أمثولة من تواضروس إلى الراعي والسيستاني والقرضاوي وغيرهم

فؤاد مطر

في عملية انتخابية يتمنى المرء لو يتأمل أهل السياسة في نقاء ديمقراطيتها وبساطة إجراءاتها وعمق معانيها، اختار أقباط مصر أسقف عام البحيرة الأنبا تواضروس بطريركا للأقباط الأرثوذكس والكرازة المرقسية خلفا للأنبا شنودة الثالث، الذي توفي مساء يوم السبت 17 مارس (آذار) 2012 عن 89 سنة، كانت أواخرها سنوات قاسية صحيا على هذه الظاهرة الدينية، الذي روَّض العمل السياسي والسلفية القبطية المحدودة التأثير لكنها مقلقة في أي حال، متحملا تداعيات هذا الترويض على المقتضيات الدينية. وكان تشييع البابا شنودة وتعامُل الإعلام الرسمي والخاص، وهو إعلام في معظمه إسلامي التأسيس والإنتاج والكتابة وكذلك الإعلام الفضائي، مميزا اختلط فيه الأسف على رحيل البابا شنودة بالخشية مما هو آتٍ بعده، ذلك أن رحيل الرجل حدث في زمن تمدُّد الإسلاميين من الميدان إلى مؤسسات الحكم وقصر الرئاسة. ومن علامات التأسف أن العناوين الرئيسية في الصفحات الأولى للصحف القومية عن يوم التشييع (الثلاثاء 20 مارس «آذار») كانت في «الأهرام»: «مصر تودع البابا بصلوات السلام.. مسلمون ومسيحيون يبيتون أمام الكاتدرائية لتشييع البابا».

وفي «الأخبار»: «جنازة القرن.. مليونية مصرية في وداع البابا شنودة». وفي «الجمهورية»: «المسلمون والمسيحيون معا في يوم الوحدة الوطنية». وإلى هذا الأسى الذي خفف من وطأة القلق المسيحي على مستقبل العلاقة بين أكثرية إسلامية في حدود 89 في المائة وأقلية مسيحية غير محسومة رسميا نسبتها، وإن كانت لا تتجاوز 12 في المائة، فإن المستنيرين من علماء مصر، ومعهم الشيخ الأكثر حراكا على صعيد الإفتاء المجتمعي والسياسي الشيخ يوسف القرضاوي المستقر في قطر، سجلوا بعض الكلام الذي له صفة المراثي لنظيرهم الذي لاقى وجه ربه. وهؤلاء ركزوا على حرص شنودة على الوحدة الوطنية وإطفاء نار الفتنة التي كادت تحدث خصوصا في العاصمة القاهرة، وتطويق أفكار انفصالية قبطية ردا على الإصرار من جانب تيارات إسلامية متشددة على تضمين الدستور نصا ملزما بالنسبة إلى الشريعة الإسلامية. كما أن وزير الأوقاف الأسبق الدكتور محمد الأحمدي أبو النور استحضر لمناسبة رحيل البابا شنودة واقعة أراد من استحضارها ردع بعض المفترين والمسيئين إلى شنودة. وخلاصة هذه الواقعة أنه ذهب مرة مع أعضاء الحكومة للإفطار في الكاتدرائية تلبية لدعوة البابا شنودة الذي فاجأهم بأنه دعا إلى رفع أذان المغرب وإقامة صلاة الجماعة داخل الكاتدرائية، وهذا لم يحدث من قبل، ومؤشر إلى رؤية البابا شنودة للتسامح والحرص على عيش مستقر للديانات. أما الشيخ القرضاوي، فإنه في بيان التعزية من جانب «الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين» رثى شنودة «الواعظ الذي قال عن مصر إنها ليست مجرد وطن نعيش فيه، بل هي وطن يعيش فينا، كما أن للبابا شنودة كلمات لا تُنسى في تأييد الشريعة الإسلامية، وله مواقف مشكورة في نصرة القضية الفلسطينية والوقوف ضد زيارة القدس في ظل الاحتلال…».

وهذه المواقف للبابا شنودة كان يرفدها وبهدف التعميم بحيث يعرف القاصي والداني من المسلمين والمسيحيين في مصر وخارجها ما الذي يجعله يشدد على التسامح والوحدة الوطنية، بتقليد مستحب وغير مسبوق يتمثل في مقالة ينشرها كل يوم أحد في «الأهرام»، وبذلك بدت مقالاته هذه وكأنما هي «عظات دينية – علمانية» مطبوعة على الورق يكمل فيها عظاته الشفاهية الدينية من على المنبر الكنسي. وأجد نفسي أشير هنا إلى أنني كنت كمسلم عربي من خارج مصر المتابع ميدانيا شؤونها وشجونها وزلازلها السياسية على مدى 4 عقود أحرص على قراءة ما يكتبه البابا شنودة قدر حرصي على ما كان يكتبه الشيخ محمد مهدي شمس الدين، والمطران جورج خضر، والسيد محمد حسين فضل الله، والمستنير كثير الاستنارة عائض القرني. وهؤلاء أناروا ونبهوا وشكلوا ما يشبه الرادع لاقتحامات السياسة وألاعيب السياسيين في العقيدة الدينية. وفي مقالاته «الأهرامية» كان البابا شنودة يعالج مسألة المديح والكرامة وإنكار الذات وأصول الجدية والتدقيق ومعاني الصوم «الذي هو غذاء الروح»، وفضيلة الصمت، مستحضرا قول النبي داود: «فاض قلبي بكلام صالح.. إذا كان هناك كلام نافع مفيد»، ومعنى ميلاد السيد المسيح «الذي كان في تجواله يصنع خيرا ويشفي كل مرض وضعف في الشعب ويهتم بالضعفاء والمساكين وبالخطاة وبالعشارين».

كما كان في مقالاته يتحدث عن «حاجة العالم إلى السلام وإلى الهدوء على قاعدة (على قدر طاقتكم ساعدوا جميع الناس)». وعندما لاحظ ما يحدث في زمن الانتفاضة على نظام الرئيس حسني مبارك كتب مخاطبا الناس: «لا تخافوا ولا تنزعجوا.. اعتمدوا على الله وقدرته ونعمته». وأما في مجالسه التي كنت في بعض المرات من جلسائها، نصغي إليه متحدثا نثرا وشعرا على نحو ما هو معروف عن الإمام الخميني وخليفته آية الله خامنئي والسيد محمد حسين فضل الله، فكان دائم الحرص على استحضار مآثر كرام الحقب الإسلامية، وبالذات حقبة الخليفة عمر بن الخطاب وحقبة الخليفة هشام بن مروان، وكيف أن هؤلاء الكرام أشركوا مسيحيين في دواوينهم كمترجمين أو فقهاء أو أطباء أو شعراء أو مهندسين معماريين، وعلى التذكير بأن القدس خط أحمر، وبأنه لا يجوز للمسيحيين الحج إلى مقدساتهم ما دامت تحت الاحتلال الإسرائيلي ولم تتكون دولة فلسطينية، معتبرا زيارة عدد من الأقباط إلى القدس المحتلة عام 1995 بأنهم «عصاة وغير مطيعين وعليهم أن يتوبوا، ونحن لا ندخل القدس إلا مع العرب جميعا. ثم إن إسرائيل التاريخية كانت مجرد رمز وانتهى».

الآن ولمجرد اختياره بطريركا للطائفة الأرثوذكسية والكرازة المرقسية، يعلن الأنبا تواضروس أنه سيكون رجل دين فقط، وأنه لا علاقة بين الدين والسياسة. ثم يضيف بأن الربط بين الدين والسياسة «يفسد الدين ويفسد السياسة». وهذا الموقف من جانبه له دلالاته. فهو يريد طمأنة مصر الإسلامية بأن ضجيج الدعوات إلى «مصر قبطية» لن يكون واردا بعد الآن. كما أنه سيترك لفطنة الشرعية، متمثلة في الرئاسة وروافدها، أمر تصحيح قضايا كثيرة ملتبسة، وهو فيما أراده نهج منذ اللحظة الأولى يسجل في مشهد القيادات الدينية العربية والإسلامية عموما أمثولة، خلاصة مضمونها أن المرجع الديني عليه حصر اهتمامه في القضايا الدينية؛ فلا يقتحم ميدان السياسة على نحو ما يلمسه المرء في قيادات روحية كثيرة وصل بها التعاطي مع الشأن السياسي إلى أن المرء يشعر أنه أمام رئيس حزب، وليس أمام مرجع أعلى للطائفة.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، هنالك في لبنان حالة البطريرك الماروني بشارة الراعي، ومن قبله سلفه البطريرك صفير، ومن قبل الاثنين حالة الإمام موسى الصدر، الذي سر تغييبه، وربما لغز تصفية الرئيس رفيق الحريري وغيره، كانا في عِلْم اللواء الشهيد وسام الحسن. كما هنالك حالة آية الله السيستاني في العراق وحالة الشيخ يوسف القرضاوي، بدءا من عرينه القطري في الدوحة، شاملا برؤاه وفتاواه كل ديار المسلمين.

وقد نجد من يقول إن خشية البابا الجديد للأقباط الذي كان زكاه بقوة أستاذه الأنبا باخوميوس قائم مقام البطريرك منذ وفاة شنودة، تعود إلى أن مصر تعيش الآن مخاضا من الصعب التكهن بطبيعة الشاطئ الذي ستنتهي إليه أمواج الصراع الراهن حول هوية مصر، بحيث تكون دولة دينية بدل أن تكون الدولة المتدينة. وفي الدولة الدينية من الصعب أن تستقر أحوال الأقباط، ومن هنا رؤية مرجعهم الجديد حامل الرقم 118 في تاريخ الكنيسة الأرثوذكسية الذي ارتأى الحياد بين الدور الديني والدور السياسي. وهو كصيدلي سابق يمتلك خبرة تحضير الدواء ربما يرى أن الحياد هو خير دواء على الأقل في المرحلة الراهنة، التي قد تطول. وهذا الحياد هو كما نرى أمثولة قبطية مستحبة من جانب البطريرك تواضروس المولود في سنة قيام ثورة 23 يوليو (تموز) 1952 تحت اسم وجيه صبحي باقي سليمان، برسم مراجع دينية كثيرة أوردنا أسماء بعض الرموز منها، ويحار المرء في أمر ممارساتها، حيث الواجب الديني يختلط فيما تقوم به مع الدور السياسي.

الشرق الاوسط اللندنية

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.