التجارة بالشهداء

محمد البدري 

لم يبقي من ثورة المصريين سوي شبابها في شوارعها وقضاتها في محاكمهم يقفون من اجل استكمال المشوار الطويل لثورتهم. لم يمس أحد بعد اركان الدولة بكل فسادها بل العكس كان صحيحا ففي قمة الهرم أتي من لا يحترم المصريين علي الاطلاق. إنهم جماعة الاخوان المسلمين بمنظومتها الدينية الحاملة لكل انواع الفساد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي علي قاعدة اسستها الجماعة تحت شعار الاسلام هو الحل. فهل يسمع أحد الان من يردد هذا الشعار من الاخوان بقدر ما تسلمه السلفيين والجماعات الاصولية كمصيدة وفخ لاصطياد وتحييد من بقي من القوي الاجتماعية وتدجينها تحسبا لاي تغيير لا يستطيع الاخوان السيطرة الكاملة عليه.

 وعندما بدات معركة كتابة الدستور اتضحت الصورة وكأن كاميرا الرصد اقتربت بشدة من المشهد حيث تحالف الطرفان علي شعب مصر تكسيرا وهدما في منظومته الحضارية التي بناها علي مدي ما يقرب من 200 عام الاخيرة. معظم الشخصيات التي اوكل اليها كتابته لا تعترف اساسا بالحق السياسي للمواطن. فكل اصحاب اللحي وهم كثيرين في الجمعية التاسيسية يتلقون في تعاليم احزابهم السلفية ان الخروج علي الحاكم ليس من الشريعة ويعلموهم ايضا ان يكذبوا يداهنوا بالمشاركة في كتابة دستور رغم ان القرآن هو دستورهم وان يدعوا انهم شاركوا في الثورة خروجا علي الحاكم الذي لا تجيز الشريعة الخروج عليه. كانت آخر المشاهد المخجلة ان تحاول جماعة الاخوان المسلمين (جدا) شراء جثة أحد شهداء الاتحادية “محمد السنوسي” وهي لازالت في المشرحة برشوة اهله ودفع التكاليف مقابل القول بانه كان من مؤيدي الرئيس مرسي الاخواني وليس من المعارضين، تضليلا للراي العام والصاق تهمة القتل في المعارضة التي خرجت من اجل دستور يحق للمصريين حقوقهم ويمنعهم من الغش والتضليل والكذب … والقتل.

 هذه واقعة واحدة فقط لها الكثير من مثيلاتها في الاسلام السياسي السني بمجمله علي مدي التاريخ، جاء ذكركثير من احداثه علي قاعدم الدم في كتاب هادي العلوي “الاغتيال السياسي في الاسلام”. فعلي مدي الثورة المصرية حدثت اغتيالات دموية في ميادين الثورة وتجري الان اغتيالات من نوع آخر كلها بهدف التخلص من الضمير المصري وصوت الحقيقة. وهذا هو السبب في محاولة واضعي الدستور تمييع المادة الثانية باغتيال الاسلام الذي توافق المصريين علي تبنيه طوال تاريخهم الذي جعل مبادئ الشريعة مصدر من مصادر التشريع في دستور 71 . لكن الاخوان وحلفائهم من الجماعات السلفية آثروا علي طريقتهم من القتلة وسفك الدماء بان يصوغوا بندا أتي متأخرا – من اجل التمويه والتضليل – في ترتيب مواد الدستور برقم 219 يشرح البند الثاني ويقول: مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة.

 ولا نعرف لماذا لم يتفتق ذهن احد من المنسحبين، قبل انسحابه من الجمعية باقتراح ان تضيف الجمعية التاسيسية بندا آخر ليتسلم نسخته الدكتور الرئيس مرسي كاملة مكتملة حسب مذاهب اهل السنة والجماعة توصي بجعل السرقة ضمن شرائع الاسلام. اليس احتجاز مبادئ الشريعة الاسلامية (وأي شريعة أخري وهي الحق والخير والجمال) وجعلها حكرا علي مفاهيم اهل السنة والجماعة هو سرقة ونهب للثروة الدينية للمصريين البسطاء في تدينهم. فالمصريون لم ينهبوا أحدا طوال معاصرتهم للدين الاسلامي ولم يستولوا علي اوطان الاخرين ولم يحكموا احدا باغتياله ثقافيا ومعنويا.

يقول المصريون في حسهم الشعبي امام ظاهرة الموت “إكرام الميت دفنه”، لكن الاخوان واهل السنة والجماعة لهم راي آخر بان التجارة بالميت لها عشر امثالها، ربما لان 99% من الربح في التجارة.  محمد البدري (مفكر حر)؟

About محمد البدري

مهندس وباحث انثربولوجي
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

1 Response to التجارة بالشهداء

  1. س . السندي says:

    ماقل ودل … لأخي محمد البدري … ؟

    ١: كم يحز في نفسي من حزن وألم وأسى عندما أرى الغراب العربي ينتصف علم مصر الفرعونية ذات التاريخ الموغل في القدم بأكثر من سبعة ألاف عام ، والذي يؤلمني أكثر تسميتها بالجمهورية العربية المصرية، مصر لن تشرق عليها الشمس من جديد مالم يزيح المصريون الشرفاء هذه أللعنة عن بلازدهم ، أقسم لكم إنها لعنة والويل لدولة تصيبها ؟

    ٢: مالم يقم المصريين الشرفاء بإزالة هذه اللعنة ، صدقوني سيقوم التاريخ بدوره في تصحيح التسمية أجلا أم عاجلا ومن خلال دولة جديدة فرعونية ؟

    ٣: كل الدلائل والوقائع تشير إلى تأكل النفوذ العربي وحتى ألإسلامي ، ومانراه اليوم ليس إلا زفرات ماقبل الموت ، فغدا ستنشأ دول عديدة وجديدة رغم أنف كل المستعمريين والمستعربين ، سلام ؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.