إنتهى الدرس يا إخوان

                    جوزيف بشارة

سنتان بالتمام والكمال مرتا على الأحداث التي أدت تنحي الرئيس المصري السابق حسني مبارك وأسفرت عن اعتلاء جماعة الإخوان المسلمين قمة السلطة. سنتان كبيستان مليئتان بالألام والدماء والشجن والمخاوف والقلق والأرق مرتا على المصريين الموعودين بالعذاب. لم تأت نتيجة الأحداث كما كان المتفائلون ينتظرون. كانوا يتوقعون أن تكون ثورة مثالية ناجحة تسقط الفساد وتزيح الدكتاتورية وتؤسس لمصر جديدة تؤمن بالديمقراطية وتقدس الحريات وتحترم أبناءها. لم تثمر الأحداث عن تحقيق ما كان المصريون يحلمون به رغم أن كل الظروف كانت مهيأة لثورة تاريخية خاصة بعدما تبين أن نظام مبارك كان هشاً وغير قادر على مجاراة الأحداث، ومن ثم لم يسع لمقاومتها أو الوقوف في وجهها. ما جاءت به الأحداث كان كياناً مشوهاً ومعتوهاً، كياناً مريضاً بأمراض مستعصية غير قابلة قابلة للشفاء، كياناً لا يعيدنا فقط إلى عهد الدكتاتورية ولكنه يأخذنا إلى الوراء حيث العصور المظلمة التي كان فيها الحكام يسخّرون الدين ويخشون الحرية ويقفون ضد التحضر ويقاومون المدنية ويرفضون التعددية والتنوع.

 ورغم الدماء الذكية التي سفكها العشرات من الأبرياء في أحداث يناير وفبراير ٢٠١١ في سبيل قيم ومباديء الحرية والديمقراطية والتسامح والمساواة، إلا أنها للأسف لم تحقق الطموحات المنشودة. وكأن قدر المصريين أن يستمروا في تقديم التضحيات، وأن يبقوا في سجن الطامعين في السلطة، وأن يظلوا لفترة أخرى غير معروفة الأمد غير قادرين على تحقيق الحلم.

غير أن التجربة لم تكن من غير إيجابيات مفيدة تعلمها المصريون. الإيجابية الأهم على الإطلاق هي معرفة الشعب المصري بحقيقة جماعات الإسلام السياسي المتطرفة وبخاصة جماعة الإخوان المسلمين التي تسلقت إلى قمة السلطة في مصر من دون جدارة وعن غير استحقاق. حتى وقت قريب مضى كان المصريون يهبون للدفاع عن الجماعات الدينية المتطرفة إذا ما تعرض لها النظام السابق بالقمع. كانت منظمات حقوق الإنسان والقوى المدنية والأحزاب المعارضة تقاتل من أجل أن تنال هذه الجماعات حريتها وأن يتم ضمها للقوى الوطنية. وباستثناء حزب التجمع اليساري الذي كان على الدوام، وعن معرفة و عن حق، يتخذ موقفاً رافضاً لجماعات الإسلام السياسي المتطرفة، لم تكن هناك قوة سياسية أو اجتماعية أخرى ترفض التعاون مع هذه الجماعات. ونشأت تحالفات عدة بين القوى المدنية وجماعات الإسلام السياسي بهدف معارضة نظام مبارك، وكانت حركة كفاية وحركة السادس من أبريل والجمعية الوطنية للتغيير من أبرز ما أسفرت عنه هذه التحالفات.

كان هناك اقتناع تام لدي تنظيمات المجتمع المدني بوطنية جماعات الإسلام السياسي المصري على الرغم من كل الاختلافات السياسية والفكرية والتنظيمية بين الفريقين. ورغم معرفة قيادات المجتمع المدني بالفقه الذي تعتمده الجماعات الدينية والذي يؤمن بالخلافة والأممية ويتخطى الوطنية بل ويدوسها بالأقدام، إلا أن أحداً لم يستخدم عقله للتفكير مرتين في شأن مدى وطنية وإخلاص وولاء الجماعات المتطرفة. كنت شخصياً أشعر أن القوى المدنية في مصر فقدت بصيرتها وأصبحت منقادة خلف الرغبة في إسقاط نظام حسني مبارك مهما كان الثمن وحتى لو تطلب الأمر تضحيات في الأيديولوجيات الفكرية والمباديء السياسية. كانت هناك معادلة تربط القوى الوطنية بجماعات الإسلام السياسي؛ معادلة الشعبية مقابل الشرعية. كانت القوى الوطنية قليلة الحيلة والانتشار تبحث عن أرضية شعبية لحركاتها، في الوقت الذي كانت فيه جماعات الإسلام السياسي تبحث عن غطاء شرعي يضم جماعاتها. وجد التيار المدني الأرضية الشعبية في جماعات الإسلام السياسي، ووجدت جماعات الإسلام السياسي الغطاء الشرعي في التيار المدني، ومن ثم فقد كان التحالف المشئوم بين الجانبين رغم كل التناقضات بينهما.

كانت جماعات الإسلام السياسي وعلى وجه التحديد جماعة الإخوان المسلمين تجيد اللعب السياسي بحنكة وبراعة، فقد انضم قادة الجماعة للحركات المعارضة ولكنهم أبقوا على خطوط اتصالاتهم السرية بالنظام الحاكم. كان اللجوء للمعارضة فقط عند اللزوم وعند الحاجة. ولذا لم يكن غريباً أن تشارك الجماعة في التخطيط لتظاهرات الخامس والعشرين من يناير من دون أن تشارك فيها بصورة فعلية. شاركت الجماعة في التخطيط للتظاهرات حتى تحصل على المقابل الذي تريده في حال نجحت التظاهرات، بينما لم تشارك فعلياً فيها حتى لا تدخل في مواجهة مباشرة مع النظام إذا فشلت التظاهرات. لم يكتف الإخوان بذلك بل أنهم وضعوا خططاً خاصة بهم للتعامل مع تطورات الأحداث عندئذ. انتظر الإخوان حتى الثامن والعشرين من يناير، وحين تأكدوا من ضعف النظام وإمكانية إزاحته عن السلطة نفذوا خططهم التي كان منها إدخال رجال مدربين تابعين لحركة حماس للاعتداء على قوات الأمن والمساعدة في تهريب المساجين، والضغط على النظام عبر إشعال حالة من الفوضى وعدم الاستقرار، فضلاً عن تعبئة الرأي العام ضد النظام عبر قتل المتظاهرين في ما عرف إعلامياً بمعركة الجمل.

وعندما أسدل ليل الثامن والعشرين من يناير ستاره كان الإخوان قد وضعوا أقدامهم في ميدان التحرير وبدأوا بعدها مباشرة في السيطرة عليه، ولكن من دون أن يثيروا انزعاج القوى السياسية الأخرى التي جرى تضليلها بنجاح غير عادي. رجال وسياسيون ومفكرون كبار سقطوا في فخ الإخوان من بينهم البرادعي وصباحي وبدوي وقنديل والغزالي حرب واسحق والإسناوي وغيرهم. ومع تنحي الرئيس السابق كان الإخوان هم الجماعة الأبرز على الساحة وهو الأمر الذي دفع بالمجلس العسكري، الذي تولى السلطة مؤقتاً، للتعامل معهم على أنهم الطرف الأقوى والأبرز. ولم يستمر التعاون بين القوى المدنية والإخوان طويلاً، إذ ما أن تيقن الإخوان من سير الأمور بحسب خططهم حتى سارعوا إلى الانعزال والانفراد بالتعاون مع المجلس العسكري والتنكر للقوى المدنية الأخرى وحنث العهود التي قطعوها. وحين جاء موعد الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية كان الإخوان بمساعدة كافة أطياف التيار الديني يتبعون أسلوباً ممنهجاً في تزوير إرادة المصريين عبر الرشاوى الانتخابية والتزييف. كان هم الإخوان الحصول على غالبية مقاعد البرلمان ومقعد الرئاسة حتى يتحكموا في مصير مصر. وهكذا كشف الإخوان عن وجههم الحقيقي الذي سعوا حثيثاً وطويلاً لإخفائه.

إن صعود جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة على أكتاف الأخرين وعبر التضحية بدماء الأبرياء أوضح للمصريين مدى الخسة التي يمكن أن يصل إليها التيار الديني لتحقيق طموحاته السياسية. لقد كشف الجماعات الدينية عن وجهها القبيح الذي يتنكر ويخادع ويكذب. وإذا كان الإخوان المسلمون نجحوا بدهاء في خداع القوى السياسية الأخرى في مصر طوال العقدين الأخيرين، إلا أنه من المؤكد أن تصرفات الإخوان الحمقاء في السنتين الأخيرتين قد فضحتهم وعرتهم أمام المصريين والعالم. سيذكر التاريخ أن الإخوان أجهضوا ما كان ينبغي لها أن تكون الثورة التي تقود إلى تحقيق الحلم المصري، وأنهم أفشلوا محاولة المصريين التمرد على الدكتاتورية والانتقال للحرية، وأنهم استحوذوا على السلطة بالمكر والتزوير والترغيب والتهديد، وأنهم كتبوا وحدهم دستوراً مشوهاً بعدما استبعدوا القوى السياسية المعارضة التي تشكل نصف المجتمع، وأنهم اعتدوا على المؤسسة القضائية، وأنهم قيدوا حرية الصحافة والتعبير، وأنهم تصرفوا كالعصابات الإجرامية حين قتلوا المتظاهرين سواء في التحرير أو في الاتحادية. الإخوان اليوم يحكمون ويتحكمون ويقمعون الحلم المصري بالحرية، ولكن سيأتي اليوم الذي يسقط فيه الإخوان عندما يثور المصريون من جديد من دون أن تستطيع الجماعة إجهاض ثورتهم من جديد. السقوط قادم لا محالة. انتهى الدرس يا إخوان. (مع الاعتذار للمبدعين لنين الرملي ومحمد صبحي.)

جوزيف بشارة

[email protected]

This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.