المرأة.. شريك؟ خصم؟ أم ضحية؟

أمل عبد العزيز الهزاني : الشرق الاوسط

 خلال شهور العام المنصرم، تعرضت الكثير من النساء في المنطقة العربية، من مهن مختلفة، للتعدي اللفظي أو الجسدي. طبيبات وإعلاميات وأكاديميات واجهن شتائم وصلت إلى حد التكفير، والقذف، واتهامات بالفساد، خاصة في شبكة الإنترنت التي تتيح السباب المجاني في مجتمعات حديثة العهد بحرية التعبير، ولا تعرف كيف تتعامل مع هذه الهبة بمسؤولية.

 حينما خرجت الناشطة السياسية المصرية «علا شهبة» في مؤتمر صحافي، هالنا منظرها؛ وجهها المتورم بفعل الضرب، والكدمة الزرقاء حول عينيها. كانت تتحدث بهدوء اليائس وحكمة المظلوم. استنكرت «شهبة» التي راحت ضحية خروجها للتظاهر أمام قصر الاتحادية احتجاجا على الدستور المصري المقترح، تعرضها للاحتجاز والتحرش والضرب من أنصار الرئيس محمد مرسي أمام أعين رجال الشرطة. يبدو أنها كانت تنتظر من الإسلاميين أن يتعاملوا معها كقارورة مثلما تدعو تعاليم الإسلام. خاب رجاؤها، واتضح أنهم أناس عاديون لم يمر عليهم هذا التوجيه النبوي.

 علا شهبة ليست المرأة الوحيدة التي تعرضت للاعتداء من قبل الإسلاميين، أو من غيرهم، طوال شهور الثورة المصرية. النساء من الناحية التاريخية كن دائما من أعظم غنائم الحروب، وأبرز نقاط ضعف أطراف الخصومة، حتى ظهرت قوانين تحمي حقوق الإنسان في خمسينات القرن الماضي.

 في تونس الصورة أبشع، حيث تحاكم النساء تحت عناوين مثيرة للسخرية، بقصد إذلالها وإلغاء مكتسباتها التي نالتها منذ عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة. حتى في فترة حكم بن علي لم تواجه المرأة التونسية هذه الأوضاع الاجتماعية الخانقة.

 وفي السعودية، تجاهد الدولة لإيجاد فرص وظيفية لنسبة بطالة هائلة تعانيها المرأة، نسبة لم تصلها أي دولة في العالم، وهي بطالة غير حقيقية في مضمونها؛ لأنها لا تعني غياب الفرص الوظيفية، بل وجود جدران وحفر ومطبات ثقافية تمنع الوصول إليها.

 ولا أود الحديث مطولا عن اليمن؛ لأن فيه قصصا تشبه الخيال، منها ما يزال يتكرر، كالحكاية التي ذكرها كتاب صدر عام 2010 حمل عنوان «اسمي نجود، في العاشرة، ولكن مطلقة»، عن حالة اجتماعية لا إنسانية تعانيها الإناث في المناطق النائية والقروية في اليمن وغيره من الدول العربية، يجعل من الطفلة مشروع زوجة تستمع لنصائح في الإنجاب وطاعة الزوج وهي في مرحلة عمرية تعيشها قريناتها في مكان آخر من العالم تقضم السكاكر وتلطخ وجهها بالشوكولاته.

 أما الكويت، فقد خرجت المرأة من مجلس الأمة بداية العام بعد فوز أغلبية تنظر إليها بعين منخفضة، تجرأوا على التندر عليها والاحتفاء بأن خروجها هو الأمر الطبيعي، ولم يأخذ بيدها للعودة مؤخرا للبرلمان إلا قرار أميري بتعديل قانون الانتخاب، كان من نتيجته أن عادت، مثلما كانت مشاركتها السياسية بمرسوم أميري في عام 1999.

 ما حصل في الكويت هو ما يحصل في بقية دول الخليج العربي؛ المرأة تنمو اجتماعيا بفعل القرار السياسي لا الإرادة الشعبية.

 أول ما يتبادر لذهن أي إنسان متحضر أن معظم مشكلات المرأة يبدأ حلها من تشريع القوانين التي تحميها، لكن في الحقيقة أن معظم الدول العربية لا تزال تجادل في أهمية سن قوانين تجرم التحرش والعنف ضد المرأة وتزويج الصغيرات، وتلاحق الشتامين، رغم أن المشرع المتردد لا يمكن أن يزوج طفلته، أو يلتزم الصمت إزاء تعرض قريباته للتعدي.

 ربما الصورة في المنطقة العربية ليست قاتمة مقارنة ببلدان شرق آسيا، حيث يطلق على الفتاة الرصاص لأنها تطلب التعليم، أو يبتر زوجها أنفها وأذنيها عقابا على عدم رضوخها، أو أن تضرم النار في نفسها ضيقا بحياتها. ولكنها أيضا ليست صورة وردية كما هو حال الأوروبيات والأميركيات، مع أن الكثير لا يعلمون أن حقوق المرأة في الغرب لا تزال منقوصة، خاصة في مجال العمل، وقد صدر قبل نحو شهر تقرير عن الجمعية الأميركية لدراسات المرأة توضح استمرار الفجوة بين الرجال والنساء في الأجور، وأن المرأة لا تزال تحصل على 88 في المائة من أجر الرجل في مكان العمل نفسه وبالشهادة الأكاديمية والخبرة نفسهما. إلا أن مثل هذه التقارير تؤثر في صانع القرار، وتستفز المشرعين ليراجعوا قوانينهم، حتى إن بعض الولايات بادرت بنفي وجود مثل هذه التفرقة في نظامها.

 بالنتيجة، من الواضح أن العلاقة طردية بين حال المرأة وتقدم الدول.

 مع ذلك ليس من العدل أن تلتف كل هذه الآثام في حق المرأة حول عنق عام 2012، فبعضها له عمق زمني، ولكن وسائل الإعلام التي تتطور كل يوم نقلت لنا أحاديث المجالس المغلقة فبدت الصورة وكأن النساء هوجمن للتو. المفارقة المثيرة أن كثيرا من النساء العربيات لم ينسجمن مع مآثر هذا التطور التكنولوجي الذي أتاح مساحة للشفافية والمكاشفة، فبعضهن أعلن إشهار سيفه في وجه المجتمع، عالجن أوضاعهن بالشراسة، ودافعن عن حقهن بالهجوم. ومجموعة أخرى لديها انطباع أن المرأة تضررت من هذا المناخ المفتوح؛ كونها تعيش في مجتمعات محافظة، بعضها لا يقبل بظهور اسم المرأة على الملأ، مما أخاف شريحة نسائية واسعة وجعلها تجزع من النقد العلني، فتراجعت في دورها أو توارت خلف رجل.

 لا يوجد إنجاز بلا ثمن، ولا تغيير بلا أسباب، إنه مطبخ الحياة العامة الساخن، فيه تغيرات على المرأة أن تستوعبها، ومصاعب عليها أن تتجرعها بماء الصبر الجميل. إما ذلك، أو أن تشفق على نفسها وتعيد النظر في خروجها من المنزل.

 فمن تمتلك شجاعة الظهور عليها أن تتحلى بقوة المواجهة.

 [email protected]

This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.