سقوط النجمة الذهبية

فاتن واصل

مائدة طعام متوسطة الحجم يحدها من الأربعة جوانب ستة مقاعد إنحبس إثنان منهم بواسطة المائدة التى وُضِعَت ملاصقة للحائط وقد تغطت بمفرش أبيض يميل للاصفرار يبدو عليه القدم ومغطى بدوره بمفرش من البلاستيك الشفاف ممزقة أركانه وحادة كالسكين .. تنتصب على المائدة زهرية مصنوعة من الخزف الملون بألوان داكنة متآكلة داخلها زهور من البلاستيك الملون..أسدلت الست أم علي الستارة البيضاء ذات القماش الخفيف الذى يُظهــِر ما وراءه والمزيَّنة حروفها بكورنيش من الدانتيلا الرخيصة أمام شباك صالة المدخل المطل على الحارة الضيقة، بعد أن انتهت من أعمالها للنظافة اليومية من كنس ومسح للبلاط .. وقد ملأ المكان رائحة الغسيل الأبيض المنشور على منشر مثبت فى الشباك فعطــَّرَ الصالة برائحة الصابون المختلط بالكولونيا التى تحرص ام علي ان تضع قطرات منها فى مياه الغسيل.

صالة المدخل التى حَوَت الى جانب منضدة الطعام طاقم أسيوطى بوسائد مغطاة بقماش الكريتون المنقوش برسومات نباتات خيالية وألوان صاخبة وقد اهترأ نسيجه وتنسلت خيوطه فى زوايا وسائد المقاعد، كما توجد منضدة صغيرة خشبية تحمل تليفزيون صغير بشاشة رمادية وآثار الاصابع تلطخ مفاتيح التشغيل، وُضِعَ فوقه منفضة سجائر خزفية قديمة تحتوى أزرار وبطاريات وقصاصة ورق مطوية، بجوار المنفضة جهاز ترانزيستور فى حجم كف اليد، وعلى الحائط صورة للشيخ الشعراوى مقصوصة من مجلة ملونة تم لصقها على الحائط الأزرق المتآكل بشريط لاصق فى الاربعة أركان انفك أحدها.

انكسر شعاع الشمس الذى تسرب بعضه من بين ضلفتى الشيش وارتمى بعضه الآخر على الكنبة الاسيوطى، وامتد باقى الشعاع على السجادة البالية كالحة الالوان التى ورثتها أم علي عن أمها.. وقفت أم على تمسك بيدها قطعة قماش تطوحها فى الهواء لتطرد بها الذباب بينما عيناها تدوران فى الغرفة تتأملان المكان كالذى يفكر فيما يمكن عمله لإضافة بعض التحسن، واتجهت نحو برواز خشبى تخدشت كراته الأرابيسك ومثبت على الحائط ويحتوى على آية الكرسى، أزالت برفق الاتربة التى التصقت عليه وهى تتأمله وتعدل من وضعه وتتأكد من متانة تعليقه.

أم علي وهذا لقبها الذى أُطلـِقَ عليها يوم أن رزقت بابنها علي الصبى الوحيد ذو السبع سنوات الذى عاش بعد أن فقدت ثلاث صبية عقب ولادتهم مباشرة وقد نصحتها جارتها العجوز أن تنذر نذرا لأولياء الله الصالحين حتى يعيش ابنها لأنها إمرأة من النوع الذى لا يعيش أبناءه الذكور، فنذرت ان تخرج كل عام و طوال حياتها بالفول النابت واللحمة للسيدة نفيسة حتى تحفظ لها إبنها علي، وظلت تفي بالنذر دون كلل ومهما ضاقت بها ظروفها المادية لدرجة انها إضطرت لبيع قرطها الذهبى الذى تبقى لها من أمها فى أحد السنين لكى تفي بطقوسها السنوية.

لأم علي بنتان الكبرى أسماء فى الخامسة عشرة من عمرها والصغرى شيماء فى التاسعة، تحبهما لكن الولد كان دائما له النصيب الأكبر من هذا الحب والأفضلية، كانت عادة ما تطالب أختيه بالعناية به وبطلباته بينما تكون غائبة لأداء واجب عزاء أو شراء بعض الاحتياجات، تطلب منهما إطعامه وتحميمه وتغيير ملابسه وحفاضاته عندما كان صغيرا، أسماء كانت تفعل ما تأمرها به أمها عن طيب خاطر، وكانت تشعر نحو أخيها بأمومة ربما لفارق السن بينهما، أما شيماء فقد كانت دائمة التذمر والرفض والتمرد ولم تكن تهتم به بل على العكس كان من الممكن أن تضربه أو تنصرف عنه وكثيرا ما كانت تشعر بالغيرة، وخاصة حين كان يجذب إهتمام أبيهم الذى كان يحبها ويفضلها عن الجميع، لكنه بعد ولادة علي، حوَّل إهتمامه إليه وصار لا يتحدث إلا عنه وكأنه محور حياته أو لم ينجب غيره. أسماء كانت تنصفها وتنحاز لها أحيانا دون أن تجعل احد الأبوين يلاحظها، وكأن الاخت الكبرى كانت تحتمى بشجاعة تلك الصغيرة التى لم تكن أبدا تقبل أن يـُعَامَل أخيها معاملة فيها ولو بعض التميُّز عنها لمجرد انه ولد.

دق جرس الباب ودخلت البنتان عائدتان من المدرسة ، تمسك اسماء بيد أخيها وتمدها للأم كما لو كانت تسلم عهدة وهى تقول ” إتفضلى سى زفت ابنك جبته من قدام المدرسة بيلعب كورة مع العيال ورامى شنطته فى الأرض.. انا بقولك لو فضل على كده حيصيع ومش حينفع، شوفى العرق والتراب .. واد مقرف “.

شيماء انسحبت فى صمت الى غرفة داخلية إذ قوبلت بلا مبالاة من أمها بعد ان زفت لها خبر حصولها على نجمة ذهبية معدنية لنيلها الدرجات النهائية فى إمتحان الحساب.. بدلت لبس مدرستها وعادت حاملة كراسات وكتب وجلست فى هدوء على مائدة الطعام بعد ان نظمت الكتب والأدوات أمامها بعناية ووضعت فى منتصفهم النجمة المعدنية المذَّهبة وقالت وهى لازالت ترتب الأدوات : ماما أنا جعانة طابخة إيه.؟

ردت الأم : صينية بطاطس ورز .

فسأل علي وهو منشغل بمراقبة أخته وعينه على نجمتها الذهبية : مافيش لحمة ؟

قالت أم على : فى فرخة بس حتاكلوها بالليل بعد الضيوف ما يمشوا.. ثم بابتسامة ودودة توجهها للصغيرة : والنهاردة شيمو حتاخد اكبر حتة.

ابتسمت الطفلة بفرحة وشك أيضا فقد اعتادت أن يحظى علي بهذا الاهتمام من أمهم، فى حين استفسرت أسماء الابنة الكبرى بسرعة : يييه .. هو النهاردة ؟؟؟ ثم أكملت : دى حتبقى ليلة نكد.

قالت شيماء موجهة السؤال لأمها: ليه هو فى إيه ؟

جاوبت الام بغموض : ولا حاجة جاى لنا شوية ضيوف حيزفوا لنا عروسة الليلة.

لم ينتبه كلا الطفلان علي أو شيماء لما تقوله الأم فقد اشتبكا فى قتال جانبى لأن علي خطف النجمة الذهبية المعدنية من أمام شيماء والتى كانت قد بدأت فى أداء فروضها المدرسية فقفزت تطارده، نظرت أسماء الابنة الكبرى لأمها بلوم وتساءلت هامسة : انتى ما قولتيلهاش ..!!

فهزت أم علي رأسها بالنفى وهى تحملق فى وجه أسماء وتعض على شفتيها محذرة أن تنطق بكلمة.. فى نفس اللحظة علا صوت الطفلان وصرخت شيماء : يا ماما تعالى حوشيه، والله لقول لبابا لما ييجى. ألقت أسماء نظرة عطف على اختها التى بدأت تضحك من قلبها حين وقع أخوها على الأرض وقد انتصرت عليه وأخذت نجمتها .. تمتمت أسماء: الضحكة دى مش دايمة.

فى تمام الثالثة عاد أبو علي كما كانوا ينادونه أو الاستاذ صالح فى موعده اليومى، اندفع نحوه علي وشيماء مهللين

قبَّل الطفلين وألقى التحية على أم علي ملقيا فى يدها ببعض الأكياس وسأل أين أسماء فردت من داخل المطبخ :انا هنا يابابا.

سألته أم على بحذر : جبت اللى قلت لك عليه.

رد : أيوة يا ستى عندك فى الكيس الأبيض .. هو جاي إمتى ؟

أردفت بعد ان استدارت فى طريقها للداخل .. الساعة خمسة عنده حاجة فى آخر الشارع وبعدين دورنا.

نظر لشيماء وهى جالسة تمسك بأصابعها الصغيرة قلمها وتكتب فى كراستها وكأنها جراح يمسك بمبضعه، تستند بمرفقها على المائدة وتضع قبضتها أسفل خدها، ترتمى ضفائرها الطويلة المربوطة بإحكام على ظهرها، وترتدى قميص نومها الكستور وفى قدميها البيضاء الصغيرتين ترتدى خفا كبيرا واضح أنه لأختها الكبرى، قالت لأبيها دون ان ترفع رأسها عن كراستها كما لو كانت متيقنة انه لن يهتم : جبت الدرجة النهائية فى الحساب وأخذت نجمة ذهبية علشان ماما تشبكها لى على المريلة بكرة وانا رايحة المدرسة ، وكمان الأبلة باستنى.

رد الأب الذى كان جالسا بانهاك: شاطرة يا شيمو .. بنتى حبيبتى ،ومستعدة بقى للنهاردة ؟

التفتت الصغيرة لأبيها وسألته : مستعدة لأيه ؟

دخلت الأم حاملة أطباق طعام الغداء وخلفها أسماء تمشى بآلية ووجهها متجهم وتحمل طبقا عليه أرغفة خبز وتمتمت بسرعة : إزيك يا بابا، نظرت الأم له محدقة فى حركة تحذيرية وقالت موجهة كلامها لشيماء: بابا قصده استعديتى للامتحان بتاع الشهر.

فردت شيماء : مستعدة بس خلى علي يسيبنى فى حالي أنا مش بعرف أذاكر من دوشته. .. مش حتاخدنى بقى لمدرس الموسيقى صاحبك اللى حيعلمنى البيانو؟

قالت أم على : يا ساتر عليكي هو علي ده يبقى جوز أمك..!! ياللا قومى شيلى حاجتك علشان نتغدى خلينا نخلص من الليلة دى. وبادرها أبوها : طبعا يا شيمو بس بعد السنة الدراسية ما تخلص.

قالت الأم فى استنكار .. بيانو ؟ هو احنا لاقيين ناكل عشان تقوللى بيانو.. يا أخويا روح كده.

فى الخامسة دق جرس الباب واندفع داخل صالة المدخل سيدة من الجيران عانقت أم علي بحماس وقالت : مبروك، عقبال فرحها .. آديني جيت أهو حسب الميعاد هو المنيـِّل سيد المزيِّن ما جاش؟ فقالت أم على : تلاقيه على وصول عنده عملية جراحية تانية على أول الشارع مانتي عارفاه عامل فيها دكتور الموكوس إلآهى يعدم ،ثم ضحكتا بصوت عال وسألت الجارة : أمال فين البت شيمو؟

فقالت أم على: والنبى مش عاوزة سيرة علشان تطاوعنا، هى ما تعرفش حاجة احنا حنشيلها ونكــَتِفهَا وياللا بسرعة بسرعة كله يخلص فى ثوانى، ربنا يستر ويعدى الموضوع على خير.. ولكظت أسماء التى إرتسمت فى عينيها نظرة تائهة مرتبكة ثم قالت لها : قومى شوفى أختك بتعمل ايه .. وإياك تقولى لها حاجة.

همَّت أسماء مسرعة الى الداخل وغابت بعض الشئ ثم أتت لتخبر أمها أن شيماء تلعب مع علي فى غرفة النوم .. فنظرت لها الأم نظرة متفحصة وسألتها : أمال كنتى بتعملى ايه كل ده ؟ أوعي تكونى قلتى لها حاجة، أومأت أسماء بالنفى، فأكملت الأم: طب روحى إعملى لنا كوبايتين شاى خلينا نعدل دماغنا..ولمَّا ييجى المنيل سيد عاوزاكى تفضلى مع علي جوة الأوضة ما تخرجيش إلا لما نخلــَّص مفهوم !!

فى هذه الليلة وفى المستشفى العام كان يرقد سيد المزين بجرح كبير فى رأسه يتلوى من الألم قائلا : وأنا كان مالى ومال العيلة الخُـلل دى ياربى .. الله يخرب بيوتكم.

حين علا صوت صراخ شيماء: الحقينى يا أسماء بينما تقيد أرجلها وأذرعها أمها وجارتها، أفلت علي من بين يدى أسماء وخرج صارخا :أختى أختى سيبوا أختى وظل يضرب أمه وجارتها بكلتا قبضتيه .. وساد الهرج والمرج والارتباك وخاصة الجارة التى كادت تفقد إحكام سيطرتها على شيماء ..فى هذه اللحظة بالذات اندفعت أسماء بجسدها ورمت بنفسها على سيد المِزَيِّن لحظة أن همَّ بإجراء عملية البتر فوقع على الأرض وجرح جرحا عميقا إندفع بسببه الدم من رأسه كالنافورة مما أربك الجميع ونُقــِلَ فورا الى المستشفى العام والذى أمر بدوره بإبلاغ الشرطة.

…………………….

كتب المحقق فى دفاتره يصف الحادث كالتالى : من تقرير الطبيب ، جرح عميق تسبب فيه جسم معدنى على شكل نجمة ذهبية تسببت فى جرح قطعى برأس المصاب الذى سقط على الأرض، وكان سقوطه بسبب تعثر الطفلة أسماء الابنة الكبرى للاستاذ صالح عبد الرحمن البالغة من العمر خمسة عشر عاما.. سقطت النجمة ثم سقطت الطفلة فسقط المِزَيِّن.

‎فاتن واصل – مفكر حر؟‎

About فاتن واصل

كاتبة ليبرالية مصرية
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.