ان بعضنا لايعرف لماذا وانما يركضون مع الراكضين كما كانوا يصفقون مع المصفقين منذ عشرات السنين.

حتى ولو حكموكم من تسموهم بالاخونجية فهم لهم مرحلتهم التي سرعان ما تنتهي اما من يحكمونا فهم مجموعة من اللصوص شعارهم “اخذناها وبعد ما ننطيها”.

لايغرنك هذا الكلام فنحن نستمد كرامتنا منكم لاننا ببساطة جبناء وانا واحد منهم.   تواصل مع محمد الرديني فيسبوك

About محمد الرديني

في العام 1949 ولدت في البصرة وكنت الابن الثاني الذي تلاه 9 اولاد وبنات. بعد خمسة عشر سنة كانت ابنة الجيران السبب الاول في اقترافي اول خاطرة انشائية نشرتها في جريدة "البريد". اختفت ابنة الجيران ولكني مازلت اقترف الكتابة لحد الان. في العام 1969 صدرت لي بتعضيد من وزارة الاعلام العراقية مجموعة قصص تحت اسم "الشتاء يأتي جذلا"وكان علي ان اتولى توزيعها. في العام 1975 التحقت بالعمل الصحفي في مجلة "الف باء" وطيلة 5 سنوات كتبت عن كل قرى العراق تقريبا ، شمالا من "كلي علي بيك" الى السيبة احدى نواحي الفاو. في ذلك الوقت اعتقدت اني نجحت صحافيا لاني كتبت عن ناسي المعدومين وفشلت كاتبا لاني لم اكتب لنفسي شيئا. في العام 1980 التحقت بجريدة" الخليج" الاماراتية لاعمل محررا في الاخبار المحلية ثم محررا لصفحة الاطفال ومشرفا على بريد القراء ثم محررا اول في قسم التحقيقات. وخلال 20 سنة من عملي في هذه الجريدة عرفت ميدانيا كم هو مسحوق العربي حتى في وطنه وكم تمتهن كرامته كل يوم، ولكني تعلمت ايضا حرفة الصحافة وتمكنت منها الا اني لم اجد وقتا اكتب لذاتي. هاجرت الى نيوزيلندا في العام 1995 ومازلت اعيش هناك. الهجرة اطلعتني على حقائق مرعبة اولها اننا نحتاج الى عشرات السنين لكي نعيد ترتيب شخصيتنا بحيث يقبلنا الاخرون. الثانية ان المثقفين وكتاباتهم في واد والناس كلهم في واد اخر. الثالثة ان الانسان عندنا هو فارزة يمكن للكاتب ان يضعها بين السطور او لا. في السنوات الاخيرة تفرغت للكتابة الشخصية بعيدا عن الهم الصحفي، واحتفظ الان برواية مخطوطة ومجموعة قصصية ويوميات اسميتها "يوميات صحفي سائق تاكسي" ومجموعة قصص اطفال بأنتظار غودو عربي صاحب دار نشر يتولى معي طبع ماكتبت دون ان يمد يده طالبا مني العربون قبل الطبع. احلم في سنواتي المقبلة ان اتخصص في الكتابة للاطفال فهم الوحيدون الذين يقرأون.
This entry was posted in الأدب والفن, فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.