حوار مع القرضاوي 14: العلمانية والإسلام: هل الرفض متبادل؟

عبد القادر أنيس

يقول القرضاوي في مستهل هذا الفصل: “العلمانية ـ بالمفهوم الذي شرحناه ـ لا تقف من الإسلام موقفا محايداً.. ولا يمكن أن تكون “محايدة” كما زعم بعض العلمانيين العرب. فهذا بالنسبة للإسلام مستحيل.. إن الإسلام يواجهها بشموله لكل جوانب الحياة الإنسانية: مادية ومعنوية، فردية واجتماعية، وهي لا تسلم له بهذا الشمول، فلا مفر من الصدام بينهما”.

أمام هذا الخطاب الشمولي الذي أفشل كل المحاولات العاقلة المتواصلة منذ أكثر من قرن في ديارنا بغية إرساء دولة وطنية علمانية ديمقراطية تتحقق فيها المواطنة التامة بين سائر الناس مهما اختلفت معتقداتهم ومذاهبهم وطوائفهم وأفكارهم، ما هو الخطاب العلماني الواجب تبنيه للخروج من هذا الانسداد؟ هل يجب أن نواصل الدفاع عن علمانية خجولة مترددة، كما يدعونا إليه البعض، أمام هذا الخطاب الإسلاموي المتعنتر حتى لا نصطدم مع قناعات الناس الدينية عندنا؟ أم علينا أن نخاطب الناس كراشدين ومسؤولين عن مصائرهم، ونوجه سهام النقد مباشرة لهذا الخطاب الشمولي وليس فقط لحامليه من رجال الدين ومن السياسيين الذين يتملقون العامة وشيوخها ليستمروا في الحكم؟ كيف يمكن أن نتجاوز هذه الأزمة الخانقة التي تسببت فيها هذه الدولة الهجينة الحالية بشقيها القومي الاستبدادي والثيوقراطي القروسطي؟

كلنا نعرف والقرضاوي يعرف أن الله لن ينزل من عليائه لممارسة حقه الشمولي في حكم العالم كما يوهمنا به رجال الدين عبر الدعوة إلى تحكيم الشريعة، بل سيتولى رجال الدين المهمة بالوكالة عنه ضمن نظام الدولة الثيوقراطية سواء تولوا هم إدارتها مباشرة كما هو الحال في إيران أم اقتسموا النفوذ مع حكومات شبه مدنية كما هو حال جميع دولنا العربية، بحيث يحتفظون بمهمة الحسبة والرقابة على العقول والضمائر حسب ما يعنيه مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تطبيقا لمبدأ “من رأى منكم منكرا فليغيره بيده…” مثلما فعل قتلة فرج فودة بمباركة من الغزالي والقرضاوي، وطبعا فمن يحدد ما هو معروف وما هو منكر هم رجال الدين لا غير بوصفهم “العلماء” الاختصاصيين في هذا الدين، مثلما تفعل الشخصيات والمؤسسات الدينية في أوطاننا من خلال تصديها لكل المطالب التي تنادي بها قوى الحداثة والعلمانية.

يقول القرضاوي رافضا أي تنازل لأي حكم ديمقراطي مدني علماني حقيقي: “إن النصرانية قد تقبل قسمة الحياة والإنسان شطرين: شطر للدين، وشطر للدولة، أو بتعبير الإنجيل: شطر لله وشطر لقيصر، فتعطي ما لقيصر لقيصر، وما لله لله! أما الإسلام فيرى الحياة وحدة لا تتجزأ، ويرى الإنسان كيانا واحدا لا ينفصم، ويرى أن الله هو رب الحياة كلها، ورب الإنسان كله، فلا يقبل قيصر شريكا لله، فلله ما في السموات وما في الأرض، ومن في السموات ومن في الأرض، وقيصر وما لقيصر، كله لله! فلا يجوز أن يستولي على جزء من الحياة، ويوجهها بعيدا عن هدى الله”.

ولقد سبق لي في المقال السابق أن أشرت إلى رأي المفكر الكبير جورج طرابيشي حول مقوله المسيح هذه “أعط ما لله لله وما لقيصر لقيصر” وكيف أن تغير موازين القوى وبروز قوى علمانية مقتدرة هو الذي أخرج هذا القول إلى السطح ونفض عنه الغبار المتراكم عبر القرون دون أن يأبه له رجال الدين أو بالأحرى أخرجه من حيز الممنوع من التداول واللامفر فيه حسب تعبير محمد أركون، مثلما كشف علمانيونا حديث “أنتم أدرى بأمور دنياكم”وحتى حديث “طلب العلم فريضة على كل مسلم” قبل أن يضيفوا إليه “ومسلمة”، لكن ضعف علمانيينا لم يمكنهم من وضعه موضع التطبيق مثلما فعل نظراؤهم في أوربا رغم مرور ما يقرب من قرن على أول محاولة جريئة لطرح مبدأ الدولة المدنية العلمانية، حين نشر المفكر الأزهري علي عبد الرازق كتابه “الإسلام وأصول الحكم.

الراجح أن رجال الدين عندنا ليسوا مستعدين لقبول التعايش مع نظام علماني ما لم تتغير موازين القوى في أوساط الرأي العام عندنا وحينها سوف يكون عليهم إما التكيف وإما الانزواء.

لقد رأيناهم يلجئون إلى مخزونهم الديني لتوظيفه في استخراج ما أمكن من الحيل للالتفاف على كل خطوة نحو الحداثة كما رأينا في القراءات السابقة لكتابي القرضاوي والغزالي.

عبدالقادر أنيس

ومع ذلك فإن ضغط التغيرات العالمية يدفعهم، من حين إلى آخر، للتكيف وتقديم تنازلات سرعان ما يتراجعون عنها عندما يخف الضغط. هذا التكيف يقومون به عادة عبر التحايل على النصوص المقدسة وليّ أعناق الآيات والأحاديث والأحداث التاريخية، من أجل استحلاب شواهد لإيهام الناس أن موروثهم فيه ما يكفي وزيادة لمواجهة متطلبات العصر.

لقد اتهم علي عبد الرازق الأزهري من قبل أسلاف القرضاوي الأزهريين بأنه يدعو إلى إقامة دولة مدنية فاضطر إلى النفي والتراجع بعد القمع الذي تعرض له، وها هو القرضاوي اليوم يدعو إلى الدولة المدنية !! ولكن أية دولة مدنية؟

فعن سؤال: “ماذا يعني المفكرون الإسلاميون بقولهم : ( الحكم الإسلامي في الإسلام يقوم على الدولة المدنية ، وليس على الدولة الدينية؟؟ ما المراد بذلك؟ أم أن هذا الكلام به خطأ؟”

أجاب القرضاوي: “فالدولة الإسلامية كما جاء بها الإسلام، وكما عرفها تاريخ المسلمين دولة مَدَنِيَّة، تقوم السلطة بها على البَيْعة والاختيار والشورى والحاكم فيها وكيل عن الأمة أو أجير لها، ومن حق الأمة ـ مُمثَّلة في أهل الحلِّ والعَقْد فيها ـ أن تُحاسبه وتُراقبه، وتأمره وتنهاه، وتُقَوِّمه إن أعوجَّ، وإلا عزلته، ومن حق كل مسلم، بل كل مواطن، أن ينكر على رئيس الدولة نفسه إذا رآه اقترف منكرًا، أو ضيَّع معروفًا، بل على الشعب أن يُعلن الثورة عليه إذا رأى كفرًا بَوَاحًا عنده من الله برهان”.

“أما الدولة الدينية “الثيوقراطية” التي عرفها الغرب في العصور الوسطى والتي يحكمها رجال الدين، الذين يتحكَّمون في رِقاب الناس ـ وضمائرهم أيضًا ـ باسم “الحق الإلهي” فما حلُّوه في الأرض فهو محلول في السماء، وما ربطوه في الأرض فهو مربوط في السماء؟ فهي مرفوضة في الإسلام، وليس في الإسلام رجال دين بالمعنى الكهنوتي، إنما فيه علماء دين، يستطيع كل واحد أن يكون منهم بالتعلُّم والدراسة، وليس لهم سلطان على ضمائر الناس، ودخائل قلوبهم، وهم لا يزيدون عن غيرهم من الناس في الحقوق، بل كثيرًا ما يُهضَمون ويُظلَمون، ومن ثَمَّ نُعلنها صريحة: نعم.. للدولة الإسلامية، ولا ثم لا.. للدولة الدينية “الثيوقراطية”.

القرضاوي

هذا، إذن، نموذج مثالي من التحايل الذي يلجأ إليه رجال الدين الإسلاميون عندما تتغير الظروف، لكنه تحايل يمس الشكل أما المضمون فحاشا أن يصيبه تبدل. نلمس هذا التحايل حتى في صياغة السؤال، فهل وُجِد فعلا مفكرون إسلاميون من هذا العيار يدعون إلى دولة مدنية ولو إسلامية؟

كان القرضاوي قد قال قبل 20 عاما في هذا الكتاب موضوع هذا الحوار (الإسلام والعلمانية: وجها لوجه): “إن الإسلام يأبى إلا أن يوجه الحياة كلها بأحكامه ووصاياه، وأن يصبغها بصبغته، وهي صبغة الله (ومن أحسن من الله صبغة) (سورة البقرة:138)، ويضفي عليها من روحه الصافية، وهي روح ربانية الغاية، أخلاقية المنزع، إنسانية المضمون.. ولا يقبل الإسلام إلا أن يصحب الإنسان ـ بتوجيهه وتشريعه ـ في رحلة الحياة منذ أن يولد، وإلى أن يموت، بل قبل أن يولد، وبعد أن يموت.. ولا يرضى الإسلام أن يكون في الحياة فضلة لا عمدة، وأن يكون له منها الهامش لا الصلب، وأن يكون لغيره القيادة، وعليه الطاعة والاتباع! إن طبيعة الإسلام أن يكون قائدا لا مقودا، وسيدا لا مسودا، لأنه كلمة الله، “وكلمة الله هي العليا” ولهذا فهو “يعلو ولا يعلى”.

قرضاوي اليوم، من خلال إجابته عن السؤال السابق لا يختلف عن قرضاوي 1985 إلا في الشكل. في تلك الحقبة كان الإسلاميون في صعود وكان الشارع العربي يفور ويمور ويجور بفضل القوة التي كانوا يستمدونها، من جهة، من الضعف والعجز الذي أصاب الدولة القومية بعد دخولها في الأزمات السياسية والاقتصادية المعروفة ومن مساعدات وتواطؤ بلدان البترودولار المتحالفة مع أمريكا ضد المعسكر الاشتراكي والبلدان العربية التي كانت حليفة له، من جهة ثانية، ومن تبعية عمياء لجماهير واسعة عجزت عن توعيتها وحل مشاكلها الدول الاستبدادية القومية. أما اليوم فقد تغير الحال وأصبح حلفاء الأمس أعداء وأعداء الأمس حلفاء، بالإضافة إلى الانشقاق الذي حدث في صفوفهم حتى تجاوزتهم الفصائل الجهادية وراحت تمارس إرهابا أعمى لم يعودوا مستعدين لتبريره والدفاع عنه لأن الحلفاء في الداخل والخارج لم يعودوا في حاجة إلى هكذا إسلام. بل حتى القرضاوي صار يتعرض للهجوم من طرف تلاميذ الأمس وصار ينعت بفقيه السلاطين حتى توهم البعض أن القرضاوي معتدل.

الدليل على أن هذه الدولة المدنية التي يزعمها القرضاوي شكلية وهمية قوله:

“هذا الحاكم في الإسلام مقيد غير مطلق، هناك شريعة تحكمه، وقيم توجهه، وأحكام تقيده، وهي أحكام لم يضعها هو ولا حزبه أو حاشيته، بل وضعها له ولغيره من المكلَّفين: رب الناس، مَلِك الناس، إله الناس. ولا يستطيع هو ولا غيره من الناس أن يلغوا هذه الأحكام، ولا أن يُجمِّدوها. ولا أن يأخذوا منها ويدعوا بأهوائهم. وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً [الأحزاب:36].

القرضاوي

هذه الدولة ليست مدنية في شيء إلا في تحايل القرضاوي على المفاهيم. الدولة المدنية بالمفهوم العصري كما هي قائمة في البلدان العلمانية الديمقرطية هي دولة مرجعيتها الشعب عبر ممثليه المنتخبين، والاحتكام فيها ليس إلى نصوص مقدسة متعالية على النقد والتشكيك، كما رأى القرضاوي، بل إلى اجتهاد بشري دائم لا عصمة له ولا معيار إلا معيار الخبرة العلمية المتواصلة وموازين القوى بين الكتل الاجتماعية المتنافسة على السلطة وعلى كيفية تقاسم خيرات البلاد وإدارة الاختلافات والأنانيات بطرق سلمية لا تقصي أحدا. وعليه فدولة القرضاوي المدنية هذه هي دولة ثيوقراطية سواء تولى الحكم فيها رجال الدين كما هو حال إيران أم تولاها رؤساء وملوك وأمراء كما هو حال البلدان العربية التي يجري فيها تقاسم النفوذ والسلطة والجاه ورغد الحياة بين هؤلاء ورجال الدين أمثال القرضاوي.

في آخر زيارة للقرضاوي للجزائر تعرض لوعكة صحية فأدخل أرقى مستشفيات البلاد (المستشفى العسكري بعين نعجة بضواحي العاصمة) حيث أشرف “على علاجه الفريق الطبي الخاص بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة من بينهم شقيق الرئيس مصطفى بوتفليقة.

“كما أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة (تابع) شخصيا وباهتمام عملية علاج يوسف القرضاوي منذ الدقائق الأولى التي أدخل فيها المستشفى”

الفريق الطبي للرئيس بوتفليقة يتابع علاج القرضاوي بمستشفى عين النعجة

وقد رأى الجزائريون على شاشتهم كيف زاره رئيس البلاد وكيف اشتكى له من الإشاعات التي يجري ترويجها حول صحة رئيسهم.

كذلك قام رئيس الوزراء، يومئذ، عبد العزيز بلخادم، بزيارة له للاطمئنان على صحته !

هذه هي الدولة المدنية النموذجية التي يدعو لها القرضاوي ولا يحلو له العيش إلا في كنفها. وهي أبعد ما تكون عن الدولة المدنية الحقيقية. وطبعا لا يمكن أن نصدق أن القرضاوي قد حضي بكل هذا الاهتمام لوجه الله أو لكرم الضيافة العربية أو حتى لخدماته (الجليلة) للإسلام، لولا نفوذه على الناس وحاجة السلطة “المدنية” إلى رضا رجال الدين لمواجهة انتقادات المعارضة ووسائل الإعلام ولتحريف سخط المواطنين وتذمرهم والحصول على تزكية ثمينة منه وربما “بركته”.

لهذا فقول القرضاوي: “والعلمانية تريد من الإسلام أن يكون تابعا لها، يأتمر بأمرها، وينتهي بنهيها، لا أن يأخذ موقعه الطبيعي والمنطقي والتاريخي، آمرا ناهيا، حاكما هاديا”. غير صحيح في دولة مدنية علمانية حقيقية حيث رجال الدين أكثر حرية مادام الدين الذي يدعون إليه يتوقف عند الناحية الروحية كعلاقة حميمة بين العبد والمعبود. أما أن يزعم القرضاوي أن دينه قادرا على أن : ” يتحرك ويحرك، ويوجه الشباب، ويقود الجماهير، ويفجر الطاقات، ويضيء العقول، ويلهب المشاعر، ويصنع الأبطال، ويربي الرجال، ويضبط مسيرة المجتمع بالحق، ويقيم بين الناس الموازين القسط، ويوجه التشريع والثقافة والتربية والإعلام، ويعلم الناس أن يدعوا إلى الخير، ويأمروا بالمعروف، وينهوا عن المنكر، ويقاوموا الانحراف والفساد، فهذا ما لا ترضى عنه العلمانية بحال”. فهو دور لدين لم نره إلا في شكل مخدر باسم القضاء والقدر وطاعة أولي الأمر، أو كمثير للعامة ومولد للإرهاب، وهذا عندما يكون في أقصى نشاطه وحيويته و”ثوريته”.

القرضاوي غير محق عندما يقول: “تريد العلمانية من الإسلام أن يقنع بركن أو زاوية له في بعض جوانب الحياة، لا يتجاوزها ولا يتعداها، وهذا تفضل منها عليه، لأن الأصل أن تكون الحياة كلها لها، بلا مزاحم أو شريك!”. لأن الدين في البلاد التي استقرت فيها العلمانية ليست هذه حالته.

لكنه محق عندما يقول في نهاية هذا الفصل: “من هنا يصطدم الإسلام بالعلمانية، ولابد في أكثر من مجال، يصطدم بها في كل شعبة من شعب تعاليمه الأربع الرئيسية: العقائد، والعبادات، والأخلاق، والتشريع”.

وهذه هي محنة المجتمعات الإسلامية التي لم تستطع التخلص من الهيمنة المطلقة لهذا الموروث البالي ورفع جبروت رجاله على عقول الناس والإطاحة بهذه الشمولية التي يزعمها رجال الدين لدينهم، في عصر يشهد تساقط كل الشموليات.

يتبع   عبدالقادر أنيس فيسبوك

About عبدالقادر أنيس

كاتب جزائري
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.