سرطان البروستات يا كبار السن!

خالص جلبي
في الواقع التحذير مزدوج: سرطان البروستات للرجال والثدي للنساء. كنت جديد التخرج في كلية الطب حينما استدعاني جاري النجار لفحص أخيه. انتبهوا! كانت الشكوى وجعاً في الظهر! وأجمل ما في الطب هو «الفحص الشامل» لكل الجسم فهو وحدة مترابطة. فحصت الرجل: الصدر، القلب، الأطراف، النبض، التنفس. جس البطن للتأكد من ضخامة كبد أو طحال. تفقد العقد اللمفاوية إن كانت مشبوهة في أي زاوية؟ أخيراً لا شيء لافتاً للنظر سوى أن وجهه ممتقع باهت يدل على فقر دم يقرأ بشكل واضح في ملتحمة العين. قلت له عفواً لا بد من اختتام فحصي لك بفحص مزعج بعض الشيء. سأل ما هو؟ قلت له عفواً الفحص الشرجي للتأكد من البروستات عندك؟ يسمونها في كلية الطب «غدة الموثة».

دارت إصبعي حول الموثة لاكتشفها قطعة من حجر. إنه مؤشر درامي لسرطان قد أكل الغدة وما حولها. الآن فهمت لماذا يشكو الرجل من آلام الظهر. إنها بالتأكيد انتشارات الورم إلى فقرات الظهر. وستبدو واضحة في الفحص الشعاعي البسيط أو المعقد مثل التصوير الطبقي المحوري أو الطنين المغناطيسي.

ذات مرة راسلت صديقي دكتور البولية في أميركا عن مشكلة رفع الشكاوى في وجه الأطباء، أرسل لي بالفاكس أكثر من ثلاثين ورقة، يقول فيها نجوت من سبعة ملايين دولار تعويضاً! لم أفهم؟ قال فحصت مريضاً لشبهة ورم البروستات عنده. لم يكن ثمة شيء بالفحص الشرجي والعام، ولكن لحسن الحظ أجريت له فحص السكانر للتأكد من خلو جسمه من أي انتقالات ورمية. الرجل جاء بعد ستة أشهر وهو مصاب بسرطان البروستات ويدعي أنني أهملت التشخيص، فنجوت بالصورة الموثقة عن خلوه من المرض الخبيث.

حالياً ابتكر الأطباء طريقة جميلة لحدس بداية قرع جرس الإنذار بأن صاحبه ضربه المرض، عن طريق عينة الدم، إنه فحص هرمون البروستات
(PSA)
وأي رقم بدأ يقفز فوق الأربعة صعوداً من دون توقف، فهو مؤشر إنذار بأن يسارع الشخص بالكشف عن ورم بدأ يتسرب ويضرب في الخفاء.

صديقي الدكتور حسن في «آخن» روى لي قصة عن رجل انتبه إلى أن الرقم عنده أصبح في حيطان العشرة، ليكتشف الورم، فيسارع إلى العملية، كي تقشر غدة البروستات وتستأصل، وينجو صاحبها، وليس مثل صاحبنا التركماني الذي فحصته أنا وقد افترسه المرض.

وإضافة لما ذكرت فقد لفت نظري نقاش في هذا المضمار بين داعية سلفي وآخر مبشر مسيحي حول الآية الواردة في سورة الطارق (يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ)، وكلاهما غير طبيب يخوض في مياه لا يعرف عمقها فيَغرَق ويُغْرِق، وهو ما جاء في القرآن الكريم عن الماء الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب. فقد جر المبشر المسيحي الداعية السلفي إلى فخ، حيث استند إلى حديث يشرح الحمل والمني بأن ماء الرجل وماء المرأة هما من يقرر جنس الجنين. مع أن الآية لا تقول هذا، بل نرى إشارة في سورة النجم إلى أن من يحدد الجنس هي النطفة (وأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأنثَى، مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تـُـمنَى) وهو أمر نعرفه نحن الأطباء من طبيعة الكروموسومات المختلفة
(XY)
المحمولة في الحيوان المنوي، في الوقت الذي لا تحمل البويضة إلا نوعاً واحداً محدداً من الحمض الوراثي
(X).

وهنا يجب فهم أمرين أن القرآن الكريم دقيق البناء اللفظي. فآية سورة طارق تقول عن المني الذي يتدفق إنه من مكان عميق في الظهر، وهو مكان اتكاء غدة البروستات على الصلب، مع الترائب التي هي ملحقات الجهاز التناسلي (الحويصلات المنوية وغدتي كوبر). وهذا طبعاً لم يكن معروفاً لعلماء التفسير الذين لا يعرفون التفصيلات التشريحية في جسم الإنسان.

والأمر الثاني أن كلاً من الداعية السلفي والمبشر المسيحي كان عليهما أن ينسحبا من المواجهة، ويتركا بحث مثل هذه المواضيع للأطباء، فلا ينبئك مثل خبير. ثم إن مهمة الأديان هي تعارف البشر وتلاقيهم، في جو من الحوار الهادئ والتسامح العميق، كما فعلت دولة الإمارات حين رسخت كافة صور التسامح، وأنشأت وزارة التسامح.

* نقلا عن “الاتحاد”

This entry was posted in اعتني بصحتك. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *