شيعة العراق بين الإحتلالين البريطاني والأمريكي 1914-2017 (ج3 والأخير)

لقرأة القسم الأول: شيعة العراق بين الإحتلالين البريطاني والأمريكي 1914-2017
لقرأة القسم الثاني: شيعة العراق بين الإحتلالين البريطاني والأمريكي 1914-2017 (ج2)
لقرأة القسم الثالث:  شيعة العراق بين الإحتلالين البريطاني والأمريكي 1914-2017 
القسم الثاني-الشيعة والإحتلال الأمريكي (2003-2017)

وقد إستمر حكم السُنّة طيلة العهد الملكي برعاية الاحتلال، فالإنتداب البريطاني للفترة منذ قيام دولة العراق عام 1921 وحتى قيام ثورة 14 تموز 1958 في العراق، وتولى الشيعة حكم العراق بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم للفترة من (1958-1963). لتعود بعد للسُنّة ثانية بعد انقلاب 8 شباط 1963 بقيادة المشير الركن عبد السلام محمد عارف ثم أخوه عبد الرحمن، ثم مجيء حكم حزب البعث العربي الاشتراكي للفترة من (1968-2003)، حيث الاحتلال الأمريكي للعراق، وتسليم السلطة للأحزاب الإسلامية الشيعية منذ 2004 وحتى يومنا هذا. وبعد مرور قرابة 15 عاماً على سلطة الأحزاب الشيعية في العراق، تبدو نظرة البريطانيين إليهم محل نظر. وتبدو ملاحظات المس بيل عنهم موضوعية إلى حد كبير. ويبدو قرارهم في عدم منح السلطة لهم وتسليمها لمكون عراقي آخر قراراً صائباً جنب العراق الإنزلاق إلى مهاوي الطائفية والولاء المذهبي وهدر سيادة الدولة وتبديد ثرواتها الوطنية منذ قيام دولة العراق الحديث.
وعلى عكس توجه الاحتلال البريطاني عام 1917، فقد جاء الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 بإستثمار فكرة إستبعاد الشيعة في المرة السابقة وحثهم على المشاركة في هذه المرة لترسيخ الطائفية والمذهبية في العراق لتقويض أسس الدولة بعد أن سعى البريطانيون لإقامتها وبناءها في المرة الأولى.
وقد درس الولايات المتحدة الشيعة عن كثب، وساعدها في ذلك الشيعة الأمريكيون من أصل عراقي. ووجدت فيهم خصائص عديدة تستحق الإستثمار بالإضافة لما توصل اليه البريطانيون قبلهم بمئة عام. فبإستثناء الخصائص العربية والإسىلامية والعراقية، فقد وجدوا فيهم مايلي: –
1. التمرد وعدم الخضوع للسلطة.
2. التخلف في مجتمع عشائري-ديني-مذهبي يُقَدِم الإعتبارات العشائرية ويخضع لسلطة المرجع الديني حتى لو تعارضت مع قواعد القانون، ويميل إلى نصرة المذهب أينما كان.
3. الفوضى وإعتماد القوة لحل خلافاته.
4. حب المغانم والإنقياد للمصلحة الشخصية.
5. التظاهر بالمظلومية.
6. الإستعداد لخيانة المصلحة العامة.
وتثبت مذكرات الحاكم المدني الأمريكي في العراق بول بريمر مدى إستثمار مسألة مظلومية الشيعة التاريخية في الخلافة يوم السقيفة المشار اليه في أعلاه، فكتب بأسلوب تحريضي مخادع، دغدغ فيه مشاعر الشيعة مما قاد الى زرع الطائفية الدينية في العراق لعقود عديدة، حيث يقول: –
“قلت، “دكتور جعفري، إنسجاماً مع قرار الأمم المتحدة، يعتزم الائتلاف إنشاء إدارة مؤقتة بأسرع ما يمكن. ونحن نأمل أن يتعاون القادة المسؤولون في الطائفة الشيعية مع هذا المسعى. ولا شك في أن إرتكاب الشيعة اليوم الخطأ نفسه الذي ارتكبوه في سنة 1920 يعدّ مأساة.
هزّ راسه مقرّاً بما أشرت اليه. ففي أعقاب الحرب العالمية الأولى، عندما تقدّمت القوات البريطانية داخل مقاطعات الإمبراطورية العثمانية المنهارة، في بلاد ما بين النهرين، أطاع الشيعة العراقيون فتوى مرجعهم الديني بعدم التعاون مع “الصليبين”. فهمّش هذا القرار الشيعة من حكم بلدهم. والآن ها هو التحرير يقدّم لهم فرصة جديدة بعد ثمانين عاماً.
بالمقابل، تعاون العراقيون العرب السنّة، الذين تمتّعوا بقرون من المعاملة التفضيليّة، في ظل الحكّام العثمانيين السنّة، مع الاحتلال البريطاني، وبقوا الطائفة المميزة تحت حكم الملكية التي أنشأها البريطانيون أولاً، ولاحقاً في أثناء النظام البعثي.
بدا الجعفري غارقاً في التفكير، فقد تحديته للنزال، وأشرت بوضوح الى أنّ القطار سيغادر المحطة ويرجع الى السياسيين أمر الصعود اليه”.
وقد إحتل الأمريكان أرض العراق يرافقهم عدد من الشيعة الذين تجنسوا بالجنسية الأمريكية والبريطانية والسورية. وكان في مقدمة هؤلاء إثنان من الشيعة المتجنسين بالجنسية الأمريكية، وهما رند رحيم-فرانكي وأحمد الجلبي. رند رحيم هي شيعية امريكية من أصل عراقي أصدرت بالإشترك مع أحد المختصين الامريكيين وهو غراهام فوللر كتابا باللغة الانكليزية بعنوان (The Arab Shi’a: the forgotten Muslims). وهكذا فقد استطاع الامريكان ان يعيدوا العراق الى صراعات (سقيفة بني ساعدة) لعام 632 م. وشعر الشيعة بان فترة انصافهم قد حلت وبان الوقت قد حان للأخذ بثأر (الحسين)، فانطلقوا يبحثون عن (يزيد)، وبدءوا يتصرفون على هذا الأساس، مما قاد الى شيوع الانتماء الطائفي وانعدام المواطنة. وبإحتلال العراق عينت رند رحيم سفيرة للعراق لدى واشنطن في تشرين الثاني 2003. إلاّ أن السلطات الامريكية قد خيّرتها بين الاحتفاظ بمنصبها كسفيرة للعراق أو الاحتفاظ بجنسيتها الأمريكية، ففضلت الخيار الاخير وتركت المنصب في اب 2004 بعد تسعة أشهر فقط.
أما أحمد الجلبي ويعرف ب “عراب الإحتلال” فقد أظهر ولاءه لإيران بمجرد أن وطئت قدمه أرض العراق، وفي آيار 2003 زار أحمد الجلبي إيران ونقل لها معلومات حساسة، فقلبت له أمريكا ظهر المجن، ولم يتولى أي منصب مرموق حتى وفاته، ومازالت الشبهات تحوم حول آخر فنجان قهوة شربه قبل وفاته بساعتين يوم 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2015. ومن المؤكد أن للولايات المتحدة مصلحة استراتيجية في إقحام إيران في المستنقع العراقي، لإنها لن تجد أكثر من إيران عداءً للعراق، وهي كفيلة بالإنتقام منه نيابة عن أمريكا، ليتسنى معاقبتها لاحقاً. ومن دون احمد الجلبي، لم يكن ممكنا حصول التقارب الأميركي-الإيراني والتعاون في العمق الذي قاد الى حرب 2003. فالخطيئة مطلوبة والجزاء مفروض.

جاء الشيعة إلى الحكم محملين بقيح متراكم منذ 14 قرناً، غذّته نظرية متكاملة في الإمامة وولاية الفقيه. فأسقطوا الدولة العراقية التي بنيت منذ ثمانية عقود. وتكفلت مربيتهم الحنون إيران بالإنتقام من العراق في تدمير البنى التحتية للدولة، فقضوا على كل من لم يؤيدهم، بدءا بالبعثيين، ثم السُنَّة، ثم المعارضين لسياستهم، والمنتقدين لعملائهم، ثم الوطنيين من أي دين ومذهب. ثم شرعوا في سرقة ثروات الدولة لتجاوز نظام العقوبات الاقتصادية الدولية المفروض على إيران، بحجج وذرائع شتى، منها التعويض عن خسائرها في حرب الخليج الأولى 1980-1988، دون سند قانوني. ثم توسعوا في إنشاء الميليشيات المسلحة، وهناك اليوم 67 ميليشيا مسلحة في العراق ، بحيث أن كل مكونات العراق أصبح لديهم قواتهم المسلحة الخاصة. فمسيحيو العراق -وهم مكون مسالم جداً- قد انشأوا سبعة جماعات مسلحة لحماية مناطقهم في ظل غياب سلطة القانون وإضعاف الجيش العراقي ، وعلى غرار ذلك، أنشأ الأيزديون في العراق ميلشياتهم الخاصة وهكذا.
أما في مجال التفجيرات، فعلى الرغم من عدم وجود إحصائيات حديثة، إلاّ أن العراق شهد 65 ألف تفجير خلال بين اعوام 2003 و2009.
وفي مجال الخسائر البشرية، فقد بلغ العدد الإجمالي لقتلى العنف بمن فيهم المقاتلين 268,000، وفقاً لموقع بريطاني محايد.
أما في المجال المالي، ف “أن موازنات العراق منذ العام 2003 وحتى العام الجاري بلغت 850 مليار دولار، مؤكداً أن الفساد أفقد البلاد 450 مليار دولار … وبحسب منظمة المسح الدولي ومنظمة الشفافية الدولية، فإن العراق يحتل المرتبة السادسة أو السابعة قبل الأخيرة بدرجة 16 من 100 في مؤشر الشفافية الدولية.”
ومنذ بداية كانون الثاني/يناير من العام 2014 وحتى 30 من تشرين الأول/أكتوبر 2017 حددت إدارة الهجرة الدولية وتتبعت عمليات النزوح، ووصلت إلى أن أعداد النازحين في العراق 3 ملايين و174 ألف الذين نزحوا داخل الأراضي العراق.
أما الفوضى فقد شهدت كل المجالات، وفي مجال الإعلام فقط، فقد تجاوز عدد محطات الراديو الـ 52 محطة اذاعية، وبلغ عدد الصحف اليومية الصادرة في بغداد لوحدها ما يزيد عن الـ 150 صحيفة بالإضافة إلى عدد مماثل في بقية المحافظات، وبلغ عدد القنوات الفضائية والأرضية 47 قناة.
لقد أفرزت وقائع الصراع السُني- الشيعي طبيعة كل منهم. وهذه أهم نقطة في طبيعة الشخصية. فالسُني، عند بلوغ الصراع أوَجُه، يلجأ إلى الانتحار من خلال تفجير نفسه على خصومه. أما الشيعي فإنه يلجأ الى جلد نفسه وتعذيبها بشتى الاشكال، وهذا ما نجده أساساً في ممارساته لطقوسه الدينية. وإذا كان السنُي سادياً في تعامله، فالشيعي بدا مازوشياً. وهذه كانت واحدة من أهم النقاط التي دفعت الأمريكان الى تفضيل تسليم السلطة لهم، لأنهم لا يشكلون ضرراً عليهم وعلى إستراتيجيتهم.
إلاّ أن تغييراً قد طرأ في التوجه الرسمي الأميركي بعد مجيء إدارة ترامب منذ مطلع عام 2017. وظلّ ترامب يردد أثناء حملته الانتخابية، وفي أكثر من مناسبة أن إسقاط نظامي صدام والقذافي كان خطأ، فالعالم كان أكثر أمنًا بوجودهما. وفي وقت لاحق، اعتبر غزو العراق أسوأ قرار في تاريخ الولايات المتحدة. فهل كان يقصد بذلك منح السلطة للأحزاب الشيعية لحكم العراق؟ لا سيما وأن نتائج ذلك كانت كارثية على العراق والمنطقة بأسرها.
إن المشكلة تكمن أساسا في إقحام الدين بالسياسة، لان ذلك يقود الى تقسيم الشعوب الى طائفتين متعارضتين، هما: المؤمنون والكفار، مما يفقد التعايش والإنسجام المطلوب بين شعوبها. وكما قالت المس بيل قبل قرن تقريباً إذا ما سلمت السلطة إلى الشيعة: “.. ستكون عندك دولة يسيرها المجتهد، وهو أمر خبيث جداً” . وبالفعل، ونظراً لإعتماد المذهب أساساً في إدارة الحكم، فقد ذهب العراقيون يقاتلون خارج حدود الدولة دفاعاً عن المذهب، في سوريا ولبنان واليمن، وصارت وزارة الخارجية تهتم بشؤون أتباع المذهب الشيعي في لبنان والبحرين والسعودية، بل وصل الأمر إلى أبعد مدى فدافعوا عن شيخ شيعي في نيجيريا.
فهل أدرك العراقيون وفي مقدمتهم شيعة العراق أن هتافهم أثناء انتفاضتهم عام 1991 القائل: “لا ولي إلا علي، المطلوب حكم جعفري”، كان شعاراً لا يصلح لحكم الدولة وإدارة البلاد، وقاد إلى نتائج كارثية لا تقِلُ سوءاً عن نتائج الدكتاتورية، وأن مسألة إقامة الدولة المدنية على أساس المدنية، هو الحل الأمثل.
د. رياض السندي
لوس أنجلس – كاليفورنيا
1 كانون الثاني/يناير 2018

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, مواضيع عامة | Leave a comment

شيعة العراق بين الإحتلالين البريطاني والأمريكي 1914-2017 (ج2)


لقرأة القسم الأول: شيعة العراق بين الإحتلالين البريطاني والأمريكي 1914-2017
لقرأة القسم الثاني: شيعة العراق بين الإحتلالين البريطاني والأمريكي 1914-2017 (ج2)
لقرأة القسم الثالث: شيعة العراق بين الإحتلالين البريطاني والأمريكي 1914-2017
– أسباب إستبعاد بريطانيا لشيعة العراق

ولغرض أكتمال الصورة وشمول الفكرة لدى القارىء فإننا نعرض أسباب إختيار سلطات الاحتلال لبريطاني في العراق للسُنّة وتفضيلهم على الشيعة في حكم العراق، وذلك من خلال البحث والتدقيق في رسائل المس بيل ذاتها التي كانت الشخصية الرئيسية الفعالة في نقل الصورة لحكومتها في بريطانيا، وتأثيرها الكبير عليها من خلال ما تتوصل اليه من إستنتاجات وما تتضمن رسائلها وتقاريرها من إقتراحات حول شكل الحكومة المؤقتة المزمع إقامتها في العراق كأول حكومة منذ نهاية العصر العباسي وسقوط بغداد عاصمة الخلافة العربية على أيدي المغول عام 1258م قبل ما يقارب سبعة قرون، وتحديداً 668 سنة. وقد زاد عبد الرحمن الكيلاني صورة الشيعة قتامةً لدى البريطانيين عندما تحدث إلى المس بيل قائلاً: “خاتون، أن أمتكم أمة عظيمة وثرية قوية، فأين قوتنا نحن؟ وإنني إذ أقول مثل هذا القول أريد أن يدوم حكم الانكليز، فإذا أمتنع الإنكليز عن حكمنا فيكف أجبرهم على ذلك؟ … وإنني أعترف بانتصاركم، وأنتم الحكام وأنا المحكوم…. “. ثم تطرق إلى الشيعة فأخذ يذمهم ذماً قبيحاً إذ قال: “إن أبرز صفة تميِّزهم هي الخفة، فهم أنفسهم قتلوا الحسين الذين يعبدونه الآن كما يعبدون الله. فالتقلب والوثنية تجتمعان فيهم فإياك أن تعتمدي عليهم”.
ومن جملة هذه الأسباب: –
1. عدم وجود طبقة مثقفة من الشيعة آنذاك:
ففي رسالتها المؤرخة 12 شباط 1920 تقول المس بيل “إن الشيء المهم هو كيفية حماية سكان الريف وأبناء القبائل من البغداديين الذين لا يعرفون شيئاً عنهم ولا يعبأون لهم. لأن الموظفين العرب كما تلاحظونهم، ويجب أن يكونوا دوماً من البغداديين السنة، بسبب عدم وجود طبقة مثقفة أخرى في البلاد. والعشائر (ومعظمها من الشيعة على ما تذكرون) تكرههم”. وعلينا أن نتذكر أن التعليم في العراق ” بدأ بالتراخي النسبي بعد قيام النظام الجمهوري عام 1958 حين منح الزعيم عبد الكريم قاسم كل طلبة العراق عاما دراسيا كاملا دون امتحانات أطلق عليه «الزحف». وقد إعترض على هذا القرار عبد السلام عارف بسبب أنه سيؤدي إلى تدهور التعليم في العراق، إلاّ أن عبد الكريم أسكته بالقول: وما هي شهادتك أنت؟ مشيراً إلى شهادته.
2. عدم وجود طريقة للاتصال بالشيعة:
ففي رسالتها المؤرخة 14 آذار 1920، كتبت بيل تقول “… من الصعب أن تجد هنا طريقة للاتصال بالشيعة، ولا أقصد بهذا العشائر من سكان البلاد لأننا على وئام تام معهم جميعاً، وإنما أقصد سكان المدن المقدسة الورعين العابسين، ولا سيّما رؤساء الدين “المجتهدين” الذين في مقدورهم أن يحلوا ويعقدوا بكلمة واحدة، نظراً لما يتمتعوا به من سلطة تستند الى اطلاعهم التام على العلم المتكدس الذي لا علاقة له بشؤون الانسان، ولا قيمة له في أي فرع من فروع الحياة البشرية. إنهم يجلسون هناك في جو يزخر بمعالم القِدم، ويكتسي بكساء سميك من غبار الأجيال بحيث لا تستبين عيناك شيئاً من خلاله -ولا يمكن لأعينهم أن تفعل ذلك أيضاً. وهم على الأغلب شديدو العداء لنا، إنه شعور لا يمكن تغييره لأنه من الصعب علينا الإتصال بهم”.
3. إنقياد الشيعة لفتوى المجتهد:
في رسالتها المؤرخة 3 تشرين الأول 1920، تقول “قد تكون مشكلة الشيعة أخطر المشاكل وأشدها إزعاجاً في هذه البلاد. فقال عبد المجيد (الشاوي) (وماذا ستفعلون إذا ما أصدر المجتهد الأكبر، وصوته صوت الله، فتوى يحرم فيها على الشيعة الجلوس في المجلس التشريعي؟) … إن العلاج الناجح لذلك هو نفس العلاج الذي توصلت اليه إيطاليا بمرور الزمن. إذ ينتهي البابا والمجتهد بإعتبارهما هَرِمين سخيفين. لكن لم تصل بعد الى تلك المرحلة هنا.” وحول هذه النقطة تدور المس بيل ثانية فتقول في موضع آخر من ذات الرسالة: “إذا كنت ستشكل أي شيء من قبيل المؤسسات النيابية الحقيقية، فإنك ستحصل على أكثرية شيعية فيها … على إن السلطة يجب أن تكون بأيدي السنة، برغم أقليتهم العددية، وإلا ستكون عندك دولة يسيرها المجتهد، وهو أمر خبيث جداً.”
وبالفعل، “وفي خطوة ثورية جديدة، أصدر الإمام الشيرازي في رجب 1338ه /آذار 1920م فتوى حرّم فيها الدخول في وظائف الدولة، فعمّت موجة الإستقالات من الوظائف الحكومية إمتثالاً لموقف المرجعية، وأصبح البقاء في أجهزة الدولة نوعاً من الإنخراط في الكفر”.
4. معظم قادة الشيعة إيرانيون ولا يبالون بالمصلحة العامة:
في رسالة مؤرخة 1 تشرين الثاني 1920 كتبت المس بيل تقول: “يحسن بالنقيب، كما قال ساسون بحق، أن يضم أحد رجال كربلاء والنجف البارزين الى عضوية مجلس الوزراء لكن إحدى الصعوبات هي إن جميع رجال الشيعة البارزين في المدن، أو كلهم تقريباً، هم من رعايا إيران ويجب أن يحملوا على التجنس بالجنسية العراقية قبل أن يتمكنوا من إشغال الوظائف العامة الرسمية في الدولة”.
وفي رسالتها بتاريخ 2 تشرين الثاني 1920 تقول بيل “فالشيعة يشكون من إنهم غير ممثلين تمثيلاً كافياً في المجلس (التأسيسي) وهم بهذا يتغاضون بالكليّة عن إن قادتهم كلهم تقريباً رعايا إيرانيون، وعليهم أن يغيروا جنسيتهم قبل أن يتبوأوا المناصب في الدولة العراقية. إنهم أصعب العناصر إنقياداً في البلاد، وهم كلهم متذمرون مستاءون تقريباً، ولا يبالون بالمصلحة العامة بالمرة.”
وفي رسالة ثالثة بتاريخ 7 تشرين الثاني 1920، كتبت تقول: “والشيعة، كما بيّنت في مناسبات عديدة من قبل، يكوّنون مشكلة من أعظم المشاكل … إن رجالهم المتقدمين في المجتمع من العلماء وأسرهم كلهم من رعايا إيران. وقد وجدت إن أحسن حجّة أتذرع بها، عندما يأتي إليّ بعض الناس شاكين من إن فلاناً أو فلاناً لم يدخل إسمه في قائمة الوزراء، هي أن أسألهم قائلة “أفندم. هل يمكنني أن أسأل عما إذا كان الموما إليه من رعايا الدولة العراقية أم لا”، فيكون الجواب “أفندم، كلا إنه من رعايا إيران” وعند ذاك أذكر لهم إنه في هذه الحالة لا يمكنه أن يشغل منصباً في الحكومة العراقية”.
والحقيقة، أن السبب الذي دفع شيعة العراق إلى التجنس بالجنسية الإيرانية هو للتخلص من الخدمة العسكرية للدولة العثمانية التي كانت تجند العراقيين من الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 18-45 سنة وتسوقهم إلى جبهات القتال المختلفة. لذا فإن ذلك التجنس يجعلهم في نظر الدولة أجانب يتعذر عليها تجنيدهم.
5. إنزعاجها من المراجع الشيعية:
كتبت بيل في رسالتها المؤرخة 3 تشرين الأول 1920، تقول: “إن المجتهد الأكبر الحالي يسير مترنحاً الى قبره -كان من المؤسف جداً أن يحول دون وقوعه قبل سنة، حينما أنقذه ضابطنا الطبيب في النجف- وقد أتى بعده مجتهد أكثر تفتحاً وتنوراً منه، فهناك أناس من هذا القبيل حتى بين المجتهدين.”
ثم تذكر بإسهاب إنزعاج الإدارة البريطانية من المرجع الشيعي محمد الصدر فتقول في رسالتها المؤرخة 20 تموز 1921 “إن معكر صفو السلم هو السيد محمد الصدر، وهو عالم طويل القامة، أسود اللحية، ذو تقاسيم شريرة، قفز الى الظهور البغيض بصفته رئيس المحركين خلال الإضطرابات”.
أما عن الشيخ مهدي الخالصي فقد كتبت عنه في عدد من رسائلها ووصفته بأشنع الصفات. ففي رسالتها المؤرخة 22 حزيران 1922كتبت ما يلي: “وقد عطلت وزارة الداخلية إحدى الجرائد -أحسب أنهم كلهم يتقاضون أموالاً من ذلك الغول الهرم الشرير الشيخ مهدي الخالصي (!)، أحد المعممين الذين أريد أن أضعهم في قارورة وأسدها سداً محكماً عليهم”. وفي رسالتها بتاريخ 6 تموز 1922 قالت عنه: “وفي صباح الإثنين ذهبت الجماعة المناوئة للأنتداب كلها الى الكاظمين لإستشارة كاهنهم، الشيخ مهدي الخالصي، فقال لهم أنه لما كان الملك قد أخل بتعهده حينما أنتخب لتسنم العرش، في أن يحافظ على إستقلال العراق، فإن بيعتهم له أصبحت لاغية. ثم إلتفت الى الحكومة العراقية وقال إنها قبل أن تتشكل كان الأنكليز هم الذين يحكمون البلاد، وما زالوا يحكمونها مع زمرة من المبذرين أضيفت إليهم”. وفي رسالة أخرى بتاريخ 16 آب 1922 كتبت تقول: “في اللحظة التي يأتي فيها الأتراك لمحاربتنا وبذل قصارى جهدهم للقضاء على المملكة العراقية أصدر أعنف مجتهدي الشيعة (الشيخ مهدي الخالصي) المعادين للبريطانيين فتوى يناشدون فيها المسلمين بالتبرع للهلال الأحمر -أي صندوق الحرب التركي، كان صدر نوري باشا يغلي يوم أمس بالسخط والنقمة لأنه هو وأمثاله، على ما يقول، لا يستطيعون الإعتراض علنا على ذلك بإسم الإسلام”. وفي رسالة لاحقة بتاريخ 31 آب 1922 كتبت تقول: “على إن أعظم ظفر حققه السر بيرسي كان ما إتخذه من تدابير ضد العَالِمين الخطرين في الكاظمية السيد محمد الصدر والشيخ محمد إبن الشيخ مهدي الخالصي. فقد بعث يقول لهما إنه حريص جداً وبصورة دائمة في المحافظة على شرف رجال الدين ولأجل تخليصه من الواجب المؤلم في نفيهما بالقوة، فإنه يشير عليهما بالرحيل الى إيران (لأنهما من رعايا إيران). فغادرا البلاد في ليلة التاسع والعشرين من الشهر”.
وقد كتبت عن مرجع شيعي أخر في رسالة مؤرخة 21تشرين الأول 1923 تقول: “تشكلت وزارة جديدة برئاسة جعفر باشا. وقد بقي نوري السعيد في وزارة الدفاع، لكني أتمنى أن ينتخب عبد المحسن السعدون بك رئيساً للمجلس التأسيسي. تدخلت لأثنيهم عن إستيزار شيعي خبيث كنت على عِلم بأعماله وحركاته منذ 1918 فلم أجدها حسنة”. وقد أشار المترجم في هامش الصفحة الى أنها (لعلها تقصد الشيخ عبد الكريم الجزائري، أو سماحة السيد محمد علي بحر العلوم وكان من أقطاب جمعية النهضة الإسلامية السرية في النجف التي كانت سبباً في نشوب ثورة النجف في 1918).
وفي إحدى رسائلها تتمنى أن يصبح قسم من الشيعة عرباً فتقول: “هذا هو موقف الشيعة، وليس بوسع أحد من غير أبناء البلاد أن يهديهم الى الطريق بصورة تدريجية. إني آمل في الأخير أن يُصبح قسم منهم عرباً بالتمام ليسهموا في تمشية شؤون الدولة”.
6. تفضيل الشيعة للدين والمذهب على الحكومة والدولة:
الشيعة في كل مكان غالباً ما يفضلون الدفاع عن مذهبهم ودينهم بدلاً عن الدفاع على الدولة. وبعد قيام الحرب العالمية الأولى 1914، وبمجرد أن وطىء البريطانيون أرض العراق ونزلوا في البصرة في 9 تشرين الثاني 1914، حتى سارع معظم علماء الشيعة ومجتهديهم الى إصدار عشرات فتاوى الجهاد ضد البريطانيين الكفار ولنصرة الدولة العثمانية المسلمة وبدفع وتأثير من الاتراك. وفي رسالة مؤرخة 5 تشرين الثاني 1920، كتبت المس بيل تقول: “نحن بأمس الحاجة الى العراقيين الذين خدموا مع فيصل في سورية -إنهم رجال متشبعون بروحية القومية العربية. وإذا ما تعذر كسبهم الى جانبنا أو إتخاذهم حلفاء لنا، فإننا على ما أعتقد سنتعثر ما بين الثيوقراطية الشيعية والبيروقراطية الميالة الى الأتراك”.
وبالفعل، ففي الوقت الذي قرر فيه السُنة التخلي عن الخلافة العثمانية المسلمة والسُنية، ظلّ الشيعة متمسكين بها، وأعلن غالبية علمائهم فتوى الجهاد لمساعدة القوات التركية العثمانية المسلمة رغم إضطهادها لهم، وإختلافهم معهم من الناحية المذهبية، وفضلوا الحاكم المسلم الظالم على الحاكم الكافر العادل.
ويبدو إن فيصل بن الحسين كان مدركاً لتوجهات الشيعة في العراق، وقدّم لهم نصيحة ذهبية موجزة أثناء الحفلة التي أقامتها مدرست شرافت إيرانيان ببغداد يوم الخميس 4 آب 1921 لاستقباله بمناسبة قدومه البلاد وإعلانه ملكاً عليها وقبل تتويجه ب (19) يوماً. وكانت منظّم الحفلة السيد محمد الصدر. وتصف المس بيل تفاصيل الحفلة في رسالتها المؤرخة 8 أب 1921 بقولها: “فقد صادف إن أقيمت حفلة إستقبال في المدرسة الإيرانية، حيث ذهبت كالمعتاد وكان من الضروري أن أذهب الى هناك لان السيد محمد الصدر هو المنظم للحفلة، وكنت أخشى أن تقال فيها أشياء غير مناسبة قد يحول وجودي دون التفوه بها. وقد جاء محمد الصدر قبيل وصول الأمير بقليل، فنهض الجميع عند دخوله – لكني بقيت جالسة بإتزان وحييته بالتحية التي أحيي بها أي إنسان بعد أن يكون قد جلس في موقعه. وأجلِس الى يسار عرش الأمير، بينما كنت أنا أجلس الى اليمين. غير إني نهضت بخفّة ونشاط حينما دخل فيصل. وكانت جميع الخطب والأشعار على ما يرام، إلاّ في الأخير حينما نهض شاب بليد وقرأ قصيدة يدور فحواها حول عرش بيروت وجبل لبنان وما يرغب فيه جميع العرب … وقد قال (فيصل) قبيل أن ينصرف “إن إجتماعنا هذا يعتبر إجتماعاً خصوصياً، وليست لما يقال فيه أية أهمية سياسية، لكني تأسفت لسماع قصيدة رشيد”، فتضاءل رشيد في مكانه. ومضى يقول “لو كنت أعرف إنه ينوي إلقاءها لمنعته. أرجوكم أن تحصروا أفكاركم جميعاً في قضية تأسيس دولة عربية في العراق، وأن لا تفكروا بأي شيء آخر” فكان لكلماته وقع الكهرباء، إن جميع المدينة تتحدث عنها الآن”.
7. إحتماء المقاتلين الشيعة بالأماكن المقدسة:
في حالات مواجهة القوة القاهرة يلجأ المقاتلون الى الأماكن المقدسة للإحتماء بها ودرء الخطر عنهم إعتقاداً منهم بإن قدسية تلك الأماكن ستمنع العدو من إستهدافهم ومحاربتهم. وقد التجأ (الثوار-المتطرفون) الشيعة بعد محاربتهم للبريطانيين الى الإحتماء بمسجد الكوفة في 8 ذي القعدة 1338، فقصفتهم الطائرات البريطانية وقتلت عدد من الأشخاص. فأصدر المقاتلون الشيعة بلاغاً في اليوم التالي وأرسلوه الى سفارات الدول في بغداد وإيران وتركيا، جاء فيه: الى العالم المتمدن-جناية الإنكليز على المعابد-القاء القذائف النارية على مسجد الكوفة-قتل النساك والمتعبدين … فقد حلقت طياراتها صبيحة أمس 8 ذي القعدة 38 وألقت قذائفها النارية على مسجد الكوفة فقتلت جملة من الأبرياء وجرحت أكثر من عشرين ناسكاً في محاريبهم وقد سقطت إحدى القذائف على امرأتين فتمزقت أعضاؤهما وتمزقت أوصالهما وفتكت بثلاثة أطفال وأخربت المقام المشهور”.
وقد كتبت المس بيل عن ذلك، في رسالتها المؤرخة 28 آذار 1918 تقول: “هناك عصابة صغيرة من الأوغاد اللعناء في النجف، كانت تحصل لنا على الدوام مشاكل معهم. والرأي العام جميعه ضدهم لكنهم يحتمون وراء قدسية مدينتهم، ومن الصعب جداً إنزال العقوبات بهم. إنهم يعرفون هذا جيداً، وتنطوي شجاعتهم على إرتكاب الشّر في قناعتهم بأنهم أمنون تجاه أي هجوم يُشن عليهم لان ذلك ستضمن إنتهاك العتبات المقدسة في النجف”.
وهكذا، “كان الأنكليز يعانون في ثورة النجف من.. قدسية النجف في العالم الإسلامي، مما لا يمكن معه ضرب النجف بأي حال من الأحوال”.
8. إنزعاجهم من طقوس عاشوراء:
إن أهم ممارسة دينية للشيعة هي طقوس العاشر من محرم والمعروفة إختصاراً ب “عاشوراء”. وقد شهد البريطانيون هذه الممارسة الشيعية. ومن بين الذين كتبوا عنها بإسهاب المس بيل في رسائلها المشار اليها. ورسائلها تفيض بإنزعاجها من إستخدام السكاكين، وحمل مشاعل النار، ومن منظر الدماء في هذه الشعائر. ففي رسالتها بتاريخ 4 أيلول 1921 كتبت تقول: “كانت الليلة الماضية أول ليلة من ليالي محرم الحرام. وقد غطّت على فوانيس الليدي كوكس في حدائقها أضواء المشاعل الملتهبة التي كانت تحملها مواكب العزاء في الخارج، وهي تستعرض الشوارع بعويلها ولطم الصدور فيها تأبيناً للإمام الحسين”.
وفي رسالة لاحقة بتاريخ 11 أيلول 1921، كتبت بيل الى عائلتها تقول: “ربما يكون قد فاتكم أن تلاحظوا أننا الآن في منتصف محرم الحرام، وفيه يستمر الشيعة من أوله الى منتصفه على تأبين الحسين، سبط النبي، وكان قد دعاه العراقيون من مكة ليكون خليفة للمسلمين، لكنه لم يحظ بتأييدهم حينما وصل، وقاتله جيش خصمه معاوية في المكان الذي تقع فيه كربلاء اليوم. وهناك قضى نحبه على مشهد من أتباعه من العطش والجروح، وأستشهد مقتولا في اليوم الخامس عشر. ولم ينج غير ولد صغير من أولاده، فتحدر فيصل من نسله (وكذلك النقيب). وأذكر بالمناسبة أن فيصلا حينما قَدِم الى العراق أتذكر على الدوام قصة جده هذا. فالشبه تام بين ظروف الإثنين. وفي دعوته الى العراق، ورحلته من مكة، ووصوله وحيداً إلاّ من أتباعه الرسميين المرافقين له. وإذا كانت الحوادث قد برهنت على إن المصير كان شيئاً مختلفاً فلأني كنت أقول على الدوام “أبعد الله النحس”.
وعادت بيل تكتب ثانية رسائل أخرى لتصف مطولاً مراسيم عاشوراء. ففي رسالتها المؤرخة 17 أيلول 1921(ب) كتبت تقول: “وذهبت لأرى المراسيم في الكاظمية … وكان هؤلاء فدائيي الحسين، وهم على نوعين: نوع اللاطمين على الصدور العارية وتعتبر ألامهم خفيفة نسبياً، ونوع الرجال الذين يطبرون بالقامات. وحينما كان يسمح لأهل القامات في أيام الترك بأن يفعلوا كما يشاؤون قتل عدد منهم أنفسهم … وينزف الضاربون بالقامة نزفاً فضيعاً، فينزل الدم على أوجههم، وقد يربت الضارب بيده على رأسه النازف ثم يمسحها بصدريته البيضاء فيحدث مظهراً من التخضب بالدم. وبعضهم تتشبع ملابسه تشبعاً تاماً بالدم من الخلف، لكني لا يسعني إلاّ أن أعتقد بأن جميع هذا الدم لا بدّ أن يكون دم الغير، أي دم الخراف مثلاً. وقد إندفعوا كلهم الى خارج الجامع وهم يلوحون بقاماتهم وسكاكينهم، لكن سرعان ما أخذها منهم بحذق وبراعة بعد إحتجاج البعض، مفتش الشرطة الذي كان قد شرط رؤوسهم في بداية الأمر، من أجل أن يحول دون مضيهم، في نوبة الحماسة، في إيذاء أنفسهم. إن هذا كله شيء وحشي فوق العادة، يكرهون السُنيّون لإعتقادهم بأنه خزي للإسلام”.

كما وأوضحت المس بيل وبإنفعال شديد موقفها من الشيعة بالذات قائلة: “أما أنا شخصياً فأبتهج وأفرح أن أرى الشيعة الأغراب يقعون في مأزق حرج. فإنهم من أصعب الناس مراساً وعناداً في البلاد”.
وقد إختصرت المس بيل رأيها في فيهم قائلة: “ويجب أن أعتبر سيطرة الشيعة كارثة لا يمكن تصورها”. فهل صدقت نبوءتها بعد أكثر من 80 عاماً؟ إن نظرة واحدة إلى عراق اليوم تبين ذلك بجلاء.

Posted in فكر حر, مواضيع عامة | Leave a comment

شيعة العراق بين الإحتلالين البريطاني والأمريكي 1914-2017


لقرأة القسم الأول: شيعة العراق بين الإحتلالين البريطاني والأمريكي 1914-2017
لقرأة القسم الثاني: شيعة العراق بين الإحتلالين البريطاني والأمريكي 1914-2017 (ج2)
لقرأة القسم الثالث: شيعة العراق بين الإحتلالين البريطاني والأمريكي 1914-2017
القسم الأول-الشيعة والإحتلال البريطاني (1914-1958)

مع بدء الحرب العالمية الأولى في أكتوبر / تشرين الأول عام 1914م، أنزلت حكومة الهند البريطانية الشرقية جيشا مؤلفا من عدد من فيالق من خليط من بريطانيين وهنود بما سمّوا بجيش الليفي، حيث وطئت أرض أول جندي هندي بريطاني منطقة رأس الخليج العربي بين الكويت والبصرة، وبعد حوالي شهرين تمكنت القوات البريطانية من سيطرتها على البصرة بإسناد من الشركات التجارية البريطانية – الهندية ومجموعة الجواسيس العاملين في القنصليات البريطانية، إلا أن القوات الغازية منيت بخسائر منكرة على يد القوات العثمانية في معركة الشعيبة في أبريل / نيسان 1915م. إلا أن ثقل أعباء الحرب في الجبهتين الشرقية في أذربيجان وشرق الأناضول والغربية في البلقان وانهيار بعض الجبهات الألمانية وانسحاب روسيا من الحرب في أعقاب الثورة البلشفية الشيوعية أدت إلى تقهقر القوات العثمانية مما شجع القوات البريطانية على دخول صعب لمشارف لبغداد في مارس / آذار عام 1917م، والوصول إلى مشارف كركوك في أغسطس/ آب 1918م، مما أدى إلى خسائر كبيرة في الفيلق السادس العثماني، إلا أنها توقفت إلى هذا الحد من التقدم.

– بريطانيا تصطدم بالجهاد الشيعي
أصطدمت بريطانيا في العراق بما لم يكن في الحسبان، بمشكلة خطيرة جداً عرقلت عليها خططها، ألا وهي مشكلة الجهاد.
فالجهاد ركن من أركان الإسلام، وبهذا فهو فريضة على كل مسلم. ويختلف السُنّة عن الشيعة بهذا الصدد في أن ليس لهم مرجع محدد يلجأون اليه لإستصدار فتوى الجهاد، ونظراً لكثرة السنة وتوزعهم على دول مختلفة، فقد وجدت لهم مراجع محلية عديدة يصعب جمعهم وإتفاقهم على رأي واحد. أما الشيعة ويمكن إعتبارهم أقلية إسلامية فإنهم يتركزون في العراق وإيران، ولكنهم يخضعون لمرجع واحد هو المرجع الشيعي الأعلى في النجف. و”في بدايات القرن التاسع عشر ظهرت مسألة التقليد حيث “أصبح نظام الاجتهاد الشيعي يحتم على كل فرد ان يقلد في احكامه الشرعية أحد المجتهدين.. وصار الناس في المجتمع الشيعي يرجعون الى المجتهدين في مختلف امورهم الدينية والدنيوية”.
ولما كان العراق جزءا من الدولة العثمانية التي قررت الدخول في الحرب الكونية، كما سميت آنذاك وقبل ظهور الحرب العالمية الثانية، ليبدأ تسلسل الحروب العالمية، دخلت تركيا الحرب الى جانب ألمانيا في تشرين الثاني 1914. ففي نهاية تشرين الأول/ أكتوبر عام 1914، أطلقت سفن حربية تركية النار على موانئ روسية، ما شكّل بداية مشاركة الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى. ورغم أنها كانت ضعيفة من الناحية العسكرية، إلا أن السلطان محمد الخامس العثماني، باعتباره كان يحمل لقب خليفة المسلمين آنذاك، اعتمد على سلاح ديني، فقد ناشد جميع المسلمين الذين كانوا يعانون من السيطرة الفرنسية أو البريطانية أو الروسية أن يعلنوا الجهاد على محتليهم من الكفار. ولم يمض على دخول تركيا الحرب سوى أيام معدودة حتى أعلن فيها “الجهاد” لحرب الكفار. ففي 7 تشرين الثاني 1914 أصدر خيري أفندي شيخ الإسلام فتوى ذكر فيها أن الجهاد فرض عين على جميع المسلمين في البلاد العثمانية وخارجها. وكعادة المسلمين في نعت من يقف الى جانبهم بنعوت دينية إسلامية، ولهذا صار القيصر يُعرَف بين المسلمين ب “الحاج غليوم” تارة، و”محمد غليوم” تارة أخرى.
وقد أدرك الأتراك أهمية ذلك، فطلبوا من مراجع الشيعة إعلان الجهاد ضد البريطانيين عند نزولهم في البصرة بتاريخ 1/10/1914. وقد أسرع علماء الدين الشيعة إلى إعلان الجهاد فور تعرض العراق لهجوم القوات البريطانية.

بدأت حركة الجهاد الشيعي في العراق في 9 تشرين الثاني 1914 عندما كانت البصرة مهددة بخطر الغزو الإنكليزي… وأهم ما كان يخالج ذهن الحكومة يومذاك هو كيف يمكن تحريض الشيعة للانضمام الى حركة الجهاد… وفي 16 كانون الأول 1914 صعد كبير المجتهدين الشيعة السيد كاظم اليزدي المنبر في صحن النجف وخطب في الناس حاثاً لهم على الدفاع عن البلاد الإسلامية.
وإلتحقت بقية الحواضر الشيعية في العراق بحركة الجهاد. ففي الكاظمية أصدر الشيخ مهدي الخالصي رسالة بعنوان “الحسام البتار في جهاد الكفار” نشرتها جريدة صدى الإسلام على حلقات متتالية. وخطب السيد مهدي الحيدري في 19 تشرين الثاني 1914 في مجموعة من شباب الكاظمية يحثهم على الخروج للجهاد.

ورغم تقدم البريطانيين في جبهات القتال “لكنّ موقف علماء النجف لم يتغيّر، فقد واصلوا نهجهم في الدفاع عن بلاد المسلمين، ضد الغزو الاستعماري البريطاني، وكرّروا دعوتهم للجهاد ثانية في تشرين الثاني ١٩١٥م، محرّم ١٣٣٤هـ، وذلك استجابة لطلب الدولة العثمانية، وقد جعلت الحكومة العثمانية هذه الدعوة ذات طابع شيعي، بعدما اكتشفت قوّة التفاعل الشيعي في النشاط الجهادي المسلّح ضد الغزو البريطاني، فجعلت شعارها (العلم الحيدري الشريف) وأخذت تبثّ أخبارها في المدن الشيعية”.

لم ينجح إسلوب الفوضى الإسلامية في التجنيد إعتماداً على العاطفة الدينية أمام التخطيط العسكري البريطاني المعتمد على الدهاء السياسي، فإحتل البريطانيون القرنة وتقدموا شيئاً فشيئاً نحو البصرة فبغداد التي دخلتها القوات البريطانية بقيادة الجنرال ستانلي مود في 11 آذار 1917. وبالمقابل تقهقر العثمانيون شيئاً فشيئاً وصولاً الى الموصل.

لقد كان الوازع الديني هو الذي حرّك الشيعة المختلفين مع العثمانيين مذهبياً، والأكراد، الذين إنضموا لهم سريعاً. في حين كان السُنّة، الذين يفترض وقوفهم إلى جانب العثمانيين لإرتباطهم معهم مذهبياً، أكثر حكمةَ ودهاءاً وأقل إندفاعاً في محاربة البريطانيين الذين توسموا فيهم الواقعية السياسية.

– تفضيل بريطانيا لسُنّة العراق
وبعد إحتلال العراق سعى البريطانيون لإثارة الصراع المذهبي السني-الشيعي، بعد أن شعر البريطانيون بأن الثورة العراقية الكبرى لعام 1920، والمعروفة بثورة العشرين، قد كان شيعة العراق أول من أشعل شرارتها وتحملّ أعباءها. وهذا ما دفع البريطانيون الى تفضيل السُنّة لحكم البلاد. وبَعْدَ أَنْ عُقِدَ مُؤْتَمَرُ الْقَاهِرَةُ عَامَ 1920 م عَلَى أَثَرِ ثَوْرَةِ الْعِشْرِينَ فِي الْعِرَاقِ ضِدَّ الْاحْتِلَالِ الْبَرِيطَانِيِّ وَضِدَّ سِيَاسَةِ تَهْنِيدِ الْعِرَاقِ، أَصْدَرَ الْمَنْدُوبُ السَّامِيِّ الْبَرِيطَانِيِّ بيرسي كوكس أَوَامِرَهُ بِتَشْكِيلِ حُكُومَةٍ وَطَنِيَّةٍ عِرَاقِيَّةٍ انْتِقَالِيَّةٍ بِرِئَاسَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكيلَانِيِّ النَّقِيبِ، (وهُو فِي السابعة والسَبعين مِنْ عُمره)، وَتَشْكِيلِ الْمَجْلِسِ التَّأْسِيسِيِّ الَّذِي تَوَلَّى مِنْ ضِمْنِ الْعَدِيدِ مِنَ الْمَهَامِ انْتِخَابَ مَلِكٍ عَلَى عَرْشِ الْعِرَاقِ، وَتَشْكِيلَ الْوِزَارَاتِ وَالْمُؤَسَّسَاتِ وَالدَّوَائِرِ الْعِرَاقِيَّةِ، وَاخْتِيَارَ السَّاسَةِ الْعِرَاقِيِّينَ لِتَوَلِّي الْمَهَامِّ الْحُكُومِيِّةِ.

وتكشف رسائل المس بيل سكرتيرة دار الاعتماد البريطاني في العراق للفترة من (1917-1926) نظرة البريطانيين الى المسألة الطائفية في العراق، ونبذهم لشيعة العراق، وأخيراً تشكيل حكومة مؤلفة من السُنّة، وتسليم السلطة في الدولة الفتية إليهم.
ويتضح من قراءة ما بين سطور هذه الرسائل التاريخية الهامّة، إن البريطانيين قد قرّروا تفضيل الطائفة السُنيّة على الطائفة الشيعية في عام 1920، عقاباً للشيعة وتأديباً لهم على ثورتهم ضد الاحتلال البريطاني للعراق، بالإضافة الى أمور أخرى وجدها البريطانيون والملك فيصل سيئة عندهم.

“وإثر ثورة عشائر الفرات في العراق عقد ونستن تشرشل مؤتمرا في القاهرة وكانت المس بيل الوحيدة بين الرجال وفي الاجتماع تقرر تعيين الأمير فيصل الهاشمي ملكاً على العراق بعد إخراجه من عرش سوريا وبتأييد من لورنس المعروف آنذاك.
لقد كانت المرأة الوحيدة بين 39 رجلا اختارهم وزير المستعمرات ونستون تشرشل للمشاركة في مؤتمر في القاهرة عام 1921 حول مستقبل بلاد ما بين النهرين. وعندما قامت ثورة الشيعة في جنوب العراق التي أودت بحياة ثمانية آلاف بريطاني اقتنعت السيدة خاتون أن الإدارة البريطانية المباشرة ستكون مكلفة ومن الأفضل السعي إلى إقامة سلطة عراقية تعتمد على عناصر من النخبة في البلاد. وهذا ما حصل، وتبين أن الشيعة الذين كانوا رأس حربة الثورة العراقية على الانتداب البريطاني لم يحصلوا على أي مكسب سياسي، فقد فضل البريطانيون الاعتماد على الموظفين الذين كانوا قائمين في العهد العثماني وهم بالطبع من السنة لإقامة الدولة الجديدة الناشئة. وتعتبر الآنسة بيل أن “السلطة يجب أن تكون بأيدي السنة رغم قلة عددهم لأن تسلم الشيعة يعني قيام سلطة دينية.”

ويبدو إن البريطانيين قد لعبوا على وتر الطائفية الحساس، وتمكّنوا من خلال المندوب السامي البريطاني الجديد بيرسي كوكس في إقناع عبد الرحمن الكيلاني نقيب أشراف بغداد من توليته رئاسة الحكومة المؤقتة بعد تهديده بتسليم الحكم الى الطائفة الشيعية في العراق حال إصراره على رفض تولّي المنصب وهو شيخ قارب الثمانين من عمره، وقد أمضى معظم حياته في ظِل الدولة العثمانية موالياً للخلافة العثمانية كمرجع ديني أعلى للطائفة السنّة في العراق. ومن المؤكد إنه كان ينظر للبريطانيين على إنهم “كفار” أسوة بغالبية العراقيين، إلا إنه وبعد مفاوضات شاقّة معه، بدأت منذ 20 حزيران ولغاية 24 تشرين الأول 1920، وافق على رئاسة الحكومة الوطنية المؤقتة في العراق. وتصف المس غيرترود بيل السكرتيرة الشرقية لدار الإعتماد البريطاني في العراق تلك الجهود عبر عدد من رسائلها، ففي رسالتها الى والدها المؤرخة بتاريخ 24 تشرين الأول 1920، تذكر المس بيل ظروف تشكيل الحكومة المؤقتة في العراق بعد إنسحاب العثمانيين، بقولها: ” قلت له أن من واجبه كفرد وكوطني أن يساعد على تأسيس أي شكل من أشكال المؤسسات العربية في العراق، وإنه إذا مضى هو والآخرون قدما بجرأة معتمدين على تأييدنا فإنهم سيسكتون كل نقد. ولا أدري هل صدقني أم لم يصدقني. إن جعفر هو أول عراقي يعود من سوريا، وعلى موقفه سيتوقف الشيء الكثير.
ثم جاء السيد حسين أفنان وما كدت أشرع في حديث قلب لقلب معه، بشأن بعض مقالات افتتاحية ينوي نشرها في صحيفته، حتى دخل المستر فلبي وآخرون ثم السر برسي ثم ما لبث الجميع ان خرجوا ماعدا المستر فلبي. فأقبلنا على السر برسي وقد انبهرت انفاسنا تشوقا وتطلعا، فقال – لقد وافق – وكان قد جاء رأسا من عند النقيب، الذي وافق على تشكيل حكومة مؤقتة.. إذن فقد حققنا نجاحنا الاول، وما كان غير برسي بقادر على تحقيقه. بل أن استطاعته حتى هو على حمل النقيب على المساهمة في الشؤون العامة لم تكن بأقل من معجزة. ولم يكن ابتهاج السر برسي وانشراحه ليعدله شيء إلا ابتهاجنا نحن وانشراحنا ولقد جلسنا نصف ساعة نكاد نتوثب طربا ونحن نمجد النقيب تارة والسر برسي تارة أخرى”. وهنا يثور التساؤل: كيف إستطاع برسي كوكس إقناع عبد الرحمن النقيب، وهو شيخ سبعيني، بتشكيل حكومة تحت الاحتلال البريطاني؟

– الحيلة البريطانية لإقناع السُنّة بالحكم
ففي رسالة لاحقة بتاريخ 1 تشرين الثاني 1920، تذكر المس بيل خبر إقناع عبد الرحمن الكيلاني نقيب أشراف بغداد عن السُنّة، فتقول: ” وفي صباح الأربعاء كان كل شيء فيما يبدو على ما يرام.. وفي العصر جاء الميجر يتس مع تود وزوجته وقد فاجأنا المستر تود بأنه قد زار ساسون أفندي لتهنئته بمنصب وزير المالية، فوجده مع حمدي باشا بابان – الذي كان عرض عليه منصب وزير بلا وزارة – ووجدهما معا على أهبة الرد بالرفض. عندئذ تركت كوب الشاي دون أن أشربه وهرعت الى الديوان لأخبر المستر فلبي بالأمر. فلم أجده هناك. ولكني وجدت ضوءا في غرفة السر برسي. فدخلت عليه واخبرته فكلفني بالذهاب حالا الى ساسون أفندي، وحمله على تغيير رأيه.
فخرجت وأنا أشعر كأن مستقبل العراق كله قد اجتمع في يدي. ولكن حين بلغت دار ساسون أفندي، تنفست الصعداء إذ وجدت المستر فلبي والكابتن كلايتن قد سبقاني اليه. وكان النقيب قد استلم رسالة ساسون، فأرسل المستر فلبي اليه بأقصى السرعة، على أني وصلت في اللحظة الحرجة، وفي الوقت المناسب وكان قلبي وكلايتن قد استنفذا كل ما عندهما من حجج وظل ساسون مع ذلك عند قراره. واعتقد ان قلقي العظيم قد ألهمني، إذ بعد ساعة من الالحاح المركز ظهر عليه بوضوح أنه قد تزعزع عن موقفه، فبالرغم من أن أخاه شاؤول – الذي أكن له الإعجاب والاحترام هو ايضا – قد بذل ما في وسعه ضد مسعانا – وأخيرا حملنا ساسون أفندي على أن يعيد النظر في موقفه وأن يرى السر برسي في اليوم التالي، وقد كان عندي اقتناع داخلي بأننا كسبنا الموقف. من أسباب ذلك ماكنت أنا شخصيا قد اقمته من علائق الثقة والاعتماد مع ساسون. على أن احدا منا ما كان واثقا بالنتيجة.
ولم أنم كثيرا في تلك الليلة.. لقد ذهبت أقلب في ذهني الحجج التي أدليت بها واتساءل عما إذا كان لم يكن في وسعي أن أدلي بخير منها.
وفي صباح اليوم التالي – وهو الثلاثاء – جاءني ساسون أفندي في الساعة العاشرة فذهبت به رأسا الى السر برسي وتركتهما معا. وبعد نصف ساعة عاد فأخبرني بأنه قد وافق. ثم سألني عما يستطيع فعله في سبيل مساعدتنا في مهمتنا، فأرسلته الى النقيب رأسا وكان نقيب بغداد هو أيضا قد رفض الاشتراك في الوزارة. وكان من الضروري حمله على قبول الاشتراك في الوزارة والشكوك التي تساوره. ثم تباحثنا في كيفية اكتساب المتطرفين وقد اكدت له أن اكتسابهم هو أهم ما يرغب فيه السر برسي. فسألني – وقد تشجع – عما إذا كان يستطيع ان يتحدث الى السر برسي فأخذته في الحال الى السر برسي وتركتهما معا وأنا مقتنعة بأن السر برسي هو خير من يشرح سياسته.
وفي صباح يوم السبت، ذهبت انا والمستر فلبي الى النقيب، وكان المستر فلبي هو الواسطة بينه وبين السر برسي وقد قام بهذه المهمة على أحسن ما يرام..”

وهنا تقول المس بيل أنهما وجدا النقيب طلق الوجه مشرق الأسارير ووجداه عازما كل العزم على أن يكون هو دون سواه على رأس الوزارة أو “مجلس الوزراء” وأنه بعث الى المعتمد البريطاني برسالة فحواها أ، تكون هي – أي المس بيل – الواسطة بينهما في أي وقت يتعذر فيه على المستر فلبي القيام بذلك.
ثم تقول إنها أقامت في المساء مأدبة عشاء لجعفر العسكري وساسون أفندي وعبد المجيد الشاوي رئيس البلدية ودعت اليها المستر فلبي والكابتن كلايتن والميجر مري وكان غرضها من المأدبة تحقيق الإتصال بين الثلاثة الأولين. وتقول إن جعفر العسكري طالب – بلغة مؤثرة – تسوية التحقيق مع العشائر الثائرة.. وقد ارتأى ساسون أفندي ان يشرك النقيب معه في مجلس الوزراء، أحد زعماء كربلاء أو النجف.
إن المس بيل ساخطة على الشيعة وزعمائهم بسبب واحد هو ثورة العشائر ورفض أغلب علماء الشيعة – في ذلك الوقت – “التفاهم” مع الانكليز كما سنرى بعد هذا بقليل.
وبعد العشاء تكلم المجتمعون عما كان يسمى – بالجيش العربي – فتساءل جعفر العسكري عن الطريقة التي يستطيع بها جمع المتطوعين لأن شروط الانتداب تمنع من التجنيد الاجباري. ثم تحدث عن زيارته للكاظمين واجتماعه بعلماء الدين فيها وعن رفضهم التعاون مع حكومة النقيب واصرارهم على ان تكون الحكومة ينتخبها الشعب وأن لا فائدة ترجى من أي وضع آخر”.
وتقول المس بيل بعد ذلك انها ذهبت مع الكابتن كلايتن الى دار السيد شكري الآلوسي لتناول الشاي وان مما يدعو الى عظيم فخرها ان بابه مفتوح لها في كل وقت. وتختم رسالتها بقولها ان مجلس الدولة – او مجلس الوزراء – سيجتمع غدا.

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, دراسات علمية, فلسفية, تاريخية | Leave a comment

شاهد ضرب رئيس البرلمان الإيراني بالاحذية

شاهد ضرب رئيس البرلمان الإيراني بالاحذية

Posted in ربيع سوريا, يوتيوب | Leave a comment

DNA: “أمل” تتظاهر ضد حزب الله

DNA: “أمل” تتظاهر ضد حزب الله

Posted in ربيع سوريا, يوتيوب | Leave a comment

شاهد أردوغان.. وسياسة ‘الرقص على الحبال’

يرى مراقبون أن التعرجات التي اعترت سياسة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الخارجية تشير إلى أنه ينتهج سياسة “الرقص على الحبال” في علاقات بلاده الخارجية. هذه السياسة ظهرت في أكثر من ملف، منها موقفه من نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وقضية إسقاط طائرة روسية فوق الحدود السورية، ومواقفه من حكومتي كردستان وبغداد، وعلاقته بمصر، ورد فعله على الضربات العسكرية لحلف الناتو في ليبيا، وغيرها من الملفات. شاهد تقرير قناة “الحرة”:

Posted in ربيع سوريا, يوتيوب | 1 Comment

كاتب تركي: ما أحلى الموت فداء لتركيا.. ولكن هل تستحق عفرين ان نموت من أجلها

أتاتورك

اومت اوزكرملو: كاتب تركي
“ما أحلى الموت فداء للوطن”؛ كانت تلك القصيدة القديمة التي كتبها الشاعر الغنائي الروماني هوراس مصدر إلهام في الكثير من الأفلام والشعر الغنائي والشعر المحمس للحرب على مر السنوات بما في ذلك قصيدة ويلفريد أوين الشهيرة (دولسي إت ديكورام إست)، وهي جملة لاتينية مستلهمة من كلمات قصيدة هوراس ترجمتها “ما أحلى أن”.
كان أوين قتل على الخطوط الأمامية قبل أسبوع من نهاية الحرب العالمية الأولى، وقد كتب في قصيدته يصف مشاعر الألم واليأس خلال هجوم بالغاز بهذه الكلمات:
لو أن آذانك تصغي في كل رعشة
حشرجة الموت والدم المتفجر من رئة أنهكها الزبد
مشهد مؤلم كورم سرطاني، مرير الطعم مثل الطعام المجتر
قروح على ألسنة بريئة لا دواء لها عند البشر
يا صاحبي أنت لن تقُص بكلامك المعسول
على الأطفال المتلهفين حكايات مجد قد أفل
تلك الكذبة القديمة: ما أحلى أن
تموت من أجل الوطن
من الحقائق الثابتة أن الشعور الوطني يوحد المجتمعات، وحتى الأكثر استقطابا، لفترة مؤقتة في أوقات الأزمات. كما أننا نعرف أن الساسة الذين يستنفدون جميع الخيارات المحلية الممكنة يميلون إلى السعي وراء مشروعات دولية من أجل تعزيز حظوتهم بالتأييد الشعبي. والتاريخ الحديث مليء بأمثلة من هذا القبيل، وقد كنت كتبت عن حرب الفوكلاند/المالفيناس في مقالي السابق. ومن الأمثلة الأخرى على ذلك الأزمة إيميا/كارداك في عام 1996 التي أثارها قوميون يونانيون ووضعت تركيا واليونان على شفا حرب.
بيد أن التأييد الشعبي لهجوم تركيا على منطقة عفرين شمالي سوريا، والذي جاء ضمن سلسلة من التدخلات التركية ضد حزب العمال الكردستاني الانفصالي أو خلال التوغل التركي السابق في سوريا بداية من عام 2016، كبير جدا. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذا التأييد يأتي في وقت تقبع فيه سمعة الحزب الحاكم بزعامة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عند أدنى مستوياتها على الساحتين الداخلية والدولية.
وتركيا ليست ضمن تحالف دولي هذه المرة، كما أن المجموعة التي تستهدفها لا يعتبرها المجتمع الدولي جماعة إرهابية. ومن الصعب التكهن بشكل رد فعل قوى مثل الولايات المتحدة وروسيا وإيران على حملة طويلة الأمد تشهد تزايدا مطردا في عدد الضحايا في صفوف المدنيين.
كما أنه من غير الواضح ما هي الجماعات التي يتألف منها حلفاء تركيا السوريون، الجيش السوري الحر. وهناك بالفعل تقارير تتحدث عن أن بعض الجهاديين المدرجين على القوائم السوداء من قبل الولايات المتحدة يقاتلون في صفوف الجيش السوري الحر.
إذا، فما هي أسس تحالف بلدي “مصح أو مخطئ” هذا؟ دعونا نلق نظرة عن كثب على بعض الأطروحات التي أثيرت لتفسير هذا الأمر.
الأطروحة الأولى مباشرة للغاية وتتمثل في أن الفرد بحاجة إلى تأييد هذه العملية ودعمها وببساطة من باب الوطنية (إن لم تكن القومية).
وبحسب تغريدة لاحد الخبراء الاتراك في العلاقات الدولية “أدعوا الله أن يحفظ أرواح كل من عرضوا حياتهم للخطر فداء للوطن، فإن مواطني العالم الذي لا جذور لهم والذين يخشون فقدان مكانتهم الفكرية بإظهار أي قدر من الوطنية لا يمكنهم فهم هذا الأمر.”
على الجانب الآخر، يشير الخبير ذاته أيضا إلى آراء مصطفى كمال أتاتورك لتفسير سبب ضرورة الحرب في بعض الحالات. يقول أتاتورك “لا أحبذ جر الأمة إلى حرب لهذا السبب أو ذاك”. يقول أيضا “الحرب يجب أن تكون ضرورية وحيوية… يمكننا خوض الحرب ضد من هم عازمون على قتلنا، لا لكي نموت. متى لم يكن هناك خطر على بقاء الأمة تكون الحرب جريمة قتل”.
إذا دعونا نسأل: هل تشكل عفرين خطرا داهما على تركيا؟ هل هاجمت وحدات حماية الشعب الكردية السورية الأراضي التركية؟ هل لدينا أي تقارير استخباراتية تتحدث عن أنهم يخططون لفعل هذا؟
إذا كانت الإجابة بنعم، فلماذا لم تُعلن هذه المعلومات أمام الرأي العام التركي. ألم تتلق قوات حماية الشعب تدريبها وتسليحها من الولايات المتحدة؟ ألا يقاتلون ضد تنظيم الدولة الإسلامية بدعم أمريكي؟ الأهم من ذلك، هل تشكل وحدات حماية الشعب تهديدا أكثر خطورة على تركيا من تنظيم الدولة الإسلامية الذي سيطر على الحدود الجنوبية لتركيا لبعض الوقت؟ وعلى عكس وحدات حماية الشعب، ألم يرتب تنظيم الدولة الإسلامية لهجمات إرهابية داخل الأراضي التركية؟ ألم يخسر الكثير من المواطنين الأتراك من أصول كردية أرواحهم في تلك الهجمات؟
أثار خبير آخر في العلاقات الدولية يكتب بصفة دورية مقالات في إحدى الصحف الموالية للحكومة أطروحة مشابهة. ففي إشارة إلى القانون الدولي والأدب الأكاديمي، قال الخبير إن العملية تحظى بحماية بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تشير إلى الدفاع عن النفس وحق الدولة في مكافحة الإرهاب. بيد أن القرار الذي تحدث عنه يعطي ضوءا أخضر لمثل هذا التحرك عندما يكون هناك هجوم منظم ضد دولة ما؛ وحتى مع توافر تلك الظروف، ينص القرار على أن التدخل يجب أن يكون “متناسبا” مع حجم الاعتداء.
وكما ذكرت آنفا، وإلى حد علمنا، لم تتعرض تركيا لهجوم من عفرين. ولو أن ذلك حدث، فإن تركيا تقصف عفرين ومحيطها منذ وقت مضى وإلى الآن. ومسألة كيف تشكل محاولة لغزو منطقة في دولة أخرى في انتهاك لوحدة أراضي تلك الدولة ردا متناسبا فيها نظر بكل تأكيد.
وهناك وثيقة أخرى يشير إليها هذا الخبير- قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ذات الصلة بمكافحة الإرهاب – بها قائمة تضم مثل تلك المنظمات. ووحدات حماية الشعب الكردية ليست مدرجة على هذه القائمة. بل إن وحدات حماية الشعب هي في واقع الأمر تحارب بعضا من الجماعات المدرجة على تلك القائمة. بالإضافة إلى ذلك، فإن بعض العناصر داخل الجيش السوري الحر، مثل جبهة النصرة، مدرجة على تلك القائمة. وأعتقد أن هذه الحقيقة وحدها تظهر كيف أن مشروعية العملية مسألة فيها نظر.
ومن الممكن القول إن “نظرية الحرب العادلة” التي يشير إليها الخبير ذاته لا تنطبق في حالة عفرين. من الممكن اعتبار الضربات الجوية التي يشنها الجيش التركي على جبل قنديل في العراق، حيث يتمركز حزب العمال الكردستاني، “عادلة” وفق قانون مسوغات الحرب. لكن مهاجمة ميليشيا لم يسبق لها أبدا أن اعتدت على تركيا على أساس ارتباطها بحزب العمال الكردستاني فقط لا يمكن تفسيرها على أنها سبب عادل. وإذا كانت هذه هي الحالة، فإن النظرية ذاتها ستبرر مهاجمة تركيا لدول مثل سوريا وإيران كانت قد دعمت حزب العمال الكردستاني في الماضي (بل وحتى إيطاليا واليونان اللتين استضافتا لفترة وجيزة زعيم حزب العمال الكردستاني أوجلان عندما أُجبر على مغادرة سوريا أواخر تسعينات القرن الماضي). ونظرا لأن تركيا لم تهاجم تلك الدول لدعمها حزب العمال الكردستاني، يبدو واضحا تماما أن الهدف من هذه العملية مختلف.
والجزء الآخر من نظرية الحرب العادلة، وهو السلوك الصحيح في وقت الحرب (قانون وقت الحرب)، أيضا فيه نظر. صحيح أن تركيا قالت إن الحملة لن تستهدف المدنيين، لكن الأرقام التي يتحدث عنها المرصد السوري لحقوق الإنسان الذي يتخذ من لندن مقرا -حتى إن تجاهلنا ما تتحدث عنه وحدات حماية الشعب الكردية – تشير إلى رواية مختلفة.
وإذا كانت العناصر السورية التي تقاتل نيابة عن تركيا تضم إرهابيين جهاديين مطلوبين، ما هي ضمانات عدم حدوث أي مذابح في ميدان المعركة؟ إذا كانت هذه فعلا حرب عادلة، فلماذا هناك كم هائل من الضغط على وسائل الإعلام؟ لماذا تم حجب موقع خريطة الحرب الأهلية السورية
( syriancivilwarmap.com )
الذي يعرض صورا ملتقطة عبر الأقمار الصناعية للحرب الدائرة في سوريا؟ لماذا يتم اعتقال كل من يتجرأ ويتحدث عن السلام؟
والأهم من ذلك، لماذا لا يناقش خبراء العلاقات الدولية هذه القضايا على الإطلاق؟
إنهم لا يناقشون هذه القضايا لأنهم يقرون ضمنا بأن هذه العملية هي “من أجل الوطن”. بيد أن هذا هو السؤال نفسه الذي يحتاج لمناقشة. ولنسأل بالكلمات التي قالها أتاتورك، هل هذه الحرب “ضرورية أو حيوية؟” هل نقاتل من كانوا يريدون قتلنا دفاعا عن أنفسنا؟ أم إن هذا كله لأن الإرادة السياسية التي تحكم البلاد تحت حالة الطوارئ قررت ذلك؟ هل نفعل أي شيء غير الدعاء لمن كُتب عليهم القتال بينما ننعم نحن بالنوم الآمن في فُرشنا؟ هل، على سبيل المثال، نسأل أنفسنا إذا ما كانوا بحاجة إلى وضع أرواحهم في طريق الأذى أم لا؟ هل هذه الحرب عادلة كما يقول خبراء؟ وإذا كانت حربا من أجل وطننا، فلماذا لا يرتدون لباسهم العسكري وينضمون للقتال في عفرين؟

المصدر أحوال تركية

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | 1 Comment

الحب المستحيل بين حلفاء حزب الله

بقلم حازم الأمين/
أيهما أحب إلى قلب حزب الله، حركة أمل أم التيار الوطني الحر؟ ميشال عون أم نبيه بري؟ الجواب على هذا السؤال ليس بديهيا، ذلك أن حسابات معقدة تنتظر الباحث عن إجابة عن هذا السؤال، لا سيما وأن الحب الذي نتحدث عنه مصدره قلب تثقله الايديولوجيا، وتعكر صفوه مصالح ثقيلة لا تبدأ بلبنان ولا تنتهي في اليمن. والسؤال اليوم يكتسي طابعا ملحا، إذ أن طرفي الاشتباك اللبناني، أي أمل والتيار الحر، يطلبان بإلحاح نصرة الحزب لحسم وجهة الصراع، بعد الأزمة التي تسبب فيها شريط مسرب يظهر فيه وزير الخارجية جبران باسيل وهو يصف بري بـ”البلطجي” ويتوعد بـ”تكسير رأسه”.
بري هو الشريك الشيعي لحزب الله، والذي ما كان للحزب أن يقبض على تمثيل الشيعة اللبنانيين من دون مساعدته. وبري ليس شريكا للحزب بقدر ما هو مكمل لوظائفه، فالحزب تمكن من الاحتفاظ بالرئاسة الثانية في لبنان من دون أعبائها، وبمعنى ما فإن بري كان واجهة تمثيلية للحزب تقي المنصب من تبعات المقاطعة الدولية للحزب، ذاك أن الرئيس ليس قياديا ولا عضوا فيه، وفي نفس الوقت تولى مواجهة أي عاصفة تستهدفه.
إقرأ للكاتب أيضا: حنين غدار وقيس الخزعلي وستيفن سبيلبرغ
بري بالنسبة لحزب الله فرصة لا تعوض. وفي أكثر من مناسبة أبدى الحزب استعدادا لدفع أكلاف باهظة للحفاظ عليه. فرئيس مجلس النواب موقع لا يصلح لأن يشغله حزب الله مباشرة، اذ أن ذلك سيكون عبئا على الحزب وعلى لبنان، وبري، وبما أنه ليس عضوا في الحزب، لم يكن طوال رئاسته المديدة للمجلس غير مدافع ومعزز لفكرة تفشي الحزب في الدولة وفي قراراتها. في حرب تموز مثلا اختفى حزب الله عن جبهات التفاوض وتولى بري تمثيله في عمليات المفاوضة المعقدة، فكان الحزب مقاتلا وكانت الدولة من وراءه تفاوض. وصحيح أن هزيمة الحزب في تلك الحرب كان سيعزز فرص بري في تصدر الطائفة، إلا أن بري لم يبد أي رهان على هذا الاحتمال.
حزب الله في العلاقة مع بري يعرف الحدود بين دفعه للتصدر وبين احتفاظ الحزب بالقرار الفعلي، لا سيما إذا ما تعلق الأمر بالحروب الكثيرة التي يخوضها الحزب باسم الطائفة الشيعية.
لا يبدو أن الاشتباك بين حليفي الحزب في لبنان في وقته. وهذا يعني أنه سيلجمهما وسيستجيبان، فهما يدركان أن حسابات الشقيق الأكبر فوق خصومتهما
لكن الخدمات التي أداها رئيس الجمهورية ميشال عون وتياره لحزب الله لا تقل أهمية عن الخدمات التي أداها بري، وإن اختلفت نوعيا عنها. ويمكن القول بسهولة إن ميشال عون تولى حماية الحزب في أكثر من محطة كان يمكن فيها أن يوجه خصومه ضربات موجعة له كانت ستقوض نفوذه. فالغطاء المسيحي الذي أمنه العونيون لحزب الله مكن الأخير من الصمود في وجه رياح عاتية استهدفته. في حرب تموز/يوليو 2006 غامر العونيون مغامرة كبرى في وقوفهم إلى جانب الحزب في وقت كان الأخير محاصرا بالحرب الاسرائيلية من جهة وبخصومة داخلية مثلها تيار المستقبل السني ووليد جنبلاط الدرزي والقوات اللبنانية المسيحية.
يحفظ حزب الله لميشال عون هذه المغامرة التي كان من شأنها أن تطيح بالعونيين في حال هزمت اسرائيل حزب الله، وقضت على نفوذه. وبعدها انقض حزب الله على وسط بيروت فاحتله وأعلن اعتصاما فيه بمشاركة العونيين. ودفع العونيون أكلاف احتلال الوسط التجاري للعاصمة من رصيدهم السياسي المسيحي، وصاروا جزءا من مشهد ميليشيوي احتلالي. وكل هذا كان على مذبح تحالفهم مع الحزب، وصولا إلى الذروة عندما وقفوا إلى جانب الحزب في هجومه على بيروت في السابع من أيار/مايو عام 2008، مع كل ما يعني ذلك من انزلاق إلى الموقع الميليشيوي الذي صورت العونية نفسها نقيضه له.
إقرأ للكاتب أيضا: واشنطن عادت إلى سورية.. وأنقرة ترد في عفرين
حزب الله اليوم متنازع بين موقعي حليفين لهما معه كل هذه الديون، وهو إذ حاول تسديدها في المحافظة على عون وبري كل في موقعه، رئيسا للجمهورية ورئيسا للبرلمان، يعرف تماما أن إدارة التوازن بين رجلين لا يكنان ودا لبعضهما بعضا، أشبه بمهمة والد يرعى خصومة نجليه، اللذين لن يخرجا في نهاية المطاف عن الطاعة.
حزب الله يمر بمرحلة دقيقة. الاسرائيليون استأنفوا الحديث عن مخاطر على الحدود مع لبنان، وسورية على مشارف تحول يتطلب من الحزب إبقاء حديقته الخلفية (لبنان) مستقرة. لا يبدو أن الاشتباك بين حليفي الحزب في لبنان في وقته. وهذا يعني أنه سيلجمهما وسيستجيبان، فهما يدركان أن حسابات الشقيق الأكبر فوق خصومتهما.
الأرجح أن الخصمان يتسابقان اليوم قبل أن يبلغ الشقاق بهما إلى مستوى الاصطدام بمصالح الحزب. حتى الآن يبدو أن جبران باسيل على رأس السبق. يرفض الاعتذار من بري على كلمة “بلطجي” التي وصفه بها، ونال إعجابا مسيحيا بقدرته على الصمود في وجه رئيس المجلس، أما الأخير فكل ما بوسعه فعله، هو مشاغبة في الشارع، في وقت هو عاجز عن دفع وزرائه للاستقالة وتعطيل الحكم.
حزب الله لا يريد تعطيل الحكومة، فالأخيرة تتولى اليوم تصريف الكثير من مصالحه. وينتظر الحزب محطات، لا يساعده فيها مأزق سياسي تسبب فيه حلفاؤه.
إذا لا وقت لهذه الترهات اليوم.

شبكة الشرق الأوسط للإرسال

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

شاهد أب مغربي فقد ابنه واسرته مع داعش يتحدث عن مأساته

روى حسين السنوسي، وهو مسلم هولندي من أصل مغربي، كبف أن ابنته مريم قد غادرت إلى الرقة، سوريا، للانضمام إلى داعش دون إخبار الأسرة، وبعد بضع سنوات، انضمت والدتها إليها واخذت معها ابنها إلياس، لم يتراوح عمره 14.5 سنة. وتحدث عن تحطمه عندما أبلغه أفراد المخابرات الهولنديون ب “استشهاد ابنه”. وقدم سنوسي نداء حارا إلى “الأطفال الذين يريدون الذهاب إلى سوريا أو العراق”، قائلا “ليس لديهم أي فكرة عن نوع الألم والكرب الذي يلحقونه بأسرهم”. برنامج بث على قناة العربية في 12 أغسطس 2017.

Posted in English, ربيع سوريا | Leave a comment

العد العكسي للسقوط على لسان نظام الملالي

بقلم: المحامی عبد المجید محمد
Abl.majeed.m@gmail.com

احد اساليب نظام الملالي وكل رموز نظامه الرئيسيين كانوا يحاولون على مدى ال ٣٩ سنة الماضية اظهار أن منظمة مجاهدي خلق غير قادرة على التأثير الفعال في المجتمع الايراني ولا يحسبون لها أي حساب.
ولكن هذه الخدعة قد ولى زمنها الان تكشفت ولم يعد احد يشتريها حتى بين اكثر القوات الرئيسية للنظام نفسه. الان بعد تلقي النظام للضربات الموجعة والساحقة والهادفة للانتفاضة الايرانية الاخيرة اجبرت الحكومة من رأسها حتى اخمص قدميها أن تضع هذه الخدعة جانبا وان تعترف وتذعن بالتأثير الخلاق لدور مجاهدي خلق في المجتمع الايراني. والى جانب هذا الاذعان الذي لا مفر منه اقر الخامنئي نفسه في تاريخ ٩ يناير بشكل صريح عن مكانة ودور مجاهدي خلق ايضا.
بعد ذلك، کرّر بقية الرموز والمتحدثين باسم الحكومة أيضا ما تحدث عنه “الزعيم المؤقت” کل لما يتناسب مع وظيفته ووضعه فی الحكومة وموقعه، ووفقا لما يتناسب مع الفرصة والضرورة، والأمر مستمر على هذا النحو.
الملا احمد خاتمي نائب رئيس مجلس الخبراء واحد أئمة الجمعة في طهران والذي يجسد دائما مواقف الخامنئي ويمثلها، عبر عن ذعره في صلاة الجمعة في تاريخ ٢٦ يناير طهران من استمرار الشعلة المتقدة لانتفاضة الشعب الايراني الشاملة وقال ايضا: لا تظنوا أن الإطاحة قد انتهت،لا لم تنته واعدائنا لن يتخلوا عن فكر وثقافة الإطاحة واسقاط النظام ولو للحظة واحدة ويجب ان نكون متنبهين دوما وقال محبطا لجمهوره الذي هو عبارة عن حفنة من طفيليي نظام الملالي لنفس هذه المسرحیات قال:
لقد قضیتم علی فتنة مجاهدي خلق في السنوات الماضية حینما دللتم على عناويين محالهم وبيوتهم والان يجب أن يتم نفس هذا العمل وجمعهم كلهم. وأضاف وهو یعترف بالغضب والانزعاج لدی الشعب الايراني من حكومة الملالي قائلاً: خطة عملهم الجديدة (مجاهدي خلق ومناصريهم) هو اضعاف رجال الدین .. كما رأيتم أن مثيري الشغب كيف قاموا بالهجوم على بعض الحوزات العلمية.
قبل اسبوعين من حديث هذا الملا، قال ملا آخر يحمل اسم غياث الدين طه محمدي في صلاة الجمعة في مدينة همدان: خلال مسيرة الانتفاضة تعرض حوالي ٦٠ مكتبا لائمة الجمعة للهجوم.
الملا دُري نجف آبادي امام جمعة مدینة اراك وعضو هيئة رئاسة مجلس الخبراء ووزير سابق لمخابرات نظام الملالي في تاريخ ١٧ يناير قال: خلال مسيرة الانتفاضة في اراك هجموا على منزلي وانا كنت موجودا فيه.
وفي اجراء اخر، عرض تلفزيون النظام في تاريخ ٢٧ يناير تقريرا خاصا عن الوضع الحالي والانتفاضة والذي استضاف احد شخصيات النظام باسم علي عليزاده قال فيه: مجاهدو خلق یتموقعون على رأس هرم الانتفاضة، والغرب لايملكون لغرض الاسقاط سوى خيار رئيسي ليس اكثر ألا وهو مجاهدي خلق. هؤلاء مجموعة لا يزال عددهم كبيرا ويملكون خبرات عن امور الدفاع ولهذا السبب يتربعون على قمة الهرم.
وكالة انباء فارس التابعة لقوات الحرس في تاريخ ٢٨ يناير اظهرت في تقريرها مختلف اشكال الرعب الذي يتملك رجل الدين تويسركاني ممثل الخامنئي في منظمة البسيج من دور المجاهدين في الانتفاضة الايرانية الاخيرة حيث صرح:
” كان للمجاهدين دور في تنظيم المظاهرات في مختلف المدن لذلك ان نكون متنبهين ويجب ان نبين بشكل واضح وجيد للجيل الايراني الشاب انجازات الثورة الاسلامية…”
فيما يتعلق بدور الشباب وحضور النساء في المظاهرات والانتفاضة الايرانية كتبت وكالة أنباء مهر الحكومية في تاريخ ٢٧ يناير نقلا عن النائب السياسي لشؤون قوات الحرس: مجاهدو خلق كانوا الحلقة الرئيسية في الاضطرابات. ٨٠ بالمئة من الاشخاص الذين تم اعتقالهم تحت سن ٣٠ سنة وعدد من النساء المعتقلات متوسطات العمر، في عقد العام ١٩٨٠ اولئک الذین قادوا تظاهرات مجاهدي خلق في الشوارع، اكثرهم كانوا من النساء والان الحلقة الرئيسية لتحريك وبدء المظاهرات كانوا من النساء ايضا.
حاول نظام الولي الفقيه استخدام كامل قدرته من اجل قمع الانتفاضة الايرانية وقد قتل اكثر من ٥٠ شخصا في الانتفاضة وكما تم اعتقال اكثر من ٨٠٠٠ شخص وزجهم بالسجون قابعين تحت التعذيب ولكن مع وجود هذا الشعب الطافح کیل صبره والمنتفض الذي لا يحمل وزنا لقوات النظام القمعية ستستمر حركة التظاهرات في مختلف مدن ايران يوما بعد يوم.
وبهذا النحو كل رؤوس ورموز النظام الديني المستبد قد أجبروا على الاعتراف والاذعان بالدور المؤثر جدا لمجاهدي خلق في المجتمع الايراني وبخاصة في دورها في اسقاط النظام.
المقاومة الإيرانية وفي محورها الرئيسي منظمة مجاهدي خلق الايرانية وعلى مدى ٣٦ سنة بدون توقف ولا هواده ومع دفعها لاثقل الاثمان بما في ذلك 120 ألف شهيد، 30 الف فقط منهم قتلوا واعدموا خلال وقت قصير في صيف عام 1988 بقيت وفية ومخلصة لشعبها وتعهدت أن لا تعرف طعم الراحة حتى اسقاط نظام الملالي المعادي للشعب الايراني و تشكيل الحكومة الشعبية.
إذا كان المجاهدون أنفسهم قد اقروا في أوقات سابقة فقط بالتزاماتهم ودورهم، فإن أعدائهم الآن – يعني نظام ولاية الفقيه بأسره – يشهدون صراحة وبلسان واضح على هذا الالتزام وهذا الدور ألا هو ان القوة الوحيدة القادرة على اسقاط النظام المستبد هي منظمة مجاهدي خلق الايرانية.

Posted in فكر حر | 1 Comment