آنجى

المصري اليوم

وكنت يا آنجى أتحدى وأغامر كى تقابلنى الدنيا بحرية لا آخر لها. وحلمت أن أساعدك بأطواق مغامرة تنجيك من كرب هذا الوطن المحدود. حلمت ذات يوم أن تستيقظى مثلما استيقظت بسن باكرة لتفاجئى مجتمع العشيرة قائلة (أنا حرة).

حتى اللحظة التى سبقت مجيئك كنت أظن أن أجمل ما سمعته فى حياتى كان صوتى وأنا أقول (لا) للمرة الأولى. أما من الآن فسيكون الأجمل هو صوتك وأنت تتغلبين على القهر بكل صنوف الـ (لا).

وظننت أنك حين تأتين سيكون زمن الرخص الفكرى قد انتهى وحل زمان الغلاء، لكن الأجواء مؤلمة وغبار الدناءة يتطاير.

رجل الدين، الدين، رجل الدين ألغى كل شىء، أو يكاد. تهمتنا هى سبات الكفر لمئات القرون، ولو أن الأمر بيده لأطلق تهم الكفر على كل الأنبياء. مولدك يا صغيرة جاء بزمن الدعوة والدعاة وأنبياء جدد ورسل جدد، وعدة نصب ووحى نصاب ومحاضرات بورنو دينية لا تحكى إلا عن النجاسة والأجساد والجنس والجماع.

هناك حواجز جديدة ستظهر فى الطريق وتحتاجين لكسرها. هناك قيود لم يكتمل فكها. لا أدرى مدى قدرتك على الصمود. هناك تقاليد ومحافظة ومسميات مختلفة للاأخلاق واللامبادئ، فكيف ستتجاوزين كل هذا؟ 

حين تكبرين يا آنجى أتساءل عن مصائر أطراف عديدة. الشرطة الدينية. الحجاب. الدعاة. مصير السلف ومصير الإخوان. مصير العبودية العصرية. ومصير الأنثى. ومصير الحرية. أمام هذا كله هل تقفين صامتة أم تتمردين وتحطمين وتثورين؟

وحين تكبرين، أتحبين هذا الوطن أم ترتبطين معه مثلما أرتبط معه بـ(حب وكراهية)؟ أتبحثين مثلما بحثت عن موطئ قدم جديد تحلمين فيه بعيدا عن التسلط. أم أن وطننا سيكون له حينها شكل مختلف؟ ربما نور الحرية سيشع على سماء الوطن، ربما ينتهى الظلم ويختفى التخلف وتبدأ حياة أساسها الكرامة. حياة تستحق أن تعيشينها أيتها الحالمة.

وقتها لن يحكم عليك أحد بحسب طول عباءتك وعرضها، ولن تحملى على عاتقك شرف رجال البلد، ولن تُرغمى على الصمت لأنك أنثى، ولن تخجلى من جسدك فأنت تملكين معجزة الخلق. وقتها لن ترغمى على الجلوس فى المقاعد الخلفية بكل محاضرة أو ندوة أو سيارة، وقتها سيكون القضاء عادلاً والقانون أساساً، لا تفاسير ومرجعيات تتغير بتغير المزاج. وقتها سينتهى التمييز وينتهى عصر إذلالك واضطهادك تحت ستار الدين. سيعتد بشهادتك كما الرجل، وستحصلين على كل بند مساواة منحتنا إياه التشريعات الدولية. ستتجاوزين مسألة المطالبة بقيادة السيارات، ستتعدين تلك الملهاة لمطالب أكثر حدة وشجاعة. ستسيرين بشوارع بلدك دون خوف من خطف أو تحرش، تسيرين فلا يوقفك رجال هيئة الأمر بالمعروف فارضين عليك أوامر لم يعهدها أى مجتمع إنسانى. ستختفى مهمة مراقبة الناس فى الشوارع والمقاهى والمطاعم، وستتنزهين بين دور السينما فى بلدك بعد عزل أهل الدين عن أهل الإبداع والفن، وستمارسين الرياضة دون انتظار فتوى رخيصة من شيخ أرخص لإباحتها. وتعملين وتتعلمين دون أى إذن ذكورى. وترتدين الملابس الملونة الزاهية، فعهد العباءة السوداء ولى إلى غير رجعة. ستذكرين زمنى وتقولين «كانوا زمن أمى يتغطون بعباءة خانقة». وقتها ستتولين عرش حياتك ومن يدرى فقد ترأسين عرش البلاد.

وقتها. متى يجىء وقتها.

أهديك فى بدايات تفتحك مقالا كتبته عنوانه «لم أعد أخجل». لا يزال موسوما على جبينى كلما قابلت واحدا من أبناء التناقض الذى حل علينا، فيوجه لى النصح قائلاً: كان الأجدر بك عدم كتابته. لهؤلاء ستعلنين أنك أنثى وسينصتون. سترغمينهم على الإنصات. لن تخافى. لن تخجلى.

وحين تقابلين نساء الخنوع معيبات، أو تصادفين لعنات داعية شرير. قولى لهم: لا. لم أعد أخجل.

عاهدينى يا آنجى.

[email protected]

About نادين البدير

كاتبة صحفية سعودية , قناة الحرة
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.