سيكولوجية الأديان 1

كامل النجار

في النصف الثاني من القرن العشرين ظهرت مدرسة جديدة في دراسة علم النفس
psychology
 سموها
psychology of Religion
 أي دراسة سيكلوجية الأديان. وقد أسس هذه المدرسة الدكتور الأمريكي وليام جيمس (1902-1985) الذي عامل الأديان كأنها أفكار مفيدة للبشر، على عكس فرويد الذي قال في كتابه
The Future of an illusion
 (الأديان زائفة، بمعنى أن جوهرها، أي الإله، لا وجود له. وبالتالي يصبح من غير المعقول عبادة شيء غير حقيقي) (نقلاً عن كتاب سيكولوجية الأديان للبروفسور رالف هود، ص 23).
قبل أن تبدأ الأديان عند الإنسان البدائي تعلم الإنسان بعد أن استقر في مجموعات صغيرة، أن يقوم ببعض الطقوس التي تساعده على التغلب على الخوف من المجهول، وربما لتمجيد الأسلاف الذين ماتوا. ولم تقتصر الطقوس على الإنسان البدائي فقط وإنما كانت معروفة للحيوانات كذلك. فجميع الحيوانات لها طقوس معينة لمناسبات معينة، أشهرها الطقوس الجنسية التي يقوم بها الذكر قبل مجامعة الأنثى. وأشهر هذه الطقوس هو ما يقوم به الطاؤوس من رقص ونفش ذيله الطويل المزخرف قبل أن تستجيب له الأنثى. وكذلك طقس الجنس في مملكة النحل، وهذه الرقصة الطقوسية تقوم بها ملكة الخلية التي ترقص بطريقة معينة ثم تطير ليتبعها كل الذكور قبل أن يصل إليها أول ذكر ويجامعها ثم يموت.
وقد تطورت بعض هذه الطقوس عند الشمبانزي حتى صارت تشبه الطقوس الدينية. فقد وصفت عالمة الأنثروبولوجي جين قودال
Jane Goodall
 عام 1971 طقساً كانت قد شاهدته في مجموعة من الشمبانزي أثناء عاصفة رعدية. أثناء العاصفة بدأت الشمبانزي بالصراخ وبدأت تنزل من الجبل وكل فرد منها يحمل فرع شجرة صغير وهو يصرخ. وعندما يصل الفرد منها إلى سفح الجبل، يصعد مرة أخرى ليعيد الكرة إلى أن انتهت العاصفة الرعدية (كتاب سيكولوجية الأديان، ص 71). وقد أكد هذا الطقس وزاد في وصفه في مجموعات أخرى من الشمبانزي الدكتور ستيوارت جثري
Stewart Guthrie
 عام 1993 في كتاب بعنوان
Faces in the Clouds
 الذي أدخل فيه مصطلح
anthropomorphism
 الذي يقول إن الإنسان يُعطي صفاته الجسدية إلى أشياء غير محسوسة أي غيبية ويسميها آلهة.
مع ازدياد حجم المجتمعات الإنسانية بعد اكتشاف الزراعة، ظهرت مجموعة من الرجال والنساء الأذكياء واستغلوا هذه الطقوس للسيطرة على بقية الناس في مجتمعهم. وبالطبع كان لابد لهم من تضخيم الطقوس ووضع قواعد صارمة لها، واستعمال لغة لا يفهما عامة الناس من حولهم. وقد تعارف الناس على تسمية هذه الطبقة من الرجال والنساء ب (الكهنة، أو العرافين) الذين كانوا يزعمون مقدرتهم على الاتصال بالسماء والتنبوء بالمستقبل. ولمقدرتهم الاتصال بالسماء كان في مقدورهم كذلك أن يشفوا المريض الذي تقمصته الأرواح الشريرة من الأسلاف. وباستعمال هذه الطقوس وبعض الأدوية المستخرجة من النباتات ذات الألوان المختلفة كان باستطاعة هؤلاء العرافين أن يدخلوا بعض الطمأنينة إلى نفس المريض وأقاربه، حتى وإن مات المريض من أثر المرض أو العلاج. وفي كل المجتمعات البدائية نجد أن طقوس المرض والعلاج ليس المهم فيها التركيبات الكيماوية للأدوية وإنما ألوان الأدوية وطريقة استعمالها. ففي قبائل الزولو في جنوب إفريقيا لابد أن يكون العلاج مكون من ثلاثة سوائل: أسود، وأحمر وأبيض. فالأسود يمثل الظلام والخوف والمرض، والظلام هو الوقت الذي تكثر به الأخطار التي تداهم الناس. واللون الأحمر يمثل حالة الانتقال من الليل إلى شروق الشمس التي تبدو حمراء وقت الشروق. وهو كذلك يمثل تحول المرأة من بنت صغيرة إلى امرأة عندما تبدأ دورتها الشهرية، والأفارقة كغيرهم من القبائل البدائية ما زالو يحتفلون بهذه المرحلة المهمة في حياة المرأة (شاهد مقطع الفيديو أدناه). أما اللون الأبيض فهو يمثل النور والصحة. ولذلك لابد للمريض أن يشرب الدواء الأسود أولاً ثم الأحمر ثم الأبيض (سيسل هلمان، كتاب الثقافة، الصحة والمرض، ص 23)
Culture, Health and illness.
وبمرور الزمن خلقوا لكل مناسبة طقساً معيناً يقوم به الناس للاحتفال بتلك المناسبة، مثل طقوس البلوغ، وطقوس الختان، وطقوس الزواج، وطقوس الموت. ولتكون الطقوس مؤثرة في الناس لابد لها أن تكون منظمة بطريقة معينة، ومتكررة بشكل رتيب، ويجب أن يلبس المشتركون فيها ملابساً معينة، ويرقصوا رقصات معينة، ويرددوا أهازيج محفوظة. ورغم أن الحركات والملابس وغيرها لا تنسجم والعقل، إلا أن الطقوس نفسها تؤدي مهمات كثيرة في المجتمعات البدائية. فهي تقوي روح الانتماء إلى الجماعة، وتُشعر المشترك بأنه يتحكم في روحه وعالمه، وتُشعر الإنسان كذلك بالأمان لأنه ضمن مجموعة كبيرة، وكما تقول الحكمة الإنكليزية
safety in numbers
، أي كلما كثر الناس حولك كلما شعرت بالطمأنينة، وهي تُنسي الإنسان أحزانه. فمثلاً نجد عند اليهود شعيرة شيفا Shiva عند وفاة أحد أفراد المجموعة، والتي يمارس فيها الناس ولمدة سبعة أيام أقوالاً وأفعالاً تقوي من روح الانتماء للمجموعة، ويحضرون الطعام إلى منزل الميت، ويرددون آيات من التوراة وأهازيج تساعد أهل الميت على تحمل فراقه. وقد شبهها علماء السايكولوجي بالعلاج النفسي الجماعي
Group therapy
. والطقوس رغم فوائدها الكثيرة للمجموعات البدائية فلها أعراض جانبية قد جلبت وما زالت تجلب المصائب لبعض الناس. وسوف أتعرّض لبعض هذه المصائب لاحقاً.
يقول علماء سيكلوجية الأديان إن الطقوس هي جوهر الأديان وأصلها. ولا يخلو أي دين من الطقوس العديدة التي إذا تأملها الإنسان يجد أنها حركات مكررة لا معنًى لها. فحركات الوضوء والتيمم لا تفيد أي شيء في النظافة أو الطهارة. فشعر المسلم مثلاً مغطى بالعمامة أو الحجاب طول اليوم، فما معنى أن يمسح الإنسان عليه بالماء أثناء الوضوء؟ وغسل اليدين إلى المرفقين لا يزيل القذارة عن جسم الإنسان إذ أن أغلب الروائح الكريهة تنتج من العرق تحت الإبطين وبين الإليتين وفي المرفقين أعلا الفخذ. وكذلك الصلاة، قد نفهم أن يقرأ الإنسان آيات من القرآن، ولكن لماذا يركع ثم يسجد ثم يكرر العملية في ركعات متعددة. ألا يكفي أن تسجد لله مرة واحدة وتضع رأسك على الأرض علامةً للخضوع له، ولماذا نقرأ في بعض الركعات جهراً ونقرأ في بعضها سراً؟ فإذا كان الله يسمع قراءتنا سراً، لماذا نجهر بها؟ ولماذا كل هذا الالتزام بمواعيد الصلاة حتى أن لم تكن صلاة جماعة؟ هل الله لا يسمع إبتهالنا له بعد شروق الشمس، أم أنه يخشى من منافسة الشمس له؟
وهناك كذلك رمي الجمرات التي يموت بها عشرات الحُجاج. هل يعتقد الرامي أن حجارته تلك فعلاً تصيب الشيطان الذي لا وجود له إلا في مخيلته؟ ونجد في المسيحية كذلك طقوس لا معنًى لها. فمثلاً المسيحيون لا يأكلون إلا السمك يوم الجمعة الحزينة، ولا يشعلون الشموع في الكنائس ويلبس القساوسة والمؤمنون ملابس سوداء للتعبير عن حزنهم لصلب يسوع. وطبعاً ليس هناك أي علاقة بين أكل السمك وصلب يسوع رغم أن يسوع أطعم خمسة آلاف من سمكة واحدة، كما يقولون. وهم كذلك يصومون بين الجمعة الحزينة وعيد شم النسيم Easter. ولا يفهم الإنسان كيف يفيد هذا الصيام يسوع أو الصائم نفسه. ونفس الشيء ينطبق على التطبير الذي يمارسه الشيعة حزناً على رجل قُتل قبل ألف وأربعمائة عام. أما البوذيون فيشعلون الشموع ويضعون الزهور أمام صورة أو تمثال لبوذا في المعابد والبيوت كل صباح ومساء، ويقوم الكهنة بترديد أهازيج دينية ثم يصلي الجميع لبوذا. والسنة الجديدة عندهم تبتديء بنهاية فصل الجفاف وبداية المطر ويحتفل البوذيون برش الماء على بعضهم وعلى الكهنة تيمناً بقدوم موسم الأمطار وبدء الزراعة. وهذا الطقس لابد أنه يرجع في أصله إلى أيام اكتشاف الزراعة الذي سبق ظهور البوذية
يعتقد بعض علماء سيكولوجية الأديان أن الأديان بدأت قبل حوالي مائة ألف سنة
(Burkert 1996, Pfeiffer 1982, Rice 2007).
والسبب الرئيسي في اللجوء إلى الدين والميتافيزيا هو خوف الإنسان من الموت ورغبته في الحياة الأبدية. وقد ساعد جهل الناس بالظواهر الطبيعية في انتشار الدين والخرافة. واستغل أنبياء الأديان هذه الرغبة في الخلود ووعدوا الناس بحياة أبدية في السماء. غير أن الأديان المسماة الإبراهمية أو السماوية بدأت بموسى ووصاياه العشرة حوالي عام 1300 قبل الميلاد. فإذا أخذنا عمر الإنسان على الأرض منذ ظهور الإنسان القائم
Homo Erectus
 فيبدو لنا أن الإله قد تأخر كثيراً قبل أن ينتبه إلى أن الإنسان لا يعبده فقرر إرسال الأنبياء والرسل إليهم بعد ملايين السنين من خلقهم
يعتقد العلماء أن القوة وحب السيطرة على محيط الإنسان غريزة نشأت مع الإنسان منذ ظهوره على الأرض. وعندما يشعر الإنسان بفقدان هذه السيطرة يلجأ إلى الدين الذي يعطيه الاحساس بأنه قد يتمكن بمساعدة الإله من السيطرة على حياته ومحيطة، ولذا يُكثر من الصلاة والدعاء للإله
قد استفاد رجال الدين على مر العصور من الجهل والسحر للسيطرة على العامة. وقد احتل السحر مكانة خاصة في العقلية الجمعية في المجتمعات البدائية. وقد حاول رجال الدين في اليهودية والمسيحية التخلص من السحرة والساحرات حتى لا ينافسونهم في ولاء العامة، فقامت الكنيسة الكاثوليكية بإحراق الساحرات بالآلاف أيام محاكم التفتيش، كما حاولت الكنيسة البروتستانية تهميش دورهم. ثم جاء الإسلام وأعطى السحر مكانة عالية وزعم محمد أن اليهود سحروه ودفنوا السحر في بئر، مما أدى إلى مرضه. وجاءت آيات قرآنية تقول إن الله أرسل الملكين هاروت وماروت ليعلموا الناس السحر. فانتشرت بين المسلمين طقوس عديدة لتفادي الضرر من العين والسحر، مثل لبس التمائم الرادعة للسحر، ولبس الخرزة الزرقاء أو وضع عين زرقاء على باب الدار. وبذا أرجع الإسلام المؤمنين به إلى عصور ما قبل التاريخ
و لأن العديد من الطقوس لها فوائد نفسية للذين يمارسونها، نجد أن رجال الدين قد استولوا على بعض تلك الطقوس وجعلوها جزءاً من دينهم، مثل ختان الذكور وختان الإناث الذي يتسبب في موت أو ضرر الطفل المختون . فاليهودية ما زالت متمسكة بختان المواليد الذكور في اليوم الثامن، ويقوم بعملية الختان رجل دين متمرس في العملية يسمونه محلل. يقوم بعملية القطع حول الحشفة ثم يمص جلد الغلفة بفمه ليفصله عن القضيب. ففي نيويورك في عام 2005 اتضح أن هناك عدة اطفال يهود أصيبوا بفيروس يسبب العدوى في الجهاز التناسلي
genital herpes
 كان قد تم ختانهم بواسطة محلل واحد قام بمص ذكورهم بعد الختان. وقامت السلطات الصحية بمنع ممارسة المص هذه، ولكن عمدة نيويورك أصدر أمراً بتعليق المنع وقال إن ممارسة الشعائر الدينية بحرية كاملة يجب ألا يعيقها أي قانون
(God is not great, Christopher Hitchens ص50)
. وهناك الاف الضحايا من غير اليهود الذين نزفوا حتى الموت أو قُطعت حشفتهم بالكامل مع الغلفة.
أما رجال الدين الإسلامي فقد وضعوا اليد على عادة ختان الإناث التي بدأت في إفريقيا بآلاف السنين قبل ظهور الإسلام، وما زالت بعض القبائل الإفريقية غير المسلمة تمارسها، وقالوا إن نبيهم قد رأى امرأة تختن طفلةً في المدينة، فقال لها “اختني ولا تُنهكي فإنه أمتع للزوج” وبذا أصبح ختان الإناث جزءاً مكملاً للإسلام يتنافس شيوخ الأزهر في تأييده. (الرجاء مشاهدة مقطع الفيديو في آخر المقال عن هذه العادة الإفريقية). وأضرار ختان الإناث تفوق بعدة مرات أضرارها على الصبيان.
وبما أن الطقوس تذيب الفرد في الجماعة المحيطة به وتجعله راضخاً لمشيئتهم، فإنها تعمل ككابح لأي فعل يشذ عن ما تعارفت عليه القبيلة، وهكذا تحافظ القبيلة على هويتها. وهذا هو عين ما تفعله الأديان. وفي الحلقة القادمة سوف أناقش ذوبان الفرد في المجموعة الدينية وفصله عن بقية الناس خارج مجموعته
[youtube http://www.youtube.com/watch?v=gEYiDPr9JF0&w=420&h=315]
الاحتفال ببلوغ البنت
(Copy and paste in the explorer)
[youtube http://www.youtube.com/watch?v=9_EwmCE01Ss&w=420&h=315]
فيديو ختان الإناث في إفريقيا.

كامل النجار (مفكر حر)؟

About كامل النجار

طبيب عربي يعملل استشاري جراحة بإنكلترا. من هواة البحث في الأديان ومقارنتها بعضها البعض وعرضها على العقل لمعرفة مدى فائدتها أو ضررها على البشرية كان في صباه من جماعة الإخوان المسلمين حتى نهاية المرحلة الجامعية ثم هاجر إلى إنكلترا وعاشر "أهل الكتاب" وزالت الغشاوة عن عينيه وتبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود من حقيقة الميثالوجيا الدينية الهدف الوحيد من كتاباتي هو تبيان الحقيقة لغيري من مغسولي الدماغ الذين ما زالوا في المرحلة التي مررت بها وتخطيتها عندما كنت شاباً يافعاً
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.