رسالة إلى حماس.. انتبهوا

  نادين البدير

 كان هذا عنواناً لمقال كتبته فى بداياتى الصحفية، أنتقد به البعثات «الانتحارية» التى كان قادة حماس ينفذونها فى مدنيى إسرائيل بواسطة مراهقين وصبية يافعين، بعضهم لم يتجاوز الثالثة عشرة. تعمدت استخدام «انتحارية»، لأن الصبى الصغير لم يملك أمره ليختار الشهادة من عدمها. كان الشيخ أحمد ياسين قد استشهد للتو، فذكرت بالمقال: ما الذى سيمنع من محاولة اغتيال عبدالعزيز الرنتيسى بصاروخ، ومن المستفيد من كل هذا؟

ويشاء القدر أن يستشهد الرنتيسى بعد أيام من المقال بصاروخ إسرائيلى، وجاءتنى الردود والهجمات، لكن أهمها الذى أرجع له الفضل فى قوة عزيمتى طوال فترتى الكتابية التى تلتها واستطاعتى الصمود أمام هجمات كثيرة تعرضت لها وكان يمكن، لشراستها، أن توقفنى عن الكتابة، هو لكاتب نشر حينها عبر المواقع الإنترنتية مقالا عنى.

كان مقاله فى غاية الدناءة. لم أكن قد تعرفت بعد على حياة الكتابة الجديدة بكل تفاصيلها، التى من أهمها تقبل الشتائم، خاصة تلك التى لم أسمعها فى حياتى، أو التى ظننت أنها محصورة فى طرقات متدنى الأخلاق، لا يجرؤون على نقلها للورق والإنترنت.

كان المقال تعليقا طويلا من أحد الإسلاميين يحمل عنواناً صادماً ومضمونا مريعا، وملخصه أن الأنثى أدنى وأحط من أن تتجرأ فتكتب عن المقدسات السياسية والدينية. فسيولوجية الأنثى تمنعها من الكتابة عن الرموز.

دماء الأنثى النجسة تمنعها من الكتابة عن دماء الشهداء ولا تسمح لها بالتساوى مع الرجل والخوض فى شؤون السياسة. هكذا يستخدم المتطرفون أساليب إحراج الأنثى، كيلا تكتب وتقع فى الخطيئة مرة أخرى.

لكن غاية إحراجى لم تتحقق. فأنا لا أتوب وأكتب عن حماس. هذه المنظمة الإخوانية التى تسلمت قطاع غزة منذ سنوات، وتتخذ من الكفاح المسلح شريعة وقانوناً حياتياً فى تعاملها مع إسرائيل. توجه لها تهم الإرهاب والتطرف وهى باقية لا تتزحزح.

«حماس» لا تنتبه كثيراً. هكذا يقول الفريق الذى يؤمن بأن السلام هو الحل، وبأن الحروب التى تشنها الحركات والأحزاب الإسلامية بفلسطين ولبنان لم يستفد منها الإنسان العربى غير التهجير والقتل والتدمير، ويعود أبناء حماس لتذكيرهم: وماذا استفدنا من طاولة المفاوضات غير الخنوع ومسح الكرامة لأبعد مدى؟ ويرد فريق السلام: بل أنتم من أفسد المفاوضات.. ويستمر الرشق.

فكيف تحل المسألة؟

لقائى مع خالد مشعل، رئيس المكتب السياسى للحركة، أعادنى لفترات مضت.. حنكته وتمرسه السياسى وانتماؤه الإخوانى تمنح أجوبته بعداً سياسياً ودينياً تهوى الجموع العربية سماعه. مازلت ضد التنظيمات التى تتخذ طابعاً دينياً، لأن القومية فى نظرى تجمعنا أكثر، خاصة مع تعدد الطوائف والأديان فى المنطقة. وضد القتل وضد مشاهد الدماء، لكن إسرائيل لا تلتزم بكل قواعد السلام، إسرائيل تخون، ويستحيل أن تنفذ بنداً لغير مصلحتها. والاستيطان لا يتوقف. فهل نستمر فى المفاوضات؟ أبومازن يصر على أنه لا حل إلا على طاولة المفاوضات. وأنا معه فليس أفضل من السلام حلا، لكن المفاوضات لم ترجع كرامة العربى.

فما الحل؟ يقسم خالد مشعل بأنه لا حل غير الكفاح المسلح، لكن العدة الإسرائيلية أقوى من عدة حماس ومن العدة العربية جمعاء، سواء الفكرية أو العسكرية أو الثقافية أو الاقتصادية. القتال يضعف المسكين الذى عاش زمنا تحت الحصار فى غزة، وحرم من مقومات الحياة، والسلام يضعف كل المواقف، والنزاع بين القادة الفلسطينيين لا يدع أى بادرة نصر تتحقق تماماً كالنزاع بين الفصائل اللبنانية. والضحية المعتادة المواطن المغلوب.

أعود إلى «مشعل» وانتقادات لا تنتهى ومديح لا ينتهى «(مشعل) انتقل من الحضن السورى للحضن القطرى، (مشعل) يقود الإرهاب».

أختلف معه أم أتفق. أؤمن بـ«حماس» أم أكفر بها، لكن خالد مشعل بعيداً عن واقع غزة المأساوى وبعيداً عن بقية القيادات الحماسية، وبعيدا عن ظلم الإسلام السياسى، خالد الشاب مهما بلغ عمره يشعل روح النضال فيمن يجادله. يحاول إعادة أكسجين الحرية الذى افتقدته الملايين. صاحب الرقم الهائل من المعجبات خرج من سوريا كرمى للثورة، وعاد للتنقل فى المنفى حاملا معه الأمل.

بعد مقابلته تذكرت كل الصعوبات التى مررت بها مع الرأى العام، والتى لا تقارن بصعوباته، تنفست جرعة جديدة من الحرية. وقررت أنى سأبدأ من جديد وبجرأة تفوق جرأتى السابقة. هل يمكن لإسلامى مثله أن يمنح ليبرالية مثلى جرعة من الحرية؟ هذا ما حدث.

أجمل ما يقوله هذا الإسلامى بالفم الملآن: لن نستسلم. وأردد خلفه: لن أستسلم.

[email protected]  

منقول عن المصري اليوم

About نادين البدير

كاتبة صحفية سعودية , قناة الحرة
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.