هل اختيار الرئيس الإيراني.. إلهي؟!

عطاء الله مهاجراني – الشرق الاوسط 

العقيد هو الشخصية الرئيسية في رواية تحمل الاسم نفسه، من تأليف الروائي الإيراني الشهير محمود دولت آبادي، الذي يعرب عن دهشته دائما بقوله «لا ينبغي أن أندهش. لقد عايشت موقفا غريبا لا ينبغي أن يدهشني أي شيء بعده». وقال خامنئي إن جميع من يتحدثون عن انتخابات «حرة» يستخدمون كلمات العدو ويتبعون استراتيجيته.

 لذا عندما قال أحمدي نجاد «سيكون الرئيس الإيراني مختارًا من الله»، لم أندهش لأن هذه الأمور باتت معتادة في إيران، فمثلا قال لآية الله جوادي آملي إنه شعر في الجمعية العامة للأمم المتحدة أثناء إلقائه خطابه بأن النور كان يحيط به، وأن انتباه قادة العالم الحاضرين كان مركزا عليه. ولم يندهش جوادي وقال «ما شاء الله» وابتسم.

 إضافة إلى ذلك، أكد آية الله هاشمي رفسنجاني، رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام، مرة أخرى أن الانتخابات الرئاسية ستكون حرة ونزيهة. وكانت كلماته مهمة وجاءت في الوقت المناسب.

 وفي الوقت الذي يشير فيه رفسنجاني إلى أن الانتخابات تسير في طريقها المعتاد ولا يوجد أي جدل بشأنها، لا يبدو آية الله خامنئي سعيدا بتصريحاته، وسارع بالرد عليه. وقال خامنئي إن جميع من يتحدثون عن انتخابات «حرة» يستخدمون كلمات العدو ويتبعون استراتيجيته.

 كان هذا بمثابة الضوء الأخضر لكل مؤيديه بالهجوم على هاشمي رفسنجاني والقول إنه أداة في يد الأعداء الذين ضللوه وخدعوه مثل الزبير بن العوام وغيره. ونشهد هذه الأيام بعض الأحداث أو التصريحات التي تثير الدهشة، لكن كما جاء في رواية «العقيد» تعلمنا ألا نندهش من أي شيء.

 وحتى أكون أمينا، لقد أدهشني تصريح أحمدي نجاد. لماذا زعم أن الرئيس سيكون مختارا من الله؟ أعتقد أن هناك عددا من الأسباب التي دفعته إلى القول بمثل هذا الزعم غير المعقول.

 أولا، بحسب نظرية ولاية الفقيه، يعتقد بعض علماء الشيعة، بمن فيهم آية الله الخميني، زعيم الثورة الإيرانية وواضع النظرية، أن ولاية الفقيه مثل النبي أو الإمام.

 بمعنى آخر، إنهم يعتقدون أن الله هو من يختار الحاكم. وقال أول رئيس لمجلس خبراء القيادة، آية الله مشكيني «الزعيم، الولي الفقيه، مختار من الله ونحن الخبراء سنجده ونكتشفه. نحن لا نعين الولي الفقيه، بل مهمتنا الأساسية هي العثور عليه». واستنادا إلى هذا التفسير، قيل إن علينا طاعة الولي الفقيه من دون أي شكوك ولا حتى في قلوبنا وعقولنا. إنهم يعتقدون أن علينا أن نثق في الولي الفقيه لأنه على الطريق المستقيم؛ طريق النبي والله. ويشير مؤيدو هذه الفكرة أحيانا إلى الآية القرآنية التالية لتدعيم وجهة نظرهم: «ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفسهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا» (النساء 65).

 ثانيا، عندما بدأ البرلمان في دورته السابعة، قال آية الله مشكيني، رئيس مجلس خبراء القيادة، إن كل أعضاء البرلمان لا بد أن يحظوا بموافقة إمام الزمان. وقال إن الإمام المهدي يلقي نظرة على أسماء أعضاء البرلمان ويدعمهم جميعا.

 وكما تعرفون، طبقا لنظرية الإمامة عند الشيعة، لا يزال الإمام المهدي على قيد الحياة لكنه مختبئ.

 ثالثا، بعد انتخاب أحمدي نجاد رئيسا للمرة الأولى، قال آية الله مصباح يزدي، الذي كان أستاذ أحمدي نجاد في تلك الأيام، إن هذه الحكومة هي حكومة الإمام المهدي، وإن أحدهم رأى في منامه أنه يقابل الإمام المهدي، ونصحه الإمام بالتصويت لأحمدي نجاد. الآن هو الوقت المناسب لاستخدام أحمدي نجاد هذه القاعدة الذهبية.

 إذا كان الله هو الذي يختار الولي الفقيه، يتم اختيار الرئيس بالطريقة نفسها. مع ذلك تغير المناخ السياسي في إيران تماما، ومن الصعب جدا العثور على شخص بين المحافظين لا يزال يدعم أحمدي نجاد.

 ويحاول الجميع إيجاد أعذار لتوضيح أنه لا يدعم أحمدي نجاد. على سبيل المثال، انتقد آية الله مصباح أحمدي نجاد بكلمات قاسية، وقال لتلاميذه المقربين «ينبغي أن تكونوا واعين هذه المرة ولا تسمحوا لشخص انتهازي كاذب بتضليلكم».

 ويواجه الجميع حاليا كذبا وخداعا جديدا في ظل زعم أحمدي نجاد أن الرئيس الجديد سيكون مختارا من الله. وما هذا إلا ثمرة شجرة فاسدة.

 للمفكر والفيلسوف والعالم الإيراني العظيم آية الله حائري يزدي كتاب شهير بعنوان «الحكمة والحكومة»، أورد فيه أدلة من الفلسفة والمنطق والقرآن على أن الآراء التي تقول بوجود أصل إلهي في نظام الحكم آراء غير معقولة ولا مقبولة.

 للأسف تم منع هذا الكتاب في إيران، وتم تدمير كل النسخ قبل تداوله. بمعنى آخر، عندما نزعم أن أصل ومصدر الحكم من الله، فمثل الوجه الآخر لهذه العملة يزعم الحاكم أنه مصطفى من الله.

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

الرقي الحضاري في الصياغة والأدب النبوي


Egyptian Cleric Rasmi ‘Ajlan: Sex with Pregnant Wife Enhances Future Child’s Intelligence

Posted in فكر حر, يوتيوب | 2 Comments

هل طبقت الشريعة الإسلامية في حياة المسلمين ماضيا وحاضرا؟

إجابة إسلاميي اليوم عن هذا السؤال فيها الكثير من الانتهازية والتحايل والخداع، حسبما ما يمليه الظرف والمناسبة. فهم في الأوساط التي يهيمنون عليها، ويغيب فيها التعبير الحر عن أي رأي معارض يواجههم بالحجة والبينة، يقولون إن الشريعة طبقت طوال تاريخ الإسلام الذي عرف ازدهارا لا نظير له بفضلها، كما عرف أنماط حكم فريدة من نوعها وهو ما يفسر حسب رأيهم ذلك التوسع الهائل الذي عرفته الدولة الإسلامية. هذا الموقف يشاركهم فيه رجال الدين التقليديون أيضا. أما في الأوساط المثقفة العالمة التي تسود فيها حرية التعبير مثلما أتاحه عالم الأنترنت اليوم، عندما يحصرون ضمن حدود حوار علمي مع مثقفين لهم دراية كافية بتاريخ الحكم الإسلامي وحقيقة (الفتوحات) التي كانت في الواقع غزوا واحتلالا لا يختلف عما كان سائدا في تلك العهود العبودية والإقطاعية بالإضافة إلى مواجهتهم بنماذج الحكم الإسلامي المعاصرة، في هذه الحال، ينفي الإسلاميون أن يكون هذا هو صميم الحكم الإسلامي، ويعتبرون ما آلت إليه الخلافة الإسلامية بعد فترة الخلافة (الراشدة) انحرافا عن صراط الإسلام المستقيم أي عن التطبيق الحقيقي للشريعة. بل يصل الأمر ببضعهم إلى محاولة التخلص من جانب هام من هذه الشريعة التي صاروا يخجلون من الدفاع عنه.

وهذا ما سأتناوله بالتحليل في مقال لاحق. في هذه المقالة سأحصر النقد والتحليل في حواري الافتراضي هذا مع الدكتور يوسف القرضاوي لجانب من هذه المسألة التي تناولها في فصل تحت عنون ((كيف تطبق الشريعة؟))، ردا على الدكتور فؤاد زكريا محاوره، الذي طرح السؤال نفسه، ص 148، في كتابه ((الإسلام والعلمانية، وجها لوجه)):

http://www.scribd.com/doc/28242163

رأي فؤاد زكريا كما أورده القرضاوي، يلخصه قوله : ((يدور جدل كثير في هذه الأيام حول تطبيق الشريعة، فهل يكفي لكي يقال إن الشريعة أصبحت مطبقة، أن نفرض الحدود، أي أن نطبق حد السرقة، فنقطع يد السارق، وحد الخمر فنجلد السكير، وحد الزنا فنرجم مرتكب الخطيئة؟! إن الكثيرين من العقلاء، في صميم الحركة الإسلامية ذاتها، يؤكدون أن تطبيق الشريعة أوسع مدى بكثير من موضوع الحدود. فالعقوبات ليست إلا الوجه السلبي للشريعة، إنها هي الجزاء، الذي ينبغي أن يناله الآثم والعاصي، ولكن هل معنى ذلك أن الناس الأسوياء، الذين لا يسرقون، ولا يسكرون، ولا يزنون ـ وأنا أفترض أن هؤلاء هم الأغلبية ـ لن تمسهم الشريعة، ولن تنظم حياتهم؟! لا جدال في أن الشريعة ينبغي أن تطبق على الجوانب الإيجابية من حياة الناس، لا على الجوانب السلبية أو غير السوية فحسب، ومن هنا فإن تطبيق الشريعة، لابد أن يكون أوسع نطاقا من فرض الحدود والعقوبات)). انتهى.

قبل عرض نقد القرضاوي ونقدي لنقده لا بد من الإشارة هنا إلى اضطرار فؤاد زكريا هنا لتقديم تنازلات للإسلاميين بغير وجه حق في مواقف كثيرة مثل قوله واصفا مواقف الإسلاميين: ((ولقد أدرك الكثيرون هذه الحقيقة، فطالبوا بألا تقتصر الجهود على تطبيق الحدود وحدها، وسايرهم في ذلك كثير من المطالبين بالتطبيق العاجل للشريعة، حتى يتخلصوا من الاعتراض الصحيح القائل: إن الشريعة أوسع وأكثر إيجابية بكثير من تطبيق الحدود)). انتهى.

فأي اعتراض صحيح هذا؟ وهل ((إن الشريعة أوسع وأكثر إيجابية بكثير من تطبيق الحدود))؟ إن الفيلسوف قد أصاب كبد الحقيقة عندما تساءل: ماذا تقدم هذه الشريعة للناس الأسوياء؟ لكن لم يكن بوسعه أن يجيب: لا شيء إيجابيا، حسب رأيي، ولهذا لجأ إلى التحايل والمداراة، حسب رأيي أيضا، بسبب غياب أدنى شروط الحوار الحر في بيئاتنا البائسة.

لا شيء إيجابيا، هذا بالنسبة للمسلمين الأسوياء، أو بالأحرى للمستسلمين للأمر الواقع، ربما يمكن أن يستفيد منها الرجال على حساب النساء، خاصة في هذا العصر الذي بدؤوا يفقدون فيه هيمنتهم التقليدية على الأسرة، أما لغير المسلمين فتطبيقها ولو في أدنى حدودها يعني تجريدهم من مواطنتهم مثل من يعتبرهم الإسلام ذميين وحتى من أهليتهم وكرامتهم مثل النساء ومثل الأقليات الدينية الإسلامية التي تعيش بين أغلبية سنية أو شيعية مثلا. أما غيرهم فليس لهم في دنيا هذه الشريعة إلا التكفير والترهيب والاغتيال أو اختيار المنافي أو في أحسن الأحوال الركون إلى صمت القبور، إن لم يتحولوا إلى مداحين لها.

كذلك فإن تطبيق الشريعة بالنسبة لـ ((الناس الأسوياء، الذين لا يسرقون، ولا يسكرون، ولا يزنون ـ وأنا أفترض أن هؤلاء هم الأغلبية ـ لن تمسهم الشريعة، ولن تنظم حياتهم)) كما قال فؤاد زكريا، قد يتحقق به بعض الأمن مثلما تحققه الدول المستبدة والفاشية والنازية التي تلجأ إلى القمع الوحشي ضد المخالفين، وهو قمع سيكون أكثر قسوة مع المخالفين الأسوياء مقارنة بالمخالفين المجرمين، بل أنا أزعم، من خلال متابعتي لمأساة الجزائر، أن الحركة الإسلامية المتطرفة ضمت في صفوفها الكثير من عديمي الكفاءة والفاشلين والانتهازيين الذين تحول أحسنهم بقدرة قادر إلى برلمانيين دون أن يمارسوا السياسة في حياتهم وتحول أسوأهم إلى آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر ووعاظ وشرطة إسلامية تأمر وتنهي وتبطش لينتقموا بهذا الانتماء لماضيهم الفاشل أو الخائب أو التعيس، ولهذا عرف عنهم تجاوزات فضيعة في حق الناس بلغت حد سبي النساء تطبيقا للشريعة بعد أن حكموا على كل الناس بالجاهلية والكفر. تطبيق الشريعة يجرد الأسوياء الشرفاء من الكثير من حقوقهم كمواطنين بالمعنى العصري للكلمة. تجرد الناس من حرية التعبير إلا ضمن الحدود التي يسمح بها فهمهم للدين، تضطهد المفكرين والمبدعين الأذكياء والفلاسفة والمعارضين وهو اضطهاد لم تخل منه أية حقبة من حقب الإسلام.

ولا شيء إيجابيا على المستوى السياسي، لأن النظام السياسي الإسلامي لا ينص صراحة على حقوق الرعية في المواطنة الكاملة بما تعنيه من معارضة فاعلة والحق في اختيار الحاكم ومحاسبته والحق في التنظيم الحر بما يعرف اليوم بالمجتمع المدني. تاريخ الإسلام كله ملك عضوض وراثي حتى اليوم.

لا شيء على الصعيد الاجتماعي، فالإسلام أباح الرق وشرع لنظام أسري شبه عبودي حيث النساء والأبناء ملكية خاصة للرجل الأب (افعل يا أبتي ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين) حسب تسلسل مقيت لا زال رجال الدين يرددونه مع الحديث النبوي: ((كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته: الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته ، والرجل راعٍ في أهله وهو مسؤول عن رعيته ، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها ، والخادم راعٍ في مال سيده ومسؤول عن رعيته )). المسؤولية هنا يحاسب عليها المسؤول أمام الله حين يسأله يوم القيامة، هذا هو الفهم الوحيد المقبول دينيا. والخلفاء فهموا المسؤولية بهذه الصورة حتى أن عثمان بن عفان كان قد رفض الاستجابة لمطالبيه بالاستقالة قائلا (أما أن أخلع لهم أمرهم ، فما كنت لأخلع سربالاً سربلينه الله)، فهو يرى خلافته إرادة إلهية لا شأن للرعية فيها. ولهذا يتفق الفقهاء على أن البيعة مرة واحدة.

لا شيء على المستوى الاقتصادي، فمنذ فجر الإسلام اعتبر الخلفاء أنفسهم خلفاء الله في الأرض ومسئولين أمامه وليس أمام الناس ولا أمام أية هيئة شعبية ما، لا شيء حول كيفية وصول الحكام إلى الحكم. بيت المال يتصرف فيه الحاكم كيفما شاء، يعطي من يشاء ويمنع من يشاء. ومازال هذا الوضع ساري المفعول حتى أيامنا: فلا ميزانية واضحة محددة من حيث تكوينها وصرفها. نلاحظ هذا في بلدان الخليج العربية التي تطبق الشريعة الإسلامية وتتصرف في موارد البلاد بطرق تخلو من الوضوح والشفافية ومن آليات الإعداد والتبويب التي تخضع لها الميزانيات في الدولة العلمانية الديمقراطية، كما نلاحظ هذا، ولو بصورة أخف، في جمهورياتنا الوراثية التي تنص دساتيرها على أن الإسلام دين الدولة والشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع.

لهذا ففؤاد زكريا محق في توجيه هذه التهمة للمطالبين بتطبيق الشريعة.

لكني أرى مرة أخرى أنه يتنازل لهم عندما يقول: ((مع ذلك فإني أشك في أن يكون هذا هو موقفهم الحقيقي، وأعتقد أن جهدهم الفعلي يتركز في تطبيق الحدود وحدها، ذلك، أولا، لأن التطبيق الشامل يحتاج إلى وقت طويل وتدرج شديد)).

وهو موقف يزيد من حدة الأوهام والبلبلة في عقول الناس. ماذا في هذه الشريعة حتى يقول بأن ((التطبيق الشامل يحتاج إلى وقت طويل وتدرج شديد)) بعد أربعة شعر قرنا من التطبيق الناجح؟ هذا قد ينطبق على أفكار مثالية غاية في العدل والمساواة وتتطلب فعلا وقتا طويلا وتدرجا شديدا لإعادة الناس إلى الوضع السوي مثلما يحتاج الخارج من نفق مظلم إلى النور، إلى وقت كاف، حتى يتكيفوا مع الوضع الجديد؟

هذا التنازل استغله القرضاوي فكتب: ((ولا أريد أن أطيل التعقيب على الكاتب ـ هنا، بعد أن اعترف هو بوجود مدرسة تؤمن بالتدرج الحكيم في تطبيق الشريعة، كما اعترف بأن كثيرا من المطالبين بالتطبيق العاجل للشريعة وافقوا الآخرين في أن الحدود، ليست هي كل الشريعة. (وهذا ما أعلنه التحالف الإسلامي صراحة في برنامجه الانتخابي الأخير: إبريل 1987م).)).

ثم يقول: ((يدلل الكاتب على أن الدعوة السائدة في هذه الأيام، لا يهمها من جوانب الشريعة إلا تطبيق الحدود وحدها، بأن أقطابها صفقوا ـ بكل حماسة ـ للنميري حينما أصدر قوانينه الشهيرة بإقامة الحدود في السودان، وهو يبدئ ويعيد، ويلح ويكرر في هذه القضية، بعد سقوط نميري، وإخفاق تجربته. كان الإنصاف يقتضيه أن يقول: إن هناك كثيرين تحفظوا في تأييد نميري، ومنهم كاتب هذه السطور، الذي قال في الخرطوم ـ بصراحة ـ كما نقلت ذلك مجلة “الأمة” القطرية في حينها: إن الإسلام ليس كله قوانين، والقوانين ليست كلها حدودا، والقوانين وحدها لا تصنع المجتمع!)).

فهل تحفظ القرضاوي فعلا في تأييد نميري كما زعم؟ شخصيا بحثت في أرشيف القرضاوي فوجدت القليل مما يدعم زعمه لكني وجدت الكثير مما يكذب، ولهذا أرجو من القارئ أن يتحلى بمزيد من الصبر ليقرأ ما كتب القرضاوي وغيره من كبار الشيوخ يومئذ:

نقرأ له في موقعه:

http://www.qaradawi.net/site/topics/printArticle.asp?cu_no=2&item_no=6798&version=1&template_id=217&parent_id=189

((في 1984م دعيت إلى السفر إلى الخرطوم للمشاركة في المسيرة المليونية التي دعا إليها الرئيس السوداني جعفر نميري، وشارك فيها، بقوة، الإسلاميون، وكل فئات الشعب، وحضر عدد كبير من العلماء من بلاد عربية وإسلامية شتى، أذكر منهم: شيخنا الشيخ محمد الغزالي، وأخانا الداعية الكبير الشيخ صلاح أبو إسماعيل، وكثيرون من علماء العالم الإسلامي لم أعد أذكرهم. وكان النميري في أواخر عهده قد اختار طريق الشريعة الإسلامية، حين رأى أن هذا الطريق هو الذي يحل المشكلات من جذورها، ويقطع الجريمة من دابرها، ويؤسس لتكافل اجتماعي حقيقي بين فئات الشعب، ويدعم مسيرة الطهر والاستقامة في المجتمع، ويقاوم الانحراف والرذيلة فيه، ولاسيما بين القادة والمسؤولين. ثم إن هذا هو (حكم الله) الذي أمر به عباده، وليس (حكم الجاهلية) المستورد، من الغرب أو الشرق، وقد قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍيُوقِنُونَ} [المائدة:50]. وفي الحقيقة كان يوما حافلا، ويوما رائعا، ويوما من أيام الله، وكان كثير من المدعوين – وأنا منهم – تغرورق عينه بالدموع، كلما رأى هذه المناظر الشعبية التلقائية، المؤيدة لشرع الله، وأحكام الله. وكان أخونا الشيخ صلاح أبو إسماعيل يقول في حرقة وحرارة: متى أرى مثل هذه المسيرة في القاهرة؟ أسأل الله ألا يميتنا حتى يقر أعيننا برؤية مثل هذه المسيرة. ولكنه انتقل إلى رحمة الله قبل أن يرى هذه المسيرة. والحقيقة أن المسيرة في القاهرة موجودة وكامنة، ولا تحتاج إلا إلى الحرية، لتنطلق بأضعاف مسيرة الخرطوم. إن المشكلة هي مشكلة الحرية؛ ولهذا ناديت مرارا: يجب أن ننادي بتحقيق الحرية، قبل أن ننادي بتطبيق الشريعة الإسلامية. علام تدل هذه المسيرة؟ إنها تدل على أن شعوبنا مع الشريعة. فما السودان إلا نموذج لسائر الشعوب العربية والإسلامية، فلماذا لا تستجيب حكوماتنا لشعوبنا لتحقيق إرادتها وطموحاتها؟ أليست هذه هي حقيقة الديمقراطية: النزول على رأي الشعب، وإرادة الشعب؟ ولقد سألني بعض الصحفيين في الخرطوم عن رأيي في هذه المسيرة ودلالتها؟ وهل أنت مؤيد لها؟

وقلت في إجابتي: لو لم أكن مؤيدا لها ما جئت من الدوحة إلى الخرطوم، وهل يتصور أن أكون إلا مع الشريعة، ويجيب فيقول: ((إني مع الشريعة لأمرين: الأول: أنها إرادة الله والثاني: أنها إرادة الشعب. كل ما لي من تعليق هنا هو: ما المراد بـ (الشريعة)؟ للأسف أكثر الناس يفهمون من الشريعة: تطبيق العقوبات والحدود الإسلامية، وهذا جزء من الشريعة، وليس كل الشريعة، ولهذا نزلت أحكامها في أواخر العهد النبوي، وفي أواخر ما نزل من القرآن في سورة المائدة. إن الشريعة تعني: العبادات والمعاملات والقيم والأخلاق والآداب، وليس مجرد الجانب القانوني، وخصوصا الجزء الجزائي والعقابي فيه. على أن القوانين وحدها لا تصنع المجتمعات، ولكن تصنعها التربية والثقافة والتوجيه، وهي التي تنشئ العقول المستنيرة والضمائر الحية، والإرادات الحافزة إلى الخير، الرادعة عن الشر. وأود أن أقول: إن مسيرة الشريعة في عهد النميري، لم يقدر لها أن تستمر في خطها الصحيح؛ لأن التصور للشريعة لم يكن واضحا تمام الوضوح للسلطة التنفيذية، (إذن فقد كنت مخدوعا يا مولانا وأنت العالم، فماذا نقول عن تلك الدهماء التي جانت تجوب الشوارع مطالبة بنطبيق الشرية وتؤيدها أنت) فظنت أنها بمجرد الجلد والقطع والقتل، تنفذ الشريعة حقا. وليس هذا هو كل شيء، فقبل أن تقطع يد السارق، لا بد أن نوفر الخبز للجائع، والعمل للعاطل، والسكن للمشرد، والكفالة لليتيم، والرعاية للمحتاج، ونقيم التكافل الاجتماعي في الشعب. فقبل أن ينزل الله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ} [المائدة:38] أنزل قوله تعالى: {وَآتُواْ الزَّكَاةَ} [البقرة:43] {وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [فصلت:7،6] {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ} [آل عمران:180] {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ* فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [الماعون:3،2،1]. لابد إذن أن نكفل حاجات الناس، ونسد الثغرات في حياتهم، وأن نعلمهم ونكفيهم، ثم نطبق عليهم العقوبات التي شرعها الله.)) انتهى.

أهم ما لفت نظري في هذه العموميات قول القرضاوي: ((إن المشكلة هي مشكلة الحرية؛ ولهذا ناديت مرارا: يجب أن ننادي بتحقيق الحرية، قبل أن ننادي بتطبيق الشريعة الإسلامي)). ولم أتمكن من تبيان فهم القرضاوي للحرية. فهل نظام النميري كان نظام حريات أم كان نظاما استبداديا انقلابيا؟ وبالتالي فقد شارك القرضاوي والغزالي وكل الإسلاميين في تأييد الاستبداد وقمع الحريات باسم الشريعة؟ أليس هذا كافيا لتجريدهم من أي مصداقية عندما يتحدثون للناس عن العدالة والمساواة والحرية التي جاء بها دينهم؟ ثم هل تكفي هذه الأقوال البسيطة لإدارة شؤون دولة عصرية. يجب أن نقولها بصراحة: ليس في الإسلام نظاما سياسيا قادرا على إدارة شؤون دولة حديثة، ووكان في أعز مجده قد أفضى إلى نماذج للحكم استبدادية لا يمكن الاعتداد بها اليوم.

القرضاوي يقدم هنا تبريرات واهية لفشل تلك التجربة عندما يقول: ((وكان من أخطاء التطبيق السوداني للشريعة: أن الدولة في عهد نميري، أفرجت عن المساجين الذين حكم عليهم القضاء السوداني في جرائم السرقة ونحوها، وهم ألوف مؤلفة، فلما أفرج عنهم دفعة واحدة، عادوا إلى مزاولة مهنتهم، وعاثوا في الأرض فسادا، ولم يصدقوا أن أيديهم ستقطع، فقطعت أيد كثيرة في زمن قصير، على غير المعهود في البلاد التي تطبق الشريعة كالسعودية.

وكأن الإفراج الجماعي والفوري عن هذه الأعداد الكبيرة التي تمرست بالإجرام، خطأ بينا، ولاسيما في أول عهد التطبيق الشرعي، إذ كانوا يحتاجون إلى أن يوضعوا تحت رعاية إسلامية فترة من الزمن، وألا يخرجوا إلا بعد أن يصلوا مرحلة معينة تظهر معها علامات التوبة عليهم، وأن تهيأ لهم أعمال مناسبة يزاولونها، وأن يؤخذ عليهم تعهّد بالاستقامة والبعد عن الرفقة المنحرفة، وأن يوضعوا تحت المراقبة فترة من الزمن، حتى نعينهم على أهواء أنفسهم. ولكن ذلك لم يحصل.)) انتهى

هل يعقل أن يؤدي إطلاق عدة آلاف من المساجين إلى إفشال تطبيق شريعة ربانية ادعى القرضاوي أن ملايين الناس كانت تؤيدها عن حرية وقناعة؟

ثم يقدم الشيخ تفسيرا غاية في التحايل والخداع: ((ومن ناحية أخرى، أثبتت التجربة: أن الإسلام لا يحسن تطبيقه بحق إلا الملتزمون به إيمانا وفكرا وسلوكا، وكما يقول الماركسيون: لا اشتراكية بغير اشتراكيين، نقول نحن: لا إسلام بغير إسلاميين!)). فهل اعترافه بأن الشريعة مطبقة في السعودية يعني أن بها حكما إسلاميا حسنا راشدا يجب أن يكون القدوة لنا؟

يقول هذا الكلام بدل أن يقول كلاما مسؤولا آخر كأن يعترف بأنه كان متواطئا أو، على الأقل، مخدوعا، مثله مثل تلك الحشود الغافلة التي جعلت عيني القرضاوي تغرورقان بالدموع، وأنه ساهم في توريط الناس في هذه الخديعة باسم الإسلام وتطبيق شريعته. لكنه بدل هذا راح ينتزع من تلك الملايين المطالبة بتطبيق الشريعة بحرية، كما زعم، الصفة الإسلامية. فمن هو الإسلامي الحقيقي إن لم يكن حسن الترابي والغزالي والقرضاوي وغيرهم وقد تولوا أعلى المسؤوليات في توجيه الحركة الإسلامية وحشد الدعم لكل الحكام المستبدين مثل نميري السودان وضياء الحق باكستان، الذين دفعوهم وأيدوهم في تطبيق شريعتهم؟

هذه نماذج من أقوال رؤوس الإسلاميين التي أيدت شريعة النميري:

الشيخ محمد الغزالى:

“تطبيق الشريعة الإسلامية فى السودان كان إلهاماً جليلاً من الله سبحانه وتعالى للمسئولين فى السودان وأنهم بهذا المسلك الجديد احترموا عقائدهم وشعائرهم وشرائعهم وربطوا حاضرهم بماضيهم وامتدوا مع تراثهم العظيم ووقفوا أمام الغزو الثقافي وقفة صلبة وأحبطوا محاولات استعمارية خبيثة كانت تريد أن تجهز على مستقبل الأمة الإسلامية فى هذه الأرض الطيبة وأعتقد أن السودان لا يهنأ بشيء كما يهنأ بهذه المرحلة النقية التي جعلته يتخلص من وباء الأحكام الوضعية .”

الشيخ عبد الحميد كشك:

“إن الحملة التي يتعرض لها الرئيس نميري الآن بسبب تطبيق الشريعة الإسلامية قد تعرض لها من قبله سيد الأنبياء والمرسلين وتعرض لها جميع دعاة الإصلاح -وقد عودتنا الحياة أن القافلة تسير مهما كانت الذئاب تعوي وهل يضير السحاب نبح الكلاب” .

الشيخ عبد اللطيف حمزة مفتى جمهورية مصر العربية يومئذ:

“إننا جميعاً فى مصر شعباً وحكومة نرحب كل الترحيب بتطبيق الشريعة الإسلامية في السودان الشقيق -ونحيي الزعيم المؤمن الرئيس جعفر نميري -إن تطبيق أحكام الدين في مصر البلد المسلم بلد الأزهر الشريف لهو خير وسيلة لنهضتها وازدهارها وإعادتها لمجدها ولكي ترفع رأسها عندما تنادي في العالم الإسلامي بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية” .

الدكتور يوسف القرضاوى :

“إن الرئيس السودانى يعمل على بناء الفرد الصالح والمجتمع الصالح .فهذا هو البناء الحقيقي وهو حجر الأساس في تجربة تطبيق الشريعة الإسلامية”.

هذه شهادات تدين الإسلاميين وغيرهم من رجال الدين الذين ساهموا دائما في تخدير الناس بالدين وتعبئتهم لتأييد الاستبداديين في كل زمان ومكان. فكيف يقول القرضاوي بأن “هناك كثيرين تحفظوا في تأييد نميري، ومنهم كاتب هذه السطور”، قاصدا نفسه؟

أختم بهذا القول الذي يكشف عن مدى سذاجة الفكر الإسلامي في قول القرضاوي: ((على أن الذين صفقوا، حماسة لتأييد النميري، إنما فعلوا ذلك لظنهم أنها خطوة تتبعها خطوات، ولذا طالبوه أن يستعين بالثقات من علماء المسلمين لتسديد التطبيق)).

هل يعقل أن يبني مفكر إسلامي، يعد نفسه عالما، موقفه على الظن؟ فيؤيد حكما انقلابيا استبداديا لمجرد أنه وعد بتطبيق الشريعة ثم راح يقطع أيدي وأرجل (الغلابة) من خلاف ليتبين في نهاية المطاف أنه عبارة عن طرطوف حقير دخل مزبلة التاريخ العربي؟

وأعيد طرح السؤال الذي اتخذته عنوانا لهذه المقالة: هل طبقت الشريعة في حياة المسلمين ماضيا وحاضرا؟

وأجيب: نعم طُبِّقت بقضها وقضيضها وحالة بلداننا تشهد على ذلك.

يتبع   عبدالقادر أنيس فيسبوك

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

حول صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان

هذه هي المقالة العشرون من حواري الافتراضي مع الدكتور يوسف القرضاوي من خلال كتابه ((الإسلام والعلمانية، وجها لوجه)). الكتاب في الرابط:

http://www.scribd.com/doc/28242163

نقرأ للدكتور القرضاوي في هذا الفصل تحت عنوان ((صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان)) ص 133: ((إن الأصل في أوامر الله وأحكامه هو الثبات والبقاء، حتى ينسخها الله ذاته بشرع آخر، إذ لا يملك بشر سلطة فوق سلطة الله، حتى يلغي أحكامه. ولا شرع لله بعد محمد صلى الله عليه وسلم. إن شريعة الإسلام عامة خالدة، هذا من القطعيات الضرورية، ولكن الدكتور ـ بذكائه ودهائه ـ (يقصد محاوره الدكتور فؤاد زكريا) كثيرا ما يدفعنا إلى توضيح الواضحات، والتدليل على الضروريات! فلنعد إلى مناقشة ما اتكأ عليه من شبهات، يستدل بها على دعواه العريضة)).

وتحت عنوان جانبي ((استدلالات منقوضة)) يقول د. القرضاوي:

اعتمد د. زكريا في رفضه لصلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، على أمرين أثبتناهما، بعبارته بحروفها، حتى لا نتجنى عليه:

خلاصة الأمر الأول: أن الإنسان جوهره التغير، فلا تصلح له شريعة جوهرها الثبات.

وهنا أقول للكاتب: لقد أخطأت في القضيتين كلتيهما، فلا الإنسان جوهره التغير، ولا الشريعة جوهرها الثبات)). انتهى.

يقول الدكتور القرضاوي هذا الكلام ولم يجف حبر ما كتب قبله بأسطر معدودات: (إن الأصل في أوامر الله وأحكامه هو الثبات والبقاء، حتى ينسخها الله ذاته بشرع آخر، إذ لا يملك بشر سلطة فوق سلطة الله، حتى يلغي أحكامه. ولا شرع لله بعد محمد صلى الله عليه وسلم). !!!!!!!

وتحت عنوان جانبي: “حقيقتان كبيرتان”. كتب: “”وقبل أن أبين خطأ الكاتب في دَعْوَيَيْه، أريد أن ألفت النظر هنا إلى حقيقتين كبيرتين:

((الأولى: أن منطق الإيمان يرفض رفضا كليا مناقشة ما أثاره الدكتور من دعاوى. فالمسلم الذي رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا، وبالقرآن إماما، لا يتصور منه أن يناقش مبدأ صلاحية الأحكام، التي شرعها له ربه وخالقه، لهدايته وتوجيهه إلى التي هي أقوم، لأن معنى هذا أن المخلوق يتعالم على الخالق، وأن العبد يستدرك على ربه، وأنه أعرف بنفسه، وبالكون، وبالحياة من حوله، من صانع الكون، وواهب الحياة، وبارئ الإنسان)).

هذا الكلام يعبر تعبيرا واضحا عن موقف رجال الدين عموما والإسلاميين خاصة من أي رأي آخر مختلف وتكفير صاحبه والدعوة إلى قمعه وترهيبه واغتياله. وأنا هنا أدعو العلمانيين التوفيقيين أن يتأملوا هذا الكلام للقرضاوي وهم الذين لا يتوقفون عن نصحنا بضرورة تجنب مهاجمة الأديان والاقتصار على مهاجمة رجالها بحجة أنهم محرفون لصحيح الدين؟ وأنا أرى أنه لا يجدي أي نقد لا يتحاشى نقد نصوص الدين ذاتها وأن نسبة العيب إلى رجال الدين وليس للدين إنما يزيد في حدة غيبوبة وتبعية الناس لهذه الأديان ولرجالها بعد أن شهد (العلمانيون) أن العيب ليس في الدين بل في فهمه؟ بل حتى الدكتور فؤاد زكريا لم ينج من الوقوع في هذا المطب كما تضمنه نقدي له في المقال السابق رغم أن له في ذلك أسبابا ومآرب يمكن أن نتفهمها.

يقول القرضاوي: ((فالمسلم لا يناقش ـ بحال ـ مبدأ صلاحية الشريعة، أو النصوص الإلهية للتطبيق والعمل في كل زمان ومكان، لأن هذا يعني مراجعته للإسلام ذاته، أهو من عند الله أم لا؟ وهذا أمر قد فرغ منه كل من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، أيقن بها قلبه، ونطق بها لسانه. إنما يناقش المسلم في بعض الأحكام والجزئيات، هل هي من عند الله أم لا؟ هل صحت نسبتها إلى الله، بأن جاءت في محكم كتابه، أو ثبتت على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم؟)).

نلاحظ أن المناقشة عند القرضاوي محصورة في المسلم فقط ((الذي رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا، وبالقرآن إماما). كذلك كان الغزالي يلوم السياسيين الجزائريين عندما يخاطبون الناس بـ (أيها المواطنون) واقترح استخدام (أيها المؤمنون، أيها المسلمون.. يا أيها الذين آمنوا) !!!. يقولون هذا الكلام رغم أن مطلب تطبيق الشريعة يهم جميع المواطنين مهما اختلفت مذاهبهم وأفكارهم ومعتقداتهم لأن نتائجها يتحملها الجميع. ثم بعد ذلك يؤكد أن شريعته تتسع لإدارة شؤون الدولة في كل مكان وزمان وهو ما يعني أنه يقصد الدولة الإسلامية فقط، غير أننا نعرف أن لا مكان في دولته الإسلامية إلا لمواطنين مسلمين درجة أولى أما غيرهم فأشباه مواطنين من درجات متدنية لا مواطنة لهم بالمفهوم العصري، وعليهم أن يقبلوا صاغرين بشريعة هذه الدولة الإسلامية القروسطية التي يجب أن تطبق على الجميع خاصة ما تعلق منها بأهم مسألة وهي السلطة وإدارة شؤون الناس فيها وكيف يجب أن يشارك الجميع في تقرير حاضرها ومستقبلها. دولته إذن دينية بامتياز، رغم أنه وغيره من الإسلاميين ينفون كونهم يدعون إلى دولة دينية ثيوقراطية. ليس من حق غير المسلم، بل حتى المسلم العلماني والمسلم من غير المنتمي للمذهب الغالب، وهو عند القرضاوي المذهب السني، أن يكون له رأي مختلف حول مصير بلاده من حيث التنظيم السياسي والاجتماعي والاقتصادي وأن يناقش بحرية، مثلما فعل فؤاد زكريا بحسن نية، مدى أهلية الشريعة وقدرتها على إدارة شؤون الناس. دولة القرضاوي في النهاية وفي أقصى درجة من تسامحها كما هي دولنا الحالية هي دولة ملية تقسم المواطنين إلى طوائف تحت هيمنة الطائفة السنية الغالبية حسب ما يمليه قانون الغاب الديني.

ولهذا لا يتوقف الشيخ في طول هذا الحوار وعرضه عن التهديد والوعيد مثل قوله هنا: (( وقد أجمع العلماء على أن من أنكر أمرا معلوما من الدين بالضرورة، ولم يكن حديث عهد بالإسلام، ولا ناشئا ببادية أو ببلد بعيد عن دار الإسلام، فإنه يكفر بذلك، ويمرق من الدين، وعلى الإمام أن يطلب منه التوبة والإقلاع عن ضلاله، وإلا طبقت عليه أحكام المرتدين)).

ونحن نعرف النتيجة النهائية لهذا الكلام من خلال الاغتيالات التي تعرض لها المثقفون العلمانيون، بل حتى رجال دين يختلفون مع القرضاوي وزبانيته، حتى وصل الأمر في نهاية هذه الصحوة المجنونة إلى تكفير كل الناس الذين لا ينتمون إلى جماعاتهم. بلادي عانت من هذا التطبيق الأهوج للشريعة حين خاض الإسلاميون حربا شرسة ضد الجميع، كما عرفت هجرة عشرات الألوف من الكفاءات نحو الغرب في التسعينات هربا من بعبع شريعة القرضاوي، وهو نزيف لم يتوقف في مختلف البلاد العربية، مثل هجرة المسيحيين واليهود وكل من استطاع إلى ذلك سبيلا.

ومع هذا يخاطب القرضاوي محاوره بتعال وصلف: ((ولهذا كان الأصل ألا أشتغل بالرد على دعاوى الدكتور ف. زكريا، بالتشكيك في المسلمات القطعية عند المسلم، ولكني تنازلت عن موقعي الأصلي، واشتغلت بالرد “تبرعا” كما يقول علماء البحث والمناظرة في تراثنا، ومن باب “إرخاء العنان للخصم” كما في قوله تعالى (قل: إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين) (سورة الزخرف:81) وقوله (وإنا أو إياكم لعلى هدى، أو في ضلال مبين) (سورة سبأ:24).)). انتهى.

إن الزعم بإرخاء العنان للخصم ليس تسامحا أو رحابة صدر أو ميلا للحوار المتمدن، بل هو استدراج نحو حوار ظنه العلمانيون مفتوحا وصادقا ونزيها ومتسامحا، بينما كان تلاميذ القرضاوي يشحذون الخناجر ويخططون لاغتيال محاوريهم الذين تحلوا بقدر محترم من الشجاعة الأدبية فعبروا عن آرائهم بصدق.

هل نحتاج مع هذا الكلام إلى دليل آخر على خطر تطبيق الشريعة على حريات الناس العامة والخاصة وعلى السلم الاجتماعي في مجتمعاتنا المتعددة المذاهب والطوائف والملل بالإضافة إلى ما نطمح إليه من حريات لا حدود لها إلا حدود العقل السليم والذوق الرفيق والحس المدني المرهف؟

وتحت عنوان: ((الإنسان بين الثبات والتغير))، يقول: (( بعد هذا البيان الواجب، أعود متبرعا للرد على مقولة محامي العلمانية: “أن الإنسان متغير، والشريعة ثابتة” وهو ما قلت: إنه أخطأ الصواب فيه في القضيتين معا.

أما الإنسان فليس صحيحا أن جوهره التغير، ويؤسفني أن يصدر هذا من أستاذ فلسفة! ولكن بالرغم من هذا التغير الهائل، الذي حدث في دنيا الإنسان، هل تغيرت ماهيته؟ هل تبدلت حقيقته؟ هل استحال جوهر إنسان العصر الذري عن جوهر إنسان العصر الحجري؟ هل يختلف إنسان أواخر القرن العشرين الميلادي عن إنسان ما قبل التاريخ؟ أسأل عن جوهر الإنسان، لا عما يأكله الإنسان، أو عما يلبسه الإنسان، أو عما يسكنه الإنسان، أو عما يركبه الإنسان، أو عما يستخدمه الإنسان، أو عما يعرفه الإنسان من الكون من حوله، أو عما يقدر عليه من تسخير طاقاته لمنفعته. لقد تغير ـ بالفعل ـ أكبر التغير مأكل الإنسان، وملبسه، ومسكنه، ومركبه، وآلاته، وسلاحه، كما تغيرت معرفته للطبيعة، وإمكاناته لتسخيرها، ولكن الواقع أن الإنسان في جوهره وحقيقته بقي هو الإنسان، منذ عهد أبي البشر آدم إلى اليوم، لم تتبدل فطرته، ولم تتغير دوافعه الأصلية، ولم تبطل حاجاته الأساسية، التي كانت مكفولة له في الجنة، وأصبح عليه بعد هبوطه منها أن يسعى لإشباعها، وهي التي أشار إليها القرآن في قصة آدم: (أن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى، وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى) (سورة طه:119).

وبما أن الإنسان، في اعتقاده، لم يتغير ولن يتغير، فهو يقول: ((إن إنسان القرن العشرين أو الحادي والعشرين، أو ما بعد ذلك، لا يستغنى عن هداية الله المتمثلة في وصاياه وأحكامه، التي تضبط سيره، وتحفظ عليه خصائصه، وتحميه من نفسه وأهوائها)). انتهى

طبعا، وبغض النظر عن تهافت نظرية الخلق الدينية (آدم) أمام نظرية النشوء والارتقاء الداروينية (القرد) والتي ليس ههنا مجال للإفاضة فيها، فإن مزاعم القرضاوي بأن الإنسان لا يتغير في جوهره و((لا يستغنى عن هداية الله المتمثلة في وصاياه وأحكامه، التي تضبط سيره، وتحفظ عليه خصائصه، وتحميه من نفسه وأهوائها)) لا تستقيم أبدا، وما استقامت عبر تاريخ هذا الإنسان.

هل معنى كلام الشيخ هذا أن إنسان اليابان والصين والهند (بوصفه لم يكرمه الله بدين سماوي، ولم ينتم إلى خير أمة أخرجت للناس أو إلى شعب الله المختار) لا يستحق أن يوصف بالإنسان وهو يعيش منذ قرون مستغنيا عن هداية الله المتمثلة في وصاياه وأحكامه، التي تضبط سيره، وتحفظ عليه خصائصه، وتحميه من نفسه وأهوائها”. فكيف عاشت تلك الشعوب كل هذه المدد الزمنية محافظة على خصائصها مهدية بلا هداية ربانية؟

إذا كان الناس في تلك البلاد المترامية الأطراف، المتعددة الأديان والأجناس، قد خلقوا أديانا وتعاليم وفلسفات حياة “ضبطت سيرهم، وحفظت عليهم خصائصهم، وحمتهم من أنفسهم وأهوائهم” شأنهم شأن غيرهم، فكيف لا يستطيع بشر اليوم وهم الأكثر خبرة وتجربة وعلما ومعرفة أن يخلقوا قوانين ومواثيق وأخلاقا قادرة على “ضبط سيرهم، وحفظ خصائصهم، وحمايتهم من أنفسهم وأهوائهم”؟ إلا إذا احتقرنا تلك الأديان الوثنية واعتبرنا معتنقيها دون مستوى البشر مجردين من أية خصائص وقيم تميزهم عن غيرهم، يعيشون في تيه وضياع دائمين، وهذا منتهى الكذب والعنصرية، وهذا ما ينطق به الإسلاميون دائما.

لكن القرضاوي يقول بأن الإنسان، في جوهره، هو الإنسان مهما تباعدت الأزمان والأوطان. ومن كلامه هذا فإنسان الصين واليابان والهند هو إنسان بأتم معنى الكلمة، عاش وبنى وشيد وعمر واخترع دون أن يحتاج إلى هداية الإسلام.

ومع ذلك فحديث القرضاوي عن إنسان جوهره الثبات حديث خرافة. فما هو هذا الجوهر الذي يأبى التغير؟ الإنسان في جوهره الطبيعي، إذا صح الوصف، هو حسب نتائج العلوم الحديثة عبارة عن كتلة من الغرائز والاستعدادات الخام مؤهلة لأي تشكيل، وهي نفسها عرفت تطورا على مدى الحقب الطويلة التي تقدر بمئات الآلاف من السنين، وحتى اليوم، لو تركنا أي فرد معزولا عن محيطه البشري الذي يشرف على تنشئته الاجتماعية والدينية والثقافية فسوف يعود إلى حياة بهيمية لعصر ما قبل اكتشاف النار: لن يرث في جيناته لا لغة، لا معرفة، لا خبرة، ولا حتى قدرة على النطق بحروف متمايزة لأن الحبال الصوتية تتخلق وتتهذب بالتدريب والمحاكاة، ولهذا يصعب تعلم الحروف على الصم البكم مقارنة بسليمي السمع. الإنسان إذن كائن ثقافي والثقافة مكتسبات متغيرة باستمرار وبالتالي فالإنسان كائن متغير باستمرار. أما إنسان القرضاوي المطلق فلا وجود له إلا في صورة بدائية بهيمية، تكذب تكذيبا قاطعا حديث ((كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)) على أساس أن الإسلام وحده هو دين الفطرة، بمعنى أن الإنسان يولد على فطرة الإسلام. القرضاوي يقدم لنا هذا الزعم وكأنه حقيقة مسلم بها حتى هو نفسه يكاد يتخلى عنها عندما قال بعد عشرين سنة إجابة عن سؤال:

لنبدأ بالعامل الأول لتغير الفتوى، وهو تغير المكان، ما المقصود بهذا؟

يجيب: “للأسف بعض إخواننا من العلماء المعاصرين يقول إن الفتوى لا تتغير بتغير المكان، وأن الذي انفرد بهذا هو الإمام ابن القيم، وأنا أخالفهم في هذا، وأرى أن التغير المكاني هو من التغيرات الحقيقية للإنسان، فالإنسان في البادية غير الإنسان في الحضر، والإنسان في البلاد الباردة غير الإنسان في البلاد الحارة، والإنسان في الإسكيمو أو عند القطب الشمالي له أحكام تتعلق به، فمثلاً حينما نقول: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً)، فإنه في القطب الشمالي لا يوجد «صعيد»، فهو لديه ثلج، وفي هذه الحالة صعيده هو الشيء المناسب لمكانه.

كذلك لا يوجد عنده أبقار، والكلاب هي التي تجر الأشياء، إذن فاقتناء الكلاب في هذه الحالة جائز وليس فيه حرج، كذلك هناك بلاد الشمس تغيب عنها ستة أشهر، وتطلع ستة أشهر، وهذه البلاد لها أحكامها الخاصة في الصلاة والصيام.

والعلماء من قديم انتبهوا لذلك، فمثلاً راعوا أن البدوي له أحكام خاصة، حتى قالوا لا يصح أن يؤم البدوي الحضري إلا إذا خرج من بداوته وتفقه، وذلك أن الرسول نهى عن عودة الشخص بعد الهجرة إلى البادية وجاء في الحديث: «من بدا جفا»، يعني أصبح عنده جفوة، وإلى ذلك أشار القرآن (الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ)). انتهى

 http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=7200&parent_id=16&template_id=211&version=1

 وهذا هو ما أراد قوله الدكتور فؤاد زكريا بالضبط. فهل يقبل الشيخ تعميم هذا الحكم التطوري إسلاميا على المرأة بعد أن صارت عالمة ورائدة فضاء ومهندسة وطبيبة ومحامية وأستاذة ونقابية وبرلمانية مختلفة تماما عن تلك المرأة الأمية الغافلة بسبب ما فرض عليها من حصار وتجهيل وظلامية حتى اعتبرها الإسلام ناقصة عقل ودين وناقصة أهلية وكرامة؟ هل يقبل وقف حكم الإسلام القطعي المهين على امرأتنا المعاصرة التي صار بمقدور عقلها أن يستوعب مجلدات من العلوم الطبية والقانونية والآداب والفنون والتقنيات، بينما يمكنها أن تكون شاهدة في قضايا بسيطة من الحياة اليومية مازالت إداراتنا تحرص عليه ((واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممّن ترضون من الشهداء ان تضلَّ إحداهما فتذكّر إحداهما الأخرى))؟ فكيف يمكن التعامل مع نصوص دينية يعتبرها القرضاوي من القطعيات والثوابت التي لا يمكن المساس بها في هذا العصر؟

هل تفتقد جماهير النساء عندنا إلى الفطرة الإسلامية عندما ترفض شريعة تعدد الزوجات والقوامة والحجر والشك في أهليتهن والتمييز العنصري ضدهن باسم هذه الشريعة ولو رفضا مواربا؟ هل يمكن أن نعتبر هذه الشريعة صالحة لكل زمان ومكان بينما يرفضها نصف مجتمعاتنا على الأقل؟ هل من العدل أن نفرض هذه الشريعة أو على الأقل الكثير من نصوصها القطعية على النساء وعلى من لا يريد أن يخضع لها كما بينت ذلك في مقالي السابق؟

كيف نجيب القرضاوي وهو يقول: ((يتجلى هذا الثبات في “المصادر الأصلية النصية القطعية للتشريع” من كتاب الله، وسنة رسوله، فالقرآن هو الأصل والدستور، والسنة هي الشرح النظري، والبيان العملي للقرآن، وكلاهما مصدر إلهي معصوم، ولا يسع مسلما أن يعرض عنه (قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) (سورة النور:54) (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله، ليحكم بينهم، أن يقولوا سمعنا وأطعنا) (سورة النور:51).

وفي المحرمات اليقينية، من السحر، وقتل النفس، والزنا، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، والتولي يوم الزحف، والغصب، والسرقة، والغيبة، والنميمة، وغيرها مما يثبت بقطعي القرآن والسنة.

ومن أمهات الفضائل، من الصدق، والأمانة، والعفة، والصبر، والوفاء بالعهد، والحياء، وغيرها من مكارم الأخلاق، التي اعتبرها القرآن والسنة من شعب الإيمان. وفي شرائع الإسلام القطعية، في شئون الزواج، والطلاق، والميراث، والحدود، والقصاص، ونحوها من نظم الإسلام، التي ثبت بنصوص قطعية الثبوت، قطعية الدلالة، فهذه الأمور ثابتة، تزول الجبال ولا تزول”؟ انتهى

ما علاقة مجتمعاتنا اليوم بهكذا خطاب قروسطي ما زال يستخدم مصطلحات مثل (قذف المحصنات الغافلات وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، والغيبة، والنميمة)؟

ولهذا يذكرني مطلب تطبيق الشريعة دائما بشريعة بروكرست اليوناني قاطع الطريق وسريره المشؤوم الذي يأبى أن يكون على قدّ المسافر المسكين الذي تقطع أوصاله بسببه لا محالة مهما كان من الطول أو القصر، مثلما تقطع أوصال مجتمعاتنا المعاصرة فلا هي انسجمت مع المدنية الحديثة ولا هي قادرة على البقاء ضمن مواصفات ذلك المجتمع الذي أنتج الإسلام. يكفي إلقاء نظرة خاطفة إلى مدننا وقرانا لنرى كيف تتجاور أنماط حياة متنافرة يعرقل بعضها بعضا لأنها تجمع بين عصور متباعدة. هذا في المظهر والملبس أما المخبر فما أبعدنا مدننا عن مدن المجتمعات الحديثة التي يسودها التمدن والتعايش السلمي والانسجام والتناغم في الملبس والمأكل والمسكن والمركب والفكر وحتى المعتقد.      عبدالقادر أنيس فيسبوك

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

حزن في ضوء القمر

أيها الربيعُ المقبلُ من عينيها

 أيها الكناري المسافرُ في ضوء القمر

 خذني إليها

 قصيدةَ غرامٍ أو طعنةَ خنجر

 فأنا متشرّد وجريح

 أحبُّ المطر وأنين الأمواج البعيده

 من أعماق النوم أستيقظ

 لأفكر بركبة امرأة شهيةٍ رأيتها ذات يوم

 لأعاقرَ الخمرة وأقرضَ الشعر

 قل لحبيبتي ليلى

 ذاتِ الفم السكران والقدمين الحريريتين

 أنني مريضٌ ومشتاقٌ إليها

 انني ألمح آثار أقدام على قلبي .

 دمشقُ يا عربةَ السبايا الورديه

 وأنا راقدٌ في غرفتي

 أكتبُ وأحلم وأرنو إلى الماره

 من قلب السماء العاليه

 أسمع وجيب لحمك العاري .

 عشرون عاماً ونحن ندقُّ أبوابك الصلده

 والمطر يتساقط على ثيابنا وأطفالنا

 ووجوهِنا المختنقةِ بالسعال الجارح

 تبدو حزينةً كالوداع صفراءَ كالسلّ

 ورياحُ البراري الموحشه

 تنقلُ نواحنا

 إلى الأزقة وباعةِ الخبزِ والجواسيس

 ونحن نعدو كالخيولِ الوحشية على صفحاتِ التاريخ

 نبكي ونرتجف

 وخلف أقدامنا المعقوفه

 تمضي الرياحُ والسنابلُ البرتقاليه …

 وافترقنا

 وفي عينيكِ الباردتين

 تنوح عاصفةٌ من النجوم المهروله

 أيتها العشيقةُ المتغضّنة

 ذات الجسد المغطَّى بالسعال والجواهر

 أنتِ لي

 هذا الحنينُ لك يا حقوده !

 . .

 قبل الرحيل بلحظات

 ضاجعتُ امرأة وكتبتُ قصيده

 عن الليل والخريف والأمم المقهوره

 وتحت شمس الظهيرة الصفراء

 كنت أسندُ رأسي على ضلْفاتِ النوافذ

 وأترك الدمعه

 تبرق كالصباح كامرأة عاريه

 فأنا على علاقة قديمة بالحزن والعبوديه

 وقربَ الغيوم الصامتة البعيده

 كانت تلوح لي مئاتُ الصدور العارية القذره

 تندفع في نهر من الشوك

 وسحابةٌ من العيون الزرقِ الحزينه

 تحدقُ بي

 بالتاريخ الرابضِ على شفتيّ .

 . .

 يا نظراتِ الحزن الطويله

 يا بقع الدم الصغيرة أفيقي

 إنني أراكِ هنا

 على البيارقِ المنكَّسه

 وفي ثنياتِ الثياب الحريريه

وأنا أسير كالرعد الأشقرِ في الزحام

 تحت سمائك الصافيه

 أمضي باكياً يا وطني

 أين السفنُ المعبأةُ بالتبغ والسيوف

 والجاريةُ التي فتحتْ مملكةً بعينيها النجلاوين

 كامرأتين دافئتين

 كليلة طويلةٍ على صدر أنثى أنت يا وطني

 إنني هنا شبحٌ غريبٌ مجهول

 تحت أظافري العطريه

 يقبعُ مجدك الطاعن في السن

 في عيون الأطفال

 تسري دقاتُ قلبك الخائر

 لن تلتقي عيوننا بعد الآن

 لقد أنشدتُكَ ما فيه الكفايه

 سأطل عليك كالقرنفلةِ الحمراء البعيده

 كالسحابةِ التي لا وطن لها .

 . .

 وداعاً أيتها الصفحات أيها الليل

 أيتها الشبابيكُ الارجوانيه

 انصبوا مشنقتي عاليةً عند الغروب

 عندما يكون قلبي هادئاً كالحمامه ..

 جميلاً كوردةٍ زرقاء على رابيه ،

 أودُّ أن أموتَ ملطخاً

 وعيناي مليئتان بالدموع

 لترتفعَ إلى الأعناق ولو مرة في العمر

 فانني مليء بالحروفِ ، والعناوين الداميه

 في طفولتي ،

 كنت أحلم بجلبابٍ مخططٍ بالذهب

 وجواد ينهب في الكرومَ والتلال الحجريه

 أما الآن

 وأنا أتسكَّعُ تحت نورِ المصابيح

 انتقل كالعواهرِ من شارعٍ إلى شارع

 اشتهي جريمةً واسعه

 وسفينةً بيضاء ، تقلّني بين نهديها المالحين ،

 إلى بلادٍ بعيده ،

 حيث في كلِّ خطوةٍ حانةٌ وشجرةٌ خضراء ،

 وفتاةٌ خلاسيه ،

 تسهرُ وحيدةً مع نهدها العطشان .

‎محمد الماغوط (مفكر حر )؟‎

Posted in الأدب والفن | Leave a comment

إني مت بعدك

عش أنت أني مت بعدك…. وأطل إلى ماشئت صدك

كانت بقايا للغرام…. بمهجتي فختمت بعدك

مـاكان ضرك لو عدلت…. أمـا رأت عيناك قدك

وجـعلت من جفني متكأً ….ومـن عـيني مـهدك

ورفعت بي عرش الهوى ورفعت فوق العرش بندك

وأعـدت للشعراء سيدهم…. ولـلـعـشاق عـبـدك

أغـضاضه ياروض إن ….أنا شاقني فشممت وردك

أنقى من الفجر الضحوك ….فـهل أعرت الفجر خدك

وأرق مـن طبع النسيم ….فـهل خلعت عليه بردك

وألـذ مـن كأس النديم ….فهل أبحت الكأس شهدك

وحياة عينك وهي عندي ….مـثلما الأيـمان عندك

مـاقلب أمك إن تفارقها ….ولــم تـبـلغ أشـدك

فـهوت عليك بصدرها…. يـوم الـفراق لتستردك

بـأشد مـن خفقان قلبي…. يـوم قيل:خفرت عهدك

بشارة الخوري (مفكر حر)؟

Posted in الأدب والفن | Leave a comment

الباسيج الأسدي!

طارق الحميد : الشرق الاوسط 

يبدو أن نصائح الجنرال الإيراني قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، قد بدأت تتبلور في سوريا؛ حيث أعلن النظام الأسدي عن تشكيل فصيل عسكري جديد سماه «جيش الدفاع الوطني» يأتي كرديف للقوات الأسدية. وبحسب ما نقلته الصحيفة عن موقع «روسيا اليوم» فإن هذا الفصيل «سيتم تشكيله من عناصر مدنية أدت الخدمة العسكرية إلى جانب أفراد اللجان الشعبية التي تشكّلت تلقائيا مع تطور النزاع القائم في سوريا»، وأن مهام هذا الفصيل «ستقتصر على حماية الأحياء من هجمات مسلحي المعارضة، وسيتقاضون رواتب شهرية كما سيكون لهم زِي موحد». وسيناهز عدد هذا الفصيل العشرة آلاف شاب من مختلف محافظات البلاد.

 وبالطبع سارعت المعارضة لوصف هذا الفصيل بأنه تسمية جديدة للشبيحة، والحقيقة أن هذا الفصيل هو أقرب لميليشيات الباسيج الإيراني والتي تعني التعبئة، وأسسها الإمام مصطفى أحمد الموسوي الخميني في نوفمبر (تشرين الثاني) 1979، وتتبع الحرس الثوري الإيراني. ويقوم الباسيج الإيراني على تشكيلات متطوعة من موالين لا يشك في تبعيتهم للولي الفقيه.

 ولعب الباسيج دورا مهما في وأد الثورة الخضراء في إيران إبان الانتخابات الرئاسية الأخيرة. ومن هنا فإن تشكيل فصيل «جيش الدفاع الوطني»، أو الباسيج الأسدي، ما هو إلا دليل على أن الأسد قد بدأ يفقد ثقته بالجيش، أو ما يعرف بالقوات النظامية إعلاميا، خصوصا مع كثرة الانشقاقات، وهو ما أجبر النظام الأسدي على تجنب تسليح أفراد قواته بالأسلحة الثقيلة أو العتاد المتكامل وذلك خشية انشقاقهم ونقل الأسلحة للجيش الحر الذي بات يسعى لتدمير الدبابات، مثلا، لأنه كان يجد أن عدد القاذفات فيها لا يتجاوز الخمس، وعليه فإن التدمير أسهل من جهود الاستيلاء عليها.

 كما أن من دلالات تشكيل الباسيج الأسدي أن النظام بدأ يعيد تموضعه طائفيا بشكل واضح، حيث بات يسعى لاستقطاب أهل المصير، وليس الولاء، خصوصا أن كثيرا من الموالين للأسد باتوا مقتنعين بنهايته المحتومة، لذا فإن النظام يريد ضمان أن تكون ذراعه العسكرية الأخيرة مكونة من مقاتلين يعون أن مصيرهم من مصير الأسد، ولذا فإنهم سيقومون بالدفاع عنه حتى الموت.

 ونقول إن هذا الفصيل الجديد، الباسيج الأسدي، هو فكرة إيرانية لأنه يأتي في توقيت لا يجد فيه الأسد أموالا حتى يدفع الرواتب، أو ينقذ اقتصاده، خصوصا أن الثورة تكلفه شهريا مليار دولار، ولذا فإن الواضح أن الباسيج الأسدي يأتي بدعم وتنظيم إيراني، وهو ما يتماشى مع الخطة الأمنية المتبعة في دمشق حيث تقسم العاصمة إلى مربعات أمنية وهو النهج الذي استخدم لقمع الثورة الخضراء في إيران يوم قسمت العاصمة طهران لتفريق الحشود، ومنع اهتزاز الأمن فيها.

 الباسيج الأسدي يفضح مدى تورط إيران، وعمق أزمة الأسد الذي لم يعد يثق بقواته، ويظهر حجم الدمار الذي يلحقه الأسد بسوريا، كما أن الباسيج الأسدي يدل على خطورة مرحلة ما بعد الأسد حيث يصار الآن لخلق مجاميع إرهابية، وميليشيات طائفية ستكون مهمتها منع استقرار سوريا.

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | 1 Comment

مستقبل الشرق الأوسط في الميزان الاستراتيجي

غسان ملحم : الاخبار

 ما يحصل في العديد من بلدان المنطقة من اضطرابات وأحداث دراماتيكية يدلّل فعلاً على أنها تشهد مخاض ولادة الشرق الأوسط الجديد، بما يعنيه ذلك من تغيير في خارطة التوازنات الإقليمية. لا شكّ في أن المتغيرات التي بدأت تتبلور منذ سنوات في موازين القوى الدولية، وتتسارع وتيرتها في الوقت الراهن، تلقي بظلالها على كامل المنطقة وكافة قضاياها. فتراجع الولايات المتحدة الأميركية وكذلك خروج، أو على الأقل انحسار نفوذ القوى الاستعمارية القديمة، في إشارة إلى فرنسا وبريطانيا، ومن ثم عودة روسيا إلى حلبة التنافس الاستعماري في المنطقة، كلها تمثل معطيات مستجدة في السياسة الدولية المعاصرة وانعكاساتها على الأوضاع في الشرق الأوسط، فضلاً عن صعود الصين الهائل بميزان الجيوبوليتيك والتحليل الاستراتيجي.

تحتدم المفاوضات في الأروقة الدولية الدبلوماسية بشأن العديد من القضايا الدولية والإقليمية، وهي تتكثف بين كلّ من روسيا والولايات المتحدة بهدف الوصول إلى اتفاق جديد، هو في الحقيقة شبيه باتفاقية سايكس بيكو، التي استمرت زهاء قرن من الزمن، لجهة إعادة تشكيل خارطة المنطقة وفق مقتضيات المصالح الاستعمارية. فالولايات المتحدة تتطلع من خلال هذه التسوية إلى تقاسم المنطقة مع روسيا في محاولة منها لتطويق الصين التي تمثل المنافس الحقيقي والهاجس الفعلي للأميركيين. فما هي الملامح العامة أو البنود المكونة للاتفاق الدولي المرتقب بين القطبين الروسي والأميركي؟ وما هي الملفات المطروحة على طاولة المباحثات بنية التفاهم على إطار استراتيجي للشراكة، بما يصلح لمدة غير قصيرة وقد تطول ربما؟

 المسألة الأولى التي سوف يبنى عليها الاتفاق الدولي تتعلق بتسوية الملف النووي الإيراني، بل تحديد سبل التعاطي مع إيران كقوة إقليمية صاعدة. من الواضح في هذا المجال أنّ تطور العلاقات الثنائية بين روسيا وإيران خلال السنوات الأخيرة قد اتخذ منحى تصاعدياً لا مكان معه للتراجع في ظل الاتفاقات المعقودة للتعاون في مجالات الأمن، والطاقة، والتجارة الخارجية. وكذلك الأمر بالنسبة إلى إيران في اتصالاتها السياسية وتبادلاتها الاقتصادية مع الصين، التي أقامت معها علاقات ثابتة بلغة الأرقام والمصالح المتبادلة أو المشتركة. وقد حان الوقت لكي تدرك الولايات المتحدة الأميركية ضرورة الإقرار لإيران بطموحاتها المشروعة، وتالياً بمصالحها الحيوية، كانعكاس طبيعي لمكانتها الوازنة بين دول الإقليم. والإدارة الأميركية ليست بعيدة عن هذه الأجواء لناحية القبول، إن لم نقل الاعتراف من قبلها لإيران، بهذه الأهمية التي تؤهلها بالتأكيد لأداء دور إقليمي فاعل في إطار أيّة تسوية محتملة، شريطة أن تلتزم إيران في المستقبل بالتخفيف من حدة مواقفها الراديكالية وحصر نشاطها، ولا سيما طموحاتها، بحدود الخليج والمشرق. وهذا يقودنا إلى استنتاج مفاده استبعاد احتمال اللجوء إلى خيار الحرب الأميركية على إيران، وتراجع حظوظه أمام إمكانية التوصّل إلى حل من ضمن اتفاق أوسع بين الأطراف المعنية بهذا الملف.

 المسألة الثانية التي من المفترض أن يتضمنها هذا الاتفاق، وهي من أبرز دعامات أي نظام إقليمي أو ترتيبات إقليمية قيد البحث، تأمين حماية إسرائيل. هنا تجدر الإشارة إلى أنّ مجمل الأطراف الدولية العظمى ملتزمة بهذا البند، فلا خلاف عليه لجهة الانخراط من قبل الجميع، في الغرب من أميركا إلى فرنسا وبريطانيا وسائر دول الاتحاد الأوروبي، إلى بقية مواقع القرار في العالم، في التعهدات والضمانات حول كيفية حماية أمن إسرائيل. بيد أن الاتفاق المرتقب بين واشنطن وموسكو من شأنه أن يمكّن الولايات المتحدة من إشراك روسيا في تحمل هذا العبء المتعلق بدعم إسرائيل في سياق التحالف الاستراتيجي. فالولايات المتحدة لن تتخلى عنها، لكنها بذلك تستطيع التخفيف من الأعباء التي يفرضها عليها التزامها الكامل بأمن إسرائيل الدائم. وهذا ما يمكن تحقيقه بالنسبة إلى الأميركيّ عبر الاتفاق مع الروس على صيغة مستقبلية للشراكة بينهما، على أن تتضمن دخول روسيا على نحو جدي إلى الشرق الأوسط من بوابة التفاهم مع الأميركي بشأن كل الملفات أو القضايا العالقة بينهما. تبقى الإشارة في هذا المضمار إلى أنّ الاستمرار في سياسة تأييد ومساندة إسرائيل من قبل الولايات المتحدة سوف يشغل مساحة محددة في استراتيجية واشنطن الجديدة، بالنظر إلى صغر حجم إسرائيل مقارنةً بمشاريع أميركا في العالم بأسره.

 مسألة أخرى سيتطرق إليها اتفاق كهذا بين الجانبين الروسي والأميركي، وهي ترتبط بما تقدم بشأن قضية الحفاظ على وجود إسرائيل وأمنها. وتحيلنا على قرار إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، بمعنى تصفية القضية الفلسطينية إلى الأبد. وقد أصبح معلوماً في الأوساط السياسية والصحفية أنّ الأردن بات الخيار البديل لتوطين الفلسطينيين من وجهة نظر الغرب. بهذا المعنى، يعنى الاتفاق بين روسيا وأميركا بالإحاطة بهذه الخطوة الحاسمة في مسار الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين عبر إقامة كونفدرالية على أنقاض المملكة الهاشمية في الأردن مع دويلة فلسطين الحديثة الولادة، حتى لو اقتضى الأمر ترحيل العائلة الملكية الهاشمية من شرقي الأردن، ونقلها إلى مكان ما في صحراء العرب لإفساح المجال أمام الاتحاد الكونفدرالي بين الفلسطينيين والأردنيين.

 أما مسألة تأمين الإمدادات من النفط ومصادر الطاقة في المنطقة باتجاه الغرب والدول الناشئة، وهي قضية في غاية الأهمية والحساسية بالنسبة إلى مصالح الدول الكبرى في هذه المنطقة الجيواستراتيجية، فهي تتصدر بطبيعة الحال أهداف وأولويات الدول العظمى المهيمنة على الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي. هنا تجدر الملاحظة إلى أنّ الولايات المتحدة، تحديداً، باتت تمتلك مخزوناً هائلاً من الاحتياطات النفطية، قد يكون كافياً لسنوات طويلة، كما تقتضي الإشارة إلى أنّ الدول الغربية لم تعد تعتمد فقط على الوقود الأحفوري أو النفط الخام كمصدر وحيد للطاقة، لكنها أخذت تعتمد أكثر على الطاقات البديلة، ومنها النفط الرملي والطاقات المتجددة إضافة إلى الغاز الطبيعي. ما يعني أنّ اعتماد هذه الدول على النفط الموجود في الدول الخليجية وغيرها من الدول العربية بدأ يتقلص في إطار التحول البنيوي الملحوظ في استراتيجيات تأمين الطاقة على نحو مستدام. هكذا تدرك الولايات المتحدة تماماً أنّ إفساحها في المجال أمام روسيا، وربما غيرها، للدخول تدريجياً إلى المنطقة لن يكون له تأثير كبير، أو ليس من شأنه تهديد مصالحها الاقتصادية في الحصول على احتياجاتها من الطاقة. لقد تغيرت الصورة التقليدية للتوزيع العالمي لمصادر الطاقة، وربما ستكون أفريقيا في المستقبل محطّ أنظار تلك القوى الاستعمارية العملاقة. وقد ينطوي الاتفاق على ما يمكنه أن يكفل استمرار تدفق الطاقة على نحو منتظم إلى الغرب وبقية الدول المعنية، ولا سيما إذا علمنا بأنّ الصين باتت أكثر البلدان استهلاكاً للنفط السعودي، بما يتخطى مقدار الاعتماد الأميركي عليه!

 من المسائل التي سيتناولها أيضاً اتفاق الروس والأميركيين بشأن المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط ضرورة معالجة القضية الكردية، التي تفاقمت وباتت تهدد العديد من دول المنطقة والمصالح الغربية فيها. ويجري حالياً استخدام أو محاولة إقحام الأكراد في الحرب في سوريا والصراع في العراق من قبل أطراف إقليمية ودولية عديدة، كلّ منها وفقاً لحساباته الخاصة، لكن الثابت الوحيد هو أنّ الحراك الداخلي للأكراد يتمحور حول تحقيق هدفهم التاريخي في إنشاء الكيان السياسي الخاص بهم. وقد يقتصر الأمر على منح الأكراد مجرد الحكم الذاتي، كما أنّه قد يصل إلى حدّ قبول قيام دولة كردية مستقلة، ما يفتح النقاش حول ماهية التسوية المعقولة والمقبولة للمسألة الكردية.

 على أنقاض الحرب على سوريا، وغيرها من الأحداث التي وقعت في هذه اللحظة السياسية الحاسمة من تاريخ المنطقة والعالم، سوف يولد النظام الدولي الجديد، ومعه معادلة التوازن التي سوف تعيد ترتيب الأوضاع الإقليمية من جديد على شاكلة المشهد الدولي المتبلور. لن يكون التوازن الدولي أو الإقليمي أكثر عدالة على الإطلاق، لكنه قد يسمح بهامش أكبر للمناورة المحدودة بفعل الرهان على إمكان تباين أو تضارب المصالح والحسابات بين القوى الدولية المعنية بعقد التسوية وإدارة الصراع في الشرق الأوسط. حينذاك قد يكون بقاء نظام الرئيس بشار الأسد ضرورة لتذليل بعض العقبات من أمام خطة الحلّ، بحيث يكون هو الضامن للسلام في المنطقة على الحدود مع إسرائيل من خلال ضبط اندفاعة حركات المقاومة الراديكالية، وإن كان خيار منح السلطة لتنظيم الإخوان المسلمين في المنطقة جزءاً من المخطط المقرر لمرحلة التفاهم الروسي الأميركي.

 * باحث سياسي في مركز الدراسات السياسية لأوروبا اللاتينية في فرنسا

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

خويه حاكم الزاملي وين رايح؟

لم يهضم اولاد الملحة،وهو سوء هضم مزمن منذ سنوات، واقع السيد سعدون الدليمي الذي مايزال يرأس وزارة الثقافة ووكيل وزير الدفاع، وطبعا شتان ما بين الاختصاصيين اللهم الا اذا كان الدليمي نازل من السما بزنبيل.

المهم حاول اولاد الملحة استعمال كميات كبيرة من “الاينو” لتصريف سوء الهضم هذا ولكن يبدو، الاينو طبعا، انه معجب بالانبطاح على معدات هؤلاء الملحة.

ولأن بعضهم اصبح غير مكترث بذلك فقد نسي وظائف الدليمي وعاد يبحث عن الرزق الحلال حتى يوم امس حين زار ابو الطيب صديق عزيزعلى قلبه.

وبعد الترحيب و”شلونك” اغاتي و”شنو الاخبار” سمع ابو الطيب صوت صديقه وهو يقول له بجدية غير معتادة:

كلي انت تعرف حاكم الزاملي؟.

لا لم اتشرف بمعرفته.

تعرف كان وكيل وزير الصحة؟.

اعرف شوية ،ليش؟.

تعرف هسه وين؟.

لا.

هسه يا عيني واغاتي نائب في البرطمان.

أي شكو بيها.

بس عاد ترى طكت روحي منك اشكد صاير دهري.

أي فهمني.

ولك صار عضو بلجنة الامن والدفاع في البرطمان.

هم شكو بيها، قابل الاخرين احسن منه.

ما افتهمت.

عمي.. مو كالوا الصحة تاج على رؤوس الاصحاء .. والتاج هو للملوك واصحاب السلطة وذولة مايكون عندهم سلطة فعلية اذا مو يسيطرون على الامن والدفاع لأنك تعرف ناسنا ينتظرون كل كم سنة بيان رقم واحد.. افتهمت ؟.

لا، بس اللي افتهمه ان القانوني ينضم الى لجنة قانونية والتربوي ينضم الى لجنة تربوية وهكذا.

حبيبي هذا المنطق مال ايام زمان.. لدينا كما قال دكتورنا العزيز جعفر المظفر امس “اطلب العلم من المهد الى اللحد وبما ان اللحد من طين فمن الطبيعي ان نبني مدرسة من الطين” ويشتغل النائب البرطماني في السياسة والاقتصاد والمنوعات وتقديم النكت السياسية مع استعراض لكتبه الجديدة في طبخ الباميا والخيار الفقوس والجاجيك الحامض.

هسه افتهمت؟.

لا بعدني.

عيني روح الى بيتكم احسن قبل ما ابتلي بيك.

قبل ما تطردني اريد انقلّك ما يكولون بالشارع.

يقال ان “حاكم الزاملي اشتهر في فترة حكم رئيس الوزراء ابراهيم الجعفري بانه “جزار” وزارة الصحة كما يقول مناوئيه، حيث يتهموه بقيادة مجموعات من الميليشيات المتخصصة في خطف الناس من وزارة الصحة والمستشفيات والمراكز الصحية ومن ثم قتلهم ورمي جثثهم في مكبات النفاية، بل وصل الحال به ان شكل كتيبة ميليشياوية مهمتها مراقبة الناس الذين يأتون الى مستشفى الطب العدلي وثلاجات الموتى للبحث عن ابنائهم، واذا عرف ان السائل من مذهب او ديانة اخرى تقوم مجموعة الميليشيات التي تتبنى حراسة مجمعات وزارة الصحة بواجبها على اكمل وجه.

ولك عمي هاي تهمة كبيرة.. ارجو الا تظلم الرجّال.

ناقل الكفر ليس بكافر.. ولكن اولاد الملحة يسألون ببراءة لاتشبه براءة اخوة يوسف حين قرأوا في وسائل الاعلام مايشيب له الراس:

1- من الذي اختطف الدكتور علي المهداوي الذي كان مرشحا

لاستلام منصب وكيل وزير الصحة، حيث تم استدعاءه الى مبنى وزارة الصحة، وحينها تم اختطافه هو ومجموعة من حراسه من داخل بناية وزارة الصحة ولم يعرف له على اثر لحد الان.

2- من الذي اختطف عمار الصفار النائب الثاني لوزير الصحة رغم انه كان مرشحا عن حزب الدعوة؟.

3- “اعتقلت القوات الامريكية حاكم الزاملي وسلمته الى القضاء العراقي بتهمة اختطاف العشرات من الابرياء حيث اعترف بعد اعتقاله مباشرة على وزير الصحة وقدم للمحققين الأمريكان أسماء 61 من قادة فرق الموت في بغداد والنجف والسماوة واعترف باستخدامه عربات الاسعاف لنقل الأسلحة ونقل المختطفين الى منطقة خلف السدة لقتلهم هناك”.

4- وتقول وسائل الاعلام ايضا.. بما ان القضاء العراقي “نزيه” جدا، فقد تم اسقاط التهم الموجهة ضد حاكم الزاملي ومن ثم تم اطلاق سراحه بعد ان عجز الشهود واصحاب الدعاوى من الوصول الى المحكمة للادلاء بشهاداتهم.

فاصل بلا ذمة: امتنع 115 نائبا عن تقديم ذممهم المالية الى هيئة النزاهة البرلمانية للعام المنصرم.

ياهيئة النزاهة.. يامنزهين.. أي غير يكون عند ذوله النواب ذمة بالاول حتى يقدمون الذمة المالية .. ترى انتو بطرانين.     تواصل مع محمد الرديني فيسبوك

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment

وَلَلمَوتُ خَيرٌ لِلفَتى مِن حَياتِهِ

ولَلمَوتُ خيرٌ للفتى من حياتِه …  إذا لم يَثِبْ للأمرِ إلاّ بقائدِ

فعالجْ جسيماتِ الأمورِ، ولا تكنْ… هبيتَ الفؤادِ همهُ للوسائدِ

إذا الرِّيحُ جاءَت بالجَهامِ تَشُلُّهُ… هذا ليلهُ شلَّ القلاصِ الطَّرائدِ

وأَعقَبَ نَوءَ المِرزَمَينِ بغُبرَة ٍ… وقطٍ قليلِ الماءِ بالَّليلِ باردِ

كفى حاجة َالاضيافِ حتى يريحها… على الحيِّ منَّا كلُّ أروعَ ماجدِ

تراهُ بتفريجِ الأمورِ ولفِّها لما… نالَ منْ معروفها غيرَ زاهدِ

وليسَ أخونا عند شَرٍّ يَخافُهُ… ولا عندَ خيرٍ إن رَجاهُ بواحدِ

إذا قيل: منْ للمعضلاتِ؟ أجابهُ: … عِظامُ اللُّهى منّا طِوالُ السَّواعدِ

‎عنترة بن شداد – مفكر حر‎

Posted in الأدب والفن | Leave a comment