السَّيْفُ أَصْدَقُ إِنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ

السَّيْفُ أَصْدَقُ إِنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ في حدهِ الحدُّ بينَ الجدِّ واللَّعبِ

بيضُ الصَّفائحِ لاَ سودُ الصَّحائفِ

في مُتُونِهنَّ جلاءُ الشَّك والريَبِ

والعِلْمُ في شُهُبِ الأَرْمَاحِ لاَمِعَةً

 بَيْنَ الخَمِيسَيْنِ لافي السَّبْعَة ِ الشُّهُبِ

أَيْنَ الروايَة ُ بَلْ أَيْنَ النُّجُومُ وَمَا

 صَاغُوه مِنْ زُخْرُفٍ فيها ومنْ كَذِبِ

تخرُّصاً وأحاديثاً ملفَّقة ً لَيْسَتْ بِنَبْعٍ إِذَا عُدَّتْ ولاغَرَبِ

عجائباً زعموا الأيَّامَ مُجْفلة ً عَنْهُنَّ في صَفَرِ الأَصْفَار أَوْ رَجَبِ

وخَوَّفُوا الناسَ مِنْ دَهْيَاءَ مُظْلِمَة ٍ إذا بدا الكوكبُ الغربيُّ ذو الذَّنبِ

وصيَّروا الأبرجَ العُلْيا مُرتَّبة ً مَا كَانَ مُنْقَلِباً أَوْ غيْرَ مُنْقَلِبِ

يقضون بالأمر عنها وهي غافلة ما دار في فلك منها وفي قُطُبِ

لو بيَّنت قطّ أمراً قبل موقعه لم تُخْفِ ماحلَّ بالأوثان والصلُبِ

فَتْحُ الفُتوحِ تَعَالَى أَنْ يُحيطَ بِهِ نَظْمٌ مِن الشعْرِ أَوْ نَثْرٌ مِنَ الخُطَبِ

فتحٌ تفتَّحُ أبوابُ السَّماءِ لهُ وتبرزُ الأرضُ في أثوابها القُشُبِ

يَا يَوْمَ وَقْعَة ِ عَمُّوريَّة َ انْصَرَفَتْ منكَ المُنى حُفَّلاً معسولة  الحلبِ

أبقيْتَ جدَّ بني الإسلامِ في صعدٍ والمُشْرِكينَ ودَارَ الشرْكِ في صَبَبِ

أُمٌّ لَهُمْ لَوْ رَجَوْا أَن تُفْتَدى جَعَلُوا فداءها كلَّ أمٍّ منهمُ وأبِ

وبرْزة ِ الوجهِ قدْ أعيتْ رياضتُهَا كِسْرَى وصدَّتْ صُدُوداً عَنْ أَبِي كَرِبِ

بِكْرٌ فَما افْتَرَعَتْهَا كَفُّ حَادِثَة ٍ ولا ترقَّتْ إليها همَّة ُ النُّوبِ

مِنْ عَهْدِ إِسْكَنْدَرٍ أَوْ قَبل ذَلِكَ قَدْ شابتْ نواصي اللَّيالي وهيَ لمْ تشبِ

حَتَّى إذَا مَخَّضَ اللَّهُ السنين لَهَا مَخْضَ البِخِيلَة ِ كانَتْ زُبْدَة َ الحِقَبِ

أتتهُمُ الكُربة ُ السَّوداءُ سادرة ً منها وكان اسمها فرَّاجة َ الكُربِ

جرى لها الفالُ برحاً يومَ أنقرة ِ إذْ غودرتْ وحشة  الساحاتِ والرِّحبِ

لمَّا رَأَتْ أُخْتَها بِالأَمْسِ قَدْ خَرِبَتْ كَانَ الْخَرَابُ لَهَا أَعْدَى من الجَرَبِ

كمْ بينَ حِيطانها من فارسٍ بطلٍ قاني الذّوائب من آني دمٍ سربِ

بسُنَّة ِ السَّيفِ والخطيَّ منْ دمه لاسُنَّة ِ الدين وَالإِسْلاَمِ مُخْتَضِبِ

لقد تركتَ أميرَ المؤمنينَ بها للنَّارِ يوماً ذليلَ الصَّخرِ والخشبِ

غادرتَ فيها بهيمَ اللَّيلِ وهوَ ضُحى ً يَشُلُّهُ وَسْطَهَا صُبْحٌ مِنَ اللَّهَبِ

حتَّى كأنَّ جلابيبَ الدُّجى رغبتْ عَنْ لَوْنِهَا وكَأَنَّ الشَّمْسَ لَم تَغِبِ

ضوءٌ منَ النَّارِ والظَّلماءُ عاكفة ٌ وظُلمة ٌ منَ دخان في ضُحى ً شحبِ

فالشَّمْسُ طَالِعَة ٌ مِنْ ذَا وقدْ أَفَلَتْ والشَّمسُ واجبة ٌ منْ ذا ولمْ تجبِ

تصرَّحَ الدَّهرُ تصريحَ الغمامِ لها عنْ يومِ هيجاءَ منها طاهرٍ جُنُبِ

لم تَطْلُعِ الشَّمْسُ فيهِ يَومَ ذَاكَ على بانٍ بأهلٍ وَلَم تَغْرُبْ على عَزَبِ

ما ربعُ ميَّة ََ معموراً يطيفُ بهِ غَيْلاَنُ أَبْهَى رُبى ً مِنْ رَبْعِهَا الخَرِبِ

ولا الْخُدُودُ وقدْ أُدْمينَ مِنْ خجَلٍ أَشهى إلى ناظِري مِنْ خَدها التَّرِبِ

سَماجَة ً غنِيَتْ مِنَّا العُيون بِها عنْ كلِّ حُسْنٍ بدا أوْ منظر عجبِ

وحُسْنُ مُنْقَلَبٍ تَبْقى عَوَاقِبُهُ جاءتْ بشاشتهُ منْ سوءٍ منقلبِ

لوْ يعلمُ الكفرُ كمْ منْ أعصرٍ كمنتْ لَهُ العَواقِبُ بَيْنَ السُّمْرِ والقُضُبِ

تَدْبيرُ مُعْتَصِمٍ بِاللَّهِ مُنْتَقِمِ للهِ مرتقبٍ في الله مُرتغبِ

ومُطعَمِ النَّصرِ لَمْ تَكْهَمْ أَسِنَّتُهُ يوماً ولاَ حُجبتْ عنْ روحِ محتجبِ

لَمْ يَغْزُ قَوْماً، ولَمْ يَنْهَدْ إلَى بَلَدٍ إلاَّ تقدَّمهُ جيشٌ من الرَّعبِ

لوْ لمْ يقدْ جحفلاً، يومَ الوغى ، لغدا منْ نفسهِ، وحدها، في جحفلٍ لجبِ

رمى بكَ اللهُ بُرْجَيْها فهدَّمها ولوْ رمى بكَ غيرُ اللهِ لمْ يصبِ

مِنْ بَعْدِ ما أَشَّبُوها واثقينَ بِهَا واللهُ مفتاحُ باب المعقل الأشبِ

وقال ذُو أَمْرِهِمْ لا مَرْتَعٌ صَدَدٌ للسارحينَ وليسَ الوردُ منْ كثبِ

أمانياً سلبتهمْ نجحَ هاجسها ظُبَى السيوفِ وأطراف القنا السُّلُبِ

إنَّ الحمامينِ منْ بيضٍ ومنْ سُمُرٍ دَلْوَا الحياتين مِن مَاءٍ ومن عُشُبٍ

لَبَّيْتَ صَوْتاً زِبَطْرِيّاً هَرَقْتَ لَهُ كأسَ الكرى ورُضابَ الخُرَّدِ العُرُبِ

عداك حرُّ الثغورِ المستضامة ِ عنْ بردِ الثُّغور وعنْ سلسالها الحصبِ

أجبتهُ مُعلناً بالسَّيفِ مُنصَلتاً وَلَوْ أَجَبْتَ بِغَيْرِ السَّيْفِ لَمْ تُجِبِ

حتّى تَرَكْتَ عَمود الشرْكِ مُنْعَفِراً ولم تُعرِّجْ على الأوتادِ والطُّنُبِ

لمَّا رأى الحربَ رأْي العينِ تُوفلِسٌ والحَرْبُ مَشْتَقَّة ُ المَعْنَى مِنَ الحَرَبِ

غَدَا يُصَرِّفُ بِالأَمْوال جِرْيَتَها فَعَزَّهُ البَحْرُ ذُو التَّيارِ والحَدَبِ

هَيْهَاتَ! زُعْزعَتِ الأَرْضُ الوَقُورُ بِهِ عن غزْوِ مُحْتَسِبٍ لا غزْو مُكتسبِ

لمْ يُنفق الذهبَ المُربي بكثرتهِ على الحصى وبهِ فقْرٌ إلى الذَّهبِ

إنَّ الأُسُودَ أسودَ الغيلِ همَّتُها يوم الكريهة ِ في المسلوب لا السَّلبِ

وَلَّى ، وَقَدْ أَلجَمَ الخطيُّ مَنْطِقَهُ بِسَكْتَة ٍ تَحْتَها الأَحْشَاءُ في صخَبِ

أَحْذَى قَرَابينه صَرْفَ الرَّدَى ومَضى يَحْتَثُّ أَنْجى مَطَاياهُ مِن الهَرَبِ

موكِّلاً بيفاعِ الأرضِ يُشرفهُ مِنْ خِفّة ِ الخَوْفِ لا مِنْ خِفَّة ِ الطرَبِ

إنْ يَعْدُ مِنْ حَرهَا عَدْوَ الظَّلِيم، فَقَدْ أوسعتَ جاحمها منْ كثرة ِ الحطبِ

تِسْعُونَ أَلْفاً كآسادِ الشَّرَى نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ قَبْلَ نُضْجِ التينِ والعِنَبِ

يا رُبَّ حوباءَ لمَّا اجتثَّ دابرهمْ طابَتْ ولَوْ ضُمخَتْ بالمِسْكِ لم تَطِبِ

ومُغْضَبٍ رَجَعَتْ بِيضُ السُّيُوفِ بِهِ حيَّ الرِّضا منْ رداهمْ ميِّتَ الغضبِ

والحَرْبُ قائمَة ٌ في مأْزِقٍ لَجِجٍ تجثُو القيامُ بهِ صُغراً على الرُّكبِ

كمْ نيلَ تحتَ سناها من سنا قمرٍ وتَحْتَ عارِضِها مِنْ عَارِضٍ شَنِبِ

كمْ كان في قطعِ أسباب الرِّقاب بها إلى المخدَّرة ِ العذراءِ منَ سببِ

كَمْ أَحْرَزَتْ قُضُبُ الهنْدِي مُصْلَتَة ً تهتزُّ منْ قُضُبٍ تهتزُّ في كُثُبِ

بيضٌ، إذا انتُضيتْ من حُجبها، رجعتْ أحقُّ بالبيض أتراباً منَ الحُجُبِ

خَلِيفَة َ اللَّهِ جازَى اللَّهُ سَعْيَكَ عَنْ جُرْثُومَة ِ الديْنِ والإِسْلاَمِ والحَسَبِ

بصُرْتَ بالرَّاحة ِ الكُبرى فلمْ ترها تُنالُ إلاَّ على جسرٍ منَ التَّعبِ

إن كان بينَ صُرُوفِ الدَّهرِ من رحمٍ موصولة ٍ أوْ ذمامٍ غيرِ مُنقضبِ

فبَيْنَ أيَّامِكَ اللاَّتي نُصِرْتَ بِهَا وبَيْنَ أيَّامِ بَدْر أَقْرَبُ النَّسَبِ

أَبْقَتْ بَني الأصْفَر المِمْرَاضِ كاسِمِهمُ صُفْرَ الوجُوهِ وجلَّتْ أَوْجُهَ العَرَبِ أبو تمّام الطائي (مفكر حر)؟

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment

جمال خاشقجي يكرر دعوتنا لخادم الحرمين بالتنحي عن الملك

قمنا بتاريخ 24 حزيران 2011 بتوجيه رسالة الى خادم الحرمين الشريفين وهذا رابطها: ” رسالة الى خادم الحرمين الشريفين”  طالبناه بها بان يتخلى عن الحكم الشمولي لصالح الحكم الدستوري, وأن يحتفظ بمنصبه كملك, اسوة بالممالك الدستورية في اوروبا واليابان, حيث ان الحكم الدستوري يعطي الحكم للشعب لكي يدير اقتصاده من خلال اقتصاد السوق الحر التنافسي والذي كتبنا عنه عدة مقالات , وبهذه الطريقة فقط يستطيع الشعب ان يبدع بتطوير نفسه واقتصاده وازدهاره ورفاهيته.

لقد كنت بغاية السعادة عندما قرأت مقال الصحفي السعودي جمال الخاشقجي بعنوان: ” حان وقت عالم الاقتصاد السعودي في موقع القرار السياسي”,  والتي تدعو ببساطة, بين سطورها, الى ان يكون القرار السياسي من صنع العالم الاقتصادي المختص,  وبهذه الحالة لا مكان لخادم الحرمين الشرفين في القرارات السياسية, اي بكلمات اخرى هي دعوة لتنحي الملك عن الحكم الشمولي  لصالح الحكم الدستوري, وبناء الاقتصاد التنافسي الحر والذي دعونا له بعدة مقالات لنا منشورة على النت, ولقد ذهبنا في مقالاتنا بخطوة اعمق بكثير, عندما طالبنا بان الاقتصاد التنافسي يجب ان يكون  حق من حقوق الانسان, تحميه القوانين الدولية,  وهذا رابطه: “اقتصاد السوق الحر التنافسي اهم حق للانسان“.

قد يظن القارئ العادي والغير مختص بانه ليس هناك دعوة لتنحي خادم الحرمين الشرفين عن الحكم الشمولي لصالح الحكم الدستوري في مقال الخاشقجي, ونحن نقول بأن الدعوة الى اقتصاد السوق الحر التنافسي ما هو الا دعوة لأن يتخلى الملك عن ملكه لصالح السوق الذي هو عبارة عن انعكاس لرغبات الشعب الاقتصادية والسياسية , أي بالتالي يصبح الشعب هو الحاكم الفعلي كما هو في بريطانيا والسويد واسبانيا.

يقول الاستاذ جمال خاشقجي ” بداية الحديث في الاقتصاد تكون بتعريف وتوصيف حال البلد اقتصادياً، فـ «كوماندنغ هايتس» يقوم على نظرية أن معركة الأفكار الاقتصادية حسمت لصالح اقتصاد السوق، بعد عقود من التجارب المرة بعضها كان دموياً، ومرت بها دول وتصارعت فيها أفكار بين اقتصاد موجّه مطلق «النظرية الماركسية»، ثم اقتصاد يراوح بين الموجّه والمختلط، تطلق فيه الدولة للسوق حريتها، ولكنها تسيطر على المفاصل الرئيسة المؤثرة مثل الطاقة (البترول والفحم والكهرباء) والنقل والموانئ والصناعات الثقيلة، إلى اقتصاد سوق كامل، تكون فيه الدولة مجرد محكم ومنظّم، وتترك السوق ترتب أمرها وفق قواعدها وسننها، وهو ما عليه اليوم غالب رجال الاقتصاد، وجلهم من تلامذة ملتون فريدمان، وهو تلميذ نجيب لأبي نظرية اقتصاد السوق النمسوي فريدريك هايك.”. انتهى الاقتباس

هذا ما كنا نكرره في كل مقالة من مقالاتنا, وكنا نقول بأننا نحن لا نؤلف مقالات وانما ننقل ما يقوله علم الاقتصاد بالجامعات الرفيعة والراقية بالعالم, نقطة على السطر انتهى.

 يكرر الاستاذ جمال خاشقجي الاستنتاجات التي وصلنا لها في مقالاتنا,  بأن جميع القطاعات الاقتصادية التي تتحكم بها الحكومة هي خاسرة ويجب خصخصتها, وهذا ما كنا نطالب به,  وقد قلنا يجب ان تتنافس هذه القطاعات بالسوق الحر وتكسب قوت موظفيها حسب سعر السوق, وقلنا بأن جميع القطاعات الاقتصادية الحكومية هي عبارة عن اقتصاد احتكاري يكون بيئة للفساد والكسل والخسارة والتي تحملها الدولة بالنهاية على كاهل المواطن.

يقول الاستاذ خاشقجي:” أتوقع أن تلميذ ملتون فريدمان، المؤمن بحرية السوق، كان سيدعو إلى انسحاب الدولة من سوق الإسكان، والاكتفاء بدورها كمشرّع ومنظم، تؤسس بنية تشريعية من أنظمة الرهن العقاري والتمويل، وبيئة قضائية محكمة من عقود وقضاء تنفيذي بصلاحيات تحمي حقوق الممولين والمطورين، ونظام ملزم لاتحاد المالكين، وتدريب محامين وعقاريين محترفين، وقبل كل هذا كسر احتكار الأراضي المخالف لكل قواعد السوق الحر، بل وحتى الشرع الإسلامي، ثم تترك سوق العقار ترتب نفسها بنفسها، ولو حصل هذا لملأت اليوم «الكرينات» الأفق في كل مدينة سعودية استجابة إلى طلب متنامٍ يسد عجزاً هائلاً في السوق، ولانخفضت الأسعار وتنوعت الاختيارات، في شكل أسرع مما تفعل وزارة الإسكان السعودية.”. انتهى الاقتباس

كل ما ذكره في هذا الاقتباس هو مقتطفات من كتب علم الاقتصاد والذي كنا قد نقلناه قبله في العديد من مقالاتنا, والاجتهاد الوحيد الذي قام به الخاشقجي هو اقحام الدين بعلم الاقتصاد من دون اي فائدة او معنى, وذلك عندما قال بان احتكار الاراضي مخالف لقواعد السوق الحر بل وحتى للشرع الاسلامي, وعلى ما يبدو بان ذنب الكلب يبقى اعوجا ولو وضعته اربعين عاما بالقالب كما يقول المثل السوري.

ينهي الاستاذ الخاشقجي مقاله بالخلاصة التالية:” أعتقد أنه حان الوقت لإعطاء الاقتصاديين السعوديين كلمة في صناعة القرار، وقبلها مساحة حرة في الإعلام، حتى نتحول إلى اقتصاد طبيعي يستطيع أن يعيش بالنفط أو من دونه.” وهذه الخاتمة ما هي الا دعوة صريحة لان يتخلى خادم الحرميين الشريفين عن الملك الشمولي  لصالح الحكم الدستوري الذي يضع قوانين للاقتصاد السوق الحر التنافسي من اجل تسيير البلاد.

هوامش:

رسالة الى خادم الحرمين الشريفين 

اقتصاد السوق الحر التنافسي اهم حق للانسان

 
Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

مبروك لنساء سوريا حكم الولي الفقيه؟

الخبر:

الزي الموحد لنساء الولي الفقيه

صرح رجل الدين الإيراني مهدي طائب، الذي يترأس مقر “عمّار الاستراتيجي” لمكافحة الحرب الناعمة الموجهة ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية قال: “لو خسرنا سوريا لا يمكن أن نحتفظ بطهران، ولكن لو خسرنا إقليم خوزستان “الأهواز” سنستعيده ما دمنا نحتفظ بسوريا”.

وأضاف قائلاً: “سوريا هي المحافظة الـ35 وتعد محافظة استراتيجية بالنسبة لنا. فإذا هاجمَنا العدو بغية احتلال سوريا أو خوزستان، الأولى بنا أن نحتفظ بسوريا”.

 “لو احتفظنا بسوريا حينها سنتمكن من استعادة خوزستان ولكن لو خسرنا سوريا حينها لن نتمكن من الاحتفاظ بطهران”.

 “النظام السوري يمتلك جيشاً، ولكن يفتقر إلى إمكانية إدارة الحرب في المدن السورية لهذا اقترحت الحكومة الإيرانية تكوين قوات تعبئة لحرب المدن.. قوامها 60 ألف عنصر من القوات المقاتلة لتستلم مهمة حرب الشوارع من الجيش السوري”..

التعليق:

مبروك لسوريا ونسائها الزي الرسمي الايراني الموحد ومبروك لنسائها ايضاً حكم ولاية الفقيه برجم المرأة… نحنا من وين بدنا نلاقيها من النصرة وحكم الخلافة ولا من جيش المهدي وحكم ولاية الفقيه؟

Posted in ربيع سوريا, كاريكاتور | Leave a comment

قصة و حكمة من زياد الصوفي.. 98

الحلقة الثامنة و التسعين..

القصة:

بعد فضيحة و كارثة بيع الجولان، و الاسترداد المهين لجزء من أراضي القنيطرة.. أهالي هالمدينة اللي اتسمو نازحين بوقتها، اتشردو أكتر بعد ما رجعت هالمدينة و لا حدا فيهون أخد حقو بحجة أنو البيوت المهدمة لازم اتضل شاهد على إجرام اسرائيل، أما الحقيقة فهية الاتفاق الأمني بين نظام الأسد و اسرائيل على تفريغ هالمنطقة من السكان..

عيلة من هالعيل النازحة من آل بيطار، متلهون متل كل باقي العيل اللي اتشردت داخل و خارج البلد..

أبو عمار واحد من هالعيل اللي قررت تقعود بالشام و ما تطلع برا سوريا على الرغم من كل تسهيلات السفر اللي قدمها النطام لعائلات القنيطرة منشان يخلص من همهون..

سنة 81 و اثناء مجازر حماة و حلب، و بليلة ما فيها ضو قمر، بيندق الباب بنص الليل على بيت أبو عمار المؤقت بالشام، و من بين أولادو الخمسة و زوجتو أخدوه لمصير مجهول متلو متل آلاف السوريين بهداك الوقت..

أم عمار هالزوجة الصابرة، فاقت الصبح لتشوف حالها مع خمس أفواه صغيرة مفتوحة للسما و ما بتعرف تشكي همها و قصة زوجها لمين..

بتحمول حالها و بتروح لعند أخوات زوجها عم تشكي اللي صار معها.. الشباب ما تركو مسؤول بالبلد ما طرقو بابو، من علي دوبا لأصغر موظف بالدولة، و ما حدا قدر يفيدهون و لا حتى يتدخل بمعرفة وين و بأي جهة أبو عمار معتقل..

والله نحنا ما النا علاقة..

دخيلكون ما اتدخلونا بهيك قصص..

المعتقل ما موجود عندنا ..

هيدي نوعية الأجوبة اللي ضلو يسمعوها خمس سنين من بعد الاعتقال و لا حدا عم يطلع معو يجيب خبرو لأبو عمار..

بعد كل هالوقت اللي مر، و بعد ما بديت أم عمار تيأس من إمكانية ملاقاة زوجها، بيجيها خبر من أحد صديقاتها بالشام أنو في وحدة بتكون أمو لمدير السجن مستعدة لتأمنلك زيارة لزوجك مقابل قطعة دهب بست آلاف ليرة..

هالمسكينة أم عمار لو بتبيع اللي فوقها و اللي تحتها ما بيطلع معها هالمبلغ، فراحت عند أخوات زوجها و خبرتهون أنو أمو لمدير السجن عم اتأمن زيارات لسجن تدمر مقابل قطعة دهب..

خلص ولك أم عمار كبري عقلك، إذا علي دوبا ما طلع بأيدو هالشي، رح تقوليلنا أنو أم مدير السجن هالختيارة بيطلع بأيدها تعملك زيارة!!!

بالسر عن أولاد حماها بتروح أم عمار بتبيع عفش بيتها اللي نزحت ألو و بتركب بنص الليل بهوب هوب اللادقية و بوجهها على ضيعة الهنادي..

حتى تستدل على بيت ابن الغانم مدير سجن تدمر ما كانت مشكلة أبدا، لحقت طوابير النسوان اللي حاملين دهباتهون و رايحين يقابلو أم سليمان..

لما بيوصل دورها بعد نظرة تلات ساعات، بتكتبلها على ورقة صغيرة بعد معاينة قطعة الدهب:

يسمح لحامل الورقة بزيارة السجين فلان بيطار..

يكتر خيرك يا أم سليمان، و لا ننحرم من كرمك أبدا و اتضلي تاج على راس هالفقرا المعترين..

ايه خلص بقا حاجتك أكل خرا، لولا زوجك حيوان خاين ما كنت اضطريت حتى شوف هالخلقة النسة.. روحي انقلعي من هون..

بتحمول أم عمار هالورقة الممهورة من صاحبة المعالي أم سليمان و بنفس الهوب هوب خط كل المحافظات – أم سليمان بتركب و بوجهها عالشام..

أكلت بهدلة المسكينة من أخوات أبو عمار أنو هيدي وحدة نصابة و ضحكت عليكي و خلتك مع أولادك الخمسة بدون عفش تسترو حالكون فيه..

ما بترد أم عمار على هالحكي و بتحمول حالها تاني نهار و بتاخود تاني هوب هوب خط أم سليمان- سجن تدمر..

طوابير الزوار بتشوف أولها ما بتقدر اتشوف آخرها، و بعد ما قطع نص النهار، بيطلع شرطي من جوا و بيصرخ :

خلصت الزيارات اليوم، يللا روحو انقلعو من هون و بكرة ارجعو..

على ريق بطنها أم عمار، بتسند حيط صوب السجن و معها ميات النسوان اللي متلها بانتظار تاني نهار يطلع لتشوف زوجها و تتطمن عليه..

خمس دقايق و من ورا قفص حديد، بتلمح أبو عمار و بتحكي معو و باتطمنو على أولادو و بترجع عالشام حاملة دموعها و شوية أفكار كيف رح اتدبر تاني قطعة دهب لتعطيها لأم سليمان منشان زيارة تانية..

الحكمة:

باع سوريا و أراضيها أبو سليمان..

ابتزت نسوان المعتقلين أم سليمان..

شو فرقتو يا ولاد الصرماية عن اللي لاحقين نجمة سليمان..

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment

قصة و حكمة من زياد الصوفي..97

القصة:

حكيت من فترة عن تحول شكل الشبيحة بسوريا بعد ما إجا بشار الأسد عالحكم..من شبيحة دخان و تهريب سلاح و قرف، لتشبيح البزنس..

شلحو البلوز السود و حطو سلاحهون بالدرج ، و لبسو قمصان بيض و حطو غرافاتات..

البلد متل ما هية الهون، و بدون مبالغة متل ما عم احكي..بكل خيراتها الهون، بكل مصادر رزقها الهون..

و حكاية اليوم رح تفرجيكون شو قصدي..

كمال الأسد ابن عم بشار .. أبوه إسماعيل الأخ غير الشقيق لحافظ..

شغل منصب رئيس غرفة تجارة اللادقية و وكيل لشركة ألمانية لصناعة مكنات الغزل و النسيج..حامل لدكتورا مجهولة المصدر..عندو تلات ولاد : سامر و أيهم و علي…

الكل بيتذكر لما هبت عاصفة نادرة على اللادقية، و كيف هالهوا قبع الشجر و لوحات الإعلان و هدم بعض البيوت العتيقة..

و من بين ضحايا هالاعصار، كان معمل نسيج اللادقية..

قررت الدولة تجديد المعمل، طبعا و بدون نقاش و مناقصات و هالتفاهات، رسيت على كمال الأسد مد هالمعمل بكل الالات و التجهيزات اللازمة…

بس السؤال: مين كان عم يدير هالمعمل؟؟

سامر كمال الأسد كان مدير معمل النسيج باللادقية، الشب اللي ما بيحمول أي مؤهل علمي لإدارة هيك منشأة و بهيك ضخامة..

طلب الابن سامر من الأب كمال تزويد المعمل بتجهيزات جديدة بعد ما الهوا كسر القديمة..

و طبعا و بدون أي مناقصة، كمال بيجيب آلات بقيمة 200 مليون دولار بعقد بين الأب و الابن..

ما حدا من موظفين المعمل قبل يوقع على استلام الالات نتيجة عدم موافقتها لمواصفات طلب الشراء، و بعد ما اكتشفو فروق هائلة بمعايير الأبنية، فتم نقلهون تعسفيا لمعمل نسيج حماة.. و تم الاستلام و التسليم بين كمال الوكيل و سامر مدير المعمل..

بعد توقيع محضر التسليم، ظهرت مشكلة جديدة.. مشكلة توقف دفع المستحقات المالية للشركة الألمانية، و السبب من عدم الدفع هوة طمع كمال الأسد و مطالبتو بمبلغ اضافي عالعمولة المتفق عليها مسبقا..

لما اشتكو الألمان لوزارة الصناعة السورية، وصلت الشكوى للوزير عصام الزعيم.. فأمر بصرف مستحقات الألمان من الوزراة نتيجة التزام الألمان بكل شروط العقد..

هالحكي ما عجبو لكمال أبدا، و وصلها لبشار الأسد شخصيا اللي أمرو لرئيس الحكومة يومها ( مصطفى ميرو ) بحجز أموال وزير الصناعة و فتح ملف فساد بحقو و اتهام الوزير بقبض رشوة من الألمان..

الوزير الزعيم ما كان قليل، و حط كل الأوراق و الملفات و المستندات اللازمة قدام القضاء، و اللي بتثبت تورط كمال و ابنو سامر و معهون بشار بهالقضية …ألغيت الدعوة مباشرة من قبل القضاء و أعيد الزعيم على رأس الوزارة..

أما سامر الأسد الغير مؤهل لإدارة مؤسسة كلفت الشعب السوري مليارات لينهبها و يعلن إفلاسها بالجرايد الرسمية بعد فترة قصيرة من استلامها..

و كان سبب إعلان أفلاس هالمعمل صفقات تصدير خيوط المعمل إلى قبرص و بيعه بأقل الأسعار بحجة تأمين قطع أجنبي للبلد…

ولكن الحقيقة مو هيك…

الحقيقة أنو هالخيوط كانت عم تتصدر لشركة أوروبية مقرها قبرص بيمتلكها أيهم كمال الأسد، الابن التاني لكمال و زوج كندا مخلوف أختو لرامي..

الأب بيجيب الالات للمعمل اللي بيديرو الابن البكر، بينتج هالمعمل خيوط بتنباع للأبن الأوسط بأسعار الكلفة..

إفلاس هالمعمل أثار دهشة الشعب و الاقتصاديين كون معمل غزل اللادقية و من تاريخ إنشاؤو يعتبر منشأة رابحة مية بالمية، بس من وقت ما دارها هالحرامي ابن الحرامي أخو الحرامي، شهدنا نحنا اللوادقة على إعلان إفلاسها بالجرايد الرسمية..

عرفتو هلأ شو معناة شبيحة الغرافاتات!!!

الحكمة:

قصة هالمعمل و غيرها اتسكرو بطي الكتمان..

أديه اليوم لازملنا هالمعمل، لنعمل من خيوطو أكفان..

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment

لن أزور اليابان

محمد سلماوي – مصر

 في كل مرة أزور اليابان أعاهد نفسي علي ألا أعود ثانية إلي تلك البلاد، التي لابد أن تصيب كل مصري بالأسي، لما بها من تقدم ونظافة ونظام وأدب جم، وهي كلها بالطبع أشياء لا لزوم لها كما نعرف في مصر، بل هي مضيعة للوقت، فنحن مشغولون هنا بالتخلف والقذارة والهرجلة وقلة الأدب، ولا وقت لدينا لتلك التوافه اليابانية التي عفي عليها الدهر والتي أقلعنا عنها منذ ما يقرب من نصف قرن من الزمان.

ولقد كان علي أن أستقل أسرع قطار في العالم وهو «قطار الطلقة»

 Bullet train

، الذي تشبه سرعته سرعة طلقة الرصاص، ما بين طوكيو والعاصمة القديمة كيوتو، حيث كنت سألقي محاضرة عن الأدب المصري الحديث في جامعتها.

وما إن وقفت علي رصيف القطار حتي تذكرت نفس هذا الموقف في صيف عام ١٩٩٩، حين كنت في زيارة مماثلة لبلاد الشمس المشرقة، كما يسمونها، وكنت أستعد لركوب نفس القطار.

كانت تذكرتي تشير إلي أن مقعدي سيكون في العربة الخضراء، فهم يطلقون الألوان علي درجات القطار، فلا يقولون عربة الدرجة الأولي أو الثانية أو الثالثة وإنما العربة الخضراء والحمراء والصفراء، وأشار إلي مرافقي الياباني أن أقف في المكان المخصص علي الرصيف لباب العربة الخضراء، وفي الموعد المحدد بالضبط وصل القطار وجاء باب العربة الخضراء في المكان المحدد له مع فارق بضعة سنتيمترات من حيث أقف.

وأردت أن أعبر عن حنقي كمصري من هذا الانضباط الذي كان يملؤني حزنا علي حالنا، فقلت مداعبا مرافقي، بعد أن تأكدت أنه لم يزر مصر: ما هذا؟ إن باب العربة الخضراء جاء علي يميني بعدة سنتيمترات وليس أمامي تماما، كيف يسمح بتلك الفوضي؟!

لكن الشاب الياباني لم يفهم دعابتي الثقيلة وكست وجهه حمرة الخجل، وأخذ يتأسف لما حدث، مؤكدا أن هذا لا يحدث إلا نادرا، ووعدني بأنه سيخطر المسؤولين حتي لا يتكرر ذلك ثانية، فقلت له: أرجو ذلك، فمثل هذا التسبب يسيء إلي بلادكم أبلغ إساءة.

وضحكت في وجه مرافقي الياباني حتي أخفف من حدة الموقف الذي انقلب جدا بسرعة لم أتوقعها، وضحك هو معي تأدبا، لكنه ظل طوال الرحلة التي استغرقت أقل من ٣ ساعات يذهب ويجيء في القطار ويتحدث مع بعض العاملين، الذين كانوا يأتون معه واحدا وراء الآخر، إلي حيث أجلس، ليعتذروا إلي عما حدث، وحين وصلنا إلي كيوتو وجدت مدير المحطة ينتظرني بنفسه علي الرصيف، ليقدم لي هو الآخر اعتذاره عما حدث في محطة طوكيو، ومؤكدا أن ذلك لن يحدث ثانية.

وخشيت أن تستمر تلك الاعتذارات طوال فترة وجودي باليابان فتفسد علي رحلتي، فصارحت مرافقي بأنني لم أكن أقصد إلا المزاح وأكدت له أنني لا أمانع علي الإطلاق إن وقفت العربة الخضراء أمامي تماماً، أو علي يميني ببضعة سنتيمترات، ورجوته ألا يسمعني في الفترة المتبقية لي في اليابان أي اعتذارات في هذا الموضوع منه أو من غيره.

وفغر مرافقي الياباني فاه في دهشة وهو يقول: لماذا؟ قلت: لأن تلك مسألة عادية جدا بمقاييسنا، وهي يمكن أن تحدث في أي مكان! قال: ولكنها لا تحدث في اليابان، فقلت له: إن اليابان ليست وحدها في هذا العالم، وهناك دول أخري لن أسميها لك، لا تحدد أماكن وقوف العربات علي الإطلاق، وما إن يصل القطار حتي يتدافع جميع

الركاب إلي جميع الأبواب بأمتعتهم كي يسدوا الطريق علي بقية الركاب في فوضي خلاقة ربما تحسدنا عليها الولايات المتحدة، فلم يبد علي مرافقي أنه فهم شيئاً، فقلت: إنها حرية شخصية، وكل دولة لديها الحق في تطبيق النظام الذي يعجبها!

وفي رحلتي الأخيرة تذكرت ذلك الموقف وأنا أقف أمام المكان المخصص للعربة الخضراء علي رصيف محطة كيوتو، وقلت إنني لن أعلق علي الإطلاق هذه المرة لو أن العربة وقفت أمامي تماماً أو علي بعد سنتيمترات مني، حتي لا أفسد إقامتي هذه المرة بسلسلة الاعتذارات التي توالت علي في الزيارة السابقة.

لكن ما إن وصل القطار في موعده، بالثانية طبعا، حتي وجدت أمامي مباشرة باب العربة الخضراء، مما أفسد علي زيارتي أيضا لأني ظللت أتحسر علي حال بعض الدول الأخري العزيزة علي، إلي أن أصبت بحالة إحباط مرضي، جعلتني أقسم أنني لن أزور اليابان ثانية!

(نقلاً عن الأهرام)

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

إيّاكَ والخمرَ، فهي خالبةٌ

إيّاكَ والخمرَ، فهي خالبةٌ، غالبةٌ، خابَ ذلك الغَلَبُ

خابيةُ الرّاح ناقةٌ حفَلَت، ليس لها، غيرَ باطلٍ، حلَبُ

أشأمُ من ناقةِ البَسوس على النا سِ، وإن يُنَلْ عندها الطلب

يا صالِ، خَفْ إن حلَبت دِرّتها، أن يترامى بدائِها حَلَبُ

أفضلُ مما تضمُّ أكؤسُها، ما ضُمّنتَه العِساسُ والعُلَبُ

أبو العلاء المعري (مفكر حر)؟

Posted in الأدب والفن | Leave a comment

إصلاح الإسلام 1 …. تعقيباً على الأستاذ العفيف الأخضر

نشر الأستاذ العفيف الأخضر بموقع الحوار المتمدن مقابلة عن إصلاح الإسلام تتكون من ست حلقات، أجراها معه السيدان ناصر بن رجب ولحسن وريغ. وليس هناك من شك أن الإسلام في أمس الحاجة إلى الإصلاح والتغيير لأن ما لا يتغيّر ويتلاءم مع بيئته وزمانه، سوف ينقرض وينتهي نهاية الديناصورات وغيرها من الحيوانات التي لم تستطع أن تتأقلم وتتطور فماتت. ولا ينحصر شرط التغيير والتأقلم على الحيوانات فقط بل يشمل الحضارات والأديان وحتى اللغات. فكم من حضارة عريقة مثل حضارة الإغريق والرومان قد تآكلت من داخلها وماتت لأنها لم تتأقلم مع المستجدات من حولها، واليوم نجد اليونان وإيطاليا من أضعف الدول الأوربية حضارياً ومادياً، ولغتاهما القديمتان واللتان سيطرتا على عالم الفكر عدة قرون، قد ماتا واندثر أثرهما.

ولكن السؤال الجوهري هو: هل يملك رجال الدين الإسلامي الوسائل الضرورية لإصلاح الإسلام؟ أهم هذه الوسائل هو وجود سلطة مركزية يخضع لها جميع المنتمين إلى ذلك الدين، سواء أكانوا من العامة أو من رجال الدين أنفسهم. وخير مثال لذلك هو الفاتيكان والبابا الذي يسيطر على الكنيسة الكاثوليكية، والذي تسري أحكامه على الجميع، بينما في الكنيسة الإنجليكية، كما في الإسلام، لا توجد قوة مركزية يمكنها أن تتحدث باسم جميع الكنائس الإنجليكية أو جميع المذاهب الإسلامية. وهذه عقبة كأداء في طريق إصلاح الإسلام

أنا أتفق مع السيد العفيف الأخضر في جل ما ذهب إليه، فالعفيف الأخضر باحث إسلامي معترف به، ومن الذين يملكون زمام اللغة والتاريخ الإسلامي، ولكني، حتماً، أختلف معه في بعض النقاط وفي طريقة إصلاح الإسلام، إذا كان من الممكن إصلاحة.

يقول السيد الأخضر في الحلقة الأولى من المقابلة: (سبب الأسباب لتخلّفنا أو بما هو أدقّ لتخبّطنا الطويل في أزمة الحداثة ، التي نجتازها وعدم خروجنا منها سالمين حتّى الآن ، هو سوء صناعة القرار الذي مازال في تسعة على عشرة على الأقل من البلدان العربية لا تصنعه المؤسَّسات صناعةً علمية يكون الكمبيوتر أوّل صانع له. بل تصنعه نزوات وهذيانات الحاكم الفرد. واحد من بين عشرات الأمثلة، صدّام حسين الذي افتخر بأنّ القرار الكارثي عليه وعلى العراق وربّما على الشرق الأوسط كلّه، أعني قرار ضمّ الكويت، اتّخذه بناء على حلم رآه في المنام مُضيفا، إعتمادا على حديث محمّدي، بأن الحلم الصادق جزء من أربعين جزء من النبوّة. لكن الملاك الذي أوحى اليه بالحلم نسي أن يوصيه بطرح السؤال المركزي الذي توجبه صناعة القرار “وماذا في صباح اليوم التالي؟”.وهو السؤال الذي لم يطرحه قبله جمال عبد الناصر عندما طرد القوات الدولية المرابطة على الحدود المصرية الاسرائيلية في مايو1967 ) انتهى. وهنا مربط الفرس. فالإسلام لم يعرف في تاريخه الطويل أي ممارسات ديمقراطية تأخذ رأي الأغلبية في الاعتبار عند اتخاذ القرارات. القلة من أهل العقد والحل هم الذين يتخذون القرار نيابةً عن الكل، كما حدث في اختيار الخلفاء الراشدين. ومنذ ولادة الدولة الأموية أصبح القرار بيد الحاكم الأوحد المتسلط على شعبه، من سلالة قريش (أموي، عباسي، شيعي، فاطمي، علوي، الخ). وفي العصر الحديث تمركز القرار في رئيس الحزب الواحد –صدام، وحافظ الأسد- أو في الحاكم العسكري- حسني مبارك، البشير. والقرارات في مجملها، ومنذ بداية الإسلام كانت مبنية على تفسير الأحلام. حتى قرارات محمد نفسه بُني أغلبها على أحلام سماها هو وحياً، مثل رحلة الإسراء والمعراج التي جزمت عائشة أن محمداً لم يغادر سريرها طوال ليلة الإسراء، ولكن حُلم محمد أصبح حقيقة دينية تاريخية، رغم تعارضها مع العقل والمنطق، واستحالتها من الناحية العلمية، وبنى فقهاء الإسلام أحكاماً على هذه الرحلة الحُلمية. ونفس التخبط يحدث في إصدار الأحكام الشرعية في الإسلام. يُحكى أن البخاري كان يسمع عشرات الأحاديث في اليوم، ثم يصلي صلاة الاستخارة وينام، وفي الصباح يختار بضع أحاديث رآها في منامه من التي يُعتد بها، فيضعها في صحيحه. وجاء فقهاء الإسلام وأصدروا أحكاماً شريعة بناءً على تلك الأحاديث. فالمنظومة الإسلامية كلها تفتقر إلى وسائل اتخاذ القرار، وليست القرارات السياسية وحدها كما جاء في مقابلة الأستاذ العفيف الأخضر. وبغياب وسائل اتخاذ القرار الديني يصبح إصلاح الإسلام حُلماً غير قابل للتطبيق بعكس أحلام محمد والبخاري وصدام. وربما نضيف جورج دبليو بوش الذي قال في شرم الشيخ إن غزو العراق مهمة إلهية أوكلها الله له في خُلم رآه في منامه. فالهوس الديني عندما يسيطر على العقول يصنع المستحيلات

عندما سأل المحاور السيد العفيف عن نقاط الضعف في الحالة الإسلامية التي يمكن علاجها بالإصلاح الديني، أجاب (ما زال الإسلام لم يرفع حتى الآن تحدّي عوائقه الثلاثة التي شخّصها رينان

Renan

 في القرن التاسع عشر : احتقار العلم الوضعي

Le dédain de la science

 ورفض البحث العقلاني

la négation de la recherche rationnel

 في نصوصه بما هي كلام الله المُنزّه عن المساءلة العلمية وفي رموزه بما هم فوق البحث والمساءلة، والخلط بين الروحي والزمن La confusion entre le spirituel et le temporel.

 وهي عوائق دينية وذهنية ونفسية تحالفت على كبت الإبداع الديني والسياسي والإقتصادي والعلمي والأدبي والفني؛ مثلا الرسم والنحت والموسيقى مازالت محرّمة في الإسلام. اليهودية التي أخذنا عنها هذه المحرمات الهستيرية تناستها لحسن حظ اليهود. ونحن مازلنا متسمرين فيها. تناست أيضا حد الرجم الدموي الذي أخذناه عنها. بالرغم من عدم وجوده في القرآن وتهافت الروايات عن رجم النبي لزناة… إيران والسعودية و”شباب الشريعة” في الصومال مازالوا يرجمون) انتهى

ولا شك أن رينان قد شخص أسباب تخلف الإسلام والمسلمين تشخيصاً دقيقاً ولكنه نسي أو تجاهل أحد الأسباب الرئيسية، ألا وهو فقه الولاء والبراء الذي جعل المسلمين يحجمون عن تبني أي فكرة أتتهم من الغرب لأنها تجعلهم كمن يتشبه بالكفار. وهذه عقبة كبيرة في طريق إصلاح الإسلام لأن شيوخ الإسلام يعتبرون الديمقراطية وحقوق الإنسان منجزات غربية تجعل من يتبناها متشبهاً بالكفار، ومن تشبه بقوم فهو منهم. وبدون الديمقراطية ومساءلة الحكام، لا يمكننا أن نتقدم خطوة واحدة إلى الأمام

وقد أحسن السيد العفيف الأخضر الجواب عندما سأله المحاور عن أسباب الجمود في عالم الإسلام، فقال (هو تحريم السؤال وفرض الأجوبة الجاهزة الصالحة للجميع ولجميع الأزمنة وجميع الأمكنة، هو اليقين الجامد والتفكير الساذج وايمان العجائز. ايمان العجائز يصلح للعجائز ولكنه لا يصلح للباحثين. هو العجز عن التطور وإنتاج الأفكار المجددة. وهو في الوقت نفسه محاربة القلة المجددة التي تظهر من حين لآخر مثل الشيخ نجم الدين الطوفي الحنبلي الذي سُجن وأُتلفت كتبه ، الفلاسفة والمتصوفة الذين راموا إصلاح الإسلام في عصرهم وكلفهم ذلك أحيانا حياتهم مثل السهروردي والحلاج. ومحمد عبده الذي رفض الأزهر لنصف يوم صلاة الجنازة عليه والطاهر الحداد الذي شيع جنازته بضعة أصدقاء) انتهى.

جميع هذه الأسباب التي عددها الأستاذ العفيف الأخصر، أسباب صحيحة، ولكني أود أن أضيف إليها أن محاربة التجديد التي ذكرها السيد العفيف، وخوف المسلمين الفوبي من فكرة التجديد، هو وصف كل محاولة للإصلاح بأنها بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، كما يقول الحديث المروي عن محمد. يقول رجل دين سعودي اسمه سمير بن خليل المالكي الحسني المكي، في كتاب عنوانه “نصيحة للعلماء” ما يلي: (وقد اتفق السلف رحمهم الله على مجانبة أهل البدع وهجرهم والنهي عن مجالستهم والدخول عليهم إلا للإنكار عليهم وإقامة الحجة عليهم وموقفهم من غيلان الدمشقي ومعبد الجهني وبشر المريسي والجعد {بن درهم} والجهم والحلاج وغيرهم مشهور) انتهى.

ويضيف نفس رجل الدين ((وجاء إنسان إلى ابن عمر رضي الله عنهما فقال: إن فلاناً يقرأ عليك السلام، فقال ابن عمر: (إنه بلغني أنه أحدث حدثاً {بدعة}، فإن كان كذلك فلا تقرأ عليه مني السلام)) انتهى. إلى هذه الدرجة وصل خوف المسلمين من التجديد – البدعة- فهل يمكن إصلاح دين يفكر فقهاؤه بهذا المنطق الأعرج ويرفض رد السلام على من قال بشيء مخالف؟ هذا ما يجعلني أجزم أن إصلاح الإسلام سوف يظل حلماً يراودنا إلى نهاية الحياة على هذا الكوكب

سأل المحاور السؤال الآتي: قلتَ في مقال يتيم عن إصلاح الإسلام أنّ إصلاحه يمرّ بالإنتقال من مدرسة اللامعقول الديني إلى مدرسة المعقول الديني. فماذا تقصد بذلك؟

وأجاب الأستاذ العفيف بالآتي: (الإصلاح حقيقي هو إعادة تأسيس، هو ابتكار لنموذج جديد من العقلانية الدينية التي لا تعترف من الدين خاصة في المعاملات إلا بما يقبله العقل. كل إصلاح ديني يمر بقتلٍ رمزي للأب. في موضوعنا يمر بالقطيعة مع لامعقول التراث، وبحلّ مشكلة تنفيذ الجديد بالأدوات القديمة. كلا العمليتين تتطلّبان إصلاح التعليم والإعلام والخطاب الديني جُملةً. لا، بل أن إصلاح الإسلام لن يتحقّق إلاّ بالإنتقال من مدرسة اللامعقول الديني المُستمرّة منذ قرون إلى مدرسة المعقول الديني المنشودة الوحيدة المؤهّلة لعقلنة التعليم والخطاب الديني بما فيه الخطاب الديني الإعلامي. الإنتقال من مدرسة اللامعقول الديني إلى مدرسة المعقول الديني يعني الإنتقال من القراءة الحَرفيّة للقرآن خاصة المدني السائدة إلى اليوم تقريبا في كل مكان من أرض الإسلام إلى القراءات الأخرى المنافسة لها والتي همّشتها أو كفّرتها كالقراءة التأويليّة والمقاصديّة والرمزيّة والتاريخيّة التي مارسها القرآن نفسه بالناسخ والمنسوخ أي نسخ الآيات التي لم تعد متكيّفة مع مستجدّات التاريخ. واصل الخلفاء الراشدون وبعض الفقهاء هذه القراءة الناسخة للأحكام التي لم تعد تستجيب للواقع المعيش. هذه القراءة الأولى للنّص المُؤسِّس التي مارسها الراشدون ضرورية لنا جدّا اليوم) انتهى.

ولا شك أن قراءة الإسلام عامةً، وقراءة القرآن بالأخص، قراءة عقلانية هو المطلوب إذا أردنا تحديث أو إصلاح الإسلام. ولكن المشكلة الرئيسية هي إذا قرآنا القرآن قراءة عقلانية، فسوف نُلغي أكثر من نصفه لأنه يتعارض مع العقل كليةً، مثل إرسال الملكين إلى بابل ليعلما الناس السحر، ومثل مغيب الشمس في عين حمئة، ومثل أن النجوم رجومٌ للشياطين، ومثل للذكر مثل حظ الأنثيين، وكذلك شهادة المرأة نصف شهادة الرجل. وبما أن المسلم يعتقد جازماً أن القرآن هو كلام الله الذي نطق به جبريل، فإن إلغاء آية واحدة يُعتبر هدماً للدين. وتأتي المشكلة الأخرى وهي عدم وجود مركزية إسلامية يمكنها فرض رأيها على الآخرين. فمن هو رجل الدين الشجاع الذي يستطيع إلغاء آية من القرآن كما فعل عمر بن الخطاب؟ بل هل يستطيع الأزهر أو قم أو كربلاء فعل ذلك دون أن تحدث حرب فعلية بين السنة والشيعة؟ الأزهر عجز حتى الآن عن مراجعة صحيح البخاري، وهو كتاب بشري جمعه رجل غير عربي، وبعد أكثر من مائتين سنة من موت محمد، ومع ذلك يرتجف شيوخ الأزهر من فكرة مراجعته، فهل يمكن لمثل هؤلاء الشيوخ أن يراجعوا القرآن ويلغوا بعض آياته غير العقلية أو حتى يقرؤونها قراءة عقلية تخرج عن تفاسير السلف الصالح؟

في اعتقادي الشخصي أن إصلاح الإسلام من داخله أمر مستحيل لعدم وجود الميكانيزم التي تسمح لرجال الدين بفعل ذلك. ورجال الدين في عصرنا هذا همهم الأول هو المتاجرة بالدين وجمع أكبر مبلغ من المال ممكن وبناء أفخم القصور، ثم إيجاد الوسيلة التي يتمكن بها رجل الدين من الوصول إلى الحاكم للتعاون معه لتجنب غضبه، وبالتالي قطع الرزق. وعليه لا يمكن إصلاح الإسلام إلا بالوسيلة التي يتعامل بها الإسلام نفسه مع الغير، وأعني الديكتاتورية وفرض الرأي على الآخر. ولذلك يلزمنا ديكتاتور متنور مثل كمال أتاتورك أو الحبيب بورقيبة لأزاحة رجال الدين من منصة الدولة وفرض الإصلاحات المطلوبة على الكل، ولن يتجرأ وقتها أحد على الاعتراض، كما حدث في خلافة المأمون والمعتصم والواثق عندما فرضوا خلق القرآن على الجميع وقبل به جميع شيوخ الإسلام ماعدا أحمد بن حنبل، الذي يقول مؤرخو الإسلام إن الرسول بشره بالجنة على ذلك (ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للإمام الشافعي في الرؤيا: بشر أحمد بالجنة على بلوى تصيبه في خلق القرآن. فأرسل الشافعي لأحمد كتاباً ببغداد يخبره فيه برؤياه، فلما قرأه الإمام أحمد بكى، ودفع للرسول قميصه الذي يلي جسده، وكان عليه قميصان، فلما دفع للشافعي غسله وادهن بمائه). هذا أنواع الروايات التي يؤمن بها شيوخ الإسلام ويدرسونها لطلبة الأزهر، فهل يُعقل أن تتفتح عقول مثل هذه وتقبل أن تقرأ القرآن قراءة عقلية؟ أشك في ذلك كثيراً..

كامل النجار (مفكر حر)؟

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

لعنة آل سعود

قبل اكتشاف النفط في مملكة الوهابية، كانت إنكلترا قد تعاقدت مع الملك سعود على دفع راتب له بمبلغ 5000 جنيه سترليني شهرياً، مقابل أن يكون ممثل مصالحها في منطقة الشرق الأوسط. وكان العميل الإنكليزي فيلبي هو الذي يقوم بدفع المبلغ للملك

(The Devil’s Game, Robert Dreyfuss, p 42).

 وبالطبع كانت المملكة حديثة التكوين عبارة عن صحراء يقطن أغلب سكانها في الخيام السوداء حول الواحات ولم تكن حكومة الملك سعود تقدم لهم أي خدمات لأن مبلغ الخمسة آلاف جنيه كانت لاحتياجات الملك وأسرته. وحتى بعد اكتشاف النفط في ثلاثينات القرن المنصرم، كان أغلب مدخول النفط يذهب للشركات الأمريكية ممثلة في شركة أرامكو بالظهران، والتي كانت تدفع للملك جزءاً بسيطاً من الدخل كل عام. وفي هذا الأثناء كان شعب المملكة يعتمد بشكل كبير على البواخر التي كانت تأتي من مصر والسودان محملة بالبضائع والخراف. وحتى كسوة الكعبة كانت تاتيهم سنوياً من سلطنة دارفور في غرب السودان، ثم تولت مصر الكسوة بعد ذلك. وتدريجياً ازداد مدخول المملكة من واردات النفط مع ازدياد اعداد الآبار النفطية الجديدة. ولسوء حظ العالم العربي ظهر في الخمسينات نجم الرئيس المصري جمال عبد الناصر الذي دعا إلى القومية العربية وإنهاء عهد الملوك في الشرق الأوسط، مما أثار سُخط آل سعود

انصب هم آل سعود في تلك الفترة على إنهاء حكم عبد الناصر عن طريق تمويل الجماعات الإسلامية في مصر وفي بقية البلاد العربية، فاحتضنوا أفراد الإخوان المسلمين الذين كانوا قد هربوا من مصر بعد محاولة إغتيال جمال عبد الناصر عام 1954. أغدق آل سعود المال والوظائف الجامعية على جماعة الإخوان المسلمين بينما كانت أجزاء كبيرة من الشعب السعودي ما زالت تعيش في الخيام ولا تعرف الصرف الصحي، ولا الطرق المعبدة ولا المياه النقية.

بعد موت عبد الناصر في عام 1970 واعتلاء أنور السادات، الرئيس المؤمن، سدة الحكم وانفتاح مصر على السوق الحرة لاغتيال اشتراكية عبد الناصر، رجع الإخوان المسلمون من السعودية محملين بالبترودولارات لنشر الفكر الديني في ربوع مصر وغيرها، كخير وسيلة للحفاظ على نظام آل سعود، ولتعبيد الطريق لتمكين الإخوان من حكم مصر حتى تكون مصر سنداً لآل سعود.

وكتطبيق عملي لهذه النظرية تفتق ذهن الأمير محمد الفيصل، ابن الملك فيصل، عن فكرة إنشاء البنوك الإسلامية، واستعان بشخصيات دينية إخوانية في مصر منهم مفتي الجمهورية، والسيد عبد العزيز حجازي رئيس الوزراء الأسبق، وعثمان أحمد عثمان، والشيخ يوسف القرضاوي، ويوسف ندا، والشيخ عمر عبد الرحمن مؤسس الجماعة الإسلامية، والمسجون حالياً في أمريكا بعد إدانته في تفجيرات مركز التجارة العالمي في نيويورك، فأنشأ بنك فيصل الإسلامي في مصر في عام 1976 بعد موافقة السادات على شروط معينة منها: ضمان عدم تأميم البنك مستقبلاً، وعدم خضوع البنك الإسلامي لقوانين البنوك في مصر، وعلى أن يعمل البنك في سرية كاملة دون الخضوع لمراجعة حساباته، وأن يُعفى من الضرائب المصرية (نفس المرجع أعلاه، ص 165).

كان جميع المتنفذين في بنك فيصل الإسلامي من الإخوان المسلمين الذين استفادوا من تمويل البنك في ترشيح وفوز أعضاء البرلمان المتعاطفين مع الإخوان، وإنشاء مؤسسات وصحف إسلامية تنشر أفكار الوهابية والإخوان في مصر. وعندما زاد ثراء الإخوان في مصر بعد أن كانوا قبل ذلك يعتمدون فقط على الاشتراكات من أعضاء الجماعة نفسها، بدءوا نشر البنوك الإسلامية الإخوانية في الأردن، والكويت، والسودان وتركيا. وبذا استطاعت مملكة آل سعود من نشر نفوذها الوهابي في تلك البلاد، بل تعدتها إلى البلاد الإسلامية الفقيرة مثل بالكستان وأفغانستان. فأغدق آل سعود عن طريق البنوك الإسلامية الصرف على الحكام الديكتاتوريين مثل الجنرال ضياء الحق ومولى عمر لنقل تلك البلاد إلى المذهب الوهابي المتعصب.

أما في الكويت التي كانت دولة منفتحة على القرن العشرين وكان نساؤها لا يعرفن الحجاب، وجامعاتها مختلطة، خشي آل الصباح من التأثير الناصري على شبابهم، بالإضافة إلى تخوفهم من الأعداد الغفيرة من الفلسطينيين العاملين في الكويت في ذلك الوقت والذين كانوا يميلون إلى الإشتراكية والشيوعية، فاستعان أمير الكويت بجماعة الإخوان المسلمين الأردنية التي كانت مساندة للملك حسين في حرب سبتمبر ضد حركة فتح في الأردن، وكذلك استعان بحركة الإخوان المسلمين الكويتية الصغيرة في ذلك الوقت، وكانت تُعرف باسم “حركة الإصلاح”، فنصحوه بحل البرلمان وإنشاء بنك التمويل الكويتي في عام 1977 تحت سيطرة الإخوان. وكما في مصر، فقد منحت العائلة المالكة هذا البنك نفس الشروط التي حصل عليها بنك فيصل في مصر، منها الأعفاء الكامل من مراقبة البنك المركزي، والعمل في سرية تامة، واحتكار سوق الاستثمار الإسلامي إذ منعت الحكومة إنشاء أي بنك إسلامي آخر في الكويت. واستطاع بنك التمويل الكويتي أن يصبح بين ليلة وضحاها ثاني أكبر بنك في الكويت، وبدأ باستقطاب القبائل البدوية والصرف عليهم وإدماجهم في حياة المدينة حتى يكونوا الوقاء العاذل للعائلة المالكة من أهل المدينة الذين كان أغلبهم من الأثرياء الكارهين لآل الصباح. وبالطبع أحضر البدو معهم إلى المدينة كل القيم الصحراوية المحافظة على التراث والعادات الجاهلية-الإسلامية. وفي وقت قصير جداً أصبحت مدينة الكويت مدينة محافظة حسب النظرة الإسلامية، ومنعت مدارسها تعليم الموسيقى واختلاط التعليم، وتحجبت نساؤها، وصعد نجم الإخوان في البرلمان الكويتي، الذي أصبح يشغل جل وقته في جلسات تدين من تجرأ وشتم الصحابة أو تحدث عن زوجات الرسول، أو رسم كاريكاتور لنبي الإسلام. وأجاز برلمان الكويت مصادرة الكتب والمجلات والصحف وحتى أفكار الناس. وانتهت كويت الستينات التي كانت تصدر مجلة العربي وحل مكانها أصدار كتب الحديث التي تعج بقصص عذاب القبر ونار جهنم. والآن انقلب السحر على الساحر وأصبح نواب الإخوان في البرلمان شوكة في خاصرة العائلة الحاكمة وأصبح عملهم الرئيسي مساءلة الوزراء من آل الصباح في البرلمان وإسقاط الحكومة تلو الأخرى بهدف إضعاف المؤسسة البرلمانية وربما الإيعاز إلى ضباطهم بالجيش لعمل انقلاب عسكري إخواني على طريقة البشير والترابي في السودان.

وفي السودان افتتح بنك فيصل الإسلامي فرعاً له في الخرطوم وحصر التوظيف بالبنك على المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين، وكذلك التسليف كان لا يُمنح إلا للأعضاء المسجلين مع الجماعة. وفي فترة وجيزة نمت طبقة من الأثرياء الإخوانيين الذين استعملوا ثروتهم الجديدة في تدعيم أسس الوهابية من بناء المساجد وإنشاء الصحف والمجلات المؤيدة للنشاط الإسلامي، وفرضوا على المرأة السودانية ارتداء الزي الإسلامي السعودي، المعروف بالعباءة. وانتشرت مدارس تحفيظ القرآن والقنوات الفضائية ومحطات الراديو التي تُدعّم مكانة الإسلاميين. وفي ظرف وجيز أُنشئت بنوك إسلامية أخرى بلغت في مجملها خمسة بنوك. وازداد فقر السودانيين غير المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين، وتقهقر وضع المرأة السودانية التي كانت من أوائل النساء العربيات اللاتي سُمح لهن بالتصويت ودخول البرلمان كعضو فاعل. واختفى، أو كاد صوتها في الحياة العامة، إلا صراخها عندما تُجلد في الميادين العامة لارتدائها البنطال بدل العباءة.

أما في الجزائر فقد كانت جبهة الإنقاذ الجزائرية على علاقة وطيدة بآل سعود الذين قدموا لها البترودولارات بسخاء

(Algeria, the Next Fundamentalist State, Graham Fuller, p xx)

. وقد أُنشئت جماعة الإخوان المسلمين في الجزائر، والتي ولدت لنا جبهة الإنقاذ، بواسطة جماعة الإخوان المسلمين المصرية بتمويل سعودي كامل. فقد أرسلت مصر الشيخ محمد الغزالي ومجموعة من المحاضرين الإسلاميين للتدريس بجامعة الجزائر فأنشأوا ونشروا فكر جماعة الإخوان. وبالطبع لم يرمش جفن لآل سعود عندما يئست جبهة الإنقاذ من تولي السلطة بعد أن استلمها الجيش وألغى نتائج الانتخابات التي كانت سوف تأتي بالإسلاميين إلى الحكم، فبدءوا حربهم الغاشمة ضد المواطنين الجزائريين، وسرقوا البنوك واغتصبوا النساء وفجروا الرجال في الأسواق والأماكن العامة. كل ذلك يهون في سبيل حفاظ آل سعود على ملكهم وإحاطته بدول إسلامية تدعمه.

أيادي آل سعود الطويلة قد طالت الأردن الذي كانت تمده السعودية بالنفط مجاناً عن طريق أنابيب شركة التابلاين التابعة لشركة أرامكو، وبالتالي كان استمرار حكم الملك حسين يعتمد على إرضاء آل سعود والأمريكان. ولذلك فرضت السعودية على الملك حسين الاعتراف بحزب الإخوان المسلمين في الأردن وحل جميع الأحزاب الأخرى. ونسبةً لسوء علاقة سوريا وحزب البعث مع مملكة آل سعود، فقد أوعز الأخيرون للملك حسين باستعمال إخوان الأردن في مؤامرة مع إسرائيل وبعض أعضاء جماعة الإخوان السوريين الذين كانوا يتدربون في معسكرات الكتائب السرية في لبنان تحت إشراف إسرائيل، بشن تفجيرات في سوريا في عام 1981 لزعزعة النظام وتمكين الإخوان من السيطرة على الحكم. وقد اعترف الملك حسين بعد أربعة سنوات بتلك المؤامرة ضد سوريا وأعتذر من حكومة حافظ الأسد (جريدة التاايمز اللندنية، 12 نوفمبر 1985).

ظل البترودولار هو الملك الرئيسي في جميع أنحاء العالم الإسلامي، ثم تعداها إلى غيرها. وبنهاية القرن العشرين أصبحت البنوك الإسلامية البيضة التي تبيض ذهباً للإسلاميين، وتُفرّخ لنا الوهابية من تلك البيضات الذهبية. فبنهاية العام 2004 كان هناك 270 بنك إسلامي، رأس مالها 260 بليون دولار

(The General Council of Islamic Banks and Financial Institutions, Agence France Presse, April 25, 2004،

 نقلاً عن روبرت درايفوس، لعبة الشيطان) . كل هذا المال الإسلامي كان وراءه الأمير محمد الفيصل وصالح بن عبد الله كامل، أخو زوجة الملك فهد. وقد أنشأ الأخير بنك البركة في جدة، وكان أهم أعضائه الشيخ يوسف القرضاوي. وقد باض بنك البركة في جدة بيضة جديدة فقست في جزر البهاما تحت مسمى “بنك التقوى” الذي أنشأه يوسف ندا، عضو الإخوان المسلمين.

ولما لم يكن لبنك البركة في جدة، أو بنك التقوى في البهاما أي حاجة لنشر الوهابية، عمل البنكان في تمويل الإرهاب الإسلامي ممثلاً في القاعدة. ولما كانت عائلة آل سعود قد اعتمدت اعتماداً كلياً على المؤسسة الدينية الوهابية ومنحتها حق تنظيم مناهج التعليم في المملكة، وكثر عدد الخريجين الذين لا يؤهلهم تعليمهم الديني لأداء أي وظيفة حكومية، وزاد عدد الشباب العاطلين وبدأ الفراغ يلعب بعقولهم مما جعل آل سعود يخافون من اشتعال نار الثورات عليهم، وخاصةً بعد أحداث الحرم المكي في عام 1979التي قادها جهيمان العتيبي، وأدت إلى قصف المسجد الحرام بواسطة مدفعية الجنود السعوديين (في غياب الطير الأبابيل)، تفتقت ذهنية آل سعود ومستشاريهم من الأمريكان عن وسيلة تشغل الشباب المتشددين وتصرف أنظارهم بعيدا عما يدور في مملكة الوهابية من فساد، فوجدوا في أفغانستان ضالتهم فقاموا بتمويل وإرسال الآلاف من الشباب السعوديين لمساعدة المجاهدين الأفغان في قتالهم ضد الروس. ثم قاموا بإنشاء المدارس الدينية الوهابية في مخيمات اللاجئين الأفغان في باكستان، وهي نفس المدارس التي تعلم فيها قادة وجنود طالبان.

ولما ازداد الطلب على تمويل الإرهابيين في كل أنحاء العالم، جند آل سعود حلفاءهم الخليجيين لفتح بنك التجارة والتسليف العالمي Bank of Credit and Commerce International

 في لندن تحت إدارة باكستانية. وقد اشتهر البنك بتمويل الإرهاب وغسيل الأموال والمتاجرة بالمخدرات حتى أصبح اسمه غير الرسمي

Bank of Crooks and Criminals International.

 وقد انهار ذلك البنك في عام 1988، ووضعت أمريكا بنك التقوى في البهاما على قائمة المنظمات التي تمول الإرهاب ومنعت التعامل معه.

ثم أنشأت مملكة آل سعود منظمة المؤتمر الإسلامي والرابطة الإسلامية بتمويل من بنك التنمية الإسلامي في جدة

Islamic Development Bank،

 وأصبحت هتان المنظمتان رأس الرمح الذي اخترق جسد الدول الإسلامية بواسطة البترودولارات التي تضخانها في تلك الدول لنشر الفكر الوهابي وتخلف المجتمعات تحت اسم التنمية. ثم زادت المملكة على ذلك بأن ضاعفت عدد الجمعيات الخيرية التي كانت تجمع التبرعات من رجال الأعمال لدعم نشاط القاعدة. وبلغت التحويلات من الجمعيات الخيرية السعودية والخليجية إلى القاعدة في أفغانستان، بين عامي 1979 و 1989 ستمائة مليون دولار ، كما تقول مجلة “الوطن العربي”. وقد انفقت السعودية في العقدين الأخيرين مبلع 87 بليون دولار لنشر المذهب الوهابي في جميع ربوع العالم، حسب شهادة أحد الخبراء أمام الكونجرس الأمريكي في 26 يونيو 2003.

ولم يكتف آل سعود بذلك، بل فتحوا مدارس التعليم الوهابي في جميع البلاد الإسلامية وفي أوربا والأمريكتين لأدلجة الأطفال المسلمين وتعليمهم الوهابية التي تحث أتباعها على كراهية غير المسلم، وإضمار العداء للمخالف، حسب الفتاوى السعودية التي تمثل الجزء الأكبر من مقررات تلك المدارس، كما أثبت البحث الذي قام به الكونجرس الأمريكي حديثاً. في تقرير مجلس الوزراء السعودي السنوي، (أوضح الدكتور صالح العايد، الأمين العام للمجلس أن التقرير السنوي احتوى على مساعدات مالية أكثر من 84 مليون ريال استفاد منها 150 جهة إسلامية في 55 دولة، كما كان من أبرز إنجازات المجلس المساعدة في إنشاء 22 جامعاً و 16 مركزاً إسلامياً في قارات العالم المختلفة) (الشرق الأوسط، 6/7/2009). هذه الدول الفقيرة التي يموت مواطنوها من الأمراض المزمنة ومن الجوع، تتبرع لها المملكة الوهابية لبناء الجوامع والمراكز الإسلامية لتخرج لها المؤدلجين بالوهابية، بدلاً من تخريج ممرضين ومسعفين طبيين لمساعدة المرضى.

ورغم كل هذا البذخ في تمويل الأدلجة والإرهاب، ما زال مواطنو السعودية يعيشون في الفقر ويعاني شبابها من الجنسين من البطالة. وقد أكدت دراسات متعددة نفذتها وزارة الشؤون الاجتماعية حول الفقر في مدينة الرياض، أنه (شكلت الأمية والبطالة وارتفاع نسبة الإعالة في الأسرة السعودية وانخفاض الدخل لدى رب الأسرة العامل أو انعدامه لغير العامل والحوادث الشخصية كوفاة الزوج أو هجره لأسرته أو دخوله السجن أو فصله من العمل وعدم الوعي الاجتماعي للأسر الفقيرة أبرز مسببات الفقر في مدينة الرياض) (الشرق الأوسط، 31/7/2005). وما زالت شوارع الرياض والدمام والخبر تعج بالنساء المتسولات. فبدل إنشاء نظام ضمان اجتماعي يعتني بالأسر الفقيرة وباليتامى والمطلقات وذوي العاهات، تصرف المملكة مليارات الدولار على نشر الوهابية والإرهاب في ربوع العالم. وما يعنينا هنا أن الأموال الضخمة التي منحتها المملكة للإخوان المسلمين وغيرهم من الإسلاميين سوف تمكن هؤلاء من إغتيال الثورات العربية الحديثة ومحاولة إقامة أنظمة ديمقراطية في تلك البلاد لأن الإسلاميين هم الوحيدون الذين يملكون المال لشراء أصوات الفقراء الأميين وبذلك يفوزون في تكوين حكومات ما بعد ، ويصبحون الساعد الأيمن لآل سعود واستمرار حكمهم العائلي الثورات الفاسد.

والآن نرى أن الأخطبوط الوهابي يحاول توسيع الرقعة الحامية له بضم الأردن والمغرب إلى مجلس التعاون الخليجي لزيادة عدد الملوك في المجلس، وحتى يتسني للأخطبوط قمع محاولات التغيير الديمقراطي في تلك البلاد بإرسال جيوش مجلس التعاون لقتل المتظاهرين، كما فعلوا في البحرين. فليس هناك أي هدف آخر من ضم المغرب الذي لا تربطه بالخليج أي رابطة غير نظام الحكم الملكي العائلي. وتلك لعمري لعنة فرعونية لا تقاربها أي لعنة أخرى.

كامل النجار (مفكر حر)؟

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | 1 Comment

قراءة في -مانيفستو المسلم المعاصر- لجمال البنا

يقول المفكر الإسلامي الكبير جمال البنا في هذا البيان: ((إن كرامة الإنسان يجب أن تكون في أصل كل النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ويجب أن تحرّم تحريما باتا كل ما يهدر كرامة الإنسان جسدًا ونفسًا)). كما يقول: ((إن الإنسان هو الغاية، والأديان هي الوسيلة)). كما يقول أشياء جميلة أخرى لها المعنى ذاته، ولا داعي لذكرها تحاشيا للتكرار الممل.

وهذا كلام جميل لولا أن الكاتب ظل يلتف عليه ويتنكر له في على طول المقال وعرضه تطغى ضمن مواقف تصطبغ بصبغة دينية إسلامية منغلقة. ولهذا فأنا أعتبر هذا المانفستو بعيدا جدا عن التسامح والتنوير والتفتح التي قد ينخدع بها القارئ لمثل الفقرات السالفة الذكر.

يستهل الكاتب بيانه بالقول: ((نؤمن بالله. إنه محور الوجود ورمز الكمال والعقل والغائية، وما ينبثق عنها من قيم، وبدونه يصبح الوجود عبثا، والكون تحت رحمة الصدفة الشرود والإنسان حيوانا متطورا أو “سوبر حيوان”)).

طبعا لا اعتراض على من يؤمن بالله وأنه محور الوجود ورمز الكمال والعقل والغائية.. الخ. إذا كان الإيمان بهذا رياضة ذاتية يلتزم بها العبد تجاه معبوده في علاقة حميمية خاصة، لكن عندما يقدم هذا الإيمان في مانفستو، أي في بيان ديني سياسي أيديولوجي الهدف منه، شأن كل البيانات، دعوة الناس أو بالأحرى دعوة مواطني البلد الواحد مثل مصر، بلد الكاتب، إلى الأخذ ببديل وحلول لمشاكلهم الدنيوية السياسية والاجتماعية والاقتصادية فهذا هو الخطر، خاصة عندما يتقدم للناس باسم قوى مطلقة مقدسة معصومة، فيوهمهم أن هذا البديل هو وحده الكفيل بإخراجهم مما هم فيه من مآزق ودفعهم إلى تبني مواقف تتعارض مع التسامح والتفتح والحرية والديمقراطية.

أليس هذا ما نفهمه من قوله: (( وبدونه (أي بدون الله) يصبح الوجود عبثا، والكون تحت رحمة الصدفة الشرود والإنسان حيوانا متطورا أو “سوبر حيوان”))؟ فلا معنى لهذا الكلام إلا أن غير المؤمن بهذا الله، سواء أكان ملحدا أم كان من أتباع الديانات التي تعتبرها الديانة الإسلامية وثنية مثلما هو شأن الهندوسية والبوذية، هو إنسان (الوجود (عنده) عبثا)). وهذا غير صحيح لأن غير المؤمنين على الطريقة الشرق أوسطية لا يعتبرون الوجود عبثا فلهم في فلسفاتهم وفي معتقداتها ما يجعلهم يعيشون في وفاق مع الطبيعة أو مع آلهتهم ومعتقداتهم، بالإضافة إلى أنه شتيمة في حق بشر آخرين لا يتقاسم معهم الكاتب دينه ولأن الدولة الحديثة مطالبة بالتفتح على الجميع والتعامل معهم بدون تمييز ولنا عبرة في البلاد العلمانية التي تمكنت من استيعاب الجميع كمواطنين لهم نفس الحقوق والواجبات بغض النظر عما يدينون به، بل تمكنت من ذلك بعد إبعاد المعتقدات الدينية كمعايير للمفاصلة وللتمييز بين الناس. أما القول ((والكون تحت رحمة الصدفة الشرود والإنسان حيوانا متطورا أو “سوبر حيوان”))، فهو قول غير علمي ومنغلق يضرب عرض الحائط كل الحقائق العلمية الأخرى حول الكون غير تلك التي لها صلة بنظرية الخلق الدينية الشرق أوسطية التي تعتبر هي الأضعف والأكثر تهافتا مقارنة مع نظرية النشوء والارتقاء، التي يتبناها حاليا أغلب علماء العالم ومثقفيه وأي تمييز ضدها هو العودة بالناس قرونا إلى الوراء. فالكون فعلا كان ومازال وسيستمر ((تحت رحمة الصدفة الشرود))، بالإضافة إلى دور الضرورة طبعا التي تجاهلها الكاتب (نظرية المصادفة والضرورة). وعليه فورود موقف مثل هذا في بيان ينشد الإصلاح والتقارب بين الناس مهما اختلفت قناعاتهم الدينية والعلمية هو موقف غير موفق بتاتا.

أما قوله: ((والإيمان بالله الذي يكون قوة ملهمة هو ما يغرسه في النفس تصوير القرآن الكريم لله تعالى)). فهو قول لا يستقيم مع مطلب المواطنة التامة في الوطن الواحد حيث تتعدد التصورات الإيمانية بتعدد المذاهب والأديان. وعليه فهذا المانفستو مضر بالتصور العصري للمواطنة في بلد متعدد الأديان كمصر مثلا، وفي أغلب البلاد الإسلامية، بوصفها أوطانا ذات تعددية دينية ومذهبية وفلسفية يهيمن عليها الإسلام السني ويتسبب في تشجيع تجاوزات كثيرة في حق الآخرين ويجب العمل على رفع كل أنواع الحيف والغبن التي تسبب فيها لملايين الناس بينما لا يعكس مقال الكاتب هذا المطلب الحضاري. وعليه فحصر الكاتب الإيمان بالله في القرآن هو بالأحرى مانفستو للإقصاء لا مكان فيه لمواطنة عصرية لم تعد ترضى بمجرد تسامح تحقيري هو أقرب إلى المن والتفضل التصدق من طرف المسلمين.

ويقول: ((الأنبياء هم القادة الحقيقيون للبشرية، ويجب جعلهم المـُثل في القيادة)). فعن أية بشرية يتحدث جمال البنا؟ هل يجب أن نخرج أتباع الديانات الأخرى من البشرية وغيرهم من الوثنيين والملحدين واللادينيين واللاأدريين وكل من لا يشارك الكاتب في تصوره؟ ما هو وضع إنسان لا ينتمي لبشرية البنا في دولة البنا هذه؟ ألا يكفي قرونا من التيه والحروب والمآسي نتيجة جعل هؤلاء الأنبياء قادة ومثل في القيادة؟

وعندما يقول جمال البنا: ((ونحن نؤمن أن الإسلام قد قدم الصورة المثلى لله والرسول. على أننا نتفهم الصور التي قدمتها الأديان الأخرى، لأن الدين أصلا واحد، ولكن الشرائع متعددة، ونحن نؤمن بالرسل جميعا، وأن الله تعالى أراد التعدد والتنوع “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً”، وأن الفصل في هذا التعدد هو إلى الله تعالى يوم القيامة)).

فهو هنا أيضا يمارس تمييزا وإقصاء غير خافيين ضد الأديان الأخرى في بيان يفترض أنه موجه لإدارة شؤون دولة حديثة أهم خصائصها المواطنة الكاملة. ولا أرى في كلام الكاتب ما يطمئنني حول هذا المطلب الرئيسي لأي دولة حديثة حقيقية. عبارة مثل ((ونحن نؤمن أن الإسلام قد قدم الصورة المثلى لله والرسول. على أننا نتفهم الصور التي قدمتها الأديان الأخرى))، لا تكاد تخفي انحياز الكاتب للإسلام الذي “قدم الصورة المثلى لله والرسول” على حساب المسيحية مثلا دين ملايين المواطنين المصريين، ولو أنه تنازل وتَفَهَّمَ “الصور التي قدمتها الأديان الأخرى” التي هي غير مثلى أو أقل مثالية كما يجب أن نفهم إذا قرأنا بين السطور.

وفي قوله: “ونؤمن أن الدين هو المقوم الأعظم للمجتمع العربي، وأنه يمثل التاريخ والحضارة والضمير، وأن تجاهله يقطع التواصل مع الشعب، ولا ينفي هذه الحقيقة أن تكون الفلسفة والآداب والفنون قد حلت محل الدين في المجتمع الأوربي فلكل مجتمع طبيعته الخاصة وقدره الذي لا يمكن التمرد عليه أو التنكر له، وفي الوقت نفسه ـ فإنه لا يحول دون تلاقح الأفكار وتحاور الحضارات، وتقارب الديانات لأن الحكمة ضالة المؤمن”.

فماذا يعني الكاتب بتجاهل الدين؟ هل المطالبة بالعلمانية هو تجاهل للدين سيفضي حتما إلى القطيعة مع الشعب؟ أليس هذا كلاما أقرب إلى التكفير؟ هل تَعَلْمُنُ المجتمعات الأوربية أدى إلى ذلك وهل هذا هو قدرها بينما قدرنا هو استمرار الهيمنة الدينية على مجتمعاتنا ولا مهرب لنا منه؟ ما هو المصير الذي يخصصه الكاتب لمن لا يشاركه هذه القناعة لو “قدر الله” وأمكن لهذا المانفسو أن يوضع موضع التنفيذ؟ ثم ما هو الدين الذي يعتبره الكاتب مقوما أعظم للمجتمع العربي؟

هل نصدقه عندما يقول: “نؤمن بكرامة الإنسان، وأن الله تعالى هو الذي أضفاها على بني آدم جميعا، فلا تملك قوة أن تحرمهم منها، وهي تعم الجنس البشري من رجال ونساء، بيض وسود، أغنياء، وفقراء.. الخ، وقد رمز القرآن لهذه الكرامة بسجود الملائكة لآدم، وتسخير قوى الطبيعة له. إن كرامة الإنسان يجب أن تكون في أصل كل النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ويجب أن تحرم تحريما باتا كل ما يهدر كرامة الإنسان جسدًا ونفسًا”؟

ما سبق يجعلني لا أفهم هذه الكرامة إلا ضمن الحدود التي رسمها الإسلام للناس. ونحن نعرف هذه الحدود في الميدان عندما كان للإسلام اليد الطولى على أتباعه وعلى المختلفين معه في القرون الطويلة التي تحكم فيها على رقاب الناس. النصوص التي تحط من شأن المرأة والذمي والوثني لا مجال لنكرانها. فإذا كان يستطيع أن يغض الطرف عنها اليوم فلماذا لا يذهب حتى النهاية فيطالب بالعلمانية ورفض تدخل الدين أصلا في السياسة حتى يبقى الدين لله والوطن للجميع؟

لا أعتقد أن الكاتب على استعداد لذلك وهو القائل مباشرة بعد هذا الكلام: “ولما كان الإسلام قد جاوز ـ كمًّا ونوعا ـ الاتفاقيات الدولية عن حقوق الإنسان، فإن أقل ما يجب أن يتم هو التطبيق الفوري لهذه الاتفاقيات”. فهل يوجد أغرب من هذا الكلام عندما يدعو الكاتب إلى “التطبيق الفوري لهذه الاتفاقيات الدولية عن حقوق الإنسان” ولا يدعو إلى تطبيق الإسلام مادام قد “جاوز ـ كمًّا ونوعا ـ الاتفاقيات الدولية عن حقوق الإنسان”؟

هذا الكلام أعتبره بمثابة الشعرة التي قصمت ظهر البعير. هل يعقل أن نصدق أن “الإسلام قد جاوز ـ كمًّا ونوعا ـ الاتفاقيات الدولية عن حقوق الإنسان”؟ هل لـ”جاوز” معنى آخر غير ما فهمته أنا؟

هلا حدثنا الكاتب الإسلامي عما جاوز فيه الإسلام “الاتفاقيات الدولية عن حقوق الإنسان”؟ أهي في إباحته للعبودية، أم في جعل المرأة ناقصة عقل ودين أم في تشريعه للغزو والاحتلال وأسواق النخاسة ومصانع الخصيان أم في انتصاره للنقل على العقل أم في تقريره أن لا اجتهاد مع النص أم في التخلف الذي تعاني منه حقوق الإنسان في كل البلاد الإسلامية بسبب احتكام مجتمعاتنا إلى هذا الدين؟

يتبع

عبدالقادر أنيس فيسبوك

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment