تأليف القرآن- الكشف الوافي بقلم معروف الرصافي 18

رياض الحبيّب

ما يأتي بعض الشواهد على مواقف رسول الإسلام من الشعر والشعراء ممّا ورد في أحاديث صحيحة، تكملة للقسم الأوّل- في الحلقة السابعة عشرة من هذه السلسلة:
1 جاء حسّان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك إلى رسول الله ص وهم يبكون فقالوا: قد علم الله حين أنزل هذه الآية أنّا شعراء، فتلا النبي ص (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) – رواه الطبري والقرطبي ولكنّ ابن كثير رواه متسائلاً أو مستغرباً في تفسيره:
{وقد روى ابن أبي حاتم أيضاً… عن أبي الحسن مولى بني نوفل أنّ حسّان بن ثابت وعبد الله بن رواحة أتيا رسول الله ص حين أنزلت هذه الآية (والشعراء يتبعهم الغاوون) يبكيان فقال رسول الله ص وهو يقرؤها عليهما (والشعراء يتبعهم الغاوون) حتى بلغ (إلّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) قال (أنتم) وقال أيضا حدثنا أبي… عن عروة قال: لما نزلت (والشعراء يتبعهم الغاوون) إلى قوله (وأنهم يقولون ما لا يفعلون) قال عبد الله بن رواحة يا رسول الله قد علم الله أنـّي منهم فأنزل الله تعالى (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) الآية وهكذا قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة وزيد بن أسلم وغير واحد أن هذا استثناء مما تقدم. ولا شك أنه استثناء ولكنّ هذه السورة مكّيّة فكيف يكون سبب نزول هذه الآيات شعراء الأنصار؟} انتهى.
وجاء استغراب ابن كثير (المتوفى سنة 774 هـ) بما أنّ الأنصار من أهل يثرب أي المدينة. أمّا الجواب فموجود عند القرطبي (المتوفى سنة 671 هـ) في معرض شرح الآية الأولى (طسم) حيث ورد في أوّل الشرح {سورة الشعراء: هي مكّـيّة في قول الجمهور. وقال مقاتل: منها مدني؛ الآية التي يذكر فيها الشعراء، وقوله (أولم يكن لهم آية أن يَعْلمَهُ علماء بني إسرائيل) – الشعراء: 197 وقال ابن عباس وقتادة: مكية إلّا أربع آيات منها نزلت بالمدينة من قوله (والشعراء يتبعهم الغاوون) – الشعراء: 224 إلى آخرها}
وقد أكّد الجلالان في بداية شرحهما سورة الشعراء قولَ القرطبي: {سُورَة الشُّعَرَاء مَكِّيَّة إلَّا آيَة 197 و224 إلَى آخِر السُّورَة فمَدنِيَّة وآيَاتها 227 آيَة نزلَتْ بَعْد الْوَاقِعَة. واللافت بالمناسبة هو قولهما في محاولة شرح الآية الأولى في سورة الشعراء (طسم): اللَّه أعْلَم بمُرَادِهِ بذلِك}
واستطرد ابن كثير:
ولكن هذا الاستثناء يدخل فيه شعراء الأنصار وغيرهم حتى يدخل فيه من كان متلبساً من شعراء الجاهلية بذمّ الإسلام وأهله ثم تاب وأناب ورجع وأقلع وعمل صالحاً وذكر الله كثيراً في مقابلة ما تقدم من الكلام السّيّئ فإنّ الحسنات يذهبن السيئات وامتدح الإسلام وأهله مقابلة ما كان يذمّه كما قال عبد الله بن الزبعرى حين أسلم:
يا رسول المليك إن لساني *** راتق ما فتقت إذ أنا بورُ
إذ أباري الشيطان في سنن الغـَيّ ومن مال ميله مثبورُ
[بحر الخفيف- لمن يُحِبّ الإطّلاع على أوزان الشعْر ولمن تحبّ]
وكذلك أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب كان من أشد الناس عداوة للنبي ص وهو ابن عمه وأكثرهم له هجواً فلمّا أسلم لم يكن أحد أحبّ إليه من رسول الله ص وكان يمدحه بعدما كان يهجوه، ويتولّاه بعدما كان قد عاداه. وهكذا روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس أنّ أبا سفيان صخر بن حرب لما أسلم قال يا رسول الله ثلاث أعطنيهنّ قال (نعم) قال: معاوية تجعله كاتباً بين يديك قال (نعم) قال وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين قال (نعم) وذكر الثالثة ولهذا قال تعالى (إلّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا) قيل معناه ذكروا الله كثيراً في كلامهم وقيل في شعرهم وكلاهما صحيح مكفـّر لما سبق وقوله تعالى (وانتصروا من بعد ما ظلموا) قال ابن عباس يردّون على الكفار الذين كانوا يهجون به المؤمنين وكذا قال مجاهد وقتادة وغير واحد وهذا كما ثبت في الصحيح أن رسول الله ص قال لحسّان (اهجهم- أو قال- هاجهمْ وجبريل معك)

2 قيل “الغاوون” الزائلون عن الحق، ودلّ بهذا أن الشعراء أيضا غاوون؛ لأنهم لو لم يكونوا غاوين ما كان أتباعهم كذلك. وقد قدمنا في سورة “النور” أنّ من الشعر ما يجوز إنشاده، ويُكرَه، ويَحرُم. روى مسلم من حديث عمرو بن الشريد عن أبيه قال: ردِفتُ رسولَ الله ص يوماً فقال: (هل معك من شعر أمَيّة بن أبـِي الصّلْت شيء) قلت: نعم. قال: هِيْهِ [وهي كلمة استزادة- المنجد في اللغة والأعلام] فأنشدته بيتاً. فقال (هيه) ثم أنشدته بيتاً. فقال (هيه) حتى أنشدته مائة بيت. هكذا صواب هذا السند وصحيح روايته.
وقدْ وَقَعَ لِبَعْضِ رُوَاة كِتاب مُسْلِم: عن عمرو بن الشريد عن الشريد أبيه؛ وهو وَهْم؛ لأن الشريد هو الذي أردفه رسول الله ص. واسم أبي الشَّرِيد سُوَيْد. وفي هذا دليل على حفظ الأشعار والاعتناء بها إذا تضمنت الحكم والمعاني المُستحسَنة شرعاً وطبعاً، وإنما استكثر النبي ص من شعر أمَيّة؛ لأنه كان حكيماً؛ ألا ترى قوله عليه السلام (وَكادَ أُمَيَّة بْن أَبي الصَّلْت أَنْ يُسْلِم) فأمّا ما تضمّن ذكر الله وحمده والثناء عليه فذلك مندوب إليه، كقول القائل:
الحمد لله العليّ المنانْ *** صار الثريد في رُءوس العيدانْ
[بحر السريع- مشطوراً]
أو ذكر رسولَ الله ص أو مدحَهُ كقول العباس:
من قبلها طبْت في الظلال وفي *** مستودع حيث يخصف الورقُ
ثم هبطت البلاد لا بشر *** أنت ولا مضغة ولا علقُ
بل نطفة تركب السفين وقدْ *** ألجم نسراً وأهله الغرقُ
تنقل من صالب إلى رحِمٍ *** إذا مضى عالم بدا طبقُ
[بحر المنسرح]
فقال له النبي ص: (لا يفضض الله فاك)
{من تفسير القرطبي}

3 نزلت (أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهيمُون) في عَبْد اللَّه بْن الزِّبَعْرَى وَمُسَافِع بْن عَبْد مَنَافٍ وَأُمَيَّة بْن أَبِي الصَّلْت؛ يقول: في كل لغو يخوضون، ولا يتبعون سنن الحق؛ لأنّ من اتبع الحق وعلم أنه يكتب عليه ما يقوله تـَثبَّتَ، ولم يكن هائماً يذهب على وجهه لا يبالي ما قال.
{من تفسير القرطبي}

4 رسول الإسلام يأمر بقطع اللسان إذا هجا
(والشعراء يتبعهم الغاوون) – قال الضحّاك: تهاجى رجلان أحدهما أنصاري والآخر مهاجري على عهد رسول الله ص مع كل واحد غواة قومه وهم السفهاء فنزلتْ؛ وقاله ابن عباس. وعنه هم الرواة للشعر. وروى عنه عليّ بن أبي طلحة أنهم هم الكفار يتبعهم ضُلّال الجنّ والإنس؛ وقد ذكرناه. وروى غُضَيْف عن النبي ص: (مَنْ أَحْدَثَ هِجَاءً فِي الْإِسْلَام فاٌقطَعُوا لِسَانه) وعن ابن عباس أن النبي ص لما افتتح مكة رنّ إبليس رنـّة وجَمَعَ إليه ذرِّيَّته؛ فقال اِيئَسُوا أن تريدوا أمّة محمد على الشرك بعد يومكم هذا ولكن أَفـْشُوا فيهما- يعني مكة والمدينة– الشعْر.
{من تفسير القرطبي}

5 رسول الإسلام: أنْ يمتلئ جوف الإنسان قيحاً خيرٌ من أنْ يمتلئ شعراً
قال الإمام أحمد… عن أبي سعيد قال: بينما نحن نسير مع رسول الله ص بالعرج إذ عرض شاعر ينشد فقال النبي ص (خذوا الشيطان- أو أمسكوا الشيطان- لأنْ يمتلئ جوفُ أحدكم قيحاً خيرٌ له من أنْ يمتلئ شعراً)
{من تفسيرَي القرطبي وابن كثير}

6 روى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ص (الشعر بمنزلة الكلام حسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام)
{من تفسير القرطبي}

7 وروى الترمذي وصحّحه عن ابن عباس أن النبيّ ص دخل مكة في عمرة القضاء وعبد الله بن رواحة يمشي بين يديه ويقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله
اليوم نضربكم على تنزيله
ضرباً يزيل الهام عن مقيله
ويذهل الخليل عن خليله
[بحر الرّجَز]
فقال عمر: يا ابن رواحة! في حرم الله وبين يدي رسول الله ص! فقال رسول الله ص ( خلّ عنه يا عمر فلهو أسرع فيهم من نضح النبل)
{من تفسير القرطبي}
وفي ويكيبيديا: قال النبي (خلّ عنه ياعمر، فوالذي نفسي بيده لكلامُه أشدّ عليهم من وقع النبال)
علماً أنّ الشاعر عبد الله بن رواحة الأنصاري قـُتِل خلال غزوة مؤتة في8 هـ.

8 الله يمدح كعْبَ بن زهير!
قال كعب: يا رسول الله! إن الله قد أنزل في الشعر ما قد علمت فكيف ترى فيه؟ فقال النبي ص (إن المؤمن يجاهد بنفسه وسيفه ولسانه والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل) وقال كعب:
جاءت سخينة كي تغالب ربّها *** وليغلبنّ مغالب الغلّاب
[بحر الكامل]
فقال النبي ص: (لقد مدحك الله يا كعب في قولك هذا)
{في تفسيرَي القرطبي وابن كثير}

9 وبالمناسبة: الله يعادي ويُبغض ويسبّ!
حدثنا عبد الله… عن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْل قال… إنّ بين عمّار وبين خالد بن الوليد كلاماً فشكاه عمّار إلى رسول الله ص فقال (من يُعادِ عمّاراً يعادِهِ الله عزّ وجلّ ومن يبغضه يبغضه الله عز وجل ومن يسبّه يسبّه الله عز وجل) فقال سلمة ذا أو نحوه.
حديث 17280 مسند أحمد، تفسير ابن كثير ج 2 ص 245 ، السنن الكبرى ج 5 ص 73 ، المعجم الكبير لمؤلفه الطبراني ج 4 ص 112

10 محمّد يسأل الله ليؤيّد حسّان بن ثابت بروح القدس!
– حدثنا أبو اليمان… عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع حسّان بن ثابت الأنصارى يستشهد أبا هريرة فيقول يا أبا هريرة نشدتك بالله هل سمِعْتَ رسولَ الله ص يقول (يا حسّان أجبْ عن رسول الله اللهمّ أيّده بروح القدس) قال أبو هريرة: نعم.
حديث 6222 باب الأدب- صحيح البخاري، حديث 3248 باب بدء الخلق- صحيح البخاري، صحيح مسلم- حديث 6539 وحديث 6541

11 لكنّ الجدير ذكره أنّ محمّداً نفسه كان يسبّ ويشتم ويلعن ويحرّض في أحاديث صحيحة رويت عنه وفي القرآن- وفي التراث الإسلامي والمواقع الالكترونية نماذج مخزية لا تليق بإنسان حامل رسالة سماوية ولا أرضية. فمن شاء من القرّاء الكرام فليضع في محرّك البحث گوگل [فأغضباه فلعنهما وسبّهما] و[لعن الله اليهود والنصارى] و[أنكتها] هكذا أو بتشكيل [أَنِكْتَهَا] وقول محمد لعائشة [سُبِّيهَا فَسَبَّتْهَا حَتَّى غَلَبَتْهَا] وغير ذلك ليتحقق من صحّة ما ذكرت.
——-

قيل بلسان العرب أنّ (الحرب أوّلها الكلام) وكان أكثر الكلام إيقاعاً في نفوس العرب هو الشعْر. وقد كان محمّد يفكّر في غار حراء- بما أوتي من خيال واسع وقويّ- بالقيام بصياغته بأسلوب يجعله قرآناً يُقرَأ ويُحفـَظ؛ ليس كما الشعر، لأنّ محمداً سيُعَدّ شاعراً شأنه شأن شعراء الجاهلية لا يمكنه التفوق عليهم بما عُرفوا بالفصاحة والبلاغة، وليس كما سجع الكهّان لأنّ شأنه يصبح شأن أي كاهن- راجع باب القرآن ص 551 في كتاب الرصافي- فانتهى إلى القرآن واسطة تقوم بها الدعوة أي الصور الكلامية المصاغة والمسبوكة لتـُحفـَظ في الصدور ويتناقلها العرب. وبعدما قويَتْ شوكته قام بملاحقة منتقديه ومعارضيه باعتبارهم أعداء الله والرسول.
يقول ابن سلام: وكان الشعر في الجاهلية عند العرب ديوان علمهم ومنتهى حكمهم به يأخذون وإليه يصيرون- طبقات فحول الشعراء ج1 ص23

أمّا عن أحوال العرب في صدر الإسلام فقد كانوا يحفظون الشعر بالإضافة إلى الانشغال بالغزوات المسمّاة تالياً بالفتوحات؛ وقد عُرف أبو بكر راوية ً للأنساب وللشعر وممّا في سيرته- في ويكيبيديا- أنّه أعرَف قريش بالأنساب. وكان أبو بكر يُخبر حسّان بن ثابت بمثالب قريش. ذلك وغيره ممّا يُروى عن الصحابة والتابعين فإنهم أنشدوا الشعر في المساجد ومنهم ابن عباس (حَبْر الأمة وفقيهها وإمام التفسير) لم يتحرّج من إنشاد قصيدة كاملة لعُمَر بن أبي ربيعة المعروف- عن ويكيبيديا أيضاً- بقصائده الغزليّة وأرق شعراء عصره، من طبقة جرير والفرزدق، حيث لم يكن في قريش أشعر منه.

بقي أخيراً أنْ أنوّه حول تساؤلي في الحلقة السابقة «لماذا عَدَل مؤلّفُ القرآن عن اعتبار المقطع (وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون) آية قرآنية كاملة، مستقلّة عمّا قبلها نسجاً متصلة بها معنىً، شأنها شأن غيرها من آيات قرآنية أخـَر، ذلك إمّا كان عَلّامُ الغيوب على دراية بأنْ يُكتـَبَ لذلك المقطع فيما بعد أنْ يكون في الذروة العليا من البلاغة؟» بأنّ الفعل الماضي “ظلموا” في قوله (وانتصروا من بعد ما ظلموا) والذي سبق المقطع (وسيعلم الذين ظلموا…) لا يصلح ليكون فاصلة- التي تقابل القافية في الشعر- إلّا لو أبقى مؤلّف القرآن على النون، أي على صيغة “ظلمُون” بدون حذف النون وإطلاق الألف بعد واو الجماعة كما في “ظلموا” مراعاة للفواصل التي رأينا مؤلّفَ القرآن في الحلقات الخمس الأولى من هذه السلسلة قد أولاها اهتماماً مميّزاً- كما أكّد الرصافي أزيد من مرّة على {أنّ محمّداً كان يراعي الفواصل كلّ المراعاة ويعتني بها كلّ الإعتناء، لأنها هي الطابع الذي امتاز بها أسلوبه. ولا يُنكَر أنّ عنايته بالفواصل قد جاءت بكثير من المحاسن، لكنها مع ذلك لم تخلُ أحياناً ممّا يُعاب} وضرَبَ الرّصافي أمثلة متنوّعة على وسائل مؤلّف القرآن في مراعاة الفواصل، منها التي تقدّم عرضها في الحلقات المذكورة، أمّا في هذا البحث فالفواصل المقصودة هي: غاوون، يهيمون، يفعلون، ينقلبون- وذلك نظراً لما عرف به الشعراء العرب من إجازة ضرورات الشعر، علماً أنّ هذه الضرورة (أي الفعل الماضي بالصيغة: ظلمون) قد ندر وجودها في الشعر وأنّها لو حصلتْ لما كانت قواعد اللغة فيما بعد القرآن لتتعارض معها ولا عُدّت خارجة عن القياس وخصوصاً لو اعتـُمِدتْ في القرآن. فهو ذا الشاعر أحمد شوقي قد أبقى على النون في قوله (كَذبون) في مسرحيته الشعرية “مصرع كليوباترا” ممّا قرأتُ في الصفحة 79:
كيلُبترا! عجَبٌ! أنتِ هنا! — لم تموتي… هُمْ إذنْ قد كذبونْ
[قال: كذبون ولم يقل: كذبوا وذلك للضرورة الشعرية. وقوله هنا كيلُبترا وفي أماكن أخرى كليوباترا يمكن تمشيته في الشعر بدون إخلال في الوزن الشعْري- وهو هنا من بحر الرّمَل- لأنّ الإسم أعجمي أي غير عربي]
كليوباترا:
سيّدي روحي حياتي قيصري — أنتَ حيّ ٌ!
أنطونيو:
بعد حين لا أكونْ
كليوباترا:
مَنْ نـَعاني كذِباً مَنْ قالها — لكَ!
أنطونيو:
أولمبوسٌ النذلُ الخؤونْ
مرّ فاستوقفتهُ أسألُه — قال ماتتْ فتجرّعْتُ المنونْ

قوله “كذبون” ليس بخطأ نحوي لكنّه على غير القياس، علماً أنّ الضرورة الشعريّة لا تبرّر خطأ نحويّاً! ولم يكن صعباً على شاعر كبير مثل شوقي أنْ يصوغ الأبيات السابقة بجعل القافية “كذبوا” بدون إخلال في الوزن- ففي رأيي يمكن القول:
كِليُبَترا عَجَبٌ أنتِ هُنا! *** لم تموتي هُمْ إذنْ قد كذبوا
سيّدي روحي حياتي قيصري *** أنتَ حيّ ٌ؟!… بعد حينٍ أذهبُ
إلخ… وهذا مجرّد مثال بسيط.
_____________________

في الحلقة التاسعة عشرة تعليق على بلاغة آية أخرى ممّا ساق الرصافي من أمثلة على الذروة العليا من البلاغة في القرآن.

http://www.facebook.com/pages/%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A8%D9%8A%D9%91%D8%A8-%D9%85%D9%8F%D9%81%D9%83%D9%91%D9%90%D8%B1-%D8%AD%D9%8F%D8%B1%D9%91/293585240726512

About رياض الحبَيب

رياض الحبيّب ّخاصّ\ مفكّر حُر شاعر عراقي من مواليد بغداد، مقيم حاليًا في إحدى الدول الاسكندنافية. من خلفية سريانية- كلدانية مع اهتمام باللغة العربية وآدابها. حامل شهادة علمية بالفيزياء والرياضيات معترف بها في دولة المهجر، وأخرى أدبية. حظِيَ بثناء خاصّ من الأديب العراقي يوسف يعقوب حداد في البصرة ومن الشاعر العراقي عبد الوهاب البيّاتي في عمّان، ومارس العمل الصحافي في مجلة لبنانية بصفة سكرتير التحرير مع الإشراف اللغوي. بدأ بنشر مقالاته سنة 2008 إلى جانب قصائده. له نشاطات متنوعة. ركّز في أعماق نفسه على الفكر الحُرّ الراقي وعلى حقوق الإنسان وتحديدًا المرأة والأقلّيات وسائر المستضعَفين أيًّا كان الجنس والعِرق والاتجاه
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.