الفكر الإسلامي بين التحايل والخداع والسذاجة 8: محمد الغزالي نموذجا

الفكر الإسلامي بين التحايل والخداع والسذاجة 8: محمد الغزالي نموذجا

عبد القادر أنيس

أواصل في هذه المقالة قراءة كتاب محمد الغزالي (حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة).
تتناول هذه الحلقة الثامنة فصل: “حول حرية الارتداد” في الإسلام كما صاغها الغزالي. (ص 65).
هنا بدا الغزالي أكثر صراحة وهو ينفي حرية الارتداد كحق من حقوق الإنسان ألحت عليها كل المواثيق العالمية وكل دساتير الدولة المتحضرة، ما عدا دساتير البلاد العربية التي نصت على حرية الاعتقاد لكنها عادت في مواد لاحقة والتفت على هذا الحق بسبب تبنيها للإسلام كمصدر للتشريع.
تخلف فكر الغزالي عن مسايرة ركب الحضارة يبدو واضحا من خلال لجوئه إلى استخدام مصطلح قروسطي عفى عليه الزمن “الارتداد”، وهو بهذا لا يعترف بالمواثيق الدولية ولا بالدساتير العربية الحديثة التي استخدمت مصطلحا حديثا محترما وهو “حرية الاعتقاد”.
نصت المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن: “لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سرا أم مع الجماعة”.
صراحة الغزالي في رفضه حق الارتداد هي هنا بمثابة الضربة القاضية لادعاءاته في طول الكتاب وعرضه حول إمكانية وجود الحرية الدينية في الإسلام. بل إن صراحته تحولت إلى موقف تحريضي على القمع والقتل حينما يصرح: “ولذلك كثيرا ما يرادف الارتداد جريمة الخيانة العظمى، وتكون مقاومته واجبا مقدسا”.
ويقول: “على أن الارتداد في ظلال النظام الإسلامي يمثل شذوذا منكرا لا يمكن بتة تصور بقائه مع استمرار الأنظمة العامة وتوفير المهابة والنفاذ لها”.
وفي الأخير يقول: “فما يكون للمرتد مكان وسط مجتمع على هذا النحو” أي في المجتمع الإسلامي المتماسك بروح الإسلام الساري في أوصاله كلها” حسب تعبير الغزالي نفسه.
لكن ما هي مبررات الغزالي المنطقية والشرعية حتى يتبنى موقفا فاشستيا كهذا؟
يقول الغزالي: “من أولئك المؤمنين الأحرار الذين رضوا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا تتكون الأمة المسلمة والدولة المسلمة، ويتأسس مجتمع تحكمه شبكة من الشرائع الدينية تتغلغل في أنحائه كلها كما تنتشر شبكة الأسلاك الكهربائية أو أنابيب المياه في العواصم الكبرى”.
ثم يقول: “وعمل العقيدة في هذه التعاليم هو عمل الروح في الجسد… ومن عناصرها وآثارها تتمهد الدعامة التي تنبني عليها “دار الإسلام” بكل ما تحفل له هذه الدار من نظم عامة وتقاليد مقررة ومسالك مرسومة”.
“ذلك أن الإسلام عقيدة وشريعة والداخل فيه عن طواعية إنما يعلن انتظامه مع واجبات الحياة الجديدة وحقوقها”.
ويصل الغزالي بعد هذه المحاججة التي أراد لها أن تكون منطقية ليقول: “وعلى ضوء هذا التقرير الصادق نسأل: هل الإسلام يبيح حرية الارتداد عنه؟” … أو “هل يبيح الإسلام حرية الخروج عليه؟”
ويخلص إلى القول: ” فليس في الأولين والآخرين نظام يعطي على نفسه صكا بحرية الخروج عليه”.
طبعا لقد سبق لي أن عرفت القارئ بجواب الغزالي وبالمصير الذي ينتظر من يحاول الخروج عن القطيع، وبودي الآن أن أطرح بدوري مجموعة من الأسئلة أريد من ورائها تعرية مزاعم الشيخ وأغاليطه عبر تفكيك كلامه ومدى تهافت حججه.
هل صدق الغزالي وهو يصور لنا الأمة الإسلامية والدولة بهذه الصورة المثالية؟ هل يستطيع بهذا الكلام المخادع أن يخفي عنا واقع الدولة كما عاشها الأسلاف بين فتن وثورات وانقلابات وما عرفته المجتمعات والفرق والمذاهب الإسلامية من تشظ وتناحر ومذهبية؟ وكيف كانت الحلول السلمية القائمة على الحوار هي آخر ما كان يلجأ إليه المتصارعون على النفوذ والسلطة؟
بهذا الخداع نجحت الحركة الإسلامية المعاصرة في استغفال الناس وجرهم وراءها في مغامرات رجعية مناهضة للتقدم والتمدن والحداثة بعد أن غرسوا في عقولهم صورا مثالية عن ذلك الفردوس المفقود الذي عاشه السلف الصالح ذات يوم في ظل الشريعة (السمحاء) قبل أن تندس قوى الشر من اليهود لتعكر صفو تلك الأجواء الحميمية !!.
طبعا لا بد أن أشير هنا إلى تمتع المسلمين ببعض الفترات من التسامح والتعايش، لكنها فترات شاذة في التاريخ، وتمت رغم أنف الدين ورجاله الذين كانوا يرون فيها ابتعادا عن صراط الإسلام المستقيم. والمسلمون لم يكونوا يختلفون في ذلك عن باقي شعوب المعمورة.
إن لجوء الغزالي إلى استغلال هذه الصورة المثالية هو بمثابة تمهيد لإقناعنا بموقفه التحريضي ضد المرتد ومن ورائه ضد كل الحريات. فكيف يقبل أن يهدد شخص هذا المجتمع الإسلامي المحكم البنيان ويعكر صفو حياة ملؤها الرغد والرخاء والعدل والمساواة في انتظار حياة أخرى كلها نعيم أبدي؟ ألا يستحق هذا الشخص أقصى العقوبات وهي فوق ذلك مبررة بنصوص مقدسة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها؟
من جهة أخرى، هل الغزالي محق عندما يقول: ” ذلك أن الإسلام عقيدة وشريعة والداخل فيه عن طواعية إنما يعلن انتظامه مع واجبات الحياة الجديدة وحقوقها”.
الداخل في الإسلام بهذه الصفة، يا شيخ، هو كالداخل إلى محتشد فاشي لن يخرج منه إلا وهو محطم الروح والجسد. أو على الأقل كالداخل إلى ثكنة عسكرية صارمة هدفها تخريج جنود طيعين لا يعصون القائد ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون !!
فهل أنا بوصفي مسلما سنيا على المذهب المالكي بالوراثة بعد أن تكفل والدي بتربيتي على هذا النحو أعتبر من الداخلين في الإسلام عن طواعية و”من أولئك المؤمنين الأحرار الذين رضوا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا”، حسب زعم الغزالي؟
طبعا المنطق السليم يقول: كلا. ومن المفروض أن أُمَكَّنَ من حرية الاختيار عندما أرشد فأعتنق هذا الدين على بينة أو أرفضه على بينة.
تقرير الغزالي إذن ليس صادقا في كل ما زعم، وهو أيضا ليس صادقا عندما كتب: ” فليس في الأولين والآخرين نظام يعطي على نفسه صكا بحرية الخروج عليه”. لأن المجتمعات والأمم المتمدنة الحديثة صارت في أيامنا تمكن كل أفرادها من الحرية الدينية بنص مواثيقها ودساتيرها. قد يصدق كلامه على عصور التوحش التي لا يراها هو كذلك رغم أن كل الشعوب كانت تلجأ إلى الغزو والاستعمار كلما لمست من نفسها قوة تؤهلها لتحقيق ذلك، وهذا ما فعله العرب مع مجيء الإسلام.
ولهذا لا بد أن أشير إلى أن تصور الغزالي للأمة والدولة متخلف جدا عن عصرنا. لا مكان في فكره العائد إلى دياجير القرون الوسطى لدولة المواطنين الأحرار المسؤولين عن تصرفاتهم بغض النظر عن اختلافاتهم الدينية والعرقية والمذهبية، لأنه يُخْرِج من المواطَنة الكاملة كل من لا ينتمي إلى الإسلام ولو كان جاره المسيحي أو حتى الشيعي وقد سمعت إسلاميا مصريا يعتبر المسلم السني الأندونيسي أقرب إليه من المواطن المصري جاره لأنه قبطي.
ولهذا فإن موقف الغزالي من الارتداد موقف قروسطي تخلت عنه الكثير من المجتمعات البشرية الراقية بعد أن خاضت صراعات ونضالات طويلة وشاقة ضد قوى الماضي البغيض، وآخرها ما ألحقته من هزائم منكرة ضد الأيديولوجيات الشمولية الاستبدادية.
لنواصل مع حجج الغزالي، يقول: “هب رجلا يريد أن يكفر بالله ويكون شيوعيا.. إن الشيوعية تعني لا إله والحياة مادة ولها بعد ذلك نظر خاص في الأساس الاجتماعي الذي تقوم عليه الدولة”.
ثم يقول: “هب رجلا يريد أن يكفر بالله ويكون وجوديا.. إن الوجودية تضع (بمعنى تنزع) كل قيد عن السلوك الإنساني وتنكر ما نسميه عبادات وفضائل وتقاليد وتجعل الدنيا انطلاقا فوضويا لا زمام له فهل يطلب من دين -رسالته عقيدة وشريعة- أن يأذن بهذا الشرود باسم الحرية؟”
هنا أيضا يمارس الشيخ قدرا كبيرا من الانتقائية والتحايل والخداع على الشيوعية والوجودية كما مارسه على موروثه الإسلامي. نعم الشيوعية ناهضت الدين لأن رجاله استخدموه دائما كأفيون لتخدير الشعوب أو إخضاعها لمضطهديها باسم القضاء والقدر كما حاربته من منطلق علمي حول ظاهرة الدين بوصفه ظاهرة بشرية ارتبطت بمرحلة معينة من تطور الفكر البشري يجب أن ترفع عنه هالات القداسة اليوم، ولكن موقفها من المؤمنين المستضعفين متسامح ومتعاطف بعكس موقفها من الظلم الاجتماعي والسياسي الذي تفاداه الغزالي حتى لا ينكشف أمره كحليف لقوى الاستبداد والاضطهاد الاجتماعي والاقتصادي في منطقتنا العربية باسم الدين ودوره في اضطهاد العمال والمرأة والأقليات العرقية والدينية والمذهبية بالإضافة إلى تستره على تاريخ العبودية في الإسلام وإباحته لها.
كما يمارس الغزالي تضليلا مقيتا ضد “الوجودية (التي) تضع كل قيد عن السلوك الإنساني وتنكر ما نسميه عبادات وفضائل وتقاليد وتجعل الدنيا انطلاقا فوضويا لا زمام له” حسب زعمه.
هل هذه هي الوجودية؟ هل الوجودية تنزع كل قيد عن السلوك الإنساني؟ هل يدعو هذا المذهب الإنساني العظيم إلى إهدار كرامة المرأة كما فعل الإسلام وغيره من الأديان؟ هل يدعو هذا المذهب إلى الظلم والنهب والسبي والسرقة وغيرها؟ ثم ما هي العبادات والفضائل والتقاليد التي تنكرها الوجودية؟
لنأخذ مثلا جان بول سارتر بوصفه رائد الوجودية. فخلال الثورة الجزائرية تبنى هذا الرجل مواقف شجاعة ضد القمع الاستعماري وأيد القضية الجزائرية وحق الجزائر في الحرية والاستقلال، بل صرح أنه على استعداد لحمل حقائب الثورة الجزائرية لتهريب الأموال والأسلحة للثوار وتعرض للملاحقة أمام المحاكم بسبب هذه المواقف. كذلك كان هذا الفيلسوف يقف دائما مع قضايا العمال والقضايا العادلة في العالم (إذا استثنينا موقفه من القضية الفلسطينية الذي تميز بالتأييد لحق إسرائيل في الوجود عندما كان العرب يرفعون لاءاتهم الكثيرة في كل قمة).
أليست هذه فضائل تحسب في ميزان حسنات الوجودية؟ أما أن يقول عنها الغزالي بأنها: ” تجعل الدنيا انطلاقا فوضويا لا زمام له” فهو كلام لا بد أنه صادر عن رجل لا يعرف هذا المذهب ولا قرأ عنه شيئا ذا قيمة.
نواصل مع تهافت الفكر الإسلامي كما يمثله الغزالي. يقول وهو ينتقل من المرتد الشيوعي والوجودي إلى المرتد اليهودي والمسيحي الذي دخل الإسلام ثم خرج منه: ” قد تقول: إن الارتداد عن الإسلام إلى غير دين قط، ربما وضعت أمامه العوائق حماية للنظام العام وصيانة للقانون القائم.. ولا بأس من تقييد حرية الارتداد في هذا المجال… ولكن إذا أراد امرؤ أن يتهود أو يتنصر فهل تمنعه؟
ألفت نظر القارئ إلى خطورة هذا الكلام على السلم الاجتماعي من عدة جوانب:
– كونه يضع الارتداد من قبيل “جريمة الخيانة العظمى، وتكون مقاومته واجبا مقدسا”. وغير خاف علينا هنا مصير من ثبتت عليه الخيانة العظمى. لكن هل يعقل أن يصدر موقف خطير كهذا من (مفكر) يصفه أتباعه بالاعتدال وفي كتاب يتحدث عن حقوق الإنسان؟
– كونه يضع مواطنينا من الشيوعيين والوجوديين والملحدين عموما في خانة المجرمين الخطرين المهددين للنظام العام، وهو موقف أبعد ما يكون عن الحقيقة تاريخيا، بالإضافة إلى تناقضه خاصة في مجتمعات ديمقراطية اتفق الناس فيها على إدارة خلافاتهم المذهبية بالطرق السلمية، بينما الخطر الحقيقي يشكله الانغلاق الديني والمذهبي والأيديولوجي الذي تخلصت منه الشعوب المتحضرة ولا تزال شعوبنا بسبب هذا الفكر الفاشي تعاني منه، إننا لا نخطئ إذا اتهمنا فكر الغزالي وأضرابه بالتسبب في زعزعة السلام الاجتماعي واستقرار دولنا.
– كونه يقلل من خطورة مواقفه في هذه المسألة وهو يقول: ” ولا بأس من تقييد حرية الارتداد في هذا المجال” بينما قصده من تقييد حرية الارتداد هو ممارسة القتل والحصار وقمع الحريات على طريقة تصفية مفكرين كبار ذنبهم الوحيد أنهم تحلوا بقدر كاف من الشجاعة ليصرحوا بآرائهم ويقولوا للغزالي والقرضاوي ولكل الأنظمة العربية الإسلامية المستبدة: لا، لا للاستبداد باسم الشرعية الدينية، لا لتقسيم مواطني البلد الواحد إلى طوائف متنافرة يخضع الفرد فيها لطائفته لا لدولته، لا للحكم على جانب من مواطني البلد بالصغار والقصور الأبدي لأنهم ليسوا مسلمين أو لأنهم شيعة بين أقلبية سنية أو العكس وما شاكل ذلك، لا لإهدار كرامة المرأة وأهليتها النفسية والعقلية باسم الدين، لا لفرض قوانين جائرة باسم الدين، لا لاستغلال الدين في تكفير العلمانية والحريات السياسية والاجتماعية والفكرية وحتى الدينية باسم الدين.
فماذا عن سؤاله: “كن إذا أراد امرؤ أن يتهود أو يتنصر فهل تمنعه؟”
يحاول الغزالي أن يحرف مسألة الحريات في عالمنا العربي البائس عن مطالبها الحقيقية ليحصرها في الصراع الإسلامي اليهودي المسيحي. هذا الصراع الذي ظل منذ قرون بمثابة الشماعة التي يعلق عليها الإسلاميون كل خيباتهم وانحطاطهم وفشلهم في تحقيق التقدم المنشود. ظاهرة تحول المسلمين إلى اليهودية والمسيحية ظاهرة هامشية في تاريخنا ولم تشكل في أي وقت من الأوقات تهديدا يذكر للإسلام ومعتنقيه وأقل منها وجودا ظاهرة دخول المسيحيين واليهود الإسلام ثم خروجهم بغرض الإساءة. الإساءات الحقيقية التي واجهها المسلمون طوال قرون كان مصدرها الصراعات بين المسلمين أنفسهم بسبب الخلافات الدينية والسياسية والطائفية. ومع ذلك يبالغ الغزالي:
“فإن الإسلام واجه ناسا يدخلون فيه خداعا ويخرجون منه ضررا، فهل ينتظر من دين هو بطبيعته عقيدة قلبية وشريعة اجتماعية، أن يقابل هذه المسالك ببلادة؟ كلا”.
لكن عندما يجري تعبئة المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي ومن ورائها الحكومات بأموالها الضخمة فترسل الدعاة إلى جميع أنحاء العالم وتطبع الكتب والمنشورات بالملايين من أجل أسلمة أتباع الديانات الأخرى فهي مسالك ليست بليدة حسب الشيخ، ثم تستغل مساحات التسامح والحريات الفكرية والسياسية والدينية في العالم الحر لاستغفال مواطنيه للخروج من أديانهم والدخول في دين الإسلام فهي تصرفات مقبولة تقابل عندنا بالفخر والتهليل والتطبيل. ولهذا يقول الغزالي: “وحرية الارتداد هنا معناها الوحيد: إعطاء الآخرين حرية الإساءة إلى الإسلام وإهانة عقيدته والاحتيال على شريعته”، ولا بأس أن يقوم الإسلاميون بالإساءة إلى غيرهم وإهانة عقائد الآخرين والاحتيال على شرائعهم.
ومع ذلك يقول: “فهل يقبل هذا منطقٌ سليم”؟ فعن أي منطق تتحدث يا مولانا !!
ويقول: “ولنفرض أن يهوديا و نصرا نيا أسلم لغرض ما كالزواج بامرأة مثلا. أفليس من حماية اليهودية أو النصرانية أن يعاقب أي خارج منهما لغرض دنيء إذا فاته عاد إلى دينه الأول؟”
هذا الموقف البائس يصدر عادة من أشخاص يضطرون للتحايل أحيانا هو نتيجة للانغلاق الديني عند المسلمين جعل بعضهم يفقدون أي شعور إنساني حقيقي وأنا عرفت فرنسيين أسلموا فقط من أجل التمكن من الزواج من نساء مسلمات يحبونهن، قائلين فلتذهب كل الأديان القمعية إلى الجحيم، وهو ما يفسر حكم الشيخ على علاقة الحب التي يمكن أن تقوم بين شخصين مختلفين دينيا، بأنها صادرة عن “غرض دنيء”، وليس عن حق مشروع في نسج علاقات حب وتفاهم بين بني البشر مهما تباينت معتقداتهم. هذه الحالة تجاوزتها المجتمعات المتمدنة بفضل سيادة العلمانية والحرية في ربوعها.
لكني هنا، وعلى سبيل الاستثناء، يتحتم عليّ موافقة الغزالي وهو يقول: “إن الارتداد في أغلب صوره ستار نفسي للتمرد على العبادات والتقاليد والشرائع والقوانين، على أساس بناء الدولة نفسها، ومواقفها من خصومها الخارجيين. ولذلك كثيرا ما يرادف جريمة الخيانة العظمى وتكون مقاومته واجبا مقدسا”.
نعم فأنا شخصيا رفضت دين الغزالي وتمردت على عباداته وتقاليده وشرائعه وقوانينه، لأنها متخلفة لا إنسانية قمعية استعبادية منذ فجر التاريخ، وبئس الدول والأوطان التي تحتكم إلى هذه الشرائع العنصرية ولا أستثني منها وطني.
وأخيرا، وعندما يقول الغزالي في خاتمة هذا الفصل “فما يكون للمرتد مكانٌ وَسَطَ مجتمعٍ على هذا النحو”، فهو يتحايل علينا ليخدعنا، وكأن الانسداد الحضاري والسياسي والثقافي الذي جعل مجتمعاتنا في ذيل الترتيب العالمي من حيث المساهمة في الخلق والإبداع والإنتاج وتحقيق أمننا أمننا الغذائي والدوائي والغذائي هو بسبب وجود الملحدين بين ظهرانينا، لكن الحقيقة هي أن عالم الغزالي لا يتسع لا للملحدين لا لأتباع الأديان الأخرى، ولا حتى للمسلمين من المذاهب والطوائف الأخرى، وتاريخ المسلمين ماضيا وحاضرا يشهد على ذلك. بل إن الكثير من أمثال الغزالي والقرضاوي قد وقعوا في الحفر التي حفروها لغيرهم. وأسطع مثال على ذلك ما تعانيه البلاد الإسلامية من حركات تطرف اكتوى بنارها المسلمون قبل غيرهم، بل لا نعدم بينها من يكفر الغزالي نفسه باعتباره في نظر شباب المجاهدين وعسكر طيبة وجيش عدن من علماء السلاطين.

http://www.facebook.com/pages/%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%AF%D8%B1-%D8%A3%D9%86%D9%8A%D8%B3-%D9%85%D9%81%D9%83%D8%B1-%D8%AD%D8%B1/124826487652636

About عبدالقادر أنيس

كاتب جزائري
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.