حوار قندرجي.. مشهد من فصل واحد

محمد الرديني

الحوار الذي دار امس بين مراسل احدى القنوات الفضائية في بغداد ورجال الامن في احدى نقاط التفتيش يصلح ان يكتب اولا بالخط المسماري ثم يعلق في التحف البغدادي ليرى الناس ما آلت اليه الاوضاع الامنية بقيادة بابكر زيباري الملقب عند اولاد الملحة ب”خاروعة خضرة” يلحقه عدنان الاسدي بلقب “كانت عايزة”ئ.

اولاد الملحة زعلوا جدا من وصف مرصد الحريات الصحفية هذا الحوار امس ب”السلوك المشين”، وهو نفس الزعل الذي ابدوه قبل شهور حين هاجمت احدى فرق القوات الخاصة مقر هذا المرصد واتلفت اجهزة الكبيوتر و”القنفات” والكراسي الخشبية ولم يسلم منهم حتى “قوري” الشاي الوحيد في هذا المكتب.    تواصل مع محمد الرديني فيسبوك

هذا الحوار لايتعدى مشهد واحد من مسرحية بطلها اصحاب الزيتوني والكاكي رغم ان الذي ظهر على المسرح شرطي واحد الضباط.

تنفتح الستارة عن شارع بغدادي مزدحم ، يبدو انه تقاطع حافظ القاضي،ويقف على ناصيته رجال امن يدققون في هويات السائقين مع سياراتهم (احدهم كان يقف بعيدا وهو يمسك جهاز السونار بانتظار الاوامر من العريف).

من بعيد تظهر سيارة تبدو انها تابعة لأحدى القنوات الفضائية وتقف عند بداية نقطة التفتيش.

الشرطي: اوراقكم الثبوتية

المراسل “ويدعى علي الموسوي”: تفضل هذه هي الاوراق مع اذن بالسماح لنا بالتصوير صادرة من قيادات عمليات بغداد.

الشرطي يتفحص الاوراق ويبدو انه يحاول فك الخط: أها انتم صحفيين اذن

المراسل: نعم ونريد ان نقوم بجولتنا المعتادة في عدد من مناطق بغداد.

الشرطي: حلو ، انتو مرتاحين وتتجولون بسياراتكم واحنه هنا نتعذب في الشوارع لن أسمح لكم بالمرور، ولاأهتم لكتاب العمليات ولالغيره وأكبر رأس أدوسه”.

المراسل: هل يمكن ان اخبر الضابط المسؤول في هذه النقطة.

الشرطي ضاحكا يهستيريا: الضابط وقندرتي

(المراسل يتلقى ركلة قوية ترميه بعيدا عن السيارة ولكنه يبدو كان اسرع في تجنب الضربات الاخرى خوفا على نفسه وعلى كاميرا التصوير).

الشرطي وبمساعدة شرطي آخر يحاول سحب المراسل الى حيث يمكن السيطرة عليه واشباعه ضربا ولكن المراسل يهرب بعيدا ويحاول الاتصال عبر”الموبايل” باحد المسؤولين ويبدو ان الاتصال كان غير مجد اذ اسقط في يد المراسل الذي حاول ركوب السيارة والانطلاق بعيدا عن هؤلاء الرجال تجنبا للمزيد من “العركات”.

الشرطي: وين رايح عيني ، تعال ، تعال بعدنه ما خلصنا.

المراسل : أخي شنو تريد هذه كل الاوراق الاصولية التي تسمح لنا بالعمل وصادرة من الضابط المسؤول في قيادة عمليات بغداد.

الشرطي: كلهم ذوله ما يسوون فلس عندي وانت راح تشوف اليوم اللي ما شفته طول حياتك.

المراسل: ليش اخوي.

الشرطي : مثل ما كلتلك، انتو مرتاحين واحنة هنا نتعذب بالحر والمطر والالام الرجلين.

المراسل: وهل هذا ذنبي؟؟.

الشرطي: شوف لا تتفلسف براسي ،ترى والله اكسر راسك، مو حسبالك انت صحفي تخوفني.

يدخل من زاوية المسرح احد الضباط يمشي مثل الطاووس الاغبر ويبدو انه المسؤول عن نقطة التفتيش ،ملامح وجهه تبدو منبسطة وتلوح عليه امارات السعادة.

المراسل يركض نحوه: استاذ الله يخليك خلصنا من هاي الورطة.

الضابط (يبتسم بخبث): أي ورطة استاذ.

المراسل: نريد نصور بعض مناطق بغداد ولدينا كافة الاوراق الثبوتية والاذونات صادرة من عمليات بغداد.

الضابط: انا ما يهمني بعمليات بغداد ،اللي يهمني عندك بطاقة تموينية؟.

المراسل:شنو علاقة البطاقة بعملنا.

الضابط”بحدة”: جاوب على سؤالي والا..

المراسل: نعم عندي.

“يمد المراسل يده الى محفظته ويخرج البطاقو ليريها الى الضابط الذي يأخذها بعنف ويتمعن فيها، بعد برهة ينادي على الشرطي اياه الذي كان يقف في زاوية المسرح هادئا وكأنه لم يكن عنتر زمانه قبل دقائق، يأتي الشرطي مسرعا ويؤدي التحية “

الضابط : خليهم يمرون.

الشرطي: امرك سيدي

“يخرج الضابط من المسرح ويلتفت الشرطي الى المراسل.

الشرطي: يالله ولك انقلع من هنا.

تقفل الستارة بعد ان ينقلع المراسل مع مساعده في التصوير الذي لم يتحرك من داخل السيارة ابدا خوفا على حياته.

تفتح ستارة المسرح ثانية ويظهر احد الاشخاص حاملا لافتة كتب عليها:

المكان:حافظ القاضي

الزمان:يوم الجمعة 7/12/2012

الوقت :العاشرة والنصف صباحا

شخصية المراسل: علي الموسوي

القناة الفضائية: آسيا

المصدر:مرصد الحريات الصحفية.

البيان المنشور: وكالة براثا الاخبارية

وبعد ان اتاح هذا الشخص للجمهور ان يقرأ كل ذلك صاح باعلى صوته.

الرجل: هل من مستنكر ايها الناس.. هل من حريص على كرامة العراقي في هذه الايام.

يقوم احد افراد الجمهور صائحا: سنصدر بيان شجب واستنكار نقدمه الى فخامة عدنان الاسدي وبابكر زيباري.

يتعالى التصفيق الحاد وتنطلق الهتافات المؤيدة بينما تغلق ستارة المسرح ببطء شديد.

About محمد الرديني

في العام 1949 ولدت في البصرة وكنت الابن الثاني الذي تلاه 9 اولاد وبنات. بعد خمسة عشر سنة كانت ابنة الجيران السبب الاول في اقترافي اول خاطرة انشائية نشرتها في جريدة "البريد". اختفت ابنة الجيران ولكني مازلت اقترف الكتابة لحد الان. في العام 1969 صدرت لي بتعضيد من وزارة الاعلام العراقية مجموعة قصص تحت اسم "الشتاء يأتي جذلا"وكان علي ان اتولى توزيعها. في العام 1975 التحقت بالعمل الصحفي في مجلة "الف باء" وطيلة 5 سنوات كتبت عن كل قرى العراق تقريبا ، شمالا من "كلي علي بيك" الى السيبة احدى نواحي الفاو. في ذلك الوقت اعتقدت اني نجحت صحافيا لاني كتبت عن ناسي المعدومين وفشلت كاتبا لاني لم اكتب لنفسي شيئا. في العام 1980 التحقت بجريدة" الخليج" الاماراتية لاعمل محررا في الاخبار المحلية ثم محررا لصفحة الاطفال ومشرفا على بريد القراء ثم محررا اول في قسم التحقيقات. وخلال 20 سنة من عملي في هذه الجريدة عرفت ميدانيا كم هو مسحوق العربي حتى في وطنه وكم تمتهن كرامته كل يوم، ولكني تعلمت ايضا حرفة الصحافة وتمكنت منها الا اني لم اجد وقتا اكتب لذاتي. هاجرت الى نيوزيلندا في العام 1995 ومازلت اعيش هناك. الهجرة اطلعتني على حقائق مرعبة اولها اننا نحتاج الى عشرات السنين لكي نعيد ترتيب شخصيتنا بحيث يقبلنا الاخرون. الثانية ان المثقفين وكتاباتهم في واد والناس كلهم في واد اخر. الثالثة ان الانسان عندنا هو فارزة يمكن للكاتب ان يضعها بين السطور او لا. في السنوات الاخيرة تفرغت للكتابة الشخصية بعيدا عن الهم الصحفي، واحتفظ الان برواية مخطوطة ومجموعة قصصية ويوميات اسميتها "يوميات صحفي سائق تاكسي" ومجموعة قصص اطفال بأنتظار غودو عربي صاحب دار نشر يتولى معي طبع ماكتبت دون ان يمد يده طالبا مني العربون قبل الطبع. احلم في سنواتي المقبلة ان اتخصص في الكتابة للاطفال فهم الوحيدون الذين يقرأون.
This entry was posted in الأدب والفن, فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.