وفاء سلطان لماذا وكيف تكتب؟! (4)

وفاء سلطان 

عبر التاريخ البشري، حاول بعض المفكرين والفلاسفة أن يرفعوا “الأنا” على حساب الروح أو أن يرفعوا “الروح” على حساب الأنا، فجاءت رسالتهم ناقصة وفشلت في الوصول إلى هدفها النبيل.

لا أملك شيئا ضد روحانية غاندي، لكنني لا أعتقد بأنه ساهم إلى حد مقبول في إثراء “الأنا” عند الإنسان الهندي، ولذلك ظلت الهند منذ عهده تراوح مكانها.

هذا ما حدث عندما قدم كارول ماركس نظريته إلى أتباعه، حاول أن يستبدل قسرا “الأنا” الفردية بـ “الأنا” الجمعية، وأهمل في الوقت نفسه كل علاقة روحانية تربط الإنسان بكونه، ففشلت المجتمعات التي تبنت نظريته.

خلال السنوات الأولى التي أعقبت سقوط الإتحاد السوفياتي ارتفع معدل الجريمة في روسيا حتى بلغ رقما قياسيا.

يرى علماء الإجتماع في ذلك المعدل ردة فعل طبيعية لفعل غير طبيعي.

فالقمع الذي قضى على “الأنا” عند الفرد في المجتمعات التي انطوت تحت لواء الإتحاد السوفياتي، ناهيك عن تخريب الجانب الروحي، قد دفع بذلك الفرد ـ عند انهيار السلطات القمعية ـ إلى ردة فعل غير مضبوطة لإستعادة “أناه” المحطمة أولا وقبل أن يفكر باسترداد عافيته الروحانية.

شعر الفرد عندها بأنه حرّ، حر ليكره، ليقتل، ليخرب، لينتقم، ليسرق، ليغش، ليرتشي، وليفعل ما يشاء بلا ضوابط في محاولة يائسة للتعويض عما فاته وعما سلبوه منه!

أذكر بعد سنوات من الإنهيار قابلت طبيبة من إحدى دول الإتحاد السوفياتي سابقا، قالت لي بالحرف الواحد: لقد رضعت كره الشيوعية في حليب أمي، ولكنني أدفع الآن عمري ليعود الإتحاد السوفياتي، فالقمع أفضل بكثير من تلك الفوضى غير المضبوطة!

لكن ليس من العدل بمكان أن نقارن أيا من هاتين الحالتين بما فعله الإسلام، فالإسلام لم يتجاهل الجانب الروحي وحسب، بل قتله كليا.

والإسلام لم يستبدل “الأنا” الفردية بـ “الأنا” الجمعية، بل استبدلها عنوة بـ “الأنا” المحمدية!

مع الزمن خسر المسلم علاقته مع “أناه” الحقيقية، وتحولت العلاقة الروحانية التي يفترض أن تربطه بغيره إلى علاقة إنتقامية ترمي إلى قطع رأس ذلك الغير.

الأنا المحمدية طغت على الأنا الذاتية، حتى صار محمد يعيش في هيكل كل مسلم، وترى ذلك واضحا في أكثر المسلمين نفورا من الإسلام.

تلتقي مع المسلم ـ وبغض النظر عن مستواه الثقافي ودرجة تعلقه أو تعمقه بالإسلام ـ فتكتشف كلما تعمقت في علاقتك معه، تكتشف بأنه مخلوق يعيش صراعا نفسيا وفكريا رهيبا، صراعا بين “الأنا” الحقيقة المهمّشة والمهشمة وبين “الأنا” المحمدية المزيفة والمنتفخة.

هو بين مد وحسر، يكون لحظة نفسه ويكون في اللحظة التي تليها نبيه.

الإنسان يميل غريزيا لأن يكون نفسه ولأن يعتز بفرديته، ولذلك عندما تقتل لديه تلك النزعة وتجبره على أن يكون غيره تكون قد سلبته إحساسه بقيمته كفرد فريد من نوعه!

كنت أراقب مرة برنامج على أحد المحطات الفضائية الإسلامية، وكان الحوار يدور بين ثلاث نساء مبرقعات حول تعدد الزوجات.

ما لاحظته كان مثيرا للحزن وللشفقة في آن واحد!

تدافع الواحدة منهن عن تعدد الزواج كأمر إلهي لا مفر منه، ثم ـ وعندما يتعلق السؤال بها هي شخصيا ـ تقول: لا.. لا يمكن أن أقبل بأن يتزوج زوجي امرأة ثانية عن رضى وطواعية.

هذا الشرخ الذي يحدثه الإسلام بين “الأنا” الحقيقية وبين “الأنا” المزيفة، والذي تلمسه لدى المسلمة خلال لحظة واحدة، يخلق صراعا نفسيا وفكريا ليس من السهل أن تعيش معه!

وهنا لا بدّ أن نتساءل: هل من الممكن ترميم الإنسان المسلم وإعادة تأهيله؟!!

إن بناء الإنسان كأنا وكروح يتم تدريجيا وعبر مراحل، وكما أن بنائه لا يتم في ليلة واحدة كذلك ترميمه لا يتم في ليلة واحدة، فهو ليس قطعة أرض كي يسترد.

الترميم يأخذ وقتا والجروح مهما التأمت تترك ندبات، كالقربة التي تهشمت ثم اُعيد لصقها لا تستطيع أن تسترد أصلها!

عام 1991 كانت الطفلة الأمريكية

Jaycee Dugard

 ذات الأحد عشر ربيعا، في طريقها من بيتها في ولاية كاليفورنيا إلى المدرسة، عندما تمّ خطفها من قبل مجهول، ولم تنجح كل محاولات البوليس الأمريكي والإف بي آي في الكشف عن هوية الفاعل.

في الشهر الثامن من العام الماضي أي بعد 18عام، وبالصدفة المطلقة، تم العثور على جيسي حية ترزق، وعمرها آنذاك 29 عاما.

لقد خطفها رجل مصاب بالـ

Pedophilia

 ـ اضطراب عقلي ونفسي تسيطر من خلاله على البالغ رغبة في ممارسة الجنس مع الأطفال ـ وحبسها في الحديقة الخلفية لبيته دون أن يسمح لها طيلة تلك السنوات من الدخول إلى البيت ناهيك عن الخروج منه.

خلال تلك السنوات حملت منه مرتين وأنجبت طفلتين، وقد عثر عليهما مع الأم يعيشن في خيمة في الحديقة الخلفية للبيت.

بالطبع، لا تملك الأم جيسي وطفلتاها أيّا من المهارات الإجتماعية التي تساعدهن على التفاعل مع المجتمع، وذلك نتيجة للعزلة التي ضربها الخاطف حولهن، الأمر الذي سينعكس لاحقا على سلوكهن الإجتماعي وعلى طريقة تعاملهن مع العالم الخارجي.

اجتمع الخبراء وعلماء النفس على نصيحة واحدة، ألا وهي أن يتم تعريف جيسي وطفلتيها على العالم الخارجي ببطء وتدريجيا، وبطريقة تتناسب فيها درجة التعرض للعالم الخارجي مع حجم المهارات السلوكية والإجتماعية التي تكتسبها كل منهن.

لذلك تمّ عزلهن تماما عن وسائل الإعلام، وتمّ تعريفهن على أقربائهن بطريقة تدريجية، وما زالت عملية الترميم مستمرة.

التخريب العقلي والسلوكي الذي يتعرض له الفرد في المجتمعات الإسلامية ـ كبيئة قمعية ـ لايختلف كثيرا عن التخريب الذي تعرضت له جيسي وابنتاها.

فالعزلة التي ضربت حول المسلم لقرون طويلة تركته عاجزا عن إحساسه بالكون الذي ينتمي إليه، وبضرورة الإنسجام مع ذلك الكون.

لذلك، عند ترميم البناء العقلي والنفسي لدى المسلم يجب تحريره ببطء وتدريجيا من القيود التي فرضتها تعاليمه حوله، فالمهارات لا تكتسب في ليلة واحدة ولذلك الحرية لا تمنح في ليلة واحدة.

الحرية مسؤولية، ويجب أن يكون الفرد مؤهلا لحمل أية مسؤولية قبل زجّه فيها!

لقد أشرت سابقا، بأن الأديان عموما تقزم العلاقة الروحانية التي تربط الفرد بكونه، لأنها تحددها وفق منحى ثابت.

لكن الإسلام، وكما لم يفعل دين آخر، تبنى ثقافة “إبادة الآخر” بحجة أن يكون الكون أسيرا له وحده: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ

لذلك عندما اقتنع المسلم بحقه المطلق في أن يبيد غيره، بغية أن ينفرد ذلك الكون بالإسلام دون سواه، عنما فعل ذلك سلخ نفسه عن انتمائه الكوني، ورزح عبدا لفكرة وهمية مستحيلة التحقيق، ظل يطاردها وتطارده حتى استنزفته!

استنزفته روحانيا وجسديا، ولذلك يعيش حالة من الشقاء الدائم، الشقاء الذي لا مهرب منه إلا بإعادة تقييم نفسه وعلاقته بالكون المحيط به.

إبادة الآخر لا تعني بالضرورة إبادة غير المسلم فقط، فعندما يستطيع الإنسان أن يسلخ نفسه عن غيره لمجرد أنه يختلف معه في العقيدة، لا يستطيع أن يوحد نفسه مع غيره عندما يختلف معه في أبسط الأمور!

لهذا السبب ودون غيره، ليست علاقة المسلم بالمسلم أفضل حالا من علاقته مع غير المسلم، فأي شرخ بينك وبين الآخر يقطع الحبل السري بينك وبين كونك!

قبل أن يتحرر المسلم من عبوديته تلك، يجب أن تتم خلخلة القيد الذي يكبله رويدا رويدا بطريقة تسمح له بالتحرر الجزئي وعلى مراحل، حتى يصل نقطة الإنعتاق المطلق من فكرة استعبدته حتى فنته روحانيّا وماديا.

لا يستطيع أحد أن يحدد الزمن الذي قد يستغرقه الوصول إلى تلك النقطة إلاّ بناء على ما يبديه المسلم من قبول للآخر ومرونة في التعامل معه، أي بناء على استعداده ليكون جزءا منسجما مع كونه!

وهنا يطرح سؤال نفسه: وهل هذا ممكن؟!

وجوابي: نعم، ولذلك اؤمن بقدرتي على تغيير العالم نحو الأفضل!

…………

يتهمونني باعتناق المسيحية عندما أستشهد بأقوال المسيح!

لا يهم، طالما أدافع عن فكرة اؤمن بها، رغم أنني لا أعتنق ـ ولن أعتنق يوما ـ دينا من الأديان.

كما أستشهد بعبارة جميلة لأفلاطون وأرسطو وغيرهم من المصلحين الإجتماعين أستشهد بعبارات المسيح كمصلح إجتماعي، لا أقف عند علاقته الغيبية بالله ولا تهمني تلك العلاقة!

لذلك، لا أتصور بأن إنسانا، استطاع أن يوازن بين الأنا والروح بعبارة واحدة، كما استطاع المسيح عندما قال: اعطوا لقيصر ما لقيصر ولله ما لله!

ليس الله ولا قيصر ـ حسب مفهوم وفاء سلطان ـ هو ما جاءت به الأديان.

كل واحد منا ـ في الحقيقة ـ قيصر، فقيصر هو الـ “الأنا” في الذات البشرية، والله هو ذلك الكون اللامحدود الذي نحن جزء لا يتجزأ منه!

تسعى الأنا لتحررك من الكون وتسعى الروح لتدمجك مع كونك، وكل مشكلة يعاني منها الإنسان تعود في جذورها إلى اضطراب التوازن بين هاتين القوتين المتعاكستين، أي تنشأ المشكلة عندما تتعملق الأنا على حساب الروح أو عندما تتعملق الروح على حساب الأنا، أو عندما تتحطم الإثنان معا.

الكون لغز ولا أحد يستطيع أن يفهم ذلك اللغز من كل جوانبه، ولذلك علاقتك بالكون هي بدورها لغز، وعليك أن تحترم لغزية تلك العلاقة.

عظمة الكون تكمن في لغزيته، وسيفقد تلك العظمة لو استطعنا يوما أن نفكّ أسرار ذلك اللغز!

يقول ألبرت أنشتاين:

The most beautiful thing we can experience is the mysterious.”

“أجمل التجارب التي نخوضها تلك التي تكون لغزية”

لم يشرح أنشتاين لماذا هي جميلة التجارب التي تنطوي على ألغاز، لكن عندما قرأت ما قاله الموسيقي الكندي Charles de Lint أدركت ما قصده أنشتاين:

Without mysteries, life would be very dull indeed. What would be left to strive for if everything were known?”

“تبدو الحياة بدون ألغاز مملة للغاية، فما الذي سننشد إن كنا نعرف كل شيء؟!”

يأتي الدين ـ أي دين ـ ليفسّر لغزية الكون بطريقة جدا محدودة وضحلة!

وعندما يتعلق الأمر بالإسلام تتلاشى عظمة ذلك اللغز لتصبح مختزلة في إرب رجل أو في فرج امرأة أو في جزّ رقبة!!!

لم أقرأ يوما في الإسلام ما ساعدني على أن أعزز أناي ـ وخصوصا كوني امرأة ـ أو أرتقي بروحي إنشا واحدا، بل على العكس ـ وكما لم يفعل دين آخر ـ شوّه الإسلام مفهوم الله، ذلك اللغز العظيم، حتى صرت أقرف من ذكره!

كيف لا أقرف من إله يهبط بسرّ عظمته ولغزية كينونته ليحشر نفسه بين فخذي رجل مهووس بإربه، كي يحلل له سطوه على سيدة متزوجة، دون أن يأخذ بعين الإعتبار رغبتها ومشاعر زوجها؟!!

كيف يقرأ مسلم قصة نكاح محمد لزينب ولا يرفض سرّ الإله الذي ورد في كتبه؟!!

ليست قصة نكاح محمد لزينب هي الوحيدة التي سلبت المسلم أناه وفرغته من روحه، لكنني اخترتها ـ لكونها موثقة بحذافيرها في القرآن ـ على سبيل المثال لا الحصر!

فالمسلمون جميعهم، سنة وشيعة، متفقون على الآية التي تقول: إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ (زَوْجَكَ) وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ

لا تترك تلك الآية مجالا للشك بأن السيدة زينب كانت متزوجة عندما اشتهاها محمد، ولا تترك مجالا للشك بأن الله قد استاء من محمد لأنه حاول أن يضبط مشاعره تجاه سيدة متزوجة!

ثم تأتي آية لاحقة ( فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا) لتؤكد بأن زيدا قد تركها لمحمد ـ بعد أن نال منها وطره (!!!!) ـ وذلك بناء على أمر الله!

الرسالة أية رسالة ـ دينية أو غير دينية ـ تستمد مغزاها وغايتها من محتواها، وليس من أهميّة الرسول الذي يحملها.

عندما يصبح الرسول أهم من الرسالة تفقد الرسالة مغزاها وغايتها، ولقد أصبح محمد أهم بكثير من الرسالة التي حملها!

ما المغزى الأخلاقي وما الغاية من ذكر تلك القصة في القرآن؟!! كيف تستطيع تلك الآيات ـ ومن خلال تكرارها عبر أربعة عشر قرنا من الزمن ـ أن تسمو بروح المسلم؟!! كيف تستطيع أن تربط المسلم بكونه وتجعله جزءا لا يتجزأ من عظمة ذلك الكون؟!!

من أقدس العلاقات التي تشدّ الإنسان إلى كونه هي علاقته الحميمة بالجنس الآخر، فكيف ترتقي تلك القصة إلى مستوى تقديس تلك العلاقة؟!!

تصوروا لو جاءت القصة بشكل مغاير تماما، كأن يقول الله لـ “نبيه”:

“ليس من الأخلاق أن تطلق العنان لغرائزك تجاه سيدة متزوجة، اضبط نفسك واحترم رغبة زينب ومشاعر زيد”

لو حدث الأمر بهذا الشكل لبقيت الرسالة أكبر في مغزاها وغايتها من المرسل نفسه، ولساهمت أكثر في خلق إنسان سليم روحانيا وعقلانيا.

الإنسان مخلوق ذو مشيئة

free will

، فكيف يزوّد الكون ـ الله ـ الإنسان بتلك المشيئة ثم ينكرها عليه، إذ لم تشر الآيات السابقة من قريب أو بعيد إلى مشيئة زينب عندما تعلق الأمر بخلعها من رجل وزجّها في حضن رجل آخر؟!!

هذه القصة قد عززت الأنا المحمدية، لكنها سلبت من المسلم “أناه” الحقيقة.

المسلم يدافع عن حق محمد في نكاحه لسيدة متزوجة، لكن لا أتصور بأن مسلما عاقلا يبرر لنفسه ذلك الحق!

تماما، كما تعترف المرأة المسلمة بحق الرجل في أن ينكح ما طاب له، بينما ترفض في الوقت نفسه أن يفعل زوجها ذلك!

إنه الصراع الذي يعيشه المسلم أثناء رحلة البحث عن أناه المسلوبة والمهشمة، والتي من الطبيعي أن ينشدها!!!

لقد تعملقت الأنا المحمدية على حساب الأنا الذاتية عند المسلم حتى طمستها كليّا، بينما وفي الوقت نفسه لم يستطع الإسلام أن يرقى بالذات الكونية ـ أو الإلهية لمن يرغب بتلك التسمية ـ إلى مستوى عظمتها، ففشل المسلم في أن يكون جزءا من تلك العظمة وظل متقوقعا داخل جبة نبيه!!

……………………….

هناك عامل واحد يجمع بين الرهبانية والطب النفسي، إذ أن كل منهما يركز على جانب واحد في الطبيعة البشرية، ولذلك كل منهما فشل في أن يسمو بتلك الطبيعة!

الرهبانية تهمل “الأنا” عند الإنسان والطب النفسي يهمل “الروح”!

الرهبانية واجهت ومازالت تواجه مشاكل تنجم عن ذلك الإهمال، والطب النفسي ـ رغم ما حققه وما يحققه من إنجازات ـ مازال عاجزا عن فهم الطبيعة البشرية وعاجزا عن علاج الإضطرابات النفسية التي يعاني منها البشر، وسيظل عاجزا مادام يحاول أن يعالجها بنفس الطريقة التي يعالج بها التهاب اللوزتين.

هناك ظواهر قد يأخذها الطبيب النفسي المعالج بعين الإعتبار، لكنه لا يستطيع أن يجد لها تفسيرا علميا يضع على أساسه خطة العلاج!

تلك الظواهر لا يمكن تفسيرها إلاّ بناء على العلاقة الروحانية التي تربط الإنسان بكونه، وحاجة الإنسان إلى توطيد تلك العلاقة.

الفيلم الأمريكي

Sister Act

 الذي تقوم ببطولته الممثلة الأمريكية المشهورة

Whoopi Goldberg

، يحكي قصة مغنية عالمية مشهورة في مدينة القمار الأمريكية لاس فيغاس.

تشهد تلك المغنية جريمة قتل، فتلاحقها العصابة كي تقتلها وتتخلص بذلك من الشاهد الوحيد. يضطر البوليس أن يخفيها بزي راهبة في دير تابع لإحدى الكنائس الكاثوليكية في مدينة سان فرانسيسكو، وهناك تتأزم الأحداث.

لا يعرف أحد في الدير بأنها مغنية في لاس فيغاس، باستثناء الراهبة الكبيرة المسؤولة عن الدير.

يبدأ الصراع بين المغنية كإنسانة ترى روحانيتها في موسيقاها وبين التقاليد الصارمة للكنيسة التي لا تنعش الروح!

لا يؤم الكنيسة إلا عدد قليل جدا من المسنين، والجوقة الموسيقة فيها تغني نشاذا يضرب على أعصاب المغنية الحساسة، فتهرب في الليل إلى ناد قريب وتلحقها راهبات أخريات.

الصراع يستفحل بين قيادة الدير وبين المغنية، وجميع الراهبات باستثناء الرئيسة يقفن إلى جانب المغنية.

تتطور مجريات القصة بطريقة كوميدية إبداعية للغاية، ولكن الأهم هو النقطة التي حاولت قصة الفيلم أن تثيرها، ألا وهي ـ من وجهة نظري ـ: ليست الروحانية حكرا على الأماكن المقدسة وعلى رجال الدين، وربما العكس تماما هو الصحيح!

فمغنية من لاس فيغاس، المدينة التي يُطلق عليها في أمريكا

The sin city

 أي مدينة الخطيئة، استطاعت أن تمنح الكنيسة روحانيتها عندما قامت بتدريب الجوقة الغنائية فيها على أن تؤدي التراتيل الدينية على أنغام الـ

Rock and Roll Music

، وألزمت الرهبان والراهبات بالخروج إلى الحي الذي تقع فيه الكنيسة، وهو حي فقير يغص بالجرائم، والقيام بأعمال خيرية يعود نفعها لفقراء الحي.

لا يتمّ ترميم المجتمعات المتخلفة إلا بنفس الطريقة التي رممت بها تلك المغنية الكنيسة بعد أن اقفرت من روادها، وذلك عن طريق ترميم الفرد فيها.

هناك مثل أمريكي يقول: السلسلة ليست أقوى من أضعف حلقة فيها.

والمجتمع ـ أي مجتمع ـ ليس أقوى من أضعف فرد فيه!

عندما نقوم بعملية الترميم تلك يجب أن نأخذ بعين الإعتبار الروح والأنا عند الفرد، فالمجتمعات لا تتخلف عن ركب الحضارة إلا عندما تهمل أو تسيء إلى أحد هذين الجانبين أو إلى كليهما.

كم مغنية من لاس فيغاس على غرار المغنية في فيلم

Sister Act

، نحتاج لكي نرمم مجتمعاتنا الإسلامية، ونعيد إلى الفرد المسلم كيانه بشقيه الروح والأنا؟!!

لكي تخمّن العدد ما عليك إلا أن تقوم بجولة عبر المحطات الفضائية الإسلامية في العالم العربي!

سيواجهك عدد هائل من ديناصورات الدين المتوحشة التي شفطت كلّ أثر للروحانية عند الفرد المسلم، ناهيك عن ديناصورات السياسية التي اغتصبت “أناه” وسرقت رغيف خبزه!

يقول أفلاطون:

Music is a moral law. It gives soul to the universe, wings to the mind, flight to the imagination, and charm and gaiety to life and to everything.

“الموسيقا قانون أخلاقي، فهي تمنح روحا للكون وجناحا للعقل وتحلق بالخيال، كما وإنها تعطي السحر والبهجة لكل شيء في الحياة”

كتب إليّ مواطن سوري يحكي لي قصة ولعه بالموسيقى إلى حدّ الجنون، هو فقير ويعيش في قرية نائية لا يربطها بالحياة المعاصرة طريق!

تولد لديه حلم بأن يشتري بيانو، وهيمن ذلك الحلم على حياته حتى طغى على كل صغيرة وكبيرة فيها.

قرأ يوما إعلانا في صحيفة، وفيه تبحث عائلة سورية عن من يستطيع أن يتبرع بكليته لابنتها التي تعاني من فشل كلوي. وجد في الإعلان ضالته المنشودة، فاتصل على الفور بالعائلة وبدون مقدمات قال لها: كل ما أحتاج إليه ستون ألف ليرة سورية، وهي ثمن البيانو الذي يحلم به.

تمت الصفقة وتبرع صاحبنا بالكلية مقابل مائتي ألف ليرة سورية ناولته إياها عائلة المريضة.

لم ينظر باكتراث إلى ما فاض عن ثمن البيانو، فأعطاه فورا لوالده.

اليوم هو حديث القرية وشغلها الشاغل، تمضغه الألسن كما تمضغ لقمة سائغة.

تبادلت قصته مع مجموعة من الأصدقاء، وتفاجئت بقسوة الآراء!

لم ير أحد في القصة الجانب الروحي الذي تعملق على حساب الـ “أنا” عند صاحبنا، بل على العكس قفز معظمهم إلى اتهامه بالجشع وبعضهم بالجنون!

هو لا يعرف كيف يعزف على البيانو، لكن مجرد اللعب بأزراره يمنحه نشوة تفوق كل خيال!

لا أحد يملك الحق أن يحكم عليه بالجشع، ولا أحد في الوقت نفسه يستطيع أن يحلل تلك العلاقة المعقدة التي تربطه بالموسيقا، لكنها بلا أدنى شك علاقة روحانية تحلق به في الفضاء اللامتناهي للكون الذي ينتمي إليه!

يحكى أن الرئيس الأمريكي ابراهام لينكون قد مشى مرّة أكثر من مائتي ميل ليستعير كتابا من مكتبة، هل يستطيع أحد أن يفسر الدوافع الخفية التي تجبر رجلا على أن يمشي أكثر من مائتي ميل ليستعير كتابا؟!

هل يستطيع أحد أن يفسر ولع ابرهام لينكون بذلك الكتاب؟!!

…………..

ابراهام لينكون مشى مائتي ميل، أما أنا فسأمشي إلى الصين لو أغراني أحد بكتاب أو بصحن تبولة!

من يلمّ بكتاباتي يعرف لماذا أقبل أن أمشي إلى الصين مقابل كتاب، أما الغالبية فلا تعرف لماذا أقبل أن أفعل ذلك مقابل صحن تبولة!

“ما اجتمع أثنان على صحن تبولة إلا وكانت لحظة صفاء بينهما”

أميرة سيدة سورية، مضى على وجودها في أمريكا أربعون عاما، ولكنها لم تغادر يوما حدود قريتها في محافظة طرطوس السورية.

عندما هاجرت حملت في حقائبها العشيرة بشحمها ولحمها، بعمروها وزيدها.

هي من شهود يهوه، وتمطرني دوما بمواعيظها.

تعرف نقطة ضعفي، فتتصل بي لتقول: لقد انتهيت لتوي من تحضير طبق تبولة!

فأسابق الريح….

الشهر الماضي كلفني صحن تبولتها في يوم واحد خمسمائة دولارا.

وصلتني مخالفة مرورية بالبريد ومعها صور لي وللسيارة التي كنت أقودها وقد التقطتهم الكاميرا المزروعة على عامود الشارع.

أثبتت الصور بأنني انحرفت إلى اليمين، والإشارة الضوئية حمراء، قبل أن أتوقف كليا.

كل ما أستحقه في حياتي نلته ولم أزل أناله باستثناء المخالفات المرورية، فلقد نلت منها عددا أقل بكثير مما أستحق، ومعظمها ارتكبته وأنا في طريقي إلى بيت أميرة!

لقد اقترن صحن التبولة في اللاوعي عندي بلحظات صفاء عشتها في وطن لا شيء فيه يبعث على الصفاء، ولذلك أحس بأنني مشدودة دوما لصحن التبولة لأنه يربطني روحانيا بتلك اللحظات.

ليست جويس أقل غرابة مني عندما يتعلق الأمر بتلك العلاقة اللغزيّة الغامضة التي تشدّها إلى كونها!

جويس امرأة أمريكية من أصول سورية، هاجر جدّاها إلى أمريكا في القرن الثامن عشر، ومنذ اللحظة التي غادرا بها الوطن انقطعت كل صلة لهما به.

هي على أبواب الثمانين من عمرها، لم تزر يوما سوريا ولا تعرف ـ كأي أمريكي ـ أين تقع على الخارطة.

تعرفت عليها في بداية حياتي في أمريكا ومازلنا صديقتين.

كلما أزورها، ويحدث ذلك عدّة مرات في الشهر، تركض باتجاه خزانة في بيتها وتلتقط صحنا من النحاس المحفور والمزركش يدويا، ثم تروي لي قصته.

سمعت القصة مئات المرات وحفظتها عن ظهر قلب: لقد أعطت والدة جدّ جويس الصحن لابنها ـ الذي هو جدّ جويس ـ قبل أن يغادر سوريا وقالت له إن احتجت إلى نقود بعه في أمريكا، فالأمريكان يحبون التحف المصنوعة يدويا!

كانت الغربة أرحم مما توقعت والدة الجد، فلم يضطر الجدّ أن يبيع الصحن وتدحرج وراثيا حتى وقع في حضن حفيدته جويس!

في كل مرّة، تروي لي جويس تاريخ الصحن بنفس الحماس الذي كانت عليه في المرّة الأولى، وبين العبارة والعبارة تكرّر: إنه صحن دمشقي!

لم تعد علاقة جويس بالصحن مجرد علاقة بين مالك وشيء مملوك، وإنما تعدّت ذلك المستوى لتصبح علاقة روحانية صرف.

الصحن لا يساوي في ذروة الغلاء أكثر من ثلاث دولارات، لكنه بالنسبة لها يجسّد تاريخا هي جزء منه وليست جزءا منه!

الإنسان مخلوق أناني وروحاني في وقت واحد، وهو ـ في وعيه وفي اللاوعي عنده ـ يسعى ليوازن بين “الأنا” عنده وبين روحه في محاولة لتحقيق سعادته!

يقول جبران خليل جبران:

“كان لي مولد ثاني حين ربط الحب بين روحي وجسدي فتزاوجا”

أليس ذلك الصحن الدمشقي هو الرابط الذي يوحد بين الأنا عند جويس وبين روحها؟!!

……………..

صديقتي أميرة تحبني جدا، ولأنها تحبني تريدني أن أدخل ملكوت يهوه، الإله الذي تؤمن به.

لكنها تصرّ بأنه لن يقبلني في ملكوته حتى اؤمن بأن اسمه يهوه.

وأردّ: لا يهمني أن يقبلني في ملكوته، بل يهمني أن تقبليني أنت في بيتك!

قلبك ـ يا أميرة ـ هو ملكوت الإله الذي اؤمن به، ويسعدني أن تفتحي لي ذلك الملكوت!

ثم أتابع: يسكن إلهي في صحن التبولة الذي يجمعني معك في لحظة صفاء، لكنه لا يختزل عظمته في اسم من الأسماء!

يسكن في كل كتاب أقرأه فيعزز أناي وينعش روحي…..

يسكن في صوت راخيل اليهودية وهي تطمئن عليّ بعد نوبة رشح طرحتني في الفراش…

يسكن في باقة الزنبق التي أهدتني إياها جارتي سوشما الهندوسية….

يسكن في سرّة بوذا البارزة والتي يقال أنها مقرّ حكمته….

يسكن في فنجان القهوة الذي أتشاطره مع صديقتي رباب وهي سيدة كويتية ملحدة، سبقتني أشواطا وهي تفرّ من الإسلام.

يسكن في كل رسالة يكتبها لي مسلم سابق، ويعترف من خلالها بأنني حررته من كابوس الإسلام…..

يسكن إلهي في كل شيء جميل، ومن لا يستطيع أن يتبين الجمال لا يستطيع أن يرى ذلك الإله….!

……………

Jacob Needleman

، مفكر أمريكي ومدرس لمادة الفلسفة والدين المقارن في جامعات سان فرانسيسكو.

في أكتوبر عام 1967 دخل محلا صغيرا لبيع التحف التذكارية في أحد الأحياء السياحية، فعثر في داخله على لوحة مكتوب عليها صلاة يهودية وأعجبته.

لم يكن ثمنها يتجاوز بضع دولارات، فكتب على الفور شيكا وناوله للبائع، لكن البائع أعاد إليه الشيك وأكد له بأنه لا يتعامل مع زبائنه إلا نقدا.

لم يعثر في جيبه على المبلغ، فثارت ثائرته وخاض مع البائع حربا ضروسا، خرج على أثرها خاوي اليدين يجر وراءه أذيال خيبته.

في الطريق إلى بيته، فكر مليا في أبعاد تلك الحادثة، وتوصل إلى قناعة جديدة حول أهمية المال في حياة الإنسان، عكس قناعته الأولية بأن الإنسان مخلوق روحاني صرف.

يقول في أعقاب تلك التجربة:

“فكر في علاقتك مع الطبيعة، مع الأفكار، مع المتعة، فكر بمفهومك للهوية الشخصية واحترام الذات، فكر أين تعيش، بالأشياء التي تحيط بك، فكر في رغبتك بمساعدة الآخرين، أو الدفاع عن قضية ما، فكر بما فعلت البارحة وبما تفعل اليوم وبما ستفعل غدا، سترى بأن المال يلعب دورا هاما في كل شيء في حياتنا”

نعم، الإنسان مؤهل عقليا لكي يعيد النظر في قناعاته وفقا لتجاربه، وسيخسر الكثير عندما يسمح لقناعة ما أن تقولبه، ثمّ تمنعه من أن يكتسب قناعات جديدة أكثر ملائمة للزمان والمكان اللذين يعيش فيهما.

………….

قال عابر سبيل لمزارع: يبدو أن الله يحب حقلك كثيرا، فهو يتعامل معه بطريقة رائعة للغاية!

فردّ المزارع: يجب أن ترى كيف يتعامل معه عندما لا أكون موجودا!

عزيزي المسلم: لا يوجد دين ولا نبي ولا كتاب يستطيع أن يعوّض عن غياب العقل، لقد تصحّر حقلك لأنك رفضت أن تستفيد من تجاربك، فتستبدل قناعاتك الدينية بقناعات أكثر عقلانية.

التجربة أكبر برهان، شرط أن تمتلك القدرة العقلية على قراءة تلك التجربة!

تواجد في حقلك ـ وبكلّ ملكاتك العقلية ـ كي تضمن بأن الله يتعامل مع ذلك الحقل بطريقة أفضل!

href=”http://www.facebook.com/pages/%D9%88%D9%81%D8%A7%D8%A1-%D8%B3%D9%84%D8%B7%D8%A7%D9%86-%D9%85%D9%81%D9%83%D8%B1-%D8%AD%D8%B1/346988445356028″> وفاء سلطان (مفكر حر)؟

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

سور بديل عن الأسد لحماية إسرائيل

كمال قبيسي

أكبر مؤشر على اقتراب سقوط النظام السوري هو القرار الذي اتخذته الحكومة الإسرائيلية قبل يومين ببناء سور على امتداد “حدودها” مع سوريا، أي خط الهدنة الفاصل بين الجزء الذي تسيطر عليه القوات الإسرائيلية والسورية من مرتفعات الجولان المحتل وطوله 90 كيلومتراً.

 الميجور آري شاليكار، المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، شرح أمس الأربعاء، قرار بناء السور الذي سيشمل كاميرات بجوار دشم وخنادق وتوابعها، بعبارة قال فيها إنه يأتي “تحسباً لحالة عدم استقرار محتملة عقب السقوط المتوقع للرئيس بشار الأسد”، في إشارة واضحة بأن النظام “الممانع والمقاوم” كان طوال عقود حارساً للمحتل وضامناً لأمنه، فكان يستغني عن بناء أي جدار أو سور يحميه ممن احتل أرضه، لذلك خيم الأمان على المنطقة إلى درجة اقترحوا معها في إحدى المرات منح النظام السوري وجيشه جائزة نوبل للسلام.

 أما الآن، فما رأي المدافعين عن النظام ورأسه، في سوريا وخارجها، بالسور وبالتبرير الذي ذكره المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي في معرض شرحه لأسباب بناء العائق الجديد، إن لم يكن هذا السور ضرورياً لأمن إسرائيل بعد سقوط الأسد ونظامه؟

لماذا لم تبن الدولة المحتلة للجولان السوري أي جدار أمني أو سور بينها وبين سوريا، وطوال 40 سنة، إلا الآن فقط؟ وحدها حجارة السور تحمل الجواب للمتشدقين عندنا في لبنان بشكل خاص بأن النظام جعل من سوريا “الدولة الوحيدة المقاومة في العالم العربي”، في حين أن نظامها كان الضمان الأمني الوحيد للمحتل، والممانع الوحيد فعلاً، لكنه الممانع لأي مقاوم.

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

لعنة الخليفة!

هاني نقشبندي

اتعجب من اؤلئك الذين استغربوا قرارات الرئيس المصري، وكيف انها تكرس الديكتاتورية المطلقة.

سبب عجبي هو ان الاخوان المسلمين، مع احترامي لنفوذهم المتعاظم، ليسوا سوى امتداد لأفكار سياسية اسلامية لم تؤمن يوما بالديموقراطية، لأنها لم تعرف الديموقراطية أبدا.

ليس الاخوان وحدهم، بل هو التاريخ الاسلامي الذي لم يعرف الديموقراطية يوما ناهيك عن حق الاختيار أو الانتخاب.

أدركت الحضارة اليونانية القديمة أهمية وجود برلمان يمثل الشعب، وعرفته روما، وسادت قوانين مكتوبة عرفتها بابل، وبقي الاسلام، وسط كل هذه الحضارات وحده الذي لم يعرف لا برلمان، ولا نواب، ولا أي قانون مكتبوب طوال تاريخه. إن قلت بذلك تصدى للأمر رجال دين يصرون على ان الاسلام هو من يمثل الناس بلا برلمان، وأن قانوننا المكتوب هو القرآن الكريم وحده، وهو كا ف. لا يا سادتي، هو غير كاف، لأن القرآن الكريم هو كلام الله وإعجازه وليس دستورا او قانونا ينظم حياة الناس بالسلطة، وإلا لفعل منذ الف واربعمائة عام.

التاريخ الاسلامي كان دوما صنيعة رجل واحد هو الخليفة. كيف اتى هذا الخليفة؟ من انتخبه، من اختاره؟ فقط بضع اشخاص من البطانة والخواص. أين هو قانون القرآن الكريم من هذا اذا؟

لم يعرف التاريخ الاسلامي انتخابا حرا لأحد من خلفائه او أمراء مؤمنيه. ولا سمعنا ان مجلس شورى كان له رأي يسبق رأي الخليفة او يخالفه. بل لم نسمع عن مجلس شورى او برلمان او حتى عن واحد من جلساء الخليفة يمثل الناس. فلماذا نغضب الآن مما يحدث في مصر؟

هل علينا ان ننتظر الف واربعمائة عام أخرى كي نتخلص من لعنة الخليفة؟

لم يتغير الفكر السياسي الاسلامي عن يومه الأول كثيرا. ما اختلف هو رقم اليوم وتاريخه، بدلة او عباءه مطرزه بدل العمامة والريشة على الرأس. لكن الفكر بقي ذاته، والذي يقول ان الخليفة هو اختيار السماء وحدها، فما قيمة رأي الشعب أمام من يعتقد أن الله اختاره؟

nakshabandih@yahoo.com

المصدر ايلاف

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

«آدم» الأمريكي والتفاحات الإيرانية!

فؤاد الهاشم:  الوطن الكويتية  

هذه مقالة قديمة مضى عليها اكثر من 25 عاما، لكنها تبدو وكأنها تتعلق بأمور حدثت في الشهر الماضي.

 أنت الآن تقود سيارتك باتجاه احدى محطات الوقود في أي مكان من الولايات المتحدة الامريكية، لن تجد ليترا واحدا ينهمر داخل الخزان الفارغ ان ظهر للبائع انك ستعطيه ورقة نقدية من فئة المائة دولار!.

محطات تزويد الوقود في امريكا من اكثر الاماكن تعرضا للسطو المسلح، وهم يسيرون على فلسفة ثابتة – كما شرحها لي احدهم – «اذا كان لدي – فراطه – في صندوقي، فأنا احتفظ بعشرين دولارا فقط واضع الباقي في خزانة حديدية بالداخل، ان تعرضت للسطو فسأفقد هذا القدر من المال، لكن ذهاب ورقة المائة دولار سيجلب لي الجنون»، ثم اضاف ضاحكا «وبالطبع لا استطيع ان استخدم المقص واجعلها ثلاثة اجزاء، فهذا سيحولها الى مجرد.. ورق تواليت»! ثم سألني: «هل سبق وان سمعت ان مليونيرا سمي كذلك لامتلاكه مليون قطعة ورقة. تواليت»؟

في العام الماضي، فاجأني مراسل محطة التلفزيون الامريكية «ان.بي.سي» في عمان بطلب اجراء حديث تلفزيوني للشبكة، وعندما سألته عن الموضوع قال: «كيف ترون المصداقية الامريكية الآن – بعد صفقة الاسلحة الشهيرة – في الخليج، باختصار اكثر.. هل تثقون بنا أم لا؟».

في واقع الحال، يمكن اعتبار ايران هي ورقة المائة دولار التي ترفض الولايات المتحدة – ومازالت – ان «تفرطها» مقابل سبع دول خليجية – بما فيها العراق – خاصة وان امريكا تنظر الينا على اعتبار اننا مجموعة من «محطات الوقود» المعرضة لـ«السطو المسلح»، قد تتحمل خسارة جزء من «الفكة» وضياع خمسة دولارات من هنا وعشرة من هناك، لكنها – لم ولن – ترضى بضياع الورقة النقدية الكبرى ايران التي تشكل «محفظة» المصالح الاستراتيجية لواشنطن في المنطقة!

لقد بدأ القمار في عام 1979، عندما «فكت» امريكا شاه ايران بمائة من فئة «الشاه الواحد» لانهما وجهان لعملة واحدة، ثم ابتدأت تضع واحداً تلو الاخر داخل ماكينة الحظ، بانتظار ساعة ظهور «التفاحات الثلاثة النضرة» ألم يقل «نيكيتا خروتشوف» ان «ايران تفاحة مهترئة متدلاة من شجرة مسوسة ننتظر سقوطها»؟

جعل الشاه «خردة»، لم يكن سوى عملية نقل المحفظة من جيب الى جيب، وكلاهما مثقوبان، «ماكينة الحرب» – هذه المرة لا الحظ – ابتلعت عددا من «الشاهات الجدد» في طهران في عمليتي تحرير الفاو والشلامجة، لكن الكف الامريكية مازالت تقبض بضع قطع اخرى ستواصل اللعب بها حتى آخر قطعة من فئة الشاه الواحد!

ان نجح هذا الرهان – والذي نخشى ان يكون حظ المبتدئين – فلن تجد المنطقة العربية بأسرها – لتجفيف عرقها ودمائها – سوى.. ورق التواليت!، هذا.. ان كان متوفرا!

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | 1 Comment

أنسنة العالم الإسلامي بالإعتراف بحق اللقطاء ومجهولي النسب بالمساواة والعدالة

أحلام اكرم 

كثيرا ما كنت أتساءل، كيف يؤكد فقهاء الدين على المساواة بينما هناك ما يقول بعدمها.. “وميّزنا بعضكم على بعض درجات “.. وفي خضم الحياة نسيت أو تناسيت الكثير من التناقضات الدينية، وأخذت بإيجابيت الديانات، لكي أريح نفسي وعقلي من هذه التساؤلات.. ولكن هذه التساؤلات عادت بقوة خاصة مع إشتعال فورات الغضب الشعبي الذي نراه ونقرؤه يوميا في الإعلام العربي، بصفة خاصة. والإعلام الغربي الذي لا زال يبحث عن جذور هذا الغضب وإلى ماذا سينتهي ومتى ؟.. أكثر ما لفت نظري خلال السنوات القليلة السابقة.. هو تزايد الفجوة الطبقية.. سواء المادية منها أو التعليمية. ولكن الأهم إتساع الفجوة الثقافية في كل المجتمعات العربية.. وبالرغم من أن كل إنتفاضات الشارع العربي، قامت على أكتاف الطبقة الكادحة.. والتي تقل في مستواها الثقافي كثيرا عن الطبقة الأخرى.. وهي الطبقة التي أنجحت تيارات الإسلام السياسي في الإنتخابات الأخيرة.. والتي وكما لقنها فقهاء الدين أن ترى في الدين حلا لكل المشاكل المجتمعية!!

ما أود أن أبينه هنا.. هو أن هذه الفجوة موجودة في كل مجتمعاتنا العربية.. وإن تفاوتت في حدتها.. وأنها إحدى حجرات العثرة التي تقف في طريق التطور الإنساني لشعوب المنطقة العربية.. وحجرة عثرة أكبر في طريق الديمقراطية التي يصر فقهاء الإسلام السياسي على ربطها بالأحكام القضائية الدينية.. ففي مصر، وفي ظاهرة تؤكد إنعدام العدالة الإجتماعية، في تزايد أعداد سكان العشوائيات، وتزايد أعداد اللقطاء بينهم.. تجلّى عمق الفجوة الثقافية بين الطبقتين..قبل سنوات.. في حادثة وقوف الدكتور والد هند الحناوي، إلى جانب حق حفيدته في نسبها لوالدها أحمد الفيشاوي. الذي أنكر نسبها إليه ورفضه.. ففي مجتمع تتعمّق فيه ثقافة رفض مجهولي النسب والهوية. فهم الدكتور والد هند، ما ستتعرض له حفيدته من إضطهاد مجتمعي مستقبلا. وأصر على إجراء فحص الحمض النووي لإثبات النسب.. في السعودية.. إستمرأت التغافل عن هذه التقسيمات الإجتماعية.. إلى أن قرأت قصة المرأة السعودية التي تقدم إخوتها إلى المحكمة بطلب طلاقها بعد 5 سنوات من الزواج.. وإنجاب طفلين لعدم كفاءة النسب.. وكانت صدمتي الأكبر حين قضت المحكمة بهذا الطلاق.. مما إضطرهما للهرب إلى جدة.. حيث ’قبض عليهما… ولكن المرأة رفضت الخروج من السجن فيما بعد، خوفا من إخوتها. والذين بناء على قرار المحكمة، أصروا على تزويجها ممن يرونه أكثر كفؤا لها.. بعدها قرأت قصة العباسة أخت هارون الرشيد للكاتب جورجي زيدان.. والتي قتلها أخوها مع زوجها وطفليها.. بعد تزويجها من الموالي جعفر البرمكي.. لأنها لم تترك الزواج حبرا على ورق كما إشترط أخوها، وأتمته وأنجبت طفلين بدون علمه.. وبناء على عدم كفاءة النسب حيث انها هاشمية قريشيه بينما هو من الموالي… مما اعاد إلى ذاكرتي، قصة سلمان الفارسي الذي لم تشفع له مقولة النبي.. “سلمان منا اهل البيت “.. وإصرار عمر بن الخطاب على رفض تزويجة من إبنته لأنه من أصل أعجمي ؟؟؟ بما يتناقض مع ” لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى “.

ثم مقالة أرجوان سليمان في مايو 2010 تحت عنوان “” تزايد لقطاء ومغتصبات السعودية يفتح المطالبة باعتماد ال دي أن إيه قضائيا”” وذلك بعد الحكم على فتاة حملت من مغتصبها..ورفض المستشفى إجهاضها، بالجلد 100 جلدة بعد الوضع بتهمة الزنا ومحاولة إجهاض الجنين؟؟؟

ما دعاني لإستجلاب هذه القصص، وكلها تتشارك في تساؤل واحد عن العدالة المفقودة.. ما قرأته للتو، عن قصة طلب العديد من مجهولي النسب في الأردن، اللجوء إلى الدول الغربية هربا من واقع الإذلال الذي يواجهونه فيها! وهو ما كتبت عنه سابقا في مقالتي معاناة أيتام الأردن في 26 يوليو من هذا العام

.. والتي كتب أحد المعلقين حينها، إهتمام الملك عبد الله وإيعازة لأخذ الإجراءات الضرورية لرفع الظلم عنهم ؟؟؟ و’افاجأ الآن وبعد ستة أشهر فقط على إستمرار معاناتهم.. وتنكّر ” وزارة التنمية الإجتماعيه لوعودها، والمتمثلة بتأمين وظائف لجميع الأيتام وسكن للإناث بالإضافة إلى إعطائهم الجنسية الأردنية دون تمييز بالرقم الوطني الخاص بهذه الفئة من المجتمع “. المشكلة أكبر من مجرد الحصول على رقم وطني سواء في المملكة الأردنية أم المملكة السعودية أم مصر. وبقية الدول العربية.. المشكلة الأولى تتركز في عزلهم كلقطاء منذ نعومة أظافرهم عن المجتمع من حولهم.. لأنهم وبدون أي ذنب مجهولي النسب أي مجهولي هوية الأب،الذي لفظهم طوعيا بينما هو شريك في العملية الجنسية.. ثم الإصرار على وضعهم في ملاجىء ومدارس خاصة يفتقر القائمين عليها لأبسط قواعد الإحساس الإنساني كما ظهر جليا في برنامج ال بي بي سي العربية قبل أشهر معدودة.. وهو الوضع المعمول به في كل الدول العربية.. المشكلة الثانية وهي الأكبر، هي الثقافة المجتمعية المعمول بها في كل هذه المجتمعات برغم تظاهرها بالتقوى والتديّن.. وإصرارها على البحث عن الأصل والنسب في علاقتها بكل المحيطين حولها.. ’ترى كم من أب وأم، يوافقان على زواج إبنهم من فتاة لا تتساوى معه في النسب والمكانة الإجتماعية؟؟؟ كم من فتاة تتعرض للإغتصاب في مجتمعاتنا..ويرفض مغتصبها الزواج بها ؟؟؟.. ثم كم من عائلة تعطي لطفل مجهول إسمها ولقبها لتمحو عنه العار الذي يلحقه المجتمع بمجهولي النسب تحت مبرر أن “” لا تبني في الإسلام “” ؟؟؟ 

وأتساؤل هنا أية عدالة هذه التي تجلد إمرأة حامل.. أو تزوّجها من مغتصبها كما يحدث في المغرب والدول العربية الأخرى.. أي عدالة هذه التي لا تنظر لحال الطفل البرىء القادم إلى الدنيا وتحرمه من حقه أن يعيش بكرامة لأنه وكما يطلق عليه المجتمع لقب إبن زنا، وإبن حرام، ولا حق له في نسب. أي عدالة هذه التي تفرّق بين زوجين لعدم تكافؤ النسب. وأين المساواة ؟؟ في مجتمع ’يجرم المرأة في كل الأحوال.. فهل نستغرب حين نقرأ المقالة التي نشرت في إيلاف ي في 12 ديسمبر 2012، تحت عنوان ” المجمع الفقهي الاسلامي يحذر من بوادر الحاد ” وتشكيك في الدين.

بدون الدخول في صلب المفاهيم الدينية وتحليلها وترويج للإيجابي منها.. بدون العودة إلى أنسنتها ومقاربتها للعصر الذي نعيش فية.. بدون ترسيخ وتجذير المساواة الإنسانية بين الجميع..سيؤخذ فكر الإلحاد كوسيلة للهرب إلى الغرب… وسيبقى الباقي في مستنقعات الجهل والتخلّف..

ما طرحه المجمع الفقهي، الذي إنعقد في مكة، كحل للظاهرة في تعزيز مكانة القضاء الشرعي، وبناء على قضية تفريق الزوجين نظرا لعدم كفاءة النسب، أكبر مثال على قصور هذا القضاء على التطور، المرأة التي فضّلت السجن على أن تتزوج رجلا آخر غير زوجها، إختاره لها إخوتها.. الحكم القضائي بجلد المرأة على إعتبار انها زانية، لا ينتمي لأي إنسانية أو تعاطف مع إمرأة مغتصبة.. القضاء بأن تتزوج من مغتصبها في دولة إسلامية أخرى لا يقل إهدارا لكرامتها وإذلالها عن الحكم بجلدها..إعطاء لقطاء الأردن رقم وطني يميزهم ويبين أنهم مجهولو الأب. كله يؤكد بأن مجتمعاتنا مريضة وبحاجة ماسة لعلاج جذري لإعادة صوغ ثقافة الإنسان العربي، مستندا إلى الديمقراطية الحقة التي تعترف بحقوق المرأة وحقوق المواطنة والمساواة بين الجميع.. والإستناد إلى قضاء عادل يجذّر للعدالة الإجتماعية ولا يستند إلى تأويلات بشرية تأخذ من الدين أخلاقياته.. بحيث تعيد إنتاج هذه المجتمعات المريضه.. من المخجل أن نجد أنه كلما هبت عاصفة على شأن ما من شئون مجتمعاتنا..، عرّت العاصفة وفضحت عيوب ثقافتنا…

منظمة بصيرة للحقوق الإنسانية

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

سيمفونية القاشوش”الحرية”

سيمفونية القاشوش”الحرية”-مالك جندلي-
Malek Jandali Freedom Qashoush Symphony

Posted in English, الأدب والفن, ربيع سوريا, يوتيوب | Leave a comment

«ولاية المرشد»!

يوسف الديني: الشرق الاوسط اللندنية

 خلال العام الفائت جرت في ساقية واقعنا العربي مياه كثيرة، ورغم بقاء الحالة السورية دون الحسم؛ فإن كشف حساب العام المنصرم، يقودنا إلى الحدث الأكبر من وجهة نظري باعتباره نهاية المطاف والمحصّلة النهائية للثورات التي اختطفها الإسلام السياسي، هذا الحدث هو تأسيس لولاية فقيه سنية هي «ولاية المرشد»، وبغض النظر عن تفاصيل المشهد السياسي أو الحراك المجتمعي المنقسم على الواقع على خلفية انتماءاته الآيديولوجية أو على الأقل تعاطفه مع الإسلام السياسي باعتباره التيار المسيطر بالتحالف مع السلفيين على الشارع، فإن من المهم الخروج من تفاصيل معارك الوجود في الشارع العربي بين الإسلاميين وخصومهم والتي يتم فيها اللعب بالأرقام واستغلال الحشود إلى رحاب التحولات الكبرى ومنها المفاهيم التي استطاع «الإسلام السياسي» تمريرها داخل الجسد الإسلامي الذي يعيش نقلة نوعية على مستوى البنى الأساسية لأفكاره وفي مدى زمني قصير جدا إذا أخذنا في الاعتبار أن الأفكار والمفاهيم الكبرى تحتاج إلى عقود لترسيخها، وهذا ما يدل على أن إرهاصات ولاية الفقيه بدأت مبكرا حتى ما قبل زمن الثورات بوقت طويل.

 نقطة التمهيد لولاية الفقيه السنية أو ولاية المرشد لا يمكن تحديدها بدقة لكن الأكيد أن تأسيس المودودي وسيد قطب لاحقا لمفاهيم الحاكمية والمجتمع الجاهلي ودور الإسلام والحرب، وهي مصطلحات ومفاهيم فقهية قديمة، تم تفريغها من محتواها وحقنها بمعطيات سياسية جديدة مستمدة من واقع الصراع الذي ولد فيه الإسلام السياسي، والغريب إذا ما استثنينا الجماعات الإسلامية التقليدية كالتبليغ وأهل الدعوة فإن كل أطياف الإسلام السياسي بدءا من «الإخوان» ومرورا بالحركيّات المنبثقة منها وهي كثيرة ومتنوعة وصولا إلى أحزاب كالتحرير والخلافة وجماعات العنف المسلح، كلها ولدت في ظروف صراع وفي إطار ثقافة الأزمة مع السلطة الحاكمة، وهو ما يعني بشكل مباشر أن المفاهيم المؤسسة لها تحمل بذور التطرف الكامنة بحكم المناخ الذي أنتجت فيه. ويمكن لأي باحث متعمق في التراث وتاريخ الإسلام السياسي أن يلحظ الفوارق الضخمة بين المفاهيم ذات الألفاظ المشتركة؛ بل هناك فراغ كبير على مستوى مصادر التلقي لدى رموز هذه الجماعات وبين المصادر الأساسية بالغة الثراء لمسيرة الفكر الإسلامي، وهذا ما كنت ألحظه في جلسات كثيرة في أيام زمن الصحوة الذهبية من جهل كثير من قيادات ورموز الإسلام السياسي بالتراث رغم امتلائهم بتجارب سياسية معاصرة بسبب «المتحولون» وهم تيار انتقل من اليسار في أغلبه أو من القومية أو حتى من تجارب لادينية عاشها في الغرب إلى أحضان الإسلام السياسي، وبالتالي ساهم هذا التيار المتحول في ضخ مضامين سياسية ثورية لكن بألفاظ ومصطلحات تراثية حتى تتمكن الجماهير من هضمها بعد ابتلاعها.

 الفجوة بين الإسلام السياسي والتراث الفقهي والمدارس الفكرية العريقة هي جزء من غياب قامات فقهية كبيرة تدرك سعة الخلاف وتعدد المدارس والاتجاهات والآراء التي ساهمت في إثراء حتى القوانين الوضعية لكن هذه الفجوة تم التحايل عليها بخلق طبقة جديدة من الوظائف الدينية التي لم تكن معروفة من قبل وذلك بهدف ملء الفراغ وتحجيم دور الفقيه التقليدي وربما كانت ألقاب مثل الداعية والتربوي والمحتسب والراقي.. إلخ لا يمكن إيجاد جذور تاريخية لها قبل نشأة الإسلام السياسي.

 عودا لولاية المرشد المعادل الموضوعي السني لنسخة ولاية الفقيه الشيعية؛ فمن المهم إدراك أن المجتمعات العربية وتحديدا المجتمع المصري لم تكن مجتمعات علمانية بالمعنى الحقيقي لا على مستوى بنية التشريع ولا حتى الثقافة العامة التي يصدر عنها الأفراد، وظل العلماء الشرعيون منذ التصدّع والارتباك الذي أصاب مفهوم «ولي الأمر» في السياق السلفي مؤثرين إما بأداة النصيحة أو من خلال الإنكار والاحتساب على القرار السياسي.

 «ولاية المرشد» التي يؤسس لها «الإخوان» الآن في سابقة تاريخية تستخدم نفس السلاح ولكن بصيغة قانونية ودستورية عبر تكريس هيمنة جهة غير منتخبة ذات صفة دينية وهي الصلاحيات الكبرى التي أعطيت لهيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف الذي ما زال يقاوم ولا أعتقد أنه سيصمد طويلا أمام محاولات استلاب استقلاليته.

 هيئة العلماء التي منحت حق مراقبة وفحص وتثبيت القوانين وإلغائها هي بالضبط شكل وصلاحيات لمجلس مراقبة الدستور في التجربة الإيرانية التي تحيل كل القوانين التي تصدر من البرلمان إلى هذه اللجنة.

 ولاية المرشد تفتقد إلى رمزية تشبه سطوة وكاريزما «الخميني» في إيران وهو ما لا يستطيع المرشد القيام به لا شكلا ولا مضمونا، ومن هنا أعتقد أن شخصية كالقرضاوي أو أيا من الشخصيات الفقهية ذات الانتماء الإخواني ربما لعبت هذا الدور ولو بشكل رمزي كما يصنع القرضاوي الذي لوّح بسحب كل المساعدات القطرية في حال عدم التصويت بـ«نعم».

 ولاية المرشد لا تستطيع الصمود والحياة إلا بعوامل استراتيجية داخلية وخارجية، فهي تستند إلى استقلال سياسي لا تملكه الجماعة لأنها آتية هذه المرة بدعم خارجي أميركي وعربي وهذا الدعم كما نعلم مشروط عادة، وربما كانت أزمة غزة الأخيرة دليلا على ثقل الديون السياسية التي تدين بها الجماعة، كما أن المناخ الداخلي لا يمكن لـ«الإخوان» أن يشكلوا أغلبية فيه، وإن كانت الجماعة قادرة على الحشد للتظاهر حول شعارات عامة تدغدغ مشاعر المجتمع المصري المتدين بشكل عام.

 المجموعات المدنية هي أسوأ ما في المعادلة المصرية أو حتى العربية، فهي نخب معزولة عن الشارع غارقة حتى الثمالة في التنظير والحكي السياسي كما أنها مختنقة كما الإسلام السياسي بمجموعة من المسلمات النظرية والفكرية، وبالتالي لا يمكن لها في ضمن إمكاناتها الحالية تكوين بديل منافس يزاحم «الإسلام السياسي»، فضلا عن أن يتجاوزه.

 المعركة الحقيقية الآن على ساحات الإعلام، وهذا ما تنبه له «الإخوان» والمتعاطفون معهم، فباتوا ينتجون إعلاما مضادا لمحاولة التعمية على ما يجري في الواقع، وفي اعتقادي أن جزءا من التصدي للتحول إلى تجربة ولاية المرشد في نسختها المصرية التي لو نجحت ستكون قابلة للتصدير بسهولة بعد أن تم أخونتها أن يتم فك الارتباط بين «الإخوان» والإسلام السياسي وعموم التجربة الدينية بتجلياتها المختلفة. ومن هنا فإذا كان تسييس «الإخوان» والسلفيين جزءا من أخطاء المرحلة السابقة؛ فإن الوجه الآخر من المعادلة المستحيلة إيجاد بدائل «إسلامية» معتدلة تؤسس لمدنية إسلامية مسنودة بأفكار فقهية رصينة يمكن اقتباسها من التراث الثري جدا الذي نملكه. تخيل لو أن تيارا إسلاميا معتدلا تبنى أطروحات «علي عبد الرازق» في الإسلام وأصول الحكم وحوله إلى صيغة توافقية للقفز على «ولاية المرشد»، أليس هذا أجدى من البكاء على اللبن المسكوب.

Posted in ربيع سوريا, فكر حر | Leave a comment

الحرب التي ربحها الأسد

سمير عطا الله:  الشرق الاوسط اللندنية

لقد ربح الرئيس بشار الأسد جزءا من حرب المؤامرة الكونية عليه، والتي بدأت في درعا عام 2011.. فقد قال إن الأزمة سوف تمتد آثارها إلى المنطقة، وهذا واضح: تركيا ولبنان والأردن، غارقة في فيضان اللاجئين السوريين. وعلى الصعيد الكوني مجلس الأمن مشلول. وروسيا مصابة بما يعرف في علم النفس بانفصام الشخصية: لافروف ينفي في المساء ما قاله بوتين في الصباح. والصين أصيبت بـ«التوحد»: لا كلمة في الصباح ولا في المساء ولا بعد الظهر. وأميركا ملهية بتبديل الحرس في الخارجية.

الجزء الذي لم يربحه الأسد في الحرب هو مطار دمشق. ومدينة حلب. وأمان سوريا. ورغيف السوريين الذين انتخبوه وهو في الرابعة والثلاثين، مدنيا برتبة رئيس للجمهورية العربية السورية، وعسكريا برتبة فريق في الجيش العربي السوري.

 حتى الآن النظام باق لكن ماذا بقي من سوريا؟! ووحدة الجيش صامدة لكن قوته تخرج كل يوم خاسرة من امتحان جديد. ولم يعلن الاقتصاد السوري انهياره بعد لكن الدمار الذي حل بالبلاد هدم اقتصادها إلى عقود. وباستثناء حركة المواجهات العسكرية ومجازر الأفران، كل شيء آخر متوقف في سوريا.

 وصول الأخضر الإبراهيمي عن طريق بيروت، علامة سيئة. جرت العادة لسنوات طويلة أن يأتي الزوار إلى دمشق ثم يسمح لهم بالسفر إلى بيروت. نقل وزير الداخلية السوري للعلاج في بيروت علامة غير حسنة. هذا يعني أن بعض جهات الحرب الكونية في وضع متأزم.

 المؤتمر الصحافي الذي عقده وزير الإعلام السوري، كان علامة أخرى. عدد الصحافيين الحاضرين كان محليا جدا وكئيبا. والمؤتمر كان خطابيا لا إخباريا. وخيل إلى الناس بادئ الأمر أنه سوف يسهب في شرح مهمة الإبراهيمي، لكنه اكتفى بالقول إنه لا يدري عن زيارته، مع أن تلفزيون «المنار» كان قد أعلن موعد وصول الإبراهيمي قبل يوم. والافتراض المنطقي أن «المنار» علم بالموعد من دمشق لا من المبعوث الدولي. كان أداء المؤتمر – وليس الوزير – معاكسا للهدف منه. بدأ النظام يربح معركة روسيا بينما المهم معركة دمشق. ويكرر رفض الضغوط الخارجية مع أن المسألة الكبرى صارت حول المطار. وحرص على استقبال الإبراهيمي بقصف طابور الخبز في حلب، وكأنه يريد تبديد المهمة قبل بدئها. كل شيء بدا قديما في دمشق، كأنما درعا لم تكن: الخطاب السياسي والأداء السياسي والمظاهر «البايتة». لكن سوريا كانت تبدو من الخارج بعيدة جدا عن الصور المتجمدة واللغة المستنسخة. كانت تبدو محزنة في كل شيء.

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

الحجاب الإسلامي بين الخليفة عمر بن الخطاب والولي الفقيه خامنئي

طلال عبدالله الخوري

تقول امهات الكتب الاسلامية أن خليفة المسلمين الراشد والصحابي الكبير عمر بن الخطاب (رض) كان يضرب النساء المحجبات من غير الحرائر, لان الحجاب هو مجرد علامة لكي يميز الفاسقون المرأة الحرة من الامة, اي كان هناك تمييز بين نساء المسلمين, والنساء من البلدان المفتوحة مثل بلاد فارس وبلاد الشام ومصر والمغرب,  ويخبرنا ابن كثير في تفسيره “كان فساق أهل المدينة يخرجون بالليل فإذا رأوا المرأة عليها جلبابا قالوا: هذه حرة فكفوا عنها وإذا رأوا المرأة ليس عليها جلباب قالوا: هذه أمة، فوثبوا عليها”،  وفي كتاب الدر المنثور الجزء السادس ص ٦٥٩ يقول:” كان نساء النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن إذا كان الليل خرجن يقضين حوائجهن وكان رجال يجلسون على الطريق للغزل فأنزل الله ( الآية) حتى تعرف الأمة من الحرة،”.

هذا ما كان عليه الحال ايام الخليقة عمر بن الخطاب (رض), اما الحال في هذه الايام عند الولي الفقيه الايراني خامنئي, فيتم دفع المال لغير ( الحرائر) (حسب الفقه الاسلامي طبعا) لكي يرتدين الحجاب الاسلامي…! فقد  كشف النائب الايراني مهدي موسوي نجاد في مقابلة مع مراسل موقع “سپاس” عن تلقي العاملات الروسيات “بدل حجاب” من السلطات الإيرانية معربا عن احتجاجه على عدم مراعاة الحجاب من قبلهن رغم دفع مبالغ مالية لهن مقابل ارتداء الحجاب, وأضاف موسوي نجاد أن دفع “بدل الحجاب” للروسيات في بوشهر يعد تحقيرا للشعب والحكم والسلطة في إيران”.

مما سبق نستنتج بأن الحجاب كان مجرد علامة, لتمييز المرأة المسموح اغتصابها من المرأة الغير مسموح اغتصابها حسب الفقه الاسلامي, لذلك يجب ان لا يدفع الولي الفقيه اي مال للروسيات من اجل ان يرتدين الحجاب, والاكثر من هذا يجب ان يمنع أي مسلمة من ارتداء الحجاب وذلك للأسباب التالية:

أولا: لم تعد النساء تخرج للعراء ليلا من اجل التغوط, وذلك لوجود الحمامات في كل منزل, أما التغوط في العراء فكان مقتصرا على نساء الصحراء من البدو لانهم لم يعرفوا الصرف الصحي والحممات, اما الشعوب الاخرى من الفرس والسريان والقبط وبلاد المغرب فكان لديهم حضارة متطورة وكان لديهم صرف صحي وحمامات.

ثانياً: نحن نعيش بعصر حقوق الانسان العالمية والتي تساوي بين جميع النساء, و تمنع اغتصاب اي امرأة,  ولم نعد نعيش بعصر الفقه الاسلامي والذي يميز بين النساء ويقسمهن الى نساء مسموح اغتصابهن ونساء غير مسموح اغتاصبهن؟ واذا قامت اي دولة اسلامية بالتمييز بين النساء على هذا النحو الغير حضاري, سيقوم العالم المتحضر بإدانة هذه الدولة الاسلامية, وربما يتم احتلال البلد الذي يقع به مثل هذا التمييز من اجل تحرير النساء ورد الكرامة لهن. 

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

مولد المسيح رسول السلام

صباح ابراهيم 

المجد لله في العلى وعلى الارض السلام وبين الناس المسرة .

في مثل هذا اليوم وقبل 2012 سنة مضت نزل جند السماء وملائكة الله ينشدون في سماء بيت لحم هذا النشيد السماوي الجميل يمجدون الله و يبشرون بولادة رسول السلام ويطلبون المسرة لبني البشر ، لقد ولد اعظم انسان انجبته اطهر فتاة عذراء بمعجزة ربانية كان قد تنبأ بولادته الانبياء قبل اكثر من الف وخمسمائة سنة .

في مثل هذا اليوم ولد يسوع المسيح كلمة الله وروحه القدوس ليجسد كلمة الله ويظهر كأبن الانسان بين البشر لينقل رسالة الله اليهم ويدعو لنشر المحبة والسلام والدعوة الى الايمان بالله والى حياة القداسة والطهر ، وينبذ الحروب والفرقة والبغضاء . جاء فقيرا معدما ، ولد في اسطبل للحيوانات لعدم امتلاكه منزلا دلالة على الفقر والتواضع وهو الغني ، كان حكيما مفوها منذ طفولته وهو لم يدخل مدرسة في حياته ، عاش من كده وتعبه كنجار من مهنة تعلمها من مربيه يوسف النجار ، كان يعلم ويناقش في امور الدين والعقيدة كبار احبار وكهنة اليهود وهو صبي.

علّم الناس ان يحبوا ليس اصدقائهم واقربائهم فحسب بل حتى اعدائهم ويباركوا لاعنيهم ويصلوا لاجل المسيئين اليهم ..

جاء طبيا للمرضى ليشفيهم وليس للاصحاء الذين لا يحتاجون الى طبيب ، غفر خطايا الخطاة ، اقام الموتى فكان هو المحي والشافي والمتواضع والغافر ورسول السلام والمحبة .

جال في الارض يصنع خيرا وينشر السلام بين الناس ، طالب ان لا نعبد المال بل الله ، لأن المال اساس كل شرور.منعنا من ان ننظر بشهوة دنيئة الى المراءة بل بعفة وطهارة ، ان نقدس الحياة الزوجية وان لا نطلق النساء لأمور تافهة بل لأمر جلل فقط كالزنا لأن الزواج رباط مقدس فما جمعه الله لا يفرقه انسان . علمنا التواضع وان لانتصدر المجالس وان نصلي في مخادعنا في الخفاء من دون رياء وتظاهر بالورع والتقوى ، وان لا نبدو للناس عابسي الوجوه لكوننا صائمين ، بل ان ندهن رأسنا ونبدو فرحين امام الناس . علمنا الصلاة الربانية الى الله قائلين : “ابانا الذي في السماوات ليتقدس اسمك ، ليكن ملكوتك كما في السماء كذلك على الارض، اعطنا خبزنا كفاف يومنا ، واغفر لنا خطايانا كما نغفر لمن اساء الينا ، ولاتدخلنا في تجارب الشيطان” . هذه هي رسالة المخلص الذي جاء لافتداء البشر وانقاذهم من جهنم ان هم اتبعوا الله وآمنوا برسالة السيد المسيح وتعاليمه لأنه كلمة الله المتجسد على الارض .

ولكن البشر وللاسف يتبعون غواية الشيطان وابليس وينسون الله وتعاليم القداسة ، ففي كل العصور يعصى الانسان الله ويميل لعمل الشر ، فيكون الشيطان هو قدوته في حياته فالطمع والقتل والزنا والاجرام وحب السلطة والتكبر وحب جمع المال وشهوات الحياة هي الاله الذي يعبده الكثير من الناس، فنرى التناحر والتقاتل بين الشعب الواحد من اجل السلطة والجاه والحكم كما يحدث الان في العراق وسوريا ومصر ونشاهد الحروب في الصومال والسودان وافغانستان والمضاربة بالاموال والحروب الاقتصادية وانهيار اقتصاد الدول كما يحدث في اليونان واسبانيا والحديث الان عن الهاوية المالية في امريكا . كما تجتاح العالم تجارة المخدرات وانتشار البغاء والامية وجرائم التحرش الجنسي واغتصاب النساء والمثلية الجنسية .

هذه الخطايا والنجاسات هي التي جاء من اجل محاربتها يسوع المسيح والانبياء ورسل الله السابقين ويحذروا البشر من الانجراف تحت سلطان ابليس كي لا تنتشر الشرور والجرائم ، لانها هي الطريق الذي يؤدي الى الهاوية والشقاء في الحياة والى نار جهنم في الابدية بعد الموت

لنحتفل بمولد رسول الحب والسلام يسوع المسيح ، الذي كان وسيكون النور الذي يهدي الظالين الى الخير و الحياة الابدية اذا آمنوا به وعملوا بتعاليمه ووصاياه ومشوا على خطاه.

ونقول مجددا المجد لله في العلى وعلى الارض السلام والرجاء الصالح لبني البشر .

وكل عام وكل البشرية بكل اعراقهم واديانهم والوانهم بخير ونتمنى ان يعم السلام والمحبة كل الارض . 

صباح ابراهيم    تواصل مع صباح ابراهيم فيسبوك

25/12/2012

Posted in الأدب والفن, فكر حر | Leave a comment