عربي يحب جمال عبد الناصر

ظلّت ثنائية التحرر من الاستعمار وإحياء القومية العربية من جهة، ومسألة الحرية والديمقراطية من جهة أخرى، قضيتان تطاردان تاريخ جمال عبد الناصر من قبل فريقين؛ الأول: مؤيدوه الذين يرونه عراّب التحرر العربي وناقل القومية العربية من صفحات الكتب وألسنة المفكرين القوميين إلى مؤسسات الدولة والمجتمع، والمقدِم على أول وحدة عربية في العصر الحديث بين مصر وسوريا، فولج حبُ هذا القائد لقلب كل عربي مؤمن بوحدة العرب وعزتهم من النخبة وعامة الناس. والثاني: فريق معارضيه الذين قيّموا جمال عبد الناصر من خلال القضية الأخرى، ورأوا في قمع الحريات السياسية وإقصاء المعارضة ومحاربة الديمقراطية مأخذا أساسيا على جمال عبد الناصر كشخص ومرحلة.
وقبل مناقشة أفكار الفريقين وكمنطلق منهجي؛ نرى أن الحياد في تقييم الشخصيات التاريخية ليس إلا هروب من إعلان موقف عن هذه الشخصية أو تلك، والدبلوماسية ليست اللغة الملائمة للتأريخ؛ فما جرى في التاريخ من أحداث وأدوار الأشخاص المؤثرين في تلك الأحداث محفوظة في الأرشيف، وتناولها من أدراجها وفتحها يقتضي إصدار حكم عليها؛ فليس بعد البحث والمداولة إلا الحكم. وهي بالطبع أحكام قابلة للتدقيق والطعن باستمرار.
وبدءاً بمناقشة أفكار الفريق الثاني المعارض لناصر فهم من ناحية واقعية لم يتجنوا على عبد الناصر فقد اتسم حكمه بقمع الحريات وإقصاء المعارضين؛ إلا أن دراسة المرحلة الناصرية ينبغي أن تبنى على كافة معطيات زمنها؛ فالاستعمار الذي شرع في التراجع لازال يتنفس ويرفض الإقرار بالهزيمة، وبالفعل قامت بريطانيا وفرنسا والمستعمر الجديد (إسرائيل) بالعدوان على مصر بعد إعلان جمال عبدالناصر عن تأميم قناة السويس في العام 1956م والذي عرف بالعدوان الثلاثي، كما احتلت (إسرائيل) سيناء في العام 1967 ومساحات واسعة من الأراضي العربية المجاورة لأرض فلسطين التي سبق أن احتلت في العام 1948م.


في ظل هذه التحديات فإن السلطة الحاكمة في مصر بقيادة جمال عبدالناصر ومعه الشعب انشغلا بمعارك كبرى أثنتهما عن الالتفات لمسألة مهمة كالديمقراطية؛ فتركت للمستقبل لعلها تجد زمناً أكثر هدوءا واستقرارا.
وقد يكون زمن الثمانينات الزمن الأنسب لانطلاقة مشاريع الديمقراطية العربية بعد أن دخلت منطقة الشرق الأوسط في منهجية الحل السياسي كبديل عن الحلول العسكرية لقضية الصراع العربي الإسرائيلي، إلا أن الديمقراطية لم تجد لها زعيما قادراً على ترسيخها عندما حان وقتها كما وجدت القومية العربية زعيمها جمال عبدالناصر الذي غرسها في تربة خصبة لازالت تثمر حتى اليوم.
ولأن الأمة لا تخلو من الشرفاء فقد قامت محاولات من بعض القادة العرب في إجراء انتخابات حرة تمهد لحياة ديمقراطية؛ كتجربة سوار الذهب في السودان والشاذلي بن جديد في الجزائر وعلي ولد محمد فال في موريتانيا؛ إلا أن تلك المحاولات لم يكتب لها النجاح؛ حيث أتى لاحقا من أفسد الحياة الديمقراطية وأعاد البلاد لحكم العسكر.
وهذا يعيدنا للشخصيات الاستثنائية بتاريخ الأمم؛ فكما كان قائد العروبة عبدالناصر استثنائياً؛ فإن قائد الديمقراطية ينبغي أن يكون كذلك، وإن غابت الكاريزما عنه فإن بديلها العمل العلمي المنظم الدؤوب والحكيم، فيبدو أن الانتقال الديمقراطي يحتاج قبل إقراره بإرادة فردية؛ إلى تهيئةِ وتدريب الجماعة لتتكون لهم إرادة جماعية تحمي المكتسب حين الاعتداء عليه من طامع طامح.
وما حدث في الربيع العربي فيما بعد 2011م عندما ثارت بعض الشعوب العربية على حكامها الذين ذبلوا وتبقى فقط هزة لسقوطهم يرجح هذا الاعتقاد؛ حيث تخلى الشعب عن مكتسبات الثورة لأنه لم يتأهل مسبقاً لاقتحام الساحة الجديدة (الديمقراطية) وعندما نتحدث عن الشعب فنحن نتحدث عن المؤسسات الأمنية والإدارية والاجتماعية والإعلامية التي تقودها كوادر من هذا الشعب، وليس الشعب هم الناس الذين يخرجون في الطرقات ويصيحون فيها فقط.
ونذكر ــ للمقاربة ـــ بما جرى في تركيا عند المحاولة الانقلابية مساء الخامس عشر من يوليو 2016م، فلو لم تنحز أجهزة الأمن والاستخبارات وقطاع من الجيش وأجهزة الإعلام للشعب لما تمكن الشعب التركي من الحفاظ على النظام الديمقراطي.
وإذا كانت الديمقراطية لن تجد لها مؤيداً حتى مع غياب عبدالناصر لو افترضنا أنه لم يُخلق؛ فإن إحياء القومية العربية سياسيا قد لا يجد له نصيراً جاداً وصادقاً، وفوق ذلك قادر على السير قدما في مشروعه كجمال عبدالناصر.
وأجمل ما في قومية عبدالناصر أنه شاهد جدواها وفائدتها فعليا وفي ميدان السياسة قبل أن يعشقها ويرتبط بها وجدانيا، ويمكن الرجوع لسيرة الرجل منذ توليه السلطة وملاحظة النضوج المتدرج باتجاه تبني مشروع القومية العربية، ويعود الفضل لذلك النضوج للسوريين الذين ربطوه وجدانياً وسياسياً بالمشرق العربي، وكأنهم يذكرونه بالتاريخ الوحدوي المشترك في زمن بني أمية، ومن ورثهم من الدول الإسلامية مروراً بضم بلاد الشام لمصر بعد نصر عين جالوت ودحر المغول على يد السلطان سيف الدين قطز.
فقد ساهم السوريون أكثر بكثير من غيرهم من العرب بمن فيهم المصريين في اتخاذ عبدالناصر قراره الاستراتيجي والذي ظل يدافعه عنه حتى فاضت روحه عصر الثامن والعشرين من أيلول/ سبتمبر 1970م وهو التضامن العربي وصولاً للوحدة العربية، ومن رمزيات تلك المرحلة بالنسبة لناصر بلوغه سن الأربعين ليلة لقاء ضباط الجيش السوري به مطالبين بالوحدة بين مصر وسوريا في منتصف كانون ثاني/ يناير 1958م مما دعاه للتفاؤل بخطوة الوحدة.
وإن كان هناك عدد من السياسيين العرب خاصة في بلاد الشام والعراق تبنوا الفكر القومي العربي؛ فإنهم أساساً وجدوا أنفسهم في بيئة قومية عربية؛ على عكس جمال عبدالناصر الذي افتقد زخم الأجواء القومية العربية لطغيان الوطنية المصرية عليها في بلاده، ومع ذلك ظل جمال المسؤول العربي الأكثر جدية وتضحية وتأثير في مشروع التضامن العربي؛ بل وحتى أعضاء مجلس قيادة الثورة المصرية والمقربين من جمال مثل هيكل لم يؤمنوا وجدانيا بالعروبة كما آمن بها ناصر؛ إلا أن حبهم لناصر وقربهم منه؛ دفعهم للعمل في سبيلها.
لقد ضحّى جمال عبدالناصر بالحقوق الفردية للمواطن في سبيل اكتساب الأمة حقها الجماعي بالتضامن والوحدة والتعاون والتحرر الوطني من الاستعمار القديم (بريطاني فرنسي) والجديد (إسرائيلي أمريكي) فأشعل جذوة لم تندثر رغم اشتداد الرياح، وتقبّل المواطن العربي والمصري سياسة ناصر تلك كونها مثّلت الأولوية ليس لناصر فحسب بل وحتى لغالبية الشعب، ودل على ذلك حب شعبه الكبير له في حياته وغيابه.
وحكمنا الصادر بحق جمال عبدالناصر هو الانحياز لمشروعه العربي، ولا يدفعنا للتردد في هذا الانحياز والتأييد انتقادات الفريق المعارض له؛ لأن السفينة عندما تبحر وسط بحرٍ هائج لن ينشغل ربانها بنوعية الوجبات المقدمة للمسافرين، فليس أمامه إلا قيادة سفينته لبر الأمان، وبعد الوصول سيتمتع المسافرون بتناول وجباتهم المفضلة.
لقد كتبت مقالة سابقة بعنوان “عربي يفشل في كره السادات” أما في هذه المقالة فأنا “عربي يحب جمال عبدالناصر”.
يوسف بن علي الشاعل
(1439/2018)

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.