اليساريون ومشكلة البيضة والدجاجة

طلال عبدالله الخوري 

جرى منذ مدة حوار بيني وبين الاستاذ عبدالقادر انيس في مجموعته البريدية. ولقد قام الاستاذ شامل عبدالعزير بكتابة مقال حول هذا الحوار بعنوان: يجب تجاوز سؤال لينين ( ما العمل ) ؟ إلى ( لماذا وكيف ) ؟

طبعا شامل عبد العزيز وعبدالقادر انيس ينتميان الى نفس التوجه الفكري حيث يعتبران نفسيهما يساريين سابقين, لهذا السبب تبنى السيد شامل وجهة نظر زميله بالتوجه الفكري كاملا على حساب وجهة نظري اللبرالية الاقتصادية

تأتي اهمية هذا الحوار من حيث ان التوجه الفكري للاستاذين انيس وشامل يمثل التوجه الفكري لشريحة مهمة من اليساريين العرب مقابل التوجه الفكري اللبرالي العلماني للكاتب, وهو توجه حديث العهد بالمنطقة العربية.

سبب امتعاضي آنذاك من نشر الحوار والذي عبرت عنه من خلال تعليقي على المقالة, هو انه عندما تناقش زميل بالمجوعة البريدية, ووجدت بانه من المستحيل ان تصل معه الى ارضية مشتركة, فأفضل شئ يمكن ان تفعله هو ان تكون دبلوماسيا ودمثا وتنسحب من الحوار بلباقة حيث تعمد الى تصغير الاختلافات معه الى اقصى درجة وتضخيم المشتركات معه الى اقصى درجة, وخاصة اذا كان وقتك لا يسمح لك بالاطالة اكثر من ذلك! وهذا ما فعلته بالضبط خاصة ان جميع اعضاء المجموعة لهم توجه فكري مقارب للسيد انيس وكنت انا الوحيد الذي اشترك معهم بالحد الادنى من التوجه الفكري, فتم تفسير هذا بانه انتصار كبير لليسار ولوجهات نظرهم, وقاموا بكتابة مقالتين حول هذا الحوار حيث تم اعتبار الحوار مع زميل بريدي والذي اضطررت به للمساومة, كوجهة نظري التي اريد ان اوصلها لقرائي عندما اكتب مقالة خاصة بقرائي!! وهذا طبعا ليس عدلا ناهيك عن افتقاره للباقة.

هذه المقالة ليست للرد على هذا الحوار او على هاتين المقالتين, ولكن تأتي اهمية هذه المقالة من خلال عرضها لهذه الوجهات النظر المختلفة لشرائح مهمة من المثقفين العرب.

قال الأستاذ انيس :
وطبعا قبل أن نتساءل : كيف يمكن تجاوز هذا الدين ورفع هيمنته على حياة معتنقيه ، يجب أن نتساءل : لماذا عجزت هذه الشعوب عن تجاوزه ؟
الكواكبي مثلا حمّل الاستبداد كامل المسؤولية . ولكن، كيف يمكن أن يتواصل الاستبداد طوال كل هذه السنين ويتعايش الناس معه في بلهنية ، وحتى عندما يثورون فمن أجل بدائل لا تبتعد كثيرا عن الاستبداد ؟ شعوب أخرى في الشرق والغرب عرفت هي الأخرى الاستبداد ومع ذلك تمكنت من الإطاحة به. الطريق أمامنا معبد ولكننا نرفض السير فيه ونفضل السير في الطرق الملأى بالمطبات والحفر والاعوجاجات لا لشيء إلا لأن الطريق عبدته أقوام تختلف عنا دينياً …

تعليق الكاتب: انا اتفق مع السيد انيس مئة بالمئة بان الطريق امامنا معبد, وكلامه هذا يلخص مقال لي منشور على النت بعنوان: ما هو الحل؟ حيث استعرضت بهذا المقال جميع التجارب العالمية الناجحة والتجارب العالمية الفاشلة وطالبت بتبني التجارب الناجحة. ويمكن للقارئ المهتم الرجوع لمقالنا هذا.

قال الأستاذ انيس :
تقديري أن النخب التقدمية عندنا بخاصة حاولت حرق المراحل والدعوة إلى تحرير الأبدان قبل تحرير العقول . لعل النموذج الذي سبب كوارث لنا هو النموذج السوفييتي الاشتراكي الذي أوهم النخب التي أوهمت بدورها الشعوب أنه بالإمكان الانتقال مباشرة نحو مجتمعات النماء والعدالة والمساواة بدون المرور على مدرسة الديمقراطية والحرية اللبرالية والرأسمالية وتجاوز الخرافة والجهل . أتذكر، بوصفي يساريا سابقا ، أننا كنا نقرأ في الأدبيات الاشتراكية أنه بالإمكان الانتقال من الحالة المتخلفة شبه الإقطاعية أو حتى العبودية إلى الشيوعية . كنا نقرأ هذا عن منغوليا وعن فيتنام وعن الشعوب الإسلامية في آسيا السوفييتية. وجاءت التحولات فيما بعد لتكشف عن هذه الأكاذيب. بعد 70 سنة من تدريس الاشتراكية العلمية والإلحاد عادت الشعوب بسرعة إلى هويات ما قبل رأسمالية ، أي دينية وطائفية وجهوية وعرقية. وما الحب إلا للحبيب الأول!!!
ونفس الشيء حدث في أنظمتنا التي كانت (تقدمية) بينما كان التعليم والتربية والتكوين وصناعة العقول قد أوكل إلى القوى الدينية والتقليدية والرجعية.
الحقيقة التي تكشّفت لنا هي أنه لا أحد يحرر أحدا. ومن حرر شخصا استعبده. هذا ما حصل مع كل الثورات التي تحولت باسم الشعب إلى استبداد بغيض ضد الشعب حل محل الاستبداد القديم .
لم تتحلَّ نخبنا بما يكفي من الشجاعة لتقول الحقيقة للناس وتدعهم يتحملون مسؤوليتهم . قرأت لكاتب أمريكي في بداية القرن الماضي وكان من أنصار السود . أوقف مرة سيارته في طريق ريفي وأركب زنجيا كان يحمل كيسا فوق رأسه . بعد أن ركب المسكين ظل يحمل الكيس الثقيل على رأسه ، فسأله: لماذا تفعل هذا، ضعه إلى جانبك، فرد: أنت قدمت لي معروفا فأركبتني، وليس من اللياقة أن أثقل على سيارتك بكيسي . فقال الكاتب المناضل في نفسه: يجب تحرير العقول قبل أو على الأقل في نفس الوقت مع تحرير الأبدان.
ولم يتم تحرير العبيد في أمريكا تحريرا حقيقيا إلا بعد قرن من انتهاء الحرب الأهلية التي رفعت شعار تحرير العبيد . لقد حرر عبيد أمريكا أنفسهم بأنفسهم عندما صاروا أهلا للحرية .
نيتشه صاحب التأثير الأكبر على تحرر الإنسان الأوربي كان يقول : “من لم تستطيعوا تعليمه الطيران ، علموه، على الأقل كيف يسرع بالسقوط”، وكان يقول: “إذا رأيتم متداعيا للسقوط ، فادفعوه بأيديكم وأجهزوا عليه”. كان يدعو بهذا إلى إنسان متمرد على الدين وعلى الله وعلى الواقع، إنسان يستحق فعلا حريته.
عندنا في الجزائر، وباسم الشفقة على أبناء الشعب، عملت الدولة لسنوات على تخفيض معدلات النجاح والانتقال للأقسام العليا دون معدل عشرة حتى في شهادات البكالوريا . وهكذا سارت الأمور سنوات طويلة حتى تم القضاء نهائيا على الجامعة بعد أن امتلأت بأشباه متعلمين وكونت خزانا لا ينضب للإسلاميين الذين لا يجدون ضالتهم إلا مع عديمي الثقافة والكفاءة.
هذا في رأيي هو مأثرة اللبرالية: حريتك يجب أن تستحقها. لا تنتظر من أي كذاب يقول لك : ثق بي وسلم لي مصيرك وأنا آتيك بحقوقك.
النخب عندنا لا يبدو أنها تفهم هذه الحقيقة وهي تعادي الديمقراطية وتحتقر الشعب وهي تتجنب مجابهته بالحقائق وتخشى المساس بالطابوهات حتى لا يغضب عليها الناس فلا تواجههم بحقائق بلادتهم وتبعيتهم لرجال الدين والإسلاميين المضللين أو المساس بحنينهم إلى المستبدين أمثال ناصر وبومدين وصدام وغيرهم.
وأنا أنهي هذه الخواطر المشتتة وصلتني مراسلة الحكيم ، فقرأت المقال الذي اقترحه علينا، وأعجبت به، لكن خاتمته صدقت حكمي على مثقفينا. يقول صاحب المقال في هذه الخاتمة: ((كان يمكن لأسامة بن لادن أن يُورّث أبناءه وبناته وأحفاده إلى جانب الثروة المادية الطائلة سمعة حميدة لا تقدّر بقيمة (إلى هنا عظيم يا حكيم)، لكنه اختار أن يمشي في الاتجاه المعاكس، فاللوثة العقلية – الفكرية التي عصفت برأسه جعلته يعتقد أن الدين عصبية وان الإسلام لا يكون إلا بالسيف، فعمد إلى نشر الخراب في كل مكان، معمماً صورة الإسلام باعتباره ديناً وحشياً والمسلمين باعتبارهم ضواري لا تجيد إلا القتل غير الرحيم)).
وهذا في رأيي نموذج المثقف المغالط ، إن لم أقل الغشاش ، وإلا كيف نفهم كلامه ((جعلته يعتقد أن الدين عصبية وان الإسلام لا يكون إلا بالسيف، فعمد إلى نشر الخراب في كل مكان ، معمماً صورة الإسلام باعتباره ديناً وحشياً والمسلمين باعتبارهم ضواري لا تجيد إلا القتل غير الرحيم))؟
هل يمكن أن نصدق أن تصرف بن لادن انحراف عن الإسلام الصحيح ؟ هل بن لادن والقرضاوي لا يفهمون الإسلام الصحيح وهم يشرفون على تغذية كل هذا العنف؟ فمن يفهمه إذن؟
إن هكذا خطاب مناور لا يحرر العقول بل يزيدها ضياعا . إذا لم يفهم هذا المثقف أن هذا الدين يدعو إلى القتل والتكفير والعنصرية بصريح نصوصه وأنه يجب إبعاده عن ناشئتنا , وأن بن لادن وملايين المسلمين الذين نراهم اليوم يبكون عليه إنما هم نتيجة للتربية الدينية التي تسود في كل مؤسساتنا التعليمية ، إذا لم يفهم ولم يفهم المثقفون أن الأفكار عندما يعتنقها الناس يمكن أن تهد الجبال ، على رأي ماركس ، خاصة إذا كانت غالبية هؤلاء الناس من الشباب المؤهل دون غيره لركوب كل المغامرات ، فما فائدة تسويد الصفحات بهذا الكلام ؟
مودتي ,,,

 

تعليق الكاتب: هنا السيد انيس يعتقد باولوية تحرير العقول قبل تحرير الابدان, ومن هنا يأتي عنوان المقالة عن مشكلة اولوية البيضة ام الدجاجة! ومن الغريب ان يعتقد السيد أنيس بانه كان لدينا في الوطن العربي انظمة تقدمية ولكنها ارتكبت خطأ وهو انها اوكلت التعليم والتربية والتكوين وصناعة العقول إلى القوى الدينية والتقليدية والرجعية!! فنحن نعتبر بان الانظمة العربية التقدمية هي مجرد خرافة, وهذا ما بيناه بمقالنا تحت عنوان: خرافة الاحزاب العربية و الذي يمكن الرجوع اليه بصفحة الكاتب. اما من حيث اولوية تحرير العقول ام الابدان فنحن تعتقد بان التحرير الاقتصادي يسبق كل الحريات الاخرى وبدون التحرير الاقتصادي لن يتحرر اي شئ من الانسان لا بدنه ولا عقله, وهذا ما اثبتته التجربة البشرية خلال آلاف السنين, وهذا هو المنطق أيضا! فكيف يمكنك ان تحصل على حريتك الفكرية اذا لم تحصل على اجرك العادل واذا لم يكن لديك حافز للمضي قدما ؟ وهذا بالضبط ما يؤمنه الاقتصاد التنافسي والذي يجعل العالم ينتج افضل والمهندس ينتج أفضل ما عنده وكذلك الامر بالنسبة للفلاح وكل فرد من افراد المجتمع. ولم تعرف البشرية حتى الان افضل من اقتصاد السوق التنافسي لكي يحفز الناس على تطوير انفسهم وفكرهم وكل شئ بحياتهم.
اما عن تحرير العبيد باميركا فكان نتيجة طبيعية وتحصيل حاصل لتحررهم الاقتصادي والذي سبق تحررهم من العبودية الفكرية والجسدية.
وهذا بالضبط ما عبرت عنه بمحاورتي مع السيد انيس حيث كانت مداخلتي كالتالي:
تحياتي للباحث الاستاذ عبدالقادر انيس وللجميع
لقد قرأت بين سطورك مدى حزنك وألمك من يأسك لعدم وجود حل في الافق القريب…
لقد كانت احرفك تقطر حزناً ودماً تبكي حتى الحجر ,,,..
ولكن السؤال هل هناك حل ؟؟
الجواب نعم بكل تأكيد ..وهو أن نتبنى نفس الحلول الناجحة التي أوصلت الغرب إلى التطور …
نقطة البداية هي تبني نفس الدساتير والقوانين الموجودة بالغرب لأنها تتضمن آليات الاقتصاد التنافسي الكفيل بالنهضة الاقتصادية , والنهضة الاقتصادية هي الكفيلة بالنهضة بباقي المجالات , لا بل تكون تحصيل حاصل للنهضة الاقتصادية.
برأي الشخصي , وقد أكون مخطئا , أن الشيوعيين والادينيين العرب يظنون بأن الحل هو بجعل جميع الناس لا دينيين ؟؟؟!!
وهذا غير صحيح لأن الغرب تطور بدون أن يقضي على الدين وكل مافعله بالدين هو تحويله إلى سلعة يتم تداوله حسب قانون العرض ,,,

الثورات العربية تطالب باسقاط الرئيس ولكن ماذا بعد ذلك ؟؟؟
سيأتي رئيس جديد ويسير على نفس منهاج الرئيس الذي قبله لان القوانين والدساتير العربية فاسدة وغير صالحة ,,.
عندما نتبنى القوانين الغربية , لاحاجة عندها لتغيير الرئيس طالما أنه يحترم القوانين الحضارية المماثلة للقوانين الغربية ,,,.
تحياتي

بعد ذلك رد الأستاذ عبد القادر انيس بالتالي:

أخي طلال الخوري إنك تسأل وتجيب ((ولكن السؤال هل هناك حل ؟؟ الجواب نعم بكل تأكيد.. وهو ان نتبنى نفس الحلول الناجحة التي اوصلت الغرب الى التطور. نقطة البداية هي تبني نفس الدساتير والقوانين الموجودة بالغرب)).
وطبعا أنت هنا كأنك تعيدنا إلى سؤال لينين: ((ما العمل))؟ وهو سؤال تسبب في كوارث في الفكر اليساري . لقد اعتقد (التقدميون) بعد ماركس ولينين وبعضهم بعد ستالين ، أن هؤلاء الآباء أو بالأحرى المعلمين أغنوهم عن التفكير فأوجدوا الحلول وعبدوا الطرق وما علينا إلا السير على هداهم أو بالتعبير العصري : تطبيق وصفاتهم ، مثلما يطالبنا رجال الدين بالسير على هدى محمد وصحابته المهديين .
يجب أن نتجاوز سؤال (ما العمل) إلى سؤال (لماذا؟ وكيف). لماذا ، حسب ما قلت، لم ((نتبن(ى) نفس الحلول الناجحة التي اوصلت الغرب الى التطور)) . لماذا لم نتبن ((نفس الدساتير والقوانين الموجودة بالغرب)) ؟ لماذا لا تزال بلداننا حتى اليوم تتحفظ على أهم بنود حقوق الإنسان ؟ لماذا فعلها اليابانيون والصينيون والهنود ولم نفعلها نحن؟ هل السبب يعود مثلا إلى الخلفية الروحية والثقافية لتلك الشعوب أم لأسباب أخرى؟ يجب أن نفهم.
اليوم، لم تعد الحلول هي المشكل . فهي مرمية في الطريق لمن شاء، مثلما هي التكنولوجيا الغربية مرمية ، ولكننا لا نراها. أو بالأحرى لا نريدها مثلما يواصل بعض العرب الأكل باليد ومن صحن واحد رغم وفرة الملاعق والصحون !!!
عندنا في الجزائر استوردت الدولة في السبعينات مصانع جديدة مما كان يسمى يومئذ (المفتاح في اليد كترجمة حرفية من الفرنسية clé en main)، ومن الألمان كمان !!!، ولكنها فشلت وأصبحت عبئا ثقيلا على ميزانية الدولية ، ولولا ريع البترول لأغلقت كلها ، ومازالت الدولة تضخ فيها أموالا طائلة بينما الجميع يعترف بأنها مفلسة .
جربنا في عالمنا العربي الإسلامي كل الأنظمة : الجزائر جربت الاشتراكية ، المملكة المغربية جربت الرأسمالية إيران والسعودية جربتا الإسلام ، ولكن لا هذا ولا ذاك نجح .
السبب في رأيي هو العقل ، عقل هذا الإنسان الذي مازال يُحشى بخرافات الدين التي تصور له حلولا لا تمت لهذا العالم بصلة. عقل هذا الإنسان الذي يشكو من الاستبداد فإذا خُيّر بينه وبين الديمقراطية اختار الاستبداد أو اختار أنصاف الحلول. اليساريون يقولون لنا: يجب تغيير المحيط المادي اجتماعيا واقتصاديا وسوف تتغير أوضاع الناس . فمن يشرف على التغيير أو بالأحرى : ماذا ننتظر لنغير؟، وحتى تغيير المحيط لم يفلح كما رأينا في مثال الاتحاد السوفييتي .
الإسلاميون يصيحون ، ويصدقهم السامعون ، أن الحل في ديننا ، ولكن الجميع لا لا يسألهم ، خوفا أو جهلا: لماذا عجز هذا الحل الديني من إيقاظ المسلمين من سبات عميق تواصل قرونا ؟ وسوف يقولون : لأنهم لم يطبقوه، وسوف نقول: ولماذا ، رغم أنني أنا ، على الأقل ، مقتنع، أنهم فعلا طبقوه ولكنهم كمن ((يطَبّعْ في حمار ميت) ، كما يقول المثل الجزائري ، أي كمن يدفع حمارا ميتا نحو المسير.
تقديري أن نخبنا لم تدافع بما يكفي عن أسمى القيم التي تصنع الإنسان الحر وهي الحرية بأوسع معانيها . تقديري أن نخبنا لم تتحلّ بقدر محترم من التواضع فتعترف أنها في حاجة دائمة إلى التعلم ممن عنده العلم . تقديري أن نخبنا لم تخرج أبدا من دائرة الدين ومن التشبه برجال الذين يعتقدون أنهم يملكون أسرار الحقيقة وما على الشعب إلا أن يتبعهم ، والمضحك أن الشعوب تبعت هؤلاء وألئك ، ولم تصل إلى بر الأمان. إنه وضع عويص فعلا بأسئلته وأجوبته.
أهم وصف للإنسان هو أنه كائن حي قابل للتعلم بلا حدود على عكس الحيوانات الأخرى . فهل إنسان هذه البلدان المنكوبة بالتخلف يصح فيه هذا الوصف؟
هل يعقل فعلا أن يعود الناس في الجزائر بعد عشرين سنة من الحرب الأهلية (ومازالت) إلى طرح نفس الحلول لنفس القضايا التي تسببت في تلك الكوارث؟ هل يعقل مثلا أن يفشل العراقيون في تبني الديمقراطية وإطلاق كل الحريات وهم خارجون من عشرات السنين من الاستبداد؟
لا يمكن لهكذا شعوب إلا أن تكون غير سوية. المحزن أن مادتها الرمادية (أدمغتها) تهاجر متسببة في نزيف لا يتوقف. لقد هاجر من الجزائر خلال هذه الكارثة عشرات الألوف من الكفاءات خوفا على حريتهم ، وتلبية لإغراءات الحياة . ومن حقهم . للاستشهاد حدود ولقانون السوق جبروته .
مودتي

تعليق الكاتب: طبعا جميع اليساريين ظنوا بان رد السيد انيس كان رائعا واصاب الهدف ولذلك قاموا بكتابة عدة مقالات عنه !! بالرغم من انه كان هناك خطأ واضحا ارتكبه السيد عبدالقادر انيس ,وللأسف لم يتطرق لهذا الخطأ اي من اليساريين! وذلك لسبب بسيط وهو عدم دراستهم لعلم الاقتصاد! لقد ساوى السيد انيس بمداخلته هذه بين علم الاقتصاد, وخرافات ودجل الماركسية والاديان!! حيث قام بتشبيه مطالبتنا باستخدام اقتصاد السوق التنافسي كحل وحيد ناجح تمت تجربته بكل دول العالم, واوصل العالم الى ما وصل اليه من تطور بجميع المجالات الحضارية , بالطريقة التي سار بها مغسولي الدماغ من اليساريين والدينيين خلف انبيائهم من لينين ورسول الاسلام , وهذا التشبيه لم يكن موفقا قط, لانني لم اكتب كلمة واحدة من عندي وكل ما اكتبه انقله من الكتب العلمية بالاقتصاد والتي تدرس بجميع جامعات العالم المحترمة.
برأيي لم تطبق أيّ دولة عربية نظام الاقتصاد التنافسي الحر قط ,,,!!
الانظمة العربية تطبق نظام الاقتصاد الاحتكاري الحكومي الرسمي وغير الرسمي عن طريق اعطاء الامتيازات الاحتكارية للمقربين وأصحاب الذوات وهذا نقيض الاقتصاد التنافسي وهو أسوء بكثير من الاقتصاد الاشتراكي المتبع في الاتحاد السوفييتي سابقا ,,,..
من هنا نرى بان اليساريين الذين يظنون انفسهم اقتصاديين بالفطرة لان نظريتهم الماركسية مبنية على علم اعظم اقتصادي من وجهة نظرهم وهو كارل ماركس وكتابه رأس المال, لا يعرفون شيئا عن علم الاقتصاد وكل ما تعلموه هو فلسفة الماركسية اللينينية والتي لا تختلف باي حال من الاحوال عن الكتب اللاهوتية. راجعوا مقالنا: اليساريون العرب لستم من الحل. اي انه عندما يتكلم اليساريون عن علم الاقتصاد هو كما يتكلم رجل الدين عن علم الفضاء, مع احترامي للجميع ولكن هذه هي الحقيقة ويجب ان يواجهوها.
من الحوار السابق بين تيارين فكريين مختلفين نستنتج بان الكثير من اليساريين يعتبرون بان الاولوية للاصلاح الفكري, ولكن لا يقولون لنا كيف يمكن ان نحرر الناس فكريا وما هو السبيل العملي لذلك؟؟ وبما انه ليس لديهم اي خطة عملية للتحرر الفكري فهم مصابون باليأس ولا يعرفون ما السبيل ؟ وبهذا الشكل فهم يضعون انفسهم بدوامة اسبقية البيضة ام الدجاجة؟؟ وهنا يأتي دور الاقتصاديين اللبراليين لكي ينشلوهم من يأسهم ويضيئون لهم الطريق الصحيح, من علم الاقتصاد ومن التجارب الانسانية الناجحة التي مرت بها الشعوب وعلى مدار آلاف السنين.

الجزأ الثاني

https://mufakerhur.org/?p=2209

http://www.facebook.com/pages/طلال-عبدالله-الخوري/145519358858664?sk=wall 

About طلال عبدالله الخوري

كاتب سوري مهتم بالحقوق المدنية للاقليات جعل من العلمانية, وحقوق الانسان, وتبني الاقتصاد التنافسي الحر هدف له يريد تحقيقه بوطنه سوريا. مهتم أيضابالاقتصاد والسياسة والتاريخ. تخرجت 1985 جامعة دمشق كلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية قسم الالكترون, بعدها حتى 1988 معيد بجامعة دمشق, بعدها تحضير شهادة الماجستير والدكتوراة في معهد جلشكوف للسبرانية اكاديمية العلوم الوطنية الاتحاد السوفييتي السابق حتى عام 1994 اختصاص معالجة الصور الطبية ... بعدها عملت مدرس بجامعة دمشق نفس القسم الذي تخرجت منه حتى عام 1999 هاجرت الى كندا ( خلال عملي بجامعة دمشق طلبتني احدى جامعات الخرطوم لكي اترأس قسمي البرمجة والكومبيوتر ووافقت الجامعة على اعارتي) في كندا عملت في مراكز الابحاث ببرمجة الصور الطبية في جامعة كونكورديا ثم عملت دكتور مهندس في الجيش الكندي بعد ان حصلت على شهادة ماجستير بالبرمجة من جامعة كونكورديا ثم اجتزت كل فحوص الدكتوراة وحضرت رسالة دكتوراة ثانية بنفس الاختصاص الاول معالجة الصور الطبية) وتوقفت هنا لانتقل للعمل بالقطاع الخاص خلال دراستي بجامعة كونكورديا درست علم الاقتصاد كاختصاص ثانوي وحصلت على 6 كريدت ثم تابعت دراسة الاقتصاد عمليا من خلال متابعة الاسواق ومراكز الابحاث الاقتصادية. صدر لي كتاب مرجع علمي بالدراسات العليا في قواعد المعطيات يباع على امازون وهذا رابطه https://www.amazon.ca/Physical-Store.../dp/3639220331 اجيد الانكليزية والفرنسية والروسية والاوكرانية محادثة وقراءة وكتابة بطلاقة اجيد خمس لغات برمجة عالية المستوى تعمقت بدراسة التاريخ كاهتمام شخصي ودراسة الموسقى كهواية شخصية A Syrian activist and writer interested in the civil rights of minorities, secularism, human rights, and free competitive economy . I am interested in economics, politics and history. In 1985, I have graduated from Damascus University, Faculty of Mechanical and Electrical Engineering, Department of Electronics, 1985 - 1988: I was a teaching assistant at the University of Damascus, 1988 - 1994: studying at the Glushkov Institute of Cybernetics, the National Academy of Sciences, In the former Soviet Union for a master's degree then a doctorate specializing in medical image processing... 1994-1999: I worked as a professor at Damascus University in the same department where I graduated . 1999 : I immigrated to Canada . In Canada, I got a master’s degree in Compute Science from Concordia University In Montreal, then I passed all the doctoral examinations and prepared a second doctoral thesis in the same specialty as the first one( medical image processing) . In 2005 I started to work in the private sector .
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.