حمامات الفاتيكان.. ودجاجات دير الزور

عدنان فرزات : القبس

لحمامات السلام البيضاء قصة غريبة مع الفاتيكان، أو تحديداً مع البابا الراحل بولس الثاني والبابا الحالي بنديكت السادس عشر، فبينما كان الأول يسير قبل سنوات في استعراض جماهيري، وإذا بحمامة بيضاء تقف على رأسه، وأمام دهشة الناس الغفيرة قال البابا جملة ذكية تدل على سرعة بديهة «لقد عادت إلى عشها»، ثم حدث موقفان آخران في عامين متتاليين عن الحمام في الفاتيكان في عهد البابا الحالي بنديكت السادس عشر، فبينما كان يطلق، العام الفائت، حمامتين من شرفة الفاتيكان إلى الفضاء الخارجي، فوجئ بهما تعودان إلى الداخل، وقبل أيام، أيضاً، أطلق البابا حمامة بيضاء، وإذا بها تتعرض إلى هجوم من نورس شرس يبدو أنه من الطيور المتطرفة.

حمام الفاتيكان ذكّرني بدجاج كنيسة تاريخية مجاورة لحينا في الطفولة بمدينة دير الزور، وما سأرويه، الآن، هو بمنزلة رسالة من ذاكرة طفل سوري إلى من يحاول أن يروّج لإمكانية وقوع حرب أهلية في سوريا:

خلال السبعينات، كان يعيش قسيس في كنيسة تدعى «كنيسة اللاتين»، ولها اسم عامي نتداوله هو «الكبوشية»، كان يرتدي الثياب السوداء، وله لحية صغيرة بيضاء تمنحه وقاراً وبشاشة في وقت واحد، وإمعاناً في لطافته، فإنه يقوم بتوزيع حبات تمر علينا، نحن مجموعة أطفال خليط من المسلمين والمسيحيين، نقطن في الأحياء المجاورة للكنيسة، ومن دون أن يسألنا عن ديننا، وكان يحضر لنا التمر من نخلة شاهقة تنمو في حديقة الكنيسة. وفي المقابل، كنا أثناء عيد الفصح نهديهم البيض الملون، وأذكر أننا كنا نغلي البيض مع قشور البصل حتى يصبح لونه أقرب إلى الأصفر المعتق، وأحياناً ننقش عليه بعض الزخرفات ونقدمه لهم. وفي أعياد المسلمين، كان قساوسة الكنيسة يشاركون المسلمين احتفالاتهم بالدخول إلى المسجد وإحياء المولد الذي يسبق العيد عند أول الصبح، وكنا ندخل الكنيسة بطريقتين، إما من الباب الرئيسي أثناء الدوام الرسمي للمدرسة الابتدائية التي كانت ملحقة بهذه الكنيسة، وإما أثناء إقامة شعائر الصلاة، حيث تفتح الأبواب فنمضي مع الأطفال الذين يذهب ذووهم إلى الصلاة، فنتسلل نحن إلى الحديقة لنجمع حبات التمر المتساقطة من النخلة.

ذات يوم، اختار أحد الأطفال الأشقياء طريقة أخرى لدخول هذه الحديقة، حيث تسلق سورها المنخفض، وفوجئنا به يصعد من السور حاملاً دجاجة من خم موجود في الحديقة، ثم أسرع هارباً بها نحو بيته، وظنّ الولد أننا سنحميه ونغطي عليه فعلته كونه من ديننا، وكون الدجاجة مسروقة من رجل دين آخر، لكن حساباته جاءت مثل حسابات الغرب اليوم في سوريا، فما كان منا إلا أن ركضنا وراءه وأمسكنا به ثم خلصنا الدجاجة وأعدناها إلى حديقة الكنيسة، وتوجهنا إلى الأب الذي بدا حزيناً لهذا التصرف، وقدّمنا له اعتذاراً طفولياً، ولكنه مؤثر جداً، عن هذا السلوك «المتطرف».

كان تصرفنا، على بساطته، يعكس حقائق أكبر تتمثل في ثقافة التعايش التي زرعها فيها أهلنا في هذه المدينة الصغيرة بجغرافيتها، الكبيرة بوعيها، من أصحاب الديانتين، فعن أي حرب أهلية يتحدثون اليوم؟!

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment

ما حاجتنا لسوريا؟

غلاديسلاف إينوزيميتسيف: مدير مركز دراسات المجتمع ما بعد الصناعي 

موقع “روسيا اليوم”،  نقلا عن صحيفة “فيدومستي” 

من المفترض أن تعمل سياسة روسيا الخارجية لخدمة مصالحها الاقتصادية، أو على الأقل ألا تتناقض معها. قال فلاديمير بوتين في اجتماع لمجلس الأمن بتاريخ 23 كانون الأول/ديسمبر 2005. إن بلدنا “في مجال الطاقة دولة عظمى”. ومنذ ذلك الحين ازداد اعتماد البلاد على تصدير الطاقة، ولذا بات من المنطقي أن تنسق موسكو سياسيا مع الجهات التي تتمتع بالتأثير الأكبر على سوق الطاقة، وهي في مجال تصدير النفط، منظمة “اوبيك” وزعيمتها العربية السعودية. تنتج “اوبيك” حالياً اقل من 30 مليون برميل من النفط في اليوم، من مجمل الانتاج العالمي الذي يعادل حوالي 83.5 مليون برميل، حصة روسيا منها 10.3 مليون برميل. ولو كانت روسيا عضوا في “اوبيك” لتمكنت من التحكم بأكثر من نصف انتاج العالم، ولأصبح رأيها مؤثراً في رسم سياسة الأسعار – وهذا أمر له أهميته في ظروف الأزمة الاقتصادية المحتملة، ولكن علاقاتنا مع “أوبيك” ماتزال بعيدة عن أن تكون مثالية.

مطار الرياض رفض استقبال طائرة “لافروف”!

في 14 تشرين الثاني/نوفمبر من العام المنصرم لم يستقبل مطار الرياض الرسمي طائرة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الذي كان متوجهاً للقاء وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي. كما أن الوزير الروسي غادر ذاك الاجتماع قبل نهايته، بعد ان رفض المجتمعون الاستماع اليه. ربما كان من الأفضل في موقف كهذا عدم الوصول بالأمور الى هذا المستوى من الحدة. وفضلا عن النفط، لنا مصلحة أخرى في الغاز، حيث دولة قطر اللاعب الأساسي في سوقه. لقد زادت قطر انتاجها من الغاز من عام 1991 حتى 2011 من 6.3 مليار الى 146 مليار متر مكعب في العام. واذا حافظت على هذه الوتيرة، فستكون بحلول عام 2021 أكبر مصدر للغاز في العالم. فلماذا لا نطور علاقاتنا الثنائية، ولا نعمق التعاون المشترك معها، ونحصل على تنازلات اقتصادية مقابل تنازلات سياسية. إن ما حدث هو غير ذلك!

هنا لا بد من التساؤل: ألا تتسبب هذه الدبلوماسية بأضرار مباشرة على مصالح روسيا الاقتصادية؟ وما الذي نريد تحقيقه بمثل هذه الخطوات الغريبة؟ الجواب واضح . السبب يكمن في العلاقات الطيبة، والغير مبررة، لنخبتنا السياسية مع الزعماء الدكتاتوريين – المارقين أمثال معمر القذافي و بشار الأسد. ولنتناول الحالة السورية. من وجهة نظر اقتصادية، تعتبر سورية بلدا مدينا لنا منذ زمن بعيد. وحتى بعد عمليتين لشطب الديون، ظلت سورية في عام 2005 مدينة لروسيا بمبلغ 13.5 مليار دولار. وبعد ذلك وقعنا معها عقداً شطب بموجبه 73% من الدين. لماذا تم ذلك؟ وعدت سورية باعادة ما تبقى خلال عشرة أعوام، ولكن ليس نقدا، بل بمنتجات من صناعتها. أين هي تلك البضائع؟ وما حجم ما تم توريده خلال سبع سنوات من السنوات العشر الماضية؟ وبعد هذا “الانفراج” ازدادت وتيرة التعاون في مجال توريد السلاح. أما الصفقة الأخيرة فبلغت قيمتها 3.5 مليار دولار، وتشمل منظومات صواريخ، وطائرات، ومنظومات دفاع جوي. ولم يدفع منها نقدا أكثر من 20%. ويبرز السؤال مرة أخرى. لماذا؟ لمصلحة من تتم مثل هذه الصفقات 

ماذا يفعل أسطول روسيا في المتوسط؟

يقال، أن لروسيا مصالح استراتيجية في قاعدة طرطوس التي يستفيد منها اسطول البحر الأسود. ولكن ما العمليات التي ينفذها الاسطول في حوض البحر الأبيض المتوسط؟ لعلنا فعلا نريد السلام والاستقرار واحترام سيادة الدول في الشرق الأوسط ، غير ان الأحداث تتطور أحيانا لا حسب تلك السيناريوهات التي تعجب الخارجية الروسية. فلنحاول النظر إلى سيرها المحتمل! قريبا يقضي المتمردون على نظام الأسد، وتُنسى الديون الروسية المترتبة على سورية، وتلغى العقود. وإيران، بعد أن تكون فقدت حليفها السوري، تعزز قوة “حماس”، وتسرع بتنفيد برنامجها الرامي لصنع القنبلة النووية.

أما إسرائيل ، فستقوم في هذه الحالة بقطع “الأوكسجين” عن قطاع غزة، وربما ستوجه ضربة استباقية لمنشآت إيران النووية، ما سيستدعي رد طهران. وهنا ستتدخل الولايات المتحدة الأمريكية، ما سيسفر في الحصيلة النهائية عن وضع شبيه بالوضع في العراق عام 1991، اي لن يتم احتلال إيران، ولكن من المحتمل تماما ألا تبقى دولة مستقلة. ومن ذلك كله لن تحصل روسيا على أية منافع، بل ستبقى في ذاكرة البلدان المتزعمة في المنطقة بلدا ساند طيلة خمس سنوات جميع الخاسرين بلا استثناء .

1 بالمئة من سوق الغاز الأوروبي أفضل لنا

ولكن ذلك ليس المرة الأولى بالنسبة لنا، فقد سبق أن أخطأنا، غير أن المسألة الرئيسية ليست هنا. بودي لو أعلم إن كان القادة الروس تحسبوا لسيناريو آخر؟ سيناريو نكون بموجبه مستعدين للتخلي عن “الجالس في دمشق” مقابل تطبيع العلاقات مع السعوديين والقطريين، وحجز مقعد إلى الطاولة التي ستشهد تقرير مصير سورية، والحصول أخيرا من هذا البلد الصديق، ولو على جزء من ديوننا القديمة؟ ولو أننا استعدنا 1% فقط من سوق الغاز الأوروبي لتجاوزت عائداتنا حجم مبيعات السلاح لسورية في السنوات العشر القادمة.

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

عزرا ﭙاوند‎

في أسمى تحليقاته في فضاءات الحرية كتب الشاعر العظيم عزرا ﭙاوند يقول : (( العبد .. هو ذلك الذي ينتظر من سيحرره )) لكن عزرا ﭙاوند دخل الى عبودية العزلة والصمت بإختياره المجبر عليه , منذ عام 1961 وحتى وفاته عام 1972 .

أحد عشر عاماً من الصمت المطبق الذي نادراً ما كان يقول فيه كلمة .. وحين يزوره الضيوف , فكان إما يجلس بينهم بصمت .. أو يتوارى مختفياً في غرفته بالطابق الأعلى , ذات يوم تجرأ أحد الصحفيين وسأله : ( أين تعيش الآن ؟ )

فرد عزرا ﭙاوند بعد طول صمت : ” في الجحيم ” .

ولد عزرا ﭙاوند في بيت جميل في مقاطعة ( إيداهو ) عام 1885 وحين أصبح عمره عاماً ونصف إنتقلت عائلته الى فلادليفيا , حين أصبح في الخامسة عشرة من عمره دخل الى جامعة فلادليفيا ثم إنتقل منها الى كلية هاملتون التي حصل منها على شهادة البكالوريوس , بعدها أتم الماجستير عام 1906 وكان تخصصه في ( فقه الرومانسية ) .

بدأ ﭙاوند بالتدريس في كلية واباش وتمت خطوبته على الشاعرة والروائية الأمريكية ( هيلدا دوليتل ) وكان مقرراً لحياته أن تسير بهذا الإتجاه .. لكنه قام بفعلٍ إعتُبر فضيحة في وقتها أدى الى تغيير مجرى حياته . فقد سمح لفنانة مشردة بالمبيت عنده على غرار ما هو سائد بين فناني الحي اللاتيني في باريس .. لكن هذا الفعل أدى الى فضيحته وطرده من الجامعة بعد 4 أشهر من عمله فيها , والى إنهاء خطوبته أيضا .

بعد هذه الفضيحة إنتقل للعيش في أوربا ثم ذهب الى المغرب , ومنها إنتقل الى مدينة البندقية في إيطاليا , في هذه الفترة صدرت له مجموعته الشعرية الأولى ( مصباح المائدة المطفأ ) بعدها غادر الى لندن , ثم عاد الى مستعمرة جبل طارق البريطانية ليعمل فيها مرشدا سياحياً .

كمتخصص في ( فقه الرومانسية ) كان ﭙاوند متأثراً بأشعار القرن التاسع عشر وأشعار القرون الوسطى , وأشعار الرومانسية الجديدة , والغموض والفلسفات الصوفية التي تعود لتلك الفترة .

حين إنتقل للحياة في بريطانيا كان يؤمن بأن الشاعر ( وليم بتلر ييتس ) هو أعظم شاعر حي على الإطلاق ثم أصبح صديقاً له , وأخذ يعتقد مثله بالجنيات والسحر والأرواح . عاش ﭙاوند مع ييتس لبعض الوقت خلال عامي 14 _ 1915 وأخذا يدرسان الأدب الياباني وخصوصا ( مسرحيات النو ) اليابانية , وتوجت صداقتهما أخيراً بزواج عزرا ﭙاوند من الفنانة ( دوروثي شكسبير ) وهي إبنة الروائية ( أوليفيا شكسبير ) حبيبة ييتس .

أثناء وجود عزرا ﭙاوند في بريطانيا عد واحداً من كبار الفنانين التشكيليين الذين إنبثقت عن أعمالهم ( الحركة التصويرية ) في الفن التي تفرعت عنها ( الحركة الڤورتزمية ) التي أرسى قواعدها الفنان ( وندهام لويس ) والتي لم تستمر غير 3 سنوات , وكان لويس يعتقد أنها حركة مستقلة عن مدارس التكعيبية والمستقبلية والإنطباعية .

كما ساهم ﭙاوند في المجلة الأدبية ( بلاست ) التي جلبت الإنتباه الى أدباء كثيرين من أمثال ( جيمس جويس ) وغيره , كما قام ﭙاوند بنشر قصيدة صديقه ( ت . إس . إليوت ) المعنونة ( الأرض اليباب ) التي حازت على إهتمام الرأي العام .

عام 1915 نشر ﭙاوند مجموعة شعرية صغيرة قام بترجمتها عن اللغة الصينية .. عنوانها ( كاثي ) بأسلوب الشعر الحر , الذي وجد النقاد أن ﭙاوند يستعمل فيه مخيلته الشعرية بأسلوب مميز .

سرعان ما ألقت الحرب العالمية الأولى بظلالها على العديد من الكتاب والشعراء وخيبت أمل عزرا ﭙاوند وإيمانه بالحضارة الغربية الحديثة لذلك سرعان ما غادر لندن الى باريس .

عام 1920 انتقل عزرا ﭙاوند الى باريس وعاش بين حلقة كبيرة من الفنانين والموسيقيين والكتاب من الدادائيين والسورياليين , كما أنه وجد صحبة طيبة في الروائي ( أرنست همنگواي ) الذي طلب منه ﭙاوند أن يعلمه الملاكمة . لكن همنگواي كتب فيما بعد : (( لم أتمكن من تعليمه لكمة الخطافة اليسرى مطلقاً )) .

في هذه الفترة إنشغل عزرا ﭙاوند في كتابة مجموعته الشعرية ( المقاطع ) والتي تركزت مواضيعها في السياسة والإقتصاد . كما كتب المواضيع النقدية والمواضيع المترجمة وأكمل كتابة عدد من الأوبرات , والمقاطع الشعرية التي تصاحب عزف الكمان لأنه في العام 1922 كان قد إلتقى بعازفة الكمان ( أولگا ردج ) وأغرم بها .

ومنذ ذلك الحين تكونت العلاقة الثلاثية التي ربطته بزوجته وعشيقته التي أنجب منها إبنته الوحيدة ماري , ودامت هذه العلاقة الثلاثية حتى نهاية عمره . عام 1924 ترك عزرا ﭙاوند باريس وإنتقل الى إيطاليا وقبل حديثي عن حياته فيها إسمحوا لي بهذا الفاصل . 

ــــــــــ فاصل ثم نعود ــــــــــ

من أجل أن ندخل الى التاريخ الأسود الذي مرت به إيطاليا في العصر الحديث دعونا نتذكر هذه الحكاية :

عشية رشح الممثل الأمريكي ( أرنولد شڤارزنگر ) نفسه كحاكم عن الحزب الجمهوري على ولاية كاليفورنيا عام 2003 تعين عليه القيام بنقلتين على رقعة شطرنج الإنتخابات للتأكد من الفوز : النقلة الأولى هي مغازلة سياسة الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن في حربه العدوانية على العراق , لذلك قام شڤارزنگر بزيارة خاطفة الى بغداد لتعزيز حملته الإنتخابية فزار القصر الجمهوري العراقي وجلس على كرسي رئيس الدولة العراقية وقال جملته الشهيرة التي كان يرددها في فلم الأكشن العنيف ( ترمنيتر ) محوراَ إياها لتصبح : (( إيستا لا ڤيستا صدام حسين )) .

لكنه وقبل يوم واحد من بدء الإنتخابات الفعلية ظهر على شاشات التلفزيون والصحافة الأمريكيه وهو يعد شعب كاليفورنيا بأنه في حالة فوزه (( فإنه سيحب شعبه .. كما كان هتلر يحب الشعب الألماني )) في اليوم التالي سجلت له أصوات الناخبين فوزاَ كاسحاَ على بقية منافسيه ففاز بمقعد حاكم كاليفورنيا .

الزبدة التي أريد الوصول إليها من سرد هذه الحكاية .. هي أن الشعب الأمريكي يدرك بأن هتلر و موسوليني كانوا قادة أحبوا شعوبهم بإخلاص , لكن ذلك الإخلاص كان يتعارض مع المصالح الأمريكية حول العالم .. لذلك تم تسقيط الرجلين والنيل من الحزبين النازي والفاشي بإعتبارها أحزاباَ مجرمة بحق الإنسانية في الوقت الذي لو طبقنا العدالة على الكل فإن جرائم الدولة راعية الديوموكرسي ستحتل موقع الصدارة في القائمة .

تبدأ المأساة الإيطالية منذ العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر حين إنبثقت إيطاليا كقوة إستعمارية جديدة في العالم بعد أن وضعت تحت حكمها كل من الصومال وأرتيريا ثم ليبيا وحوالي 160 جزيرة يونانية صغيرة في بحر إيجة تعرف بإسم جزر الدوديكانز وجزيرة رودس , ومقاطعة تيانجين الصينية .

أما خلال الحرب العالمية الأولى فقد بقيت إيطاليا بلداَ محايدا َ حتى توقيع معاهدة لندن عام 1915 فدخلت الحرب الى جانب الحلفاء على أمل أن تتلقى بعد الحرب غنيمة حكم أجزاء من الإمبراطورية النمساوية المجرية التي كانت تعرف بإسم ( دلمسيا ) إضافة الى أجزاء واسعة من الإمبراطورية العثمانية . إنهار الإقتصاد الإيطالي نتيجة هذه الحرب , إضافة الى خسارة ما يزيد على نصف مليون جندي ماتوا على جبهات القتال .. لكن إيطاليا المنتصرة في الحرب لم تُمنح ربع ما وُعدت به في معاهدة لندن التي دخلت الحرب بموجبها .

الأوضاع الصعبة التي خلفتها الحرب العالمية الأولى داخل إيطاليا , إضافة الى خوف ملك إيطايا من تفشي المفاهيم البلشفية في إيطاليا قادمة من روسيا مما يؤدي للأطاحة به , أدى الى الإلتفاف حول ( الحزب الوطني الفاشي ) الذي يتزعمه ( بينيتو موسوليني ) وكان موسوليني قد أسس الحزب الفاشي عام 1917 تحت إشراف المخابرات البريطانية التي كانت تدفع له مقابل تأسيس الحزب راتبا َ شهرياَ مقداره 100 جنيه إسترليني .. والحزب الفاشي يتبنى المفاهيم الإشتراكية لكنه يعادي البلشفية , محاولة من بريطانيا لمنع إنتشار البلشفية في أوربا مما سيلحق الضرر بمصالحها .

سبب مهم من أسباب نجاح الحزب الفاشي في إيطاليا هو معارضته لنظام التمييز الإجتماعي على أساس الطبقات , وكل أنواع الصراع الطبقي .. حيث إستعاض الفاشيون عوضاَ عن نظام الطبقات بالنظرية القومية التي تراعي مبدأ الوحدة الوطنية التي تخلق مجتمعاَ قوياَ بغض النظر عن الفئة التي ينتمي إليها الفرد . وكان الحزب يهدف من وراء ذلك الى إعادة إيطاليا الى أيام مجد الإمبراطورية الرومانية .

موسوليني كان معجباَ بفلسفة أفلاطون وبالتحديد بكتاب الجمهورية الذي يتحدث عن المدينة الفاضلة التي تبني الفرد بطريقة صارمة في طاعة النظام وتعزيز الطابع العسكري للدولة , والإنتاج الدائم للمحاربين والحكام المستقبليين , ومطالبة المواطنين المدنيين بأداء واجباتهم بما يحمي مصلحة الدولة .

وفي حين أن جمهورية أفلاطون هي ليست أكثر من ( يوتوبيا ) أو فرضية خيالية تركز على العدالة والأخلاق ولا يمكن تحقيقها على أرض الواقع .. فإن الفاشست تمكنوا تحقيق بناء واقعي يركز على تحقيق أهداف سياسية .

عام 1922 قام الحزب الوطني الفاشي بمحاولة إنقلاب ضد الملك ( ڤكتور إيمانويل الثالث ) لكن بريطانيا راعية الطرفين تدخلت لحل الخلاف بينهما , مما أدى الى تحالف الملك مع موسوليني ومنحه منصب رئيس وزراء إيطاليا .

تحت إدارة موسوليني للبلد أصبحت إيطاليا من جديد قوة إستعمارية تفرض إنتشارها في العالم وبإحتلالها الخاطف لأثيوبيا عام 1935 تم طردها من ( عصبة الأمم ) التي أسسها الأمريكان والبريطانيون بعد الحرب العالمية الأولى , لذلك لم يجد الحزب الفاشي بداَ من التحالف مع ألمانيا النازية في معاهدتي 1936 و 1938 .

قبل إندلاع الحرب العالمية الثانية بحوالي 6 أشهر قامت إيطاليا بإحتلال ألبانيا التي تفرض عليها سيطرة غير مباشرة منذ عقود من السنين وحين إندلعت الحرب العالمية في 1 أيلول 1939 دخلت إيطاليا الى الحرب بعد 13 شهراَ من بدايتها بغزوها لليونان عبر اراضي ألبانيا في أكتوبر 1940 .

خسارة معركة العلمين جعل القوات الإيطالية تضطر الى الإنسحاب الى قواعدها في تونس وهذا ما سمح لقوات الحلفاء ملاحقة الألمان حتى صقلية . سقوط صقلية بيد الحلفاء , وشحة الفحم والنفط مما أدى الى تذمر تذمر شعبي واسع في إيطاليا , ثم قيام الحلفاء بقصف روما لأول مرة في تاريخ الحرب جعل الملك الإيطالي الذي يحاول حماية عرشه من السقوط يقوم بعزل موسوليني عن منصبه كرئيس للوزراء ويأمر بإلقاء القبض عليه وبعد يومين من ذلك وقّع الملك على إتفاقية الهدنة بين إيطاليا ودول الحلفاء .

من شروط الهدنة كان حل الحزب الفاشي وتسليم موسوليني الى الحلفاء كمجرم حرب وإعلان الحرب على ألمانيا , اذاك سارعت قوة ألمانية خاصة بالوصول الى المعسكر المجهول الذي يحتجز فيه موسوليني وأنقذته من أسره ولاحق الألمان كل من : الملك , ولي العهد , ورئيس الوزراء الجديد للإطاحة بهم , لكن هؤلاء هربوا الى الجنوب الإيطالي .

حين إلتقى موسوليني بهتلر كان عليه أن يقرر بين خيارين : أما أن يقوم هتلر بالدخول الى ميلانو وجنوة وتورينو لمواجهة الحلفاء فيها , وإما أن يقوم موسوليني بتشكيل دولة في شمال إيطاليا تقوم بصد الحلفاء عن الوصول الى ألمانيا . إختار موسوليني الخيار الثاني وقام بتأسيس ( جمهورية إيطاليا الإشتراكية ) والتي تعرف رسمياَ بإسم ( جمهورية سالو ) لأن موسوليني كان يباشر الحكم فيها من مدينة سالو .

عام 1943 دخلت قوات الحلفاء الى إيطاليا من الجنوب , فأصبحت إيطاليا بأجمعها ساحة للقتال بين الحلفاء وقوات المحور التي تتمركز في الشمال , وحين تم إسقاط موسوليني في نهاية العام , إستسلمت إيطاليا في الحرب , بخسارة حوالي نصف مليون إيطالي قتلوا خلال مدة لا تتجاوز عشرة أشهر . وتشكل من الإيطاليين حوالي ربع مليون مقاتل من مقاومي الإحتلال تمت إبادة حوالي سبعين ألف منهم , أما الإيطاليين الذين أخذوا أسرى الى معسكرات الإعتقال الروسية فقد مات منهم ما يقارب الخمسين ألفاَ . 

عام 1946 وضعت الحرب أوزارها وكان ينبغي تقسيم غنائمها , ولأن الملك الإيطالي كان يريد أن يحمي عرش بلاده من الكوارث التي وقعت في عهده , لذلك تنحى عن العرش .. وسلم حكم البلاد الى إبنه ولي عهده الذي أصبح يعرف بإسم ( الملك أمبرتو الثاني ) الذي لم يحكم غير شهر واحد .. فقد تم إجباره كملك لدولة محتلة على القبول بإستفتاء شعبي حول تفضيل المواطن الإيطالي لنوع نظام الحكم المقبل هل هو ملكي أم جمهوري ؟

ولتسقيط الملكية , وفي مثل أي دولة محتلة .. تم في الحال نشر إشاعات في عموم إيطاليا وهي مجتمع مسيحي كاثوليكي محافظ عن الشذوذ الجنسي للملك , فقد قيل وقتها إن موسوليني كان يحتفظ بألبوم صور للملك بوضعيات مختلفة يهدده بها دوماًَ.. وهو كلام كاذب طبعاَ لأنه مما يرافق الإنتخابات والإستفتاءات الشعبية .

كما تم حرمان وصول المواطنين الى صناديق الإستفتاء بطرق مختلفة .. إضافة الى التزوير في نتائج الإستفتاء , ورغم كل هذا فقد ظهرت نتيجة الإستفتاء تريد تغيير نظام الحكم الى الجمهوري بنسبة 54% فقط .. عندها أعلنت إيطاليا جمهورية , وقامت الولايات المتحدة الأمريكية بالإستيلاء على مستعمراتها .. فحلت محلها منذ ذلك الحين في إستعمار تونس وليبيا وأثيوبيا وأرتيريا , جزر الدوديكانز أعيدت الى اليونان , ألبانيا منحت الى الإتحاد السوفييتي كدولة إشتراكية . مذابح الصومال لحد اليوم تبدأ من الصومال التي كانت إيطالية , الملك أمبرتو الثاني عاش منفياَ في البرتغال 37 عاما َومات فيها عام 1983 . 

ـــــــــ إنتهى الفاصل ـــــــــــ

حين قدم عزرا ﭙاوند الى إيطاليا عام 1924 كان رجلاً بالغاً عاقلاً في التاسعة والثلاثين من العمر وحين إستقر في صقلية فإنه سرعان ما تعلم النحت إضافة الى تنظيمه لحفلات الموسيقى السمفونية الكلاسيكية وبالأخص معزوفات الموسيقار ( ڤيڤالدي ) , كما بدأ ينشر ويكتب في الصحافة . عام 1933 كانت له مقابلة شخصية مع رئيس الوزراء الإيطالي موسوليني قدم له فيها نسخة من ديوانه ( المقاطع ) .

بعد ذلك تم تكليف عزرا ﭙاوند بتقديم برنامج إذاعي من إذاعة روما , وفي برنامجه كان متعاطفاً مع الفاشية وضد البلشفية حيث نستمع إليه في إحدى الحلقات يقول : (( كل من يملك حساً سليماً … إضافة الى ذلك النائب البريطاني غريب الأطوار , يعلم أن العقلاء يفضلون الفاشية على الشيوعية في لحظة معرفتهم بعض الحقائق الملموسة عن كل منهما )) .

حين إندلعت الحرب العالمية الثانية عام 1939 كان عزرا ﭙاوند يعمل في الإذاعة الإيطالية لقاء أجر , وكان يكتب للعديد من الصحف معارضا سياسة الولايات المتحدة المريكية التي دخلت الحرب الى جانب الحلفاء بعد موقعة ( بيرل هاربر ) عام 1941 .

في سلسلة أحاديثه من إذاعة إيطاليا كان يتحدث عن ( الربا ) الذي تجنيه البنوك المركزية من حكومات الدول وكيف أنها بواسطة الديون إستطاعت التسلل الى القرار الحكومي الأمريكي والبريطاني بخوض الحرب وكيف أنها وبنفس ذلك المال كانت قد إشترت الصحف والإذاعات التي تروج للحرب وكان يدعو الى الحرية الإقتصادية , وكان يتحدث عن دعايات الحرب المناهضة للنازية والفاشية بإعتبارهما ضد اليهود , وقد عدت الولايات المتحدة الأمريكية كل ذلك فيما بعد مما يقع تحت طائلة ( معاداة السامية ) .

في الحقيقة كان هناك العديد من الأمريكان في تلك الفترة الذين يؤمنون بكل كلمة كان يقولها عزرا ﭙاوند عبر الميكرفون عن السياسية العدوانية للولايات المتحدة الأمريكية أثناء الحرب العالمية الثانية , وعن طبيعة وأسباب القتال الأوربي , وعن قوة اليهود المتنامية بسبب الدعم الأمريكي , وكانت هذه الأحاديث تسجل أولاً بأول من قبل جهاز ( مراقبة الإذاعات الأجنبية ) في الحكومة الأمريكية وتسجيلاته محفوظة حتى اليوم في مكتبة الكونغرس الأمريكي .. وبناءا على ذلك تم توجيه تهمة ( التمرد ) الى عزرا ﭙاوند عام 1943 .

حين أسس موسوليني ( جمهورية إيطاليا الإشتراكية ) في شمال إيطاليا بعد أن حرره الألمان من السجن الذي وضعه فيه الملك في أيلول 1943 فإن عزرا ﭙاوند إرتحل هو أيضاً الى الشمال ليعمل في إذاعته , وحين سقطت جمهورية موسوليني في مايس 1945 تم إعتقال عزرا ﭙاوند من قبل الجيش الأمريكي الموجود في إيطاليا ( جنوة ) ثم تم ترحيله الى معسكر الإعتقال الأمريكي في ( بيزا ) حيث وضع لمدة 25 يوم في قفص في العراء قبل أن يتم إعطاؤه خيمة يحتمي بها وكان متألماً جداً , يتضح ألمه من خلال المقاطع الشعرية التي كتبها خلال إعتقاله وكان يرثي بها خراب أوربا , ويرثي بها نفسه , ويرثي العالم الحر .

كانت شهادة الروائي جورج أرويل عن عزرا ﭙاوند في العام 1949 تقول : (( كان ﭙاوند أحد الأتباع المتحمسين لموسوليني منذ العشرينات من هذا القرن ولم يخف ذلك , كما أود القول بأنه لم يكن مؤيداً للنازية بشدة , أو ضد الروس , لكن دافعه الحقيقي هو كراهيته لبريطانيا وأمريكا واليهود , وأتذكره على الأقل في واحد من برامجه المذاعة , لم يكن يعترض على المذبحة التي تعرض لها اليهود في أوربا , بل كان يحذر من الدور الحالي والمقبل لليهود الأمريكان )) .

حين تم إحضار عزرا ﭙاوند الى داخل الولايات المتحدة الأمريكية وجهت تهمة التمرد إليه , وتم التحقيق معه عن نشاطاته في خدمة جمهورية موسوليني .. ولإصراره على آرائه ومبادئه فقد وجد من قبل ( هيئة محلفين فيدرالية خاصة ) مختلاً عقليا ً حيث تم إرساله الى ( مستشفى سانت إليزابث للأمراض العقلية ) في واشنطون حيث أمضى فيها 12 عاماً تمتد من عام 1946 وحتى عام 1958 .

وخلال هذه الفترة كان يعكف في مستشفاه على كتابة المقاطع الشعرية في الجزء الذي يعرف ب ( الكلاسيكيات الكونفشيوسية ) .

كما صدرت له وهو في مستشى الأمراض العقلية مجوعته الشعرية ( قصائد عزرا باوند ) عام 1951 وكان له العديد من المعجبين بشعره والأصدقاء الذين يزورونه في المستشفى , ولذلك نسق عدد منهم حملة من أجل إطلاق سراحه من المستشفى فتم ذلك .

مباشرة بعد خروجه من المستشفى غادر الولايات المتحدة الأمريكية وعاد الى إيطاليا في تموز 1958 وعندما سئل عن أحتجازه في مستشفى الأمراض العقلية قال : (( لا لم أكن فيها لفترة طويلة , غادرت المستشفى وكنت في أمريكا وجميع أمريكا هي ملجأ مجانين )) .

منذ العام 1961 دخل عزرا ﭙاوند في العزلة والصمت بإرادته إحتجاجاً على زيف العالم وبطلان الكلمات , وكان نادراً ما يتكلم .

وبعد يومين من عيد ميلاده 78 غادر العالم كواحد من أعظم المبدعين الذين عاشوا في القرن العشرين ودفن في إيطاليا .. بين البشر الذين أحبهم وأحبوه بأسمى معاني الإخلاص .   ميسون البياتي – مفكر حر؟

Posted in الأدب والفن, دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

أرخبيل القُـلُّـغْ‎

مضحكة مبكية هي الطريقة التي تعاملت بها معنا دور النشر والترجمة العربية على مدى نحو قرن من الزمان وهي تترجم لنا أسماء أعلام في الأدب .. وأسماء أعمال عالمية مشهورة ومعروفة .. مثلما كان الفنان خالد الذكر سليم البصري ( حجي راضي ) يترجم بها رسالة مكتوبة باللغة العربية على أنها مكتوبة باللغة الهندية وهو أساساً لا يعرف القراءة والكتابة لا باللغة العربية ولا باللغة الهندية .

بطريقة الحجي راضي تمت ترجمة إسم الكاتب الروسي السوفييتي ( ألكسندر إسياڤيچ سولزنچن ) الى ( ألكسندر سولجينتسين ) . أما أهم مؤلفاته وهي رواية ( أرخبيل القُـلُّـغْ ) بمعنى أرخبيل السجن أو أرخبيل المعتقل , فقد تمت ترجمتها الى ( أرخبيل الغولاغ ) أو ( أرخبيل لاغولاغ ) أما كيف حدثت هذه الترجمة فإليكم الحكاية : حين كانت الدولة العثمانية تحكم أجزاء واسعة من قارتي أسيا وأوربا وسواحل الجزيرة العربية والعراق ومصر , كانت كلمة ( القُـلُّـغْ ) كلمة تركية تعني السجن أو المعتقل الذي بناه الولاة العثمانيون في كل ولاية عثمانية لتغييب المعارضين والخصوم , وبقيت كلمة القلُّغ رهيبة تشير الى معنى التغييب وراء الشمس .. وما زلنا باللهجة العراقية الدارجة نستعمل هذه الكلمة حتى اليوم للإشارة الى نفس المعنى .

بنفس الطريقة دخلت هذه الكلمة الى التعابير العامية الروسية .. ووجدها الروائي الروسي سولزنچن طريقة مناسبة للتعبير عن أرخبيل ( التغييب وراء الشمس ) فعنون الرواية بهذه الكلمة . لكن لأن الأستاذ المترجم يعرف اللغة الروسية فقط .. ولا يعرف بعض الكلمات التركية الداخلة عليها لذلك إعتبر كلمة ( گُـلَّـگْ ) أو ( قُـلُّـغْ ) إسماً لايجوز التلاعب به أو ترجمته وإنما نقله كما هو .. وإمعاناً فلأن اللغة العربية لا تحتوي على الصوت ( گ ) لذلك ترجمت كلمة ( گُـلَـگ ) الى ( غولاغ ) بمد الضمة والهمزة أيضاً .

ولد سولزنچن يوم 11 ديسمبر 1918 وعاش حتى 3 آب 2003 وكان مؤرخاً وروائياً وكاتباً درامياً منحت له جائزة نوبل في الأدب عام 1970 وهي جائزة مسيسة دولياً لا تمنح إلا لمن تزكيهم الولايات المتحدة الأمريكية من أصدقائها ورعاياها ولهذا حاز على أغلب من نصف جوائزها باحثون يهود .. أما في حالة سولزنچن والكاتب السوفييتي الآخر بوريس باسترناك .. فلم تمنح لهما الجائزة إلا كنوع من الحرب ( الدعائية ) الباردة ضد الإتحاد السوفييتي .. في حين حرم منها كاتب أمريكي بارع مثل عزرا ﭙاوند مع أنه يستحق أكبر من جائزة نوبل في الأدب .. لا لشيء إلا لأن حظه أوقعه على الجانب المغلوب في الغربلة الأخيرة للتوجهات الأمريكية العدوانية على العالم خلال الحرب العالمية الثانية .

رب سائل يسأل: جائزة نوبل جائزة سويدية يمنحها ملك السويد للفائزين بها فما علاقة الولايات المتحدة الأمريكية بهذه الجائزة ؟ والجواب جداً بسيط حيث سنرجع قليلاً الى الوراء لتتبع تاريخ السويد .

خلال القرنين 18 و 19 شهدت السويد زيادة سكانية كبيرة وكانت بلداً زراعياً فقيراً , لهذا بدأت هجرة سكانها الى الولايات المتحدة الأمريكية بأعداد غفيرة زادت على نسبة 1% من مجموع السكان سنوياً خلال تسعينات القرن الثامن عشر, ورغم هذه الهجرة العالية النسبة إلا ان السويد بقيت مهددة بالمجاعة لأنها تعتمد على الزراعة فقط في حين بدأت جاراتها من الدول الإعتماد على التصنيع إضافة للزراعة . يقال أنه حتى العام 1910 كان أكثر من مليون سويدي قد هاجروا الى الولايات المتحدة الأمريكية , وعن طريق هذه الجالية السويدية تمكن الأمريكان إدخال نفوذهم الى السويد شيئأً فشيئاً .

يتجلى النفوذ الأمريكي واضحاً في السويد خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية , ففي حين أعلنت السويد حيادها في الحرب , والحياد كلمة مطاطة قابلة لكل الإحتمالات , لذلك كانت السويد تتبع نفس سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في تغذية الحربين . الأمريكان أقرضوا الألمان والبريطانيين المال لبناء الغواصات الحربية لقتل بعضهما , وباعوا السلاح والذخيرة والغذاء للطرفين , وكان من مصلحة الأمريكان أن يطول أمد الحرب فتذبح دول أوربا بعضها بعضاً لتضعف جميعها ويصبح من السهل أن ترتهن بلدانها بيد الإدارة الأمريكية .

بالمثل فالسويد وبإعتبارها ( محايدة ) قدمت الكثير من التنازلات لألمانيا وزودتها بالكثير من إحتياجاتها وأهم تلك الإحتياجات هو الحديد والصلب اللازم لصناعة السلاح الألماني .. لكنها من ناحية أخرى ساندت المقاومة النرويجية ضد الألمان , ومنحت يهود الدنمارك الملجأ فأنقذتهم من الترحيل على يد الألمان الى معسكرات الإعتقال .

رغم إدعاء السويد حياديتها إلا أنها ومنذ بداية ستينات القرن الماضي كانت قد وقّعت إتفاقيات عسكرية سرية مع الولايات المتحدة الأمريكية , سمحت للأمريكان بموجبها ومنذ ذلك الوقت بنشر غواصاتهم النووية قبالة سواحل السويد في بحر الشمال وخليج كاتيغات المطل على بحر البلطيق فإمتلأ بحر البلطيق بالغواصات النووية الأمريكية .. علمأ بان هذه الإتفاقية العسكرية مع الأمريكان بقيت سرية حتى العام 1994 .

من الطبيعي أن يرافق كل هذا التعاون العسكري , كم هائل من المساعدات المالية , التي يصاحبها نوع من ( التطبيع ) أو ( التبعية ) الثقافية , لذلك أصبحت جائزة نوبل جائزة أمريكية بإمتياز تمنح الى ( حبايب ) السياسة الأمريكية على أنها جائزة عالمية أوربية .

ونعود الآن مرة أخرى الى سولزنچن فنقول إن والدته كانت فتاة أوكرانية تدعى ( تايسيا ) قدمت الى موسكو للدراسة , وفي موسكو تعرفت على والده ( إيزاكي ) الذي كان يعمل ضابطاً في الجيش القيصري وأصله من منطقة جبال القوقاز , بعد زواجهما قتل الزوج في حادثة صيد بينما كانت هي حاملاً بولدهما الوحيد ( ألكسندر ) الذي حين قدم الى الحياة رعته أمه وعمته , وقد تحدث سولزنچن عن كل هذه الحكاية في روايته ( آب العجلة الحمراء 1914 ).

ترافقت سنوات حياة سولزنچن الأولى مع سنوات الثورة الروسية , وبحلول عام 1930 كانت الأرض التي تملكها عائلته قد تحولت الى ( تعاونية زراعية ) لذلك إضطرت والدته الى العمل بشكل قاسي من أجل تدبير أمور عيشهم , كما إضطرت العائلة الى إخفاء السر بكون رب الأسرة كان ضابطاً في الجيش القيصري , وكانت والدة سولزنچن المثقفة والتي لم تتزوج مرة ثانية تشجع طموح ولدها العلمي وكتابته الأدبية , كما أنها ربته مسيحياً أرذودوكسياً لكنها ماتت وهو في سن الخامسة والعشرين , وكان ذلك عام 1944 .

درس سولزنچن الرياضيات في جامعة روستوف , بينما كان في نفس الوقت يدرس الفلسفة والتاريخ والأدب بالمراسلة في معهد موسكو , ويعترف هو بنفسه أنه لم يجادل الأفكار الواردة في تلك الدروس أو مدى تدخل الدولة السوفييتية في السيطرة على الأحكام الفكرية والعقائدية الواردة في مواضيعها .

تزوج سولزنچن يوم 7 نيسان 1940 من طالبة كيمياء تدعى ( ناتاليا ريشتوڤسكايا ) وتطلقا عام 1952 أي قبل عام واحد من صدور روايته ( أرخبيل القلغ ) لكنه عاد إليها عام 1957 ثم تطلقا من جديد عام 1972 . ويظهر أن سولزنچن كان موعوداً بإسم ناتاليا لأن زوجته الثانية المتخصصة في الرياضيات كانت تدعى ( ناتاليا سڤيديلوفا ) وكانت له معها علاقة قبل الزواج . حين تزوجها عام 1973 كان لهما ثلاثة أولاد : ( يرمولي ) 1970 , ( أگنات ) 1972 , و ( ستيبان ) 1973 .

خلال الحرب العالمية الثانية خدم سولزنچن في الجيش الأحمر وشارك في مهمات قتالية على الجبهة , ونال مرتين الأوسمة على قتاله , ونشر تلك الفترة روايته ( حب الثورة ) ولم تكن هناك شائبة تشوب علاقته بنظام دولته .

في شباط 1945 وكان سولزنچن يخدم الجندية على جبهة بروسيا الشرقية , متعباً من الحرب وقلقاً بشأن مصيره فيها , ومثل أي جندي في مثل حالته حيث بدأ بالتذمر من القتال وجدواه .. وكان قد كتب بعض التعليقات حول ( إدارة ستالين الفاشلة للحرب ) في رسالة الى صديقه ( نيكولاي ڤيتكڤيچ ) وحين وقعت الرسالة بيد السلطات وجهت لسولزنچن تهمة ( معاداة الدعاية السوفييتية ) تحت المادة 58 البند العاشر و( تأسيس منظمة معادية ) تحت البند الحادي عشر من نفس المادة .

أُقتيد الى سجن ( لوبيانكا ) في موسكو حيث تم التحقيق معه تحت الضرب ثم حكمت عليه المحكمة بالسجن 8 سنوات , وكانت تلك عقوبة بسيطة تصدر بحق متهم تحت المادة 58 البندين 10 و 11 من قانون العقوبات السوفييتي .

كان الجزء الأول من عقوبته أن يخدم في معسكرات سجن مختلفة أما ( المرحلة المتوسطة من العقوبة ) كما سماها هو لاحقاً في كتاباته , فقد أمضاها في ( شاراشكا ) وهي منشأة خاصة للبحوث العلمية التي تديرها وزارة أمن الدولة , فيها إلتقى ب ( ليڤ كوﭙليڤ ) الذي تحدث عنه سولزنچن في روايته ( الدائرة الأولى ) التي صدرت في الغرب عام 1968 .

عام 1950 تم إرساله الى معتقل خاص للسجناء السياسيين يقع في مدينة ( إكباستوز ) الكازاخستانية حيث عمل في هذا المعسكر : حدّاد , سبّاك , وبنّاء , وخبراته في المعسكر شكلت الأساس لروايته التي صدرت فيما بعد بعنوان ( ذات يوم من حياة إيڤان دنيزوڤيچ ) .

خلال هذه الفترة دخل سولزنچن الى المستشفى وأجريت له عملية إزالة ورم .. لم يشخص وقتها على أنه سرطان .

إنتهت محكوميته عام 1953 وبدلاً من إطلاق سراحه تم نفيه لما تبقى من حياته الى ( كوك تيريك ) جنوب كازاخستان .

السرطان الذي لم يكن مشخصاً بدأ الإنتشار في جسمه وأوصله الى حافة الموت في نهاية العام . عام 1954 تم السماح له بالسفر الى طاشقند لتلقى العلاج فيها وكانت معاناته المرضية وإقامته في جناح مرضى السرطان في المستشفى هما المادة الخام لكتابة روايته ( جناح السرطان ) .

خلافاً للرأي السائد الذي يقول بأن سولزنچن كان قد تقاطع مع الماركسية منذ هذه اللحظة من عمره لأنه إتفق مع فلسفة وعقيدة دينية رافقته منذ تلك الفترة وحتى نهاية حياته .. إلا أنني لا أرى فيما قام به تقاطعاً مع الماركسية بل أرى فيه صورة رجل جاوز الخامسة والثلاثين من عمره .. مصاب بالسرطان في مراحله المتقدمة .. ويفكر في الموت والإبتعاد عن حياة عاشها باليتم وضياع الحق .. ثم تعليم محدود .. وخدمة عسكرية على جبهات الحرب العالمية الثانية الضارية .. ثم إتهام بتهمة جاهزة رداً على بضع كلمات ناقمة من الحرب كتبها في رسالة , أعقبتها 8 سنوات من السجن في معتقلات عتيدة .. الدولة السوفييتية هي التي صنعت من سولزنچن معارضاً .. ولولا تلك العقوبة وذلك السجن لما تحول كاتبنا الى ما هو عليه اليوم .. ثم بعد السجن جاءه النفي .. وفي المنفى أدرك إصابته بالسرطان في مراحله المتقدمة … كل باحث نفسي منصف سيتفق معي على تسمية عودة سولزنچن الى أحضان الدين وفلسفته الغيبية ب (الإرتداد النكوصي ) الذي رافقته نقمة على الدولة السوفييتية ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون تقاطعاً مع الماركسية

حين وصل خروشوف الى السلطة وتقاطع مع السياسة الستالينية عام 1956 تم إعفاء سولزنچن من النفي فعاد الى روسيا , بدأ بالتدريس في مدرسة متوسطة وبدأ الكتابة التي إستمرت حتى عام 1961 وبموافقة من خروشوف كانت مقاطع مطولة من روايات ( جناح السرطان ) و ( ذات يوم من حياة إيڤان دنيزوڤيچ ) تدرس في المدارس في عموم الإتحاد السوفييتي كنوع من أنواع نقمة خروشوف على العهد الستاليني .

كلنا يعرف أن خروشوف ورغم أزمة الصواريخ الكوبية ورغم كلماته المتشنجة وصوته العالي وضربه منصة الأمم المتحدة بالحذاء أثناء خطبة القاها أمام الجمعية العامة , إلا أنه ومنذ عهده كان قد بدأ العد العكسي للحكم الشيوعي في بلده , وبعزله عن الحكم عام 1964 وتعيين عدد من الرؤساء الذين لا أحد يدري كيف وصلوا الى الحكم .. يكون من المنطقي إنهيار الإتحاد السوفييتي .

منذ عهد خروشوف بدأت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا البحث عن أدبيات روسية تناقض النظام أو تفضح بعض ممارساته فكانت كتابات سولزنچن بتصويره حياة السجون والمستشفيات والمرض والموت وضعف الخدمة الصحية والإجتماعية هي ( عز الطلب ) الذي يبحث عنه الغرب .

بعد إقصاء خروشوف عن الحكم سرعان ما توقف طبع أعمال سولزنچن , وفي العام 1965 لاحقته ( الكي جي بي ) وصادرت بعض كتاباته وبضمنها روايته ( الدائرة الأولى ) ورغم ذلك كان يعكف وبشكل سري على كتابة روايته ( أرخبيل القلغ ) ويتم إخفاء أوراقها أولاً بأول , حتى أنه قرر ذات مرة وبعد منحه جائزة نوبل في الأدب بأنه وطيلة فترة كتابتها لم يرَ أوراقها كاملة أمام عينيه .. بل كان يكتب , وتخبأ كل ورقة في مكان منفصل .

بسبب متابعة ( الكي جي بي ) المستمرة , تم طرد سولزنچن من إتحاد الكتاب الروس عام 1969 فقامت الولايات المتحدة الأمريكية وعلى الضد من ذلك بمنحه جائزة نوبل في الأدب عام 1970 لكنه لم يذهب لتسلمها من ملك السويد خوفاً من أن لا تسمح له حكومته بالعودة الى موسكو بل إقترح أن تسلم له الجائزة في إحتفال صغير في السفارة السويدية في موسكو لكن الحكومة السويدية ومن ورائها الأمريكان عارضوا ذلك لإستعمال هذا الموضوع مادة للحديث الإعلامي الذي سيطول ويطول ولن ينتهي بترحيل سولزنچن عن الإتحاد السوفييتي بل سيستمر الى ما بعد منحه الجائزة لاحقاً في إحتفال المكرمين بها عام 1974 .

رواية ( أرخبيل القلغ ) مكونة من ثلاثة أجزاء وتقسم الى سبعة أاقسام و تمت ترجمتها الى 35 لغة وبيعت منها 30 مليون نسخة , وطبعاً تم كل هذا بأسلوب الدعم والدعاية الغربيين . ففي عام 1974 إعتقل سولزنچن وتم ترحيله الى فرانكفورت في ألمانيا الغربية , وفي نفس اليوم سحبت منه الجنسية السوفييتية , وكان ذلك قد تم بسبب أن ( الكي جي بي ) كانت قد عثرت على الجزء الأول المخطوط من روايته ( أرخبيل القلغ ) .

قام الملحق العسكري الأمريكي في المانيا الغربية بتدبير تهريب كتابات سولزنچن من الإتحاد السوفييتي , وبضمن ذلك بطاقة هويته في إتحاد الكّتاب السوفييت , وهوية الخدمة العسكرية في الحرب العالمية الثانية . وقد إمتدح سولزنچن صديقه الملحق العسكري الأمريكي أيما مديح على هذه الخدمة في كتاب مذكراته الذي عنوانه ( حلفاء لا منظورون ) 1995 .

تنقل سولزنچن بين بلدان أوربية متعددة فقد عاش في كولونيا بألمانيا ثم إنتقل الى زيورخ في سويسرا , زار بريطانيا .. ثم دعته جامعة ستانفورد الى الولايات المتحدة الأمريكية ليقيم هناك مع عائلته وينشر أعماله ثم منحت له العديد من الشهادات الفخرية والشرفية . ورغم أنه عاش في الولايات المتحدة ما يقارب 20 عاما ً إلا انه لم يتقن الحديث باللغة الإنكليزية وهذا ما منعه من أن يكون نجم المحطات التلفزيونية للنيل من الشيوعية والسياسة السوفييتية خصوصا في مرحلة إقتراب النظام من الإنهيار .

عام 1994 عاد سولزنچن مع زوجته ناتاليا الى روسيا , زوجته كانت تحمل الجنسية الأمريكية , أما أولادهما فقد بقوا في الولايات المتـحدة الأمريكية , وفيما بعد عاد إبنهمـا ( يرمولي ) ليعمل في ( مكتب موسكو ) لأحدى الشركات العالمية الرائدة ( ؟؟ ) في مجال الإستشارات . بينما حصل الولدان الآخران على الجنسية الأمريكية .. فيما أصبح إبنه الثاني ( أگنات ) عازف بيانو وقائد فرقة موسيقية أمريكية . 

عام 2007 زاره الرئيس ﭙوتين في بيته لمنحه ( جائزة جمهورية روسيا الإتحادية ) عن أعماله الإنسانية والأدبية .

مات سولزنچن في آب 2008 ودفن في موسكو وهو بعمر 89 سنة أي بعد أن تعايش مع السرطان طيلة حوالي 60 عاما ً .. من قال بأن السرطان مرض قاتل ؟

في الختام أدعوكم لتفكروا معي .. لو كانت مذكرات سولزنچن كسجين أو مريض أو منفي لم تتخذ حجة أو وسيلة للبرهنة على صراع دولي .. أما كانت ستبقى مثل خربشات سجين على حائط السجن ؟

وإذن فالصراع الدولي هو الذي إستحق جائزة نوبل في الأدب … لا خربشات السجين .  ميسون البياتي – مفكر حر؟

Posted in الأدب والفن, دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

دكتور زيڤاگو‎

في مرحلة الماجستير تتلمذت على يد الأستاذ الكبير الدكتور جميل نصيف , وكان يدرسني مادة النقد الأدبي , وإضافة الى دراستنا على يديه فقد أغنت عقولنا ترجماته الأدبية الكبيرة الى العربية مثل كتاب ( نظرية المسرح الملحمي ) لبرخت , و ( موسوعة نظرية الأدب ) لكورگينيان . ومن حصيلة ما تعلمته من كل ذلك العلم الغزير والخبرة الكبيرة التي لأستاذي الجليل , هو أن لا أحلل نصاً أدبياً دون العودة الى كاتبه , ومجمل أعماله , والمرحلة التاريخية التي عاشها , والسبب أو الأسباب الموضوعية التي أدت به الى إنتاج ذلك العمل . لذلك سأقوم بتعريفكم بشخصية الكاتب الروسي ( بوريس پاسترناك ) وأهم أعماله .. قبل شروعي بتقديم تحليل مبسط لروايته الشهيرة ( دكتور زيڤاگو ) التي جلبت له جائزة نوبل في الأدب .. وقتلته بحزنه بعد أقل من عامين من حصوله على الجائزة .

ولد پاسترناك في موسكو في 10 شباط 1890 لعائله يهودية ( أشكنازية ) غنية ومثقفة , فوالده ( ليونيد پاسترناك ) كان أستاذاً في كلية موسكو للرسم والنحت والهندسة , أما والدته فهي عازفة البيانو المعروفة ( روزا كوفمان ) لذلك عاش منذ ولادته في أجواء متحضرة وبيئة ذكية حيث كانت الأسرة وزوارها وأصدقاؤها تتضمن الرسامين والأدباء والموسيقيين , وكان من بينهم الموسيقار سيرگي رخمانينوف , والمتصوف الملحن ألكسندر سكريابين , والكاتب الوجودي ليڤ شيستوڤ , والشاعر ريلكه , والروائي تولستوي , وكان پاسترناك الطفل قد قرر في طفولته أن يصبح مؤلفاً موسيقياً , لكنه قرر فيما بعد أن يدرس الفلسفة , وأخيراً إختار لنفسه حرفة الأدب .

إنتسب پاسترناك الى ( كونسرفتوار موسكو ) لدراسة الموسيقى لكنه سرعان ما ترك تلك الدراسة لينتسب الى ( جامعة ماربورگ ) لدراسة الفلسفة , لكنه قرر أن لا يجعل من الفلسفة مجالاً لعمله التخصصي .

حين عاد الى موسكو عام 1914 كان مولعاً بتيار ( المستقبلية ) في الأدب الروسي وعلى الأخص أشعار ( ألكسندر بلوك ) الذي يعد الشاعر الروسي الأهم بعد پوشكين . ولهذا صدرت المجموعة الشعرية الأولى لپاسترناك في نفس العام وهي تحمل النفس المستقبلي .

في المرحلة اللاحقة من حياة پاسترناك , إنشغل ذهنه كثيراً بفلسفة الفيلسوف الألماني ( عمانويل كانط ) وهي تتحدث عن ( الرمزية الواعية ) و( الرمزية اللاواعية ) ومباديء أخرى مثل مبدأ ( الفن للفن ) و ( الفن للمجتمع ) , ليصوغ بهذه المباديء والأفكار طريقته المتفردة في الكتابة الأدبية , مستعملاً اللغة اليومية العادية , وأشكال من الجناس اللغوي , ومزيج كبير من الإيقاعات اللفظية الموسيقية , وكان متأثراً في ذلك وبشكل كبير بأشعار كل من ( ريلكه ) و ( لرمنتوڤ ) .

أما أثناء الحرب العالمية الأولى فقد عمل پاسترناك في معمل للكيمياويات , وقد أفادته الخبرات التي إكتسبها من هذا العمل فيما بعد حين كتب روايته ( دكتور زيڤاگو ) .

بوقوع الثورة الشيوعية في روسيا فإن أعدادا ً كبيرة من المثقفين والأغنياء الروس غادروا البلد وذهبوا للعيش في أوربا , غير أن پاسترناك وجد نفسه متناغماً مع الخط الثوري الجديد ومتعاطفاً مع الثورة , ولهذا فضل البقاء في موسكو ولم يغادرها .

المجموعة الشعرية التي تحمل المفتاح لتفسير كل أدب پاسترناك هي رؤياه الشعرية في مجموعة قصائد ( أختي _ الحياة ) ففي صيف عام 1917 وكان الشاعر يعيش في منطقة السهوب الروسية قرب ( ساراتوڤ ) وكان شاباً في السابعة والعشرين من العمر .. مر بعلاقة حب ألهمته كتابة قصائد هذه المجموعة في 3 أشهر فقط مختصراً فيها كل علومه وفلسفته في الحياة . لكنه بقي محرجاً من نشر تلك القصائد بسبب طبيعتها الروائية حتى العام 1921 لكنه حالما قام بنشرها .. ثورت قصائده تلك الأدب الروسي برمته .. وجعلت من پاسترناك ( الموديل ) الذي يحتذي به كل الأدباء الشباب , وغيرت بشكل حاسم أشعار الكثيرين منهم , أما شعراء من أمثال ( مايكوڤسكي ) و ( أندريه بيلي ) و ( أنا أخماتوڤا ) ( ڤلاديمير نابوكوف ) فقد عدوا قصائد هذه المجموعة أعمالاً إبداعية نقية جامحة الإلهام .

في نهاية العشرينات من القرن الماضي بدأ پاسترناك يشعر بأن طرازه الحداثوي الملون أخذ يتعارض مع المذهب الأدبي ( الواقعية الإشتراكية ) التي يتبناها الحزب الشيوعي الحاكم , لذلك أخذ يعيد كتابة بعض قصائده بطريقة جديدة لتكون ملائمة لتطلعات ( الجموع ) فنشر في هذا الباب قصيدتين مطولتين عن ( الثورة ) كما تحول الى كتابة النثر فكتب بعض القصص والسير الذاتية .

بحلول العام 1932 كان پاسترناك مستمراً في قولبة إنتاجه الأدبي ليتماشى مع توجهات الثورة البلشفية فنشر في تلك السنة مجموعته الشعرية ( الولادة الثانية ) وإستمر في ذلك النهج حتى العام 1943 حين نشر رواية ( القطارات المبكرة ) .

خلال عهد ستالين عاشت روسيا فترة معسكرات عمل وحملات تطهير راح ضحيتها الملايين من الروس , ولهذا كانت الثورة البلشفية تنتقد بشكل واسع رغم أن الناس لم تكن تستطيع الكلام .. ولهذا فإن خط باسترناك المتماشي مع ( فكر الثورة ) وكأنه ينظر بعين واحدة الى مجمل ما يقع , كان قد جلب له الكثير من الإنتقادات اللاسعة بإعتباره ( أديب النظام ) . لذلك عمد الشاعر الى عدم نشر كتاباته بل إستعاض عن ذلك بترجمة الكثير من الأشعار الأوربية الى الروسية , فمن شعر شكسپير قام بترجمة مسرحياته ( هملت , مكبث , لير ) كما ترجم لگوته مسرحية ( فاوست ) أما من أعمال ريلكه فقد ترجم له ( قداس لصديق ) .

في حدود بداية الحرب العالمية الثانية إنتقل پاسترناك وأسرته الى بيت ريفي خارج موسكو , وكان هدوء الحياة وعزلتها قد سـاعداه على تطوير أفكاره التي نشرها في ديوانه الأشهر ( أختي _ الحياة ) محولاً نفس هذه الأفكار الى نص منثور مكتوب على شكل رواية تم منحها عنوان ( دكتور زيڤاگو ) .

إنتهت الحرب العالمية الثانية .. ثم مات ستالين , ووصل خروشوف الى الحكم من بعده وبدأ الزعيم الجديد ينتقد بشده سياسة سلفه , لكن كل هذا لم يشجع پاسترناك على نشر روايته داخل الإتحاد السوفييتي لأنها كانت رواية صريحة صورت أجواء الحرب والقتال بمآسيها التي وقعت على الناس من قبل الجيش الشيوعي الأحمر .. مثلما وقعت عليهم من قبل الجيش القيصري الأبيض أثناء الحرب العالمية الأولى والحرب الأهلية الروسية التي أطاحت بالقيصر , كان پاسترناك موقناً أنه سيساء فهمها من قبل الحكم الشمولي الذي كان يدير البلد .

إتفق الكاتب في العام 1957 مع صديقه ( أشعيا برلين ) على أخذ الرواية الى إيطاليا وترجمتها الى الإيطالية ونشرها هناك , مستفيداً من قرار للحكومة الشيوعية كان يقضي بعدم تعلم الروس أي لغة أجنبية لحرمان الناس من فهم الإنتقادات التي توجه للنظام الشيوعي عبر الصحف والإذاعات الموجهة .

لم يتم الإلتزام برغبة پاسترناك بعدم نشر الرواية باللغة الروسية ( وسنعرف السبب ) بل تم طبعها بالإيطالية والروسية , وحين إطلع عليها بعض الأدباء الروس الذين كانوا يحسدون پاسترناك على نجاحه وحظوته لدى الحكومة , طالبوا بطرده من الإتحاد السوفييتي .

تلقفت الولايات المتحدة الأمريكية الرواية وقامت بترجمتها على الفور الى الإنكليزية وتم نشرها فحققت أعلى مبيعات في الولايات المتحدة المريكية لمدة 26 أسبوع . وحالما إشتعل الموقف داخل الإتحاد السوفييتي ضد پاسترناك .. حتى سارعت الولايات المتحدة الأمريكية الى منحه جائزة نوبل في الأدب عام 1958 .

بعد أربعة ايام من إعلان فوزه بالجائزة بعث الى الأكاديمية السويدية برقية تقول : (( تقديراً للفهم الذي يحمله شعبي عن الجائزة الممنوحة من قبلكم فإني أرفض الجائزة , وأرجو عدم مؤاخذتي على رفضي الطوعي لها )) .

لكن الأكاديمية السويدية وبسبق الإصرار والترصد أصرت على موقفها المانح للجائزة بإعلانها : (( إن هذا الرفض , بالطبع لن يغير شيئاً من إستحقاق الجائزة التي ستبقى في حوزة الأكاديمية التي تعلن أسفها لعدم إقامة مراسيم منح الجائزة )) .

ومن أجل إثارة المزيد من الجلبة حول الموضوع فقد قام رئيس الوزراء الهندي ( جواهر لال نهرو ) وهو واحد من المؤسسين لحركة عدم الإنحياز الأمريكية التي أحلت اللعنة على شعوب العالم الثالث بقروض البنك الدولي الأمريكي , بإجراء محادثات مع خروشوف بشأن پاسترناك من أجل عدم نفيه او إلقاءه في السجن .. وطبعاً إستغرق الحديث عن ذلك حيناً من الدهر في الإعلام الغربي .

مات پاسترناك بعد 19 شهر من حصوله على جائزة نوبل جراء سرطان رئوي أصيب به ولم يمهله طويلاً . حشد كبير من أصدقائه المثقفين وهم يحملون نعشه المفتوح الى قبره قاموا بنعيه بقصيدة من تأليفه عنوانها ( هملت ) أترجمها لكم في هذه السطور :

هدأ الضجيج . فخرجت الى المسرح

أترنح عند الباب

أحاول أن احزر من خلال الصدى البعيد

مالذي سيحدث أثناء حياتي .

عتمة المساء تحدق بي

عبر آلاف من عيون الناظرين

أبي .. والدي , إذا كان ممكناً

فإسمح بتمرير كأسي إليهم .

أحب غاياتك العنيدة

وأوافق على لعب دوري فيها

ولكنهم الآن يمثلون دراما مختلفة

من أجلها .. إسمح لي أن أكون .

مع أن خطة الطريق قد رُسِمَتْ

ونهاية الطريق لا مفر منها

فأنا وحدي : والكل غارقون في النفاق .

أن تعيش حياتك .. فليس ببساطة التوغل في الحقول .

بعد أن بدأ الإتحاد السوفييتي بتطبيق سياسة ( البريستوريكا والغلاسنوست ) سمح لرواية دكتور زيڤاگو بأن تطبع في مطابع روسية وأن يطلع عليها المواطنون السوفييت وكان ذلك عام 1988 وعندها فقط .. قامت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بالتصريح أنها هي التي قامت بطبع الرواية باللغة الروسية في إيطاليا عام 1958 لإستعمال الرواية وكاتبها أدوات للصراع الدولي مع الإتحاد السوفييتي أثناء الحرب الباردة .

عام 1989 مثل السيد يڤگيني بوريس پاسترناك أمام الأكاديمية السويدية في ستكهولم لنيل الجائزة التي منحت لوالده عام 1958 وقال في كلمته أمام الحاضرين : (( لم يلعب والدي أي دور من أجل نشر الرواية باللغة الروسية عام 1958 ولم تكن له أية فكرة عما قامت به وكالة المخابرات المركزية الأمريكية . ولم يتوقع والدي مطلقاً تسلم جائزتكم , التي من المؤلم أنها جلبت له الكثير من الحزن والمعاناة )) .

عام 1965 تم إقتباس رواية دكتور زيڤاگو الى فلم سينمائي أمريكي قام بتمثيله كل من عمر الشريف وجولي كريستي وهو من إخراج ديفيد لين , لكن الفلم كان ساذجاً جداً في عرض فكرة الرواية .. حيث صورها على أنها علاقة لإمراة أسمها لارا بثلاثة رجال , وتدور أحداث الفلم في أجواء الحرب التي تقع فيها الكثير من المآسي . لكن الفلم لم يتمكن مطلقاً من تقديم فلسفة الرواية التي كانت غائبة تماماً .

بنفس الطريقة التي منح بها بوريس پاسترناك جائزة نوبل في الأدب .. تم منح الفلم الأمريكي 5 جوائز اوسكار ورافقته دعاية إعلامية ضخمة .. وكل ذلك كان مصمماً لمهاجمة الإتحاد السوفييتي أثناء أزمة الصواريخ الكوبية وما أعقبها بإشعال النزاع بين الأتراك واليونانيين في قبرص وبما يهدد بنشوب حرب على حدود الإتحاد السوفييتي تفصل عنه جمهورياته في أوربا الشرقية لجعله يسحب صواريخه من كوبا .

في العام 2006 قام المخرج الروسي ( ألكسندر پروشكين ) بإخراج فلم جديد عن رواية الدكتور زيڤاگو هي أكثر إخلاصاً للرواية وفكر مؤلفها من الفلم الأمريكي الذي مثله عمر الشريف .

لكي نتمكن من فهم رواية دكتور زيڤاگو بشكل جيد , ينبغي أولاً أن يكون لدينا إطلاع جيد على مباديء فلسفة الفيلسوف الألماني ( عمانويل كانط ) وبالأخص مبادؤه الرمزية في الفن , إضافة الى مبدأ الفن للفن . كما ينبغي علينا معرفة مقدار التعارض الكبير بين ( الواقعية الإشتراكية ) في الأدب عن مبدأ ( الفن للفن ) عدا ذلك ينبغي علينا قبل قراءة الرواية قراءة المجموعة الشعرية ( أختي – الحياة ) للمؤلف نفسه .

أهم شخصيتين في الرواية هما شخصية ( يوري زيڤاگو ) الطبيب الشاعر المتزوج والأب , ثم شخصية لورا التي سيتعرف عليها فيما بعد وسيحبها حباً كبيراً دون أن يكون قادراً على فعل شيء لهذا الحب , لكنه سيرى لورا تضيع أمامه وهو مكتوف اليد , أزمته تشبه أزمة المثقف في رواية زوربا للمؤلف اليوناني ( نيكوس كازانتزاكي) الذي يعرف كل شيء لكنه عاجز عن الفعل لأنه لا يتمكن من إتخاذ القرار.

الشخصية الثانية هي شخصية لورا الفتاة الجميلة المشعة بالحياة التي تضيع بين ثلاثة رجال واحد يستغلها , والثاني يريد مجرد الإرتباط بها , والثالث يحبها دون قرار .. في النهاية تنتهي لورا وتضيع منها ديمومتها بفقدانها لإبنتها .

بقية الشخصيات كلها شخصيات مساعدة .. أما الخلفية البانورامية التي تتحرك عليها دائرة العلاقات هذه فهي أحداث الثورة الشيوعية 1917 ثم الحرب الأهلية التي أعقبتها وإستمرت ما بين 1918 _ 1920 .

تتجسد براعة پاسترناك الكتابية في مزجه ما بين رمزية الحبكة , وواقعية المجتمع الذي تدور فيه الأحداث الى الحد الذي يمنح الحبكة الرمزية الكثير من واقعية مجتمعها .

أول أشكال الرمزية في الرواية هو في إختيار أسماء الشخصيات , زيڤاگو كلمة روسية تعود الى الأصل _ زيڤ_ ومعناه حياة . لورا كلمة يونانية تعني الإشراق أو البهجة . صديقها الأول الذي يستغلها إسمه كوماروڤسكي ومعناه _ بعوضة _ أما خطيبها الذي يريد الإرتباط بها كنوع من أنواع تأدية الواجب فإسمه _ پاشا _ وهو تحوير روسي لإسم بولص .

في الأحوال الإعتيادية يحتاج الأنسان الى الإستقرار والحرية لكي يتمكن من الإختيار , وتصبح الأمور أكثر تعقيداً حين يفرض عليه واقعه الجديد أن ينقض إختيارات سابقة لكي يحل محلها خيارات جديدة , فما بالك إذا كان مطلوباً منه ذلك في أجواء الحرب حيث لا تدري في أية لحظة ستأتي طلقة قناص أو قذيفة مدفع لتقول قولها الفصل في كل الحكاية ؟

في مبدأ الفن للفن عند كانط يتم تصوير الواقع بخيره وشره دون تدخل من الفنان لتعديل بعض أجزائه .. وهذا ما يتعارض تماماًَ أوليات الواقعية الإشتراكية التي لاتطرح مشكلة إلا وطرحت حلها أو بديلها معها حتى تحولت تسميتها من ( واقعية إشتراكية ) الى ( واقعية طرح البدائل ) .. وطبعاً وبالتأكيد دون أن يتم نسيان ذكر دور ( الرفيق ) في إحلال ذلك البديل .

صحيح أن ظاهر الرواية يتضمن رواية حب .. لكن الرواية في الحقيقة أبعد ما تكون عن هذا الموضوع , لأنها تناقش قضية الإختيار والقرار والمصير . وصحيح أن الأرضية التي تتحرك عليها الأحداث هي حالة مجتمع في حالة حرب .. لكن الرواية مرة أخرى هي أبعد ما تكون عن تصوير الحرب أو نقدها سياسياً .. وهي عمل لا يختلف كثيراً عن مجمل إنتاجات منتصف القرن الماضي الأدبية من أعمال سارتر الى ألبير كامو الى نيكوس كازانتزاكي وغيرهم من الكتاب الذين يمجدون الحرية ويعتبرونها قاعدة للإختيار فالإلتزام , لكن الذي شذَّ في حالة بوريس پاسترناك .. هو كونه أشكنازي روسي كتب روايته في زمن الحرب الباردة .. فكان ما كان .   ميسون البياتي – مفكر حر؟

Posted in الأدب والفن, دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

أزف إليكم استشهاد ابن أختي أيهم غزول

توفيق حلاق فيسبوك:  أحبتي : أزف إليكم استشهاد ابن أختي أيهم غزول .. لم يحمل السلاح بل حقيبته الطبية متنقلا بين المشافي الميدانية .. أو قلمه ليكتب عن الحرية .. مات ابن أختي تحت التعذيب .. كانت صور أيهم تلاحقني وكلها تبتسم : خالي ولايهمك .. خالي بحبك .. خالي .. عذبوني كتير .. بس الوطن غالي .. خالي أرجوك لاتبكي ..خالي  بس أمي أمانتك .. أمي .. دير بالك على أمي ..

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | 1 Comment

عملية القبض على الغراب الأسود!!


Posted in ربيع سوريا, يوتيوب | 1 Comment

عاجل: النظام يرد فوراً على الغارة الإسرائيلية

لأول مرّة يأتي رد النظام على الانتهاكات الإسرائيلية للأجواء السورية سريعاً، ولا يتحفظ بحق الرد!! حيث تعرضت صباح اليوم الخميس حافلة سياحية لنقل الركاب تابعة لشركة «ايزلا» قادمة من الحسكة كانت متجهة إلى دمشق، ومن ثم الى لبنان «بيروت» لقصف بطائرات النظام أدى لاستشهاد الشابة نينا جميل اوشانا وإصابة باقي المسافرين بجروح مختلفة، كان من بينهم الفنان الآشوري امير موشي. يذكر أن جميع المسافرين هم من المسيحيين الآشوريين

Posted in ربيع سوريا, كاريكاتور | 1 Comment

من زياد الصوفي: إغتصاب جماعي للشهيدة هلا عاقل…

زياد الصوفي : فيس بوك …

اسم علقان بضمير و ذاكرة كل أهل اللادقية الأشراف من أكتر من عشرين سنة و لهيدي اللحظة..

هالبنت اللي اتفوقت على كل رفقاتها بصف الحادي عشر و طلعت الأولى على مدرسة الثورة، هالمدرسة اللي بتوقع بمنطقة فقيرة باللادقية بس خرجت طلاب اتفوقو عالكل بحياتهون و نجحو بمستقبلهون كتير…

بنت عيلة بسيطة ساكنين بمشروع الزين، كل يوم تمسك شنطة كتبها و تمشي من المشروع لصوب فندق القصر باللادقية لحتى توفر على أ…بوها تمن تذكرة باص الدولة و تلحق بصفها…

بنت آية من آيات الجمال… و هيدي كانت لعنتها…

ما كان أبوها عرفان يوم اللي نزل عيلتو من الضيعة ليكونو الأولاد قريبين من مدارسهون و هوة قريب من وظيفتو، أنو بيوم من الأيام هيك رح يصير فيهون…

القصة بنهاية التمانينات، لما رفعت الأسد ترك البلد و ترك وراه كل كلابو اللي كانو بيوم من الأيام تحت اسم سرايا الدفاع و الصاعقة…

طلع نجم شبيح جديد يومها بالبلد، و سمى حالو شيخ الجبل…

محمد الأسد ( شيخ الجبل ) جمع كل كلاب رفعت اللي فلتت بالشارع بعد ما تركهون وراه لمصير مجهول و هرب على باريس…

هلا و هية حاملة شنطة مدرستها و ماشية تحت مطر اللادقية، بينصدم بجمالها شيخ الجبل…

كل يوم على هالحالة، من مشروع الزين لمدرسة الثورة و هوة وراها بالسيارة، على تلطيش و رذالة منو و من هالكلاب اللي معو…

البنت خافت و راحت خبرت أبوها، بس هالدرويش اللي لا حول له و لا قوة ما كان قادر يعمول شي مع جبروت الشيخ و زعرنة كلاب رفعت..

الكارثة بديت لما بيندق الباب و الكهربا مقطوعة و بيفتح الأب عضو الشمعة ليشوف شيخ الجبل واقف ورا الباب عم يطلب يشوفها لهلا…

ما تواخزني يا شيخ، بس البنت نايمة مريضة و حرام فيقها…

هلا المسكينة متخباية ورا أمها و أخوها بهالبيت الرطب و عم تسمع شيخ الجبل ورا الباب عم يطلب يشوفها من أبوها…

إسماع علي.. عندي كلمتين ما في غيرهون.. البنت بدي ياها، و برجعلك ياها بكرة الصبح و عضهرها مية ألف ليرة، شو قلت؟؟؟

مية ألف بهديك الأيام كان رقم كبير كتير و خصوصي لعيلة معترة متل هالعيلة، بس شرف و نخوة الأب و رجولة الأخ ما خلتهون لثانية وحدة يفكرو بالقبول..

بيركض أخوها من الغرفة الجوانية و بيطلع عشيخ الجبل و بيلبطو على بطنو بيخليه يقلب على الدرج…

باللحظة اللي عم يسكرو الباب ليهربو. شيخ الجبل كان شايل مسدسو و مقوصو للأخ بس رحمة الله كانت موجودة و الرصاصة ما اجت بهالشهم… بيطلع من البناية و كلابو ناطرينو تحت و هوة عم يتوعدها لهالبنت بأنو انتظري اللي جاييكي..

أسبوع كامل و هلا ما عم يخلوها أهلها تروح عالمدرسة…

اعتقدو أنو القصة خلصت و شيخ الجبل شالها لهالبنت من راسو…

باتصير الساعة 12:30 الضهر موعد وصول هلا عالبيت، و هالبنت ما وصلت…

تلات ساعات و الأم و الأب رح يموتو ليعرفو شو صار بأميرتهون، بس ما في خبر…

بيرن التلفون: ما اشتقتلولا لبنتكن؟؟؟؟

كنت بدي أعطيك مية ألف على ضهرها لهالبنت و هنت رفضت، هلق هنت و مرتك رح تسمعو صوتها لبنتكون كيف كل شب من هالشباب اللي عندي عم يغتصبا…

و ليك تقلك: أنا أبقا إلي نفس بهالهبورة، تركتها لهالشباب يتسلو فيها…

نص ساعة عالتلفون، و الأهل عم يسمعو صوت بنتهون عم يغتصبوها كم كلب من كلاب شيخ الجبل لحد ما اختفى الصوت و انقطع الاتصال…

ما تركو مخفر ما خبروه و ما حدا ساعدهون لمجرد يسمعو بإسم شيخ الجبل..

ما تركو مستشفى ما سألو فيها إذا بنتهون دخلت، و كل أبواب المستشفيات تتسكر بوجههون لما يسمعو اسم شيخ الجبل…

بيطلع الصبح على هالعيلة المساكين و النوم عدوهون، و بينطو من خوفهون على صوت جارتهون أم إسماعيل:

الحقوني الحقوني… يا بو عمار الحقني…

بينزل أبو هلا ركض عالدرج ليشوفو بنتهون القمر مرمية ميتة على باب البناية…

فحص البكالوريا كان عالأبواب، و رفقاتها ملهيين بالتحضير، و قضيتها لهالبنت اتسكرت ضد مجهول متلها متل كل القضايا اللي من هالنوع بلاذقية العرب…

الحكمة:

قطفوكي شبيحة الأسد و بعدك متل الوردة الجورية..

مو حامي الأقليات اللي رح يرد شرفك، اتركيها على ثورة الحرية…

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | 1 Comment

إسلام الإنسان «1-3»

 القضية المحورية فى الإسلام، والتى يكون منها المنطلق هى أن الله تعالى أراد أن يجعل الإنسان خليفة له على الأرض، ووضع العوامل التى تحقق هذه المشيئة أفضل تحقيق سواء كان ذلك بالنسبة للزمان والمكان، أى الوقت الذى يأتى بعد اليهودية والمسيحية ويكون بمثابة النهاية لمسيرة البشرية، كما أراد للإسلام أن يظهر فى صحراء العرب على وجه التعيين، وجعل الطبيعة الإنسانية وطبيعة الإسلام تتلاقيان فى الوقت والمكان المعينين، وبالتالى فإن كل الخيوط تتلاقى فى العوامل وتتفاعل لتحقيق المشيئة الإلهية التى تتبلور فى «إسلام الإنسان» الذى مَثـَّـل الأساس النظرى والكيان العملى لخلافة الإنسان «إسلام الإنسان».

 جاء الإسلام بعد أن مضت ستة قرون على المسيحية، وبعد أن طال الجدل حول طبيعة الأقانيم الثلاثة وعلاقتها ببعضها، وبعد أن توصلت الكنيسة إلى وجود قوى وبارز دون أن تحل المشكلة اللاهوتية للأقانيم، وما كان يمكن لهذه الافتراضات اللاهوتية أن تحل إلا بظهور الإسلام الذى يقدم رؤيته عن «الله».

 وظهر الإسلام فى شبه جزيرة العرب حيث تنبسط الصحراء كالبحـر وتنطلق الرياح كالعواصف، وبين أقوام لم يكدحوا بأيديهم فى الأرض، ولم يحملوا على ظهورهم الحجر، مما شغل حياة الناس فى العهود القديمة، كانوا أحراراً يعيشون عيشة البداوة وتحكمهم الفطرة أو العرف، ويعيشون فى خيام يذهبون بها حيث الرعى أو فى بيوت ساذجة ويتحملون الحر اللافح نهارًا والبرد القارص ليلاً، ويعبدون آلهة من صنعهم فما كانت تملك تحريمًا أو تحليلاً أو تفرض قداسة أو «تابو»، ولم يكن لديهم ميثولوجيا.

 وكان البساط الأصفر المترامى للصحراء، والرياح المنطلقة دون ما يصدها من جبال شاهقة تمثل أبرز خصيصتين لهذا المجتمع: المساواة والحرية، فلم يعرف المجتمع العربى القديم النظم الطبقية، ولا الألقاب الوراثية، ولا الحواجز ما بين الطبقة العليا والطبقة الدنيا.

 كيف تصور الإسلام الطبيعة البشرية؟

 إن القرآن الكريم عندما عالج قضية الخلق، لم يسلك مسلك التوراة فيتحدث عما خلقه فى كل يوم من الأيام الستة حتى جاء اليوم السابع فيعطيه إجازة وراحة، إنه عندما أشار إلى خلق السموات والأرض تحدث عنها باعتبارها دليلاً على وجود الله والإيمان به، ولأنها على روعتها فهناك ما هو أكثر روعة هو الإنسان الذى بعد أن تحدث عن طريقة خلقه ــ كما سنشير إليها لاحقاً ــ تابع الحديث عنه فى كل صفحات المصحف بحيث يمكن القول إن القرآن كتاب يتحدث عن الإنسان فى شبابه وشيخوخته، فى غناه وفقره، فى أمله ويأسه، فى صحته ومرضه، فى استشرافه للهدى واستسلامه للشهوة، فهو فى حقيقته كتاب عن الإنسان.

 وعندما أشار إلى خلق آدم اختلفت رواية القرآن عن رواية التوراة، فقد خلقه الله من طين لازب فأعطاه الطبيعة الأرضية ونفخ فيه من روحه فأعطاه العقل، والضمير، والوعى، والإرادة، ثم علمه الأسماء، وهو لا يسلك مسلك التوراة فى تحديد الأشياء وأسمائها لآدم، ولكن يقول «وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا» باعتبار أنها مفاتيح المعرفة، بعد هذا قرر أن يجعل الإنسان خليفة له فى الأرض، ولما أعربت الملائكة عن دهشتها، أجرى بين آدم وبين الملائكة مناظرة، تميز فيها آدم على الملائكة بفضل معرفته الأسماء، وأمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا إلا «إبليس» وهو الشخصية التى يرمز بها الإسلام للشر ولإغواء آدم، وتكريم للإنسان فى دين يقوم على التوحيد لله يكون أعظم تكريم يقدمه هو أن يوجد خليفة لله.

 ولكن الطبيعة البشرية معقدة ومركبة، تتلاقى فيها الأضداد، فقد ورثت عن أصلها الطينى غرائز مادية، وأنانية تجعلها تميل للشهوات من مال أو جاه أو نساء أو نفوذ أو سلطان، كما ورثت من نفخة الله الضمير والوعى والإرادة، كما أنها بفضل تهيئة الله تعالى عندما «علمها الأسماء كلها» أى وضع فى يدها مفاتيح المعرفة بحيث يمكن أن ترتاد عالم العلم العجيب وما يتيحه لها من إمكانيات.

 وأراد الله تعالى أن يختبرها فسلط عليها الشيطان، وأعطى هذا الشيطان «شيك على بياض» لخداع الإنسان وتضليله وصرح له باستخدام كل قدراته الفائقة التى يتميز بها عن الإنسان، وأن يستمر فى أداء دوره حتى يوم الساعة.

 ولكن الطبيعة البشرية رغم هذا، وبحكم النفخة الإلهية فيها توق للإيمان وإحساس مبهم بوجود الله، وقدرة ما على التمييز ما بين الخير والشر، والإسلام يطلق على هذه الملكة «الفطرة» التى يولد بها كل الأطفال حتى يتولى الأبوان توجيه هذه النزعة الإيمانية إلى الدين السائد «يهودية، أو مسيحية، أو بوذية»..إلخ.

 كان على طبيعة الإسلام هذه أن تتلاءم مع مقتضيات ممارسة مسؤولية الخلافة خاصة وقد هيأ الله تعالى الزمان والمكان والطبيعة البشرية لتقبل ذلك، وبقى أن تأتى طبيعة الإسلام سائرة فى الاتجاه نفسه.

 ونتيجة لأن الإسلام دين الفطرة، فلم يجد الإسلام حاجة لإجراء يثبت به «إسلامية» الإنسان، ومن هذا المنطلق – منطلق الفطرة – لم يتقبل الإسلام كدين فكرة «الرهبنة» والابتعاد عن عالم الحياة الدنيا، والتخلص من الثروة والالتزام بالعفة، أى عدم المخالطة الجنسية حتى لو كانت بين الزوجين، وقال الرسـول «لا رهبانية فى الإسلام»، ورأى أن رهبانية الإسلام هى الجهاد لمقاومة الاستسلام للشهوات الجامحة وليس مقاومة الالتزام بما توحى به الفطرة والطبيعة البشرية التى لا يمكن أن تتنكر أو تتجاهل أقوى الغرائز – الغريزة الجنسية ــ ومن ثم جاء حرصه على الزواج الذى يكفل قضاء ما تتطلبه حياة الإنسان، وقد رفض الرسول مسلك مجموعة ارتأت أن تقوم الليل، وتصوم النهار، ولا تقرب النساء، ورأى أن هذا يخالف الفطرة، ولا يعد من سُـنة النبى الذى كان يصوم ويفطر، وينام ويصلى، ويتزوج، ويقر الملكية.  جمال البنا – مفكر حر

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | 1 Comment