ج 4 / الأرنب الأفلاطوني والجوهريّة المثاليّة! قراءة في كتاب أعظم عَرض على وجه الأرض / د.ريتشارد داوكنز!

رعد الحافظ

رعد الحافظ

مقدمة :
الأفلاطونيّة هي الفلسفة المِثالية التي تشير الى أنّ النفس أو الروح البشرية (التي هي أسبق من الجسد عند أفلاطون) كانت تعيش في البدء في عالَم مثالي أبدي جميل يحوي النماذج الكاملة الفُضلى من كلّ شيء في الوجود!
سُميّ ذلك العالَم المُفترض بالعالَم الجَوهري(عكس الوجودي)!
ببساطة يضّم عالَم أفلاطون المثالي (المُفتَرَض) ,الإنسان الكامل الخالي من كلّ عيب .كما يضّم الكلب الكامل,الأرنب الكامل,الدجاجة الكاملة, شجرة الرمان الكاملة ,وكلّ شيء كامل بأفضل صورة نحلم بها!
لكن مؤلف هذا الكتاب ينبهنّا في هذا الفصل الى تأثير الافلاطونية (المثاليّة الجوهرية) على تفكيرنا (وتعطيلهِ) حتى في مجال قبول فكرة التطوّر!
الآن أستمر معكم بقراءة هذا الكتاب العِلمي المفيد !
***
الجوهرية والتطوّر!
يتسائل د.ريتشارد داوكنز كما يلي:
لماذا إستغرقَ الأمرُ طويلاً ليصل شخص كـداروين الى مسرح الحَدَث؟
ما الذي أخّرَ فَهمْ البشرية لفكرة (التطوّر)الواضحة وضوح الشمس؟
تلك الفكرة التي تبدو (بالمقارنة) أسهل إدراكاً من الأفكار الرياضية التي وصلتنا من نيوتن قبلها بقرنين.أو حتى من الأفكار التي وصلتنا من أرخميدس قبلها بألفي عام.
اُقترحَتْ العديد من الإجابات على هذا السؤال!
ربّما تُرَوَّعْ العقول بالوقت الهائل الذي ينبغي مروره لحدوث تغيّر كبير.
وبالتنافر بين ما نُسميه اليوم (الأوقات الجيولوجيّة العميقة) ,وفترة حياة الفرد وقدرة إدراكه إذا رغب بذلك!
ربّما التلقين الديني هو الذي منعنا من التقدّم!
ربّما التعقيد المَهيب لعضو حيّ مهم كالعين ,مشحوناً بالوَهم الخادِع بالتصميم من مهندس كوني ذكي!
أو ربّما لعبت كلّ هذه الأسباب دوراً في تأخّر فهمنا لفكرة التطوّر!
لكن
Ernst Mayr
شيخ النظرية التطوّرية التركيبيّة الحديثة (توفي عام 2005 عن مئةِ عام) لطالما عبّرَ على نحوٍ مُتكرر عن إرتيابٍ مختلف!

فالبنسبة لـ (ماير) فإنّ المُتهَم هو التعاليم الفلسفيّة القديمة التي نُسميها بمصطلح العصر الحديث بالجوهرية .[الجوهرية نظرية فلسفيّة تُقدّم الجوهر والماهيّة على الوجود ,وهي نقيض الفلسفة الوجوديّة] !
لقد اُعيقَ إكتشاف التطوّر بفعل التأثير المُستمر لأفلاطون بعد موتهِ لقرون طوال!
***
تأثير فلسفة أفلاطون على التطوّر!
أغلب فلاسفة الإغريق القدماء كانوا عُلماء هندسة بالأصل !
وأفلاطون كان عالم هندسة في أعماقه!
حسب رأيهِ فإنّ الحقيقة التي نظنّها ,هي مجرد ظِلال من نيران المُخيّم الوامضة ,مُلقاة على حائط كهفنا!
وحسب رأيه أيضاً ,فإنّ كلّ مُثلث مرسوم على التُراب هو مجرد ظل ناقص للجوهر الحقيقي للمُثلث!
خطوط المثلث الجوهري (حسب أفلاطون) هي خطوط إقليدسيّة تماماً.
معناها هي خطوط ذات طول لكن بلا عرض!
يُعرف عن الخطوط أنّها ضيّقة بصورة مطلقة ولا تتقابل أبداً إذا كانت متوازية .زوايا المثلث (الجوهري) تساوي 180 درجة لا أكثر ولا أقلّ
لكن هذا ليس صحيحاً بالنسبة لمثلث مرسوم على الرمال!
لذا (حسب أفلاطون) فإنّ المثلث المرسوم على الرمل هو مجرّد ظلّ متزعزع للمُثلث المثالي الجَوهري!
الآن :حسب (إيرنست ماير) فإنّ علم الأحياء قد اُبتلي بحصتهِ الخاصة من النظرية الجوهرية!
عامَلَت الجوهرية (البايولوجيّة) التابير والأرانب وآكلات النمل المُغطاة بالقشور اللزجة اللسان ,والجِمال وحيدة السنام ,كما لو كانوا مثلثات أو معينات أو قطوعاً مُكافئة أو شكل (ثنائي عشر) الضلوع!
الأرانب التي نراها هي ظِلال شاحبة للفكرة المثالية عن الأرنب ,أو الجوهريّة المثاليّة ,أو الأرنب الأفلاطوني لو شئتم!
وهو سيبقى مُعلّقاً في مكانٍ ما في فضاء المفاهيم سويّاً مع كلّ الأشكال الهندسيّة المثاليّة .
ربّما تكون أرانب اللحم والدم (الفعلية) متعددة الأنواع .لكن هذه الإختلافات تُرى دائماً كإنحرافات إختلاليّة للجوهر المثالي للأرنب!
إنظروا كم هو غير تطوّري ذلك التصوّر على نحوٍ مثير لليأس!
***
الأرنب القياسي!
إعتبرَ الأفلاطونيّون أنّ أيّ إختلاف بين أنواع الأرانب هو بمثابة إنحراف غير مُرتّب عن الأرنب الجوهري.كما لو كانت كلّ الأرانب الحقيقية مرتبطة برباط مطاطي غير مرئي بالأرنب المثالي في الفضاء!
بينما النظرية التطوريّة للحياة هي على نقيض تلك الفكرة الجوهرية!
الأنسال (جمع نسل) يمكنها الإختلاف عن شكل الأسلاف بشكلٍ غير مُحدّد
وكلّ إنحراف بدورهِ يصير سَلَفاً مُمكناً لأنواع مستقبليّة.
وبالفعل فإنّ (ألفرِد راسل والاس) العالِم الذي إكتشفَ نظرية التطوّر بالإنتخاب الطبيعي بشكلٍ مستقل عن داروين (في نفس زمانه) ,قد عنون ورقته العلمية بما يلي (لاحظوا عبقرية العنوان الذي يلخص الموضوع)
[عن نزعةِ الأنواعِ الى الحيدِ عن النَمط الأصلي بشكلٍ غير محدود]!
إن كان هناك في عِلم الأحياء أرنب قياسي فإنّه لن يعني سوى المركز الأم للتوزّعات جَرَسية الطابع للأرانب المنطلقة القافزة المتنوّعة الحقيقيّة!
المتوزّع (الأرنب الجديد) يتغيّر مع الوقت كلّما مَضَتْ الأجيال!
الآن : قد تأتي نقطة في الزمن (غير مُحدّدة بوضوح تام) ,ينحرفُ فيها نموذج ما نسميه (الأرانب) كثيراً ,بحيث يستحق إسماً آخر!
فليس هناك أرنبيّة دائمة .و لا جوهر أرنبي مُعلّق في السماء!
الأرانب ليسوا سوى أفراد نوع ,مكسوون بالفراء,طويلو الأذان ,متقممون على برازهم ,مرتعشو الشوارب,نرى فيهم تنوّعاً إحصائياً لتعدد الأحجام والشكل واللون والطباع !
كلّ شيء نسبي وذو مرونة .فربّما تكون أطول الآذان بين الأسلاف ,هي أقصر من أقصر الآذان لدى الأنسال!
وكما قال فيلسوف إغريقي آخر (هيرقليطس) ..لا شيء ثابت!
فبعد مليون سنة ربّما يكون عسيراً تصديق أنّ الحيوانات الناتجة هي أسلاف للأرانب!
علاوةً على ذلك كلّ جيل خلال العملية التطورية البطيئة جداً يكون النمط السائد فيه مشابهاً للجيل الذي سبقه والجيل الذي تلاه.وهذا ما يسميه (ماير) بفكرة المجموعة السكانيّة .التي هي نقيض النظرية الجوهرية!
كذلك (وفقاً لماير) فإنّ تأخّر وصول شخص كداروين الى مسرح الحدث كلّ هذا الزمن غير المعقول ,كان سببه هو أنّنا كلّنا (سواءً بتأثير الفلسلفة اليونانية أو لسبب آخر) ,ينغرز في عقولنا الوراثية وَهمْ الجوهرية!
فالبنسبة لعقلٍ اُعميّ بغمامات الفكر الأفلاطوني ,الأرنب هو الأرنب ,كان وسيظل هو الأرنب!
إنّ إقتراح أنّ نوع الأرنب يؤلف سحابة مُتغيّرة للمعدلات الإحصائية ,أو أنّ نمط الأرنب في العصر الحاضر ربّما يكون مختلفاً عن نمط الأرنب منذ مليون سنة أو بعد مليون سنة من الآن ,يبدو كما لو أنّه يعتدي على تابو ذاتي!
في الواقع إنّ دراسات عِلم النفس لتطوّر اللغة تُخبرنا أنّ الأطفال جوهريّون بطبيعتهم .وهم قد يحتاجون ذلك ليظلّوا سليمي العقول.
بينما تُميّز عقولهم الأشياء الى فئات منفصلة كلٍّ منها ملقب بإسمٍ واحد!
لذا لايبدو غريباً أن كانت أولى مهام آدم (في إسطورة سِفر التكوين) هي إعطاء كلّ الحيوانات أسماء!
وليس غريباً أيضاً حسب ماير ,أنّنا معشر البشر إحتجنا لإنتظار(دارويننا) حتى القرن التاسع عشر ,لتصوّر مدى تضاد التطوّر للنظرية الجوهرية!
فنتأمّل التالي:
من وجهة النظر التطوّرية (أو فكرة أفراد المجموعة السكانيّة) ,فكلّ حيوان متصل بكلّ حيوان آخر!
مثلاً الارنب الى النمر ,يتصل بسلسلة من الأسلاف المُشتركة الوسيطة .
كلٌّ منها مشابه لما يتلوها ,بحيث كلّ حلقة كان يمكنها التلاقي مع ما سبقها أو تلاها في السلسلة وإنجاب ذريّة خصيبة .وكلّ واحد في السلسلة كان إبناً لجاره على جانب وأباً لجاره على الجانب الآخر!
علاوةً على ذلك تؤّلف كلّ السلسلة جسراً متصلاً يربط الأرنب بالنمر!
(هنا يستمر داوكنز بشرح مفصّل لهذا الموضوع ,اُشفق على القرّاء من نقله هنا ,لذا سأقفز الى خلاصة فكرته بهذا الصدد /كاتب السطور)!
يقول داوكنز :
إنّه من الضروري (لكن بشكل مؤسف) الشرح مراراً وتكراراً ,أنّ الأنواع الحديثة لا تتطوّر الى أنواع حديثة أخرى .هم فقط يتشاركون سلفاً مُشترَكاً هم أقارب!
هذا هو أيضاً إجابة على الإحتجاج العامي المُزعِج :
[إن كان البشر قد تطوّروا من الشمبانزي ,فلماذا لايزال هناك شمبانزي حولنا؟]!
***
الخلاصة :
حسب الفلسفة الأفلاطونية ,هناك أرنب مثالي قياسي قابع في الفضاء!
هو الأصل الذي خلقه مهندس الكون الذكي!
كلّ أرنب مختلف عن ذلك المُتخيّل هو مجرد إنحراف عن الجوهر!
(هذه الفكرة تنطبق على جميع الأشياء والكائنات الحيّة بما فيها الإنسان)
بينما الواقعية العِلميّة ونظرية التطوّر تخبرنا العكس!
ليس هناك أرنبيّة دائمة ولا أرنب مثالي معلّق في السماء بتلك الصفات الكاملة التي لاتتغيّر أبداً .فكلّ شيء خاضع للتطوّر والتغيّر مع مرور الزمن وملايين السنين!
نعم ربّما لن نستطيع رؤية أوملاحظة التطوّر الطبيعي خلال عمرنا القصير نسبياً .إنّما هناك (أرشيف) الحفريّات والمتحجرات ,هو الذي يحفظ لنا كلّ شيء كما لو كنّا نراقب شريط فيديو علمي عادي!
مع ذلك هناك تجارب قام بها علماء الأحياء طوّروا فيها منتجات زراعية وحيوانات مختلفة (حتى أعضاء بشرية) حسب رغبتهم لتحسين المنتوج .
حصل ذلك بفترة وجيزة نسبياً .لكن ذلك ماندعوه التطوّر الإصطناعي!
الفارق المهم بين هذين النوعين من التطوّر (الإصطناعي والطبيعي)
أنّ الأوّل ينجزه العلماء في مختبراتهم بساعات أو أيّام ونلمس نتائجه في الاسواق يوميّاً في أغلب الخضراوات والفواكه ولحوم الأكل!
بينما الثاني يحصل تدريجياً بتدّخل الطبيعة فقط وخلال ملايين السنين !
من جهة ثانية ,تأملّوا معي عبقرية داروين بإنجازه تلك النظرية الرائدة (التطوّر والإنتقاء الطبيعي) التي أصبحت تمثّل الحقيقة المركزية الأولى في علم البايولوجي وجميع العلوم ذات الصلة (كالوراثة والجينات,..)
فرغم أنّ مصطلح (الجوهريّة) ذاته لم يُخترع حتى عام 1945 أي بعد نظرية داروين بحوالي قرن من الزمان (مايعني أنّه لم يكن متاح له)!
لكنّ داروين كأنّه كان مُعتاداً للغاية على النسخة البيولوجية من الجوهرية التي تعني نظرية ((ثبات الأنواع))!
معظم جهوده (في أغلب كتبه) كانت منصبّة على عكس تلك الفكرة وتأكيد نقيضها ,ألا وهي فكرة تطوّر الأنواع مع الزمن .رغم أنّ جمهور داروين حينها كان من الجوهريين أنفسهم !

تحياتي لكم

رعد الحافظ
6 يوليو 2016

About رعد الحافظ

محاسب وكاتب عراقي ليبرالي من مواليد 1957 أعيش في السويد منذُ عام 2001 و عملتُ في مجالات مختلفة لي أكثر من 400 مقال عن أوضاع بلداننا البائسة أعرض وأناقش وأنقد فيها سلبياتنا الإجتماعية والنفسية والدينية والسياسية وكلّ أنواع السلبيات والتناقضات في شخصية العربي والمسلم في محاولة مخلصة للنهوض عبر مواجهة النفس , بدل الأوهام و الخيال .. وطمر الروؤس في الرمال !
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.