الأرض المتروكة كالعقول الفارغة تصبح مكبَّا للنفايات

الشرق الاوسط: علي سالم

اشتريتَ قطعة أرض، وقمت بتسجيلها في الشهر العقاري، على الفور قمت بتسويرها، ثم استدعيت خطاطا وطلبت منه أن يكتب على السور بخط عريض وواضح: «ليست للبيع وهي ملك لفلان – اسم حضرتك – ثم رقم تليفونك».. غير أن هذه الإجراءات ليست كافية لحمايتها، لا بد من تعيين خفير لحراستها.. وهذا ما حدث بالفعل، الآن فقط تستطيع أن تنام بدرجة كبيرة من الاطمئنان. أما إذا امتنعت عن القيام بهذه الخطوات، فسيستولي عليها الآخرون، أو على الأقل ستتحول إلى مكبّ للنفايات. أما إذا كانت على أطراف المدينة، فستتحول حتما إلى وكر للصوص والمطاريد وتجار المخدرات بكل أنواعها، أي ستتحول إلى مكب للبشر النفايات. كل ما نهمل في الدفاع عنه، لا نفقده فقط؛ بل يتحول إلى مصدر للخطر يهدد حياتنا.

قال رشيد محمد رشيد الوزير المرموق في حكومة الرئيس السابق مبارك، في برنامج تلفزيوني: «لقد قدمت مشاريع لتعمير سيناء للرئيس مبارك ثلاث مرات، ولم تحدث استجابة لها»، وعندما سأله المذيع عن السبب، أجاب: «لا أعرف».

هذا هو السؤال الذي حير البشر كثيرا في مصر، أو على الأقل عددا كبيرا منهم، وحتى الآن لم يتطوع أحد بالإجابة عنه، وفى هذا المقال أنا أحاول العثور على الإجابة.

مات الأُسْطَى صاحب «ورشة السلام» في شارعنا، شارع وادي النيل، فأغلق الورثة الورشة بعد أن فشل صبيانه في إدارتها والحصول على ثقة زبائنها. في الحرفة وفى السياسة أنت في حاجة للحصول على ثقة الزبائن. هذا بالضبط ما حدث لمشروع السلام للأُسْطَى محمد أنور السادات، تم إغلاق المشروع بعد اغتياله لعدم كفاءة صبيانه. تحول مشروع السلام إلى مجرد إيقاف إطلاق نار، أما الأخطر من ذلك كله، فهو الحفاظ على فكرة الحرب نشطة وساخنة طول الوقت في أذهان البشر. كل الناس في مواقع المسؤولية ما زالوا يخوضون الحرب شفويا وليس تحريريا، هي حرب قاعدتها الخوف والكراهية يخوضها المثقفون من غير طائرات أو مدرعات أو مدفعية، وبغير هدف أيضا. لم يحدث سلام بين مصر وإسرائيل، والأسوأ أنه لن يحدث، يا لكثرة عدد من يفكرون على النحو التالي: نحن في حالة هدنة حتما ستنهيها الحرب في أي لحظة.. فجأة ستشتعل الجبهة بيننا وبين إسرائيل، وذلك على ساحة القتال الوحيدة التي تفصل بيننا وبين إسرائيل.. سيناء.

حالة الحرب العقلية تمنع التنمية بالضرورة، بل تقتل الاهتمام بالحياة نفسها، أنت ترقد في خندق الآن في جبهة القتال، شظايا المدفعية تنهال عليك من كل خطوط العدو، هل تفكر في هذه اللحظات في إقامة مشتل زهور، أو بناء مصنع، أو مدرسة أو جامعة أو مركز للبحث العلمي؟ كل ما تفكر فيه هو أن تبتهل إلى الله أن تظل حيا. التنمية بشكل عام تعقب السلام، وفى غيابه تظل عقول البشر ممتلئة بأفكار الحرب والخوف والكراهية، وكانت سيناء وأهلها الضحية.. في اللاوعي الجمعي للناس جميعا، سيناء هي أرض المعركة المقبلة حقا، وعلينا أن نحافظ عليها صالحة لتحركاتنا في عمليات القتال.. كيف تتحرك مدرعاتنا بحرية في مكان امتلأ بالمدارس والمسارح والحقول والمصانع والمنتجعات السياحية، وعندما يتسلل العدو في المعركة المقبلة ويختبئ في مناطق الكثافة السكانية بين كل هذا العمران، كيف تستطيع طائراتنا مهاجمته؟ أليس من الواضح لكل صاحب عقل أن تعمير سيناء هو في جوهره دعوة للعدو للاستيلاء عليها؟ بالطبع الدعوة لتعميرها تجذب الكثيرين من السذج وأصحاب العقول الفارغة، لأنهم لا يعرفون المخاطر التي ستكون في انتظارنا عند تجسيد هذه الفكرة على الأرض. عندك مثلا الشركات الأجنبية التي ستأتي للعمل فيها، كيف تضمن أن رؤوس أموالها ليست إسرائيلية؟ ولنفرض أننا عالجنا ذلك بسن قوانين تسمح للمصريين فقط بإقامة شركات هناك، فماذا عن المصري المتزوج من أجنبية؟ وحتى لو عالجت ذك بقانون يحتم على المستثمر المصري أن يقوم بتطليق زوجته الأجنبية، فمن المؤكد أنه سيطلقها، غير أنه سيظل على علاقة بها، ومن يدري؛ أليس من الجائز أن تكون لها خالة يهودية أو قريبة من الأوساط اليهودية؟ ولنفرض أن خالتها هذه متزوجة من ضابط في الموساد، أليس معنى ذلك أن هذا المستثمر سيقوم بتخريب مصر تحت غطاء الاستثمار وتعمير سيناء؟ ولنفرض أن مصريا أنجب طفلا وتصادف أن أمه ولدته في مستشفى أميركي وهو ما يعطيه الحق في الجنسية الأميركية، كيف سنتصرف معه وهو يمتلك مشروعا استثماريا في سيناء؟ ألن يقيم الدنيا ويقعدها ضدنا إذا اقتربنا من مشروعه؟

ننتقل الآن للدعوات المتكررة التي تطالب بأن يتمتع سكان سيناء بكل ما يتمتع به المواطن المصري على أرض الوادي؛ ومنه حق الملكية وممارسة هذا الحق على كل ما يملكه.. حسنا لنفرض أنه دخل في شراكة مع مواطن عربي إسرائيلي، أو مواطن عربي حاصل على الجنسية الهولندية وأمه فلسطينية غير أنها حاصلة على الجنسية الإسرائيلية، أليس معنى ذلك أن إسرائيل ستتملك سيناء كاملة بعد مائة عام فقط أو أقل بغير حروب أو قتال؟

أعتقد أنني قدمت الإجابة التي فشل الوزير رشيد محمد رشيد في العثور عليها، ولست أزعم أنها الإجابة الوحيدة الصحيحة، فربما توجد هناك إجابات أخرى أكثر صحة عند آخرين؛ أنا أطالبهم باسم الشرف الإنساني أن يقدموها لنا.

ليس من الطبيعي إرغام البشر على أن يعيشوا في القرون الوسطى في العصر الحديث بينما هم مؤهلون لحياة عصرنا هذا وقادرون على إعطائنا الكثير، لا بد أن يحظى كل سيناوي بكل الحقوق التي يعرفها سكان الوادي، نعم.. قولا واحدا وحرفيا.. كل الحقوق. إن أقدم النصائح على وجه الأرض (بردية «الفلاح الفصيح» 3500 ق. م) تقول: «احترس من هذا الذي لا يمتلك شيئا». الطبيعة لا تعرف الفراغ، لقد أرغمنا عددا كبيرا من البشر في سيناء على أن يعيشوا حياة متخلفة فعاشوها لأنهم لا يعرفون غيرها. كل مواطن على الأرض لا بد أن يمتلك شيئا ليصبح لحياته معنى. إذا لم يمتلك الإنسان بيتا وعملا وأملا ومدرسة لأطفاله وفرصة عمل، فلن يجد أمامه سوى العنف والعدوان، وسيجد من يمده بالأدوات اللازمة لذلك. عندما لا تتملك قطعة أرض على الأرض، فمن المؤكد أنك ستبحث عنها في السماء، وعندما تعجز عن الحياة، فلا بد أن تبحث عن الموت بعد أن تضع عليه لافتة جميلة.

لقد خفنا من إسرائيل بما فيه الكفاية، وجاء الوقت الذي نتحرر فيه من هذا الخوف، لأن «الخائفين لن تقوى أيديهم المرتعشة على البناء» («فلسفة الثورة» 1954). لقد وصل بنا الأمر إلى أن نرى على الشاشة الصغيرة أسرى مصريين أسرهم مصريون، بغير حرب وبغير إعلان حرب، ورأينا قواتنا المسلحة تندفع في سيناء للدفاع عن مصريين في مواجهة مصريين.

أيها السادة: هذه ليست دعوة للتفكير، بل لإعادة التفكير.

 

About علي سالم

كاتب سيناريست وصحفي مصري ليبرالي جريدة الشرق الاوسط
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا, فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.