الحلم الأوروبي الأميركي

خافيير سولانا: الجريدة الكويتية

اليوم، هناك ثلاث دول أوروبية من بين أضخم سبعة اقتصادات على مستوى العالم. وبعد عشرة أعوام من الآن، سيقل هذا العدد إلى اثنتين فقط. وبحلول عام 2030، فلن تظل على القائمة سوى ألمانيا، ثم بحلول عام 2050، لن تظل على القائمة أي دولة أوروبية. بل وبحلول ذلك الوقت ستكون الولايات المتحدة الممثل الوحيد للغرب بين الدول السبع الكبار.

وهذا يعني أن الدول الأوروبية أصغر حجماً من أن تنافس كل منها بمفردها في عالم القرن الحادي والعشرين. والأمر بهذه البساطة. فوفقاً لتقارير البنك الدولي سيزيد عدد سكان العالم مليارين إضافيين بحلول عام 2030، وأغلبهم آسيويون، وينتمون إلى الطبقة المتوسطة. وستكون الضغوط المفروضة على موارد الكوكب، والسلع الأساسية، والمياه، والغذاء بالغة الضخامة، الأمر الذي يجعل إعادة التوازن إلى العالم ضرورة حتمية. وفي عالم يتسم بالترابط المتبادل والتغيير المستمر، فإن أوروبا ستدرك أن الاتحاد قوة.

وما لم يعمل الأوروبيون من أجل تحقيق هدف التكامل، فإنهم قد يجدون أنفسهم وقد تجاوزتهم الدول الناشئة من حيث التطور التكنولوجي، وخلق فرص العمل، وتكاليف الإنتاج، والموهبة، والإبداع.

إن الاتحاد الأوروبي لايزال المكان الذي تضمن فيه المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية نوعية حياة أفضل. وبهذا المعنى فإن المطالبة بصوت أوروبي في العالم واضحة -تحدث رئيس البرازيل السابق لويز ايناسيو لولا دا سيلفا عن الاتحاد الأوروبي بوصفه «تراثاً دولياً فريداً»- لأنه يضمن القيم التي تمثل الإنسانية في أفضل صورها.

وتتجسد هذه القيم جزئياً في نظام الرفاهية الاجتماعية الأوروبي، الذي يشكل عنصراً بالغ الأهمية في تكوين الهوية الجمعية الأوروبية ومصدراً أساسياً للفخر في آن. صحيح أنه من ناحية التفاوت الاقتصادي لا يتجاوز الفارق في نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي اثنين إلى واحد بين أكثر الولايات الأميركية ثراءً وأكثرها فقراً (باستثناء مقاطعة كولومبيا)، في حين تبلغ النسبة في الاتحاد الأوروبي 6.5 إلى واحد. ولكن من حيث الظروف داخل الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي فإن الأمور مختلفة تماماً.

ويبلغ متوسط «معامل جيني» (حيث يعني الصفر المساواة المطلقة ويعني الرقم واحد التفاوت المطلق) في أوروبا 0.30، في حين يبلغ في الولايات المتحدة 0.45. وفي الصين يبلغ المعامل 0.47. وهذا يعني أن المجتمع الأميركي متفاوت للغاية (والمجتمع الصيني أيضاَ بدرجة أعلى قليلاً). أما في أوروبا فالعكس هو الصحيح. فالمجتمعات الأوروبية أكثر عدالة، في حين لايزال التقارب فيما بينها بعيداً (وهذه حقاً المهمة الكبرى التي تواجهها أوروبا).

وليس من الصعب من هذا المنظور أن نفهم السبب وراء الجاذبية التي تتمتع بها أوروبا دولياً. ولنتأمل هنا التجربة الفكرية التالية (شكل مختلف من «حجاب الجهل» استحضره الفيلسوف جون راولز في إطار جهوده الرامية إلى تصميم مجتمع عادل): إذا وضعنا في الحسبان مستوى ونوعية الحماية الاجتماعية، والتعليم العام، والرعاية الصحية في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ومن دون التعرف مسبقاً على موقفك الاجتماعي في أي من المجتمعين، ففي أي منهم كنت تود أن تولد؟

ولكن إذا كانت أوروبا تريد الحفاظ على مؤسسات تقاسم الازدهار، فيتعين عليها أن تعمل على توليد النمو الاقتصادي من أجل تغطية تكاليفها. وهذا يعني زيادة الإنتاجية وتعزيز القدرة التنافسية، وعلى نفس القدر من الأهمية، التأكيد على مكانة أوروبا في العالم.

إن الأوروبيين لديهم الآن من الأسباب ما يجعلهم يتمسكون بالأمل في سعيهم إلى تحقيق هذه الأهداف، أو اتفاقية تجارة حرة عبر أطلسية. وقبل وقت ليس ببعيد، كانت أوروبا في ثمانينيات القرن العشرين توصف (من قِبَل المحافظين الأميركيين بشكل خاص) بمصطلح «التيبس الأوروبي». وكانت العقود التي أعقبت أزمة النفط عام 1979 تتسم بارتفاع مستوى البطالة، والشلل المالي، وتجمد مفاوضات الانضمام بالنسبة إلى إسبانيا والبرتغال. وكانت الاقتصادات الأوروبية راكدة، في حين كان الاقتصاد في الولايات المتحدة واليابان آخذاً في النمو.

في ذلك الوقت، لم تكن السوق الأوروبية المشتركة قد تحولت بعد إلى سوق موحدة. وآنذاك، حدث تقارب تاريخي في المصالح الوطنية والمواقف الإيديولوجية (من اشتراكية فرانسوا ميتران إلى محافظة مارغريت تاتشر إلى ديمقراطية هيلموت كول الاجتماعية). وبقدر عظيم من التبصر، استنتج زعماء أوروبا أن افتقار اقتصادات بلدانهم إلى التكامل هو الذي منع أوروبا من النمو بنفس قوة النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة واليابان.

وكان الحل يتلخص في إنشاء سوق أكبر كثيراً؛ سوق موحد. ثم توجت هذه الجهود بالقانون الأوروبي الموحد في عام 1986، الذي أرسى أساس الدورة الحميدة المتمثلة في النمو القوي وانخفاض معدلات البطالة في تسعينيات القرن العشرين.

واليوم أصبحت اتفاقية شراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي مطروحة على الطاولة أخيراً، وهي تَعِد بتعزيز النمو في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على السواء. وفي عام 2012، بلغ مجموع صادرات الولايات المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي نحو 206 مليارات يورو (272 مليار دولار)، في حين بلغت صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة نحو 300 مليار يورو. وتعتمد 30 مليون وظيفة في أوروبا (نحو 10 في المئة من إجمالي قوة العمل) على التجارة الخارجية. والكميات ضخمة، وهو ما يشير إلى أن اتفاقية شراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي قد تخلف تأثيراً لا يقل عن تأثير السوق الموحدة في أوروبا.

بيد أن تحقيق إمكانات اتفاقية شراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي يتطلب إتمام مشروع التكامل الأوروبي. وهي عملية طويلة وبطيئة، ولكنها الوسيلة الوحيدة للحفاظ على أهمية أوروبا باعتبارها لاعباً دولياً، لديها ما تقدمه للعالم. والواقع أن هذه العملية -في عقدها السابع الآن- هي التي مكنت الأوروبيين من التمتع بأعلى مستويات المعيشة على مستوى العالم.

* كان وزيراً لخارجية إسبانيا، والأمين العام لمنظمة حلف شمال الأطلسي، والممثل الأعلى لشؤون السياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي. ويشغل حالياً منصب رئيس مركز إيساد للاقتصاد العالمي والجغرافيا السياسية، وهو زميل متميز لدى معهد بروكينغز.

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

حرب الكاميرون وإثيوبيا

رسلان ولودميلا : من شعر بوشكين

ثمة حرب دائرة بين إثيوبيا والكاميرون. ليست قبلية، ولا طبعا حدودية كباقي الأفارقة، ولا رياضية.. فأهل الكاميرون لكرة القدم والإثيوبيون لسباق المائة متر، وما فوق. لن تصدق ما هو سبب الحرب: ألكسندر بوشكين، شكسبير روسيا، وسرفانتس اللغة الروسية.

ما العلاقة بين «معلم» الأدباء الروس، ودولة في القرن الأفريقي وأخرى في غرب أفريقيا؟ أعمق مما قد يخطر لك. كلتاهما تدعي أصوله. وطالما فاخر بوشكين بدمائه الأفريقية الحارة، لكنه لم يحدد تماما من أين جاء جدّ جدّه، الذي تبناه القيصر وجعله جنرالا في الجيش لشدة ذكائه. لكن الخبراء الروس اتفقوا في تلك المرحلة على أن الرجل ولد في إثيوبيا. وأفرح ذلك الإثيوبيين أيما فرح واعتزاز، ولو أن المسألة تتعلق فقط بجد الجد.

لكن بما أن بوشكين أسطورة لا يكف الروس عن البحث في جذورها، فقد توصل صف جديد من العلماء إلى أن بوشكين، الجد، ولد في لوغون – برني، الواقعة اليوم في بلاد تدعى الكاميرون. يا ساتر!.. دارت رحى الحرب ومثل كل حروب أفريقيا – أعدك – لن تتوقف. ولأن أكاديميا أفريقيا يدعى ديندونيه غتافكو أيد وجهة نظر الكاميرونيين، فقد هاجمته زمرة من الشبان الإثيوبيين في شارع موسكو وحاولوا خنقه.

عندما يصل مستكشف إلى قطب متجمد ما، أو غابة ما، يسارع إلى رفع علم بلاده تأكيدا للملكية. هكذا فعل الإثيوبيون والكاميرونيون. ارتفعت تماثيل بوشكين في عواصم البلدين، وتحت كل واحد منها لوحة تؤكد أن جد جد الشاعر ذهب إلى روسيا من هنا.

كم من أبناء البلدين قرأ الشاعر الروائي الناشر ومؤلف الأوبريتات، الذي قتل عن 37 عاما في مبارزة من أجل شرف امرأته؟ التخمين ليس صعبا. لكن من السهل استثمار الاسم في تجارة أخرى، كما فعل الروس. فلم يبق شيء إلا ووُضع اسم بوشكين عليه: سجائر، قناديل، أحذية، ساعات، سكريات، أقلام، دفاتر، محابر، سكاكين، مزهريات، فناجين، مراوح هوائية، عطور، وألعاب تسلية من نوع «مبارزة بوشكين».

أحبه الشيوعيون، وأحبه المحافظون، وأقيم له أجمل متحف في بطرسبرغ. وحاول كل فريق أن يدعي نسبه الفكري أو السلالي. وحاول جنابك أن تقرأه، سوف تعرف لماذا. لأنه كان شاعرا رائعا أو ساحرا في الشعر.

Posted in الأدب والفن, فكر حر | Leave a comment

رسالة خامنئي إلى مرسي: وجهة الإسلام: دولة المرشدين أم دولة المواطنين؟

الشرق الاوسط

قبل أسبوعين، أوردت وكالات الأنباء أن المرشد علي خامنئي أرسل وسبعة عشر من مستشاريه رسالة إلى الرئيس المصري محمد مرسي، حيا فيها الثورة المصرية، ودعاه إلى السير على نهج الإمام الخميني والثورة الإسلامية وولاية الفقيه. وتابع: «إن نهج الإمام جعل من إيران عزا للإسلام، وأقوى دولة في العالم»!

وقد سبقت رسالة خامنئي عشرات الزيارات من مسؤولين إيرانيين إلى مصر بعد وصول الدكتور مرسي للرئاسة. وكانت زيارة الرئيس محمود أحمدي نجاد لمصر بمناسبة انعقاد القمة الإسلامية بالقاهرة، آخر تلك الزيارات. وهي زيارة آلمت أحداثها المحافظين الإيرانيين، ليس لأن أحمدي نجاد ما عاد يمثلهم بعد الانقسام عليه؛ بل لأنه في زيارته لشيخ الأزهر سمع كلاما قاسيا عن التدخل الإيراني في الشؤون العربية والخليجية على الخصوص، والمشاركة في قتل الشعب السوري – وهذا فضلا عن شكاوى من حملات التشييع، ومن ظلم أهل السنة في إيران!

لذا، جاءت رسالة خامنئي بمثابة رد على ما نال أحمدي نجاد (وإيران) من إيلام. وتنبيه إلى طليعية الثورة الإسلامية وإيران، مقارنة بما يحدث في مصر وبلدان الثورات العربية. وهكذا، فقد أراد خامنئي مبادلة الجرح بالجرح: فإيران هي التي تستحق التقليد والسير على خطاها فقط؛ بل الأحرى تقليد إسلامها أيضا، من خلال «اقتباس» ولاية الفقيه بالذات! ولا نعلم إن كان مرسي قد رد عليه بعرض لمفهوم «الإخوان» المسلمين للخلافة والعالمية الإسلامية. لكن عددا من قياديي «الإخوان»، مثل عصام العريان ومحمود غزلان، تبرأوا من التقليد ومن ولاية الفقيه!

في العقدين الأخيرين، كان الأمر سهلا على إيران: تدخل على العرب والمسلمين الآخرين من باب حماية الإسلام ومرجعية مرشد الثورة في ذلك، وتتمدد في بلدان الجمهوريات الخالدة مستتبعة الجماعات الشيعية، ومحتضنة الإخوان المقاتلين وغير المقاتلين، بينما هي ترفع راية فلسطين، وتتحدى الأميركيين والإسرائيليين. ورغم أنها ما ارتاحت اقتصاديا ولا سياسيا منذ قيام الثورة، فإن صورتها عن نفسها أمام شعبها وأمام العالم، أنها هي الإسلام ذاته؛ ولذا فإنها في سياساتها تجاه الجوار، وتجاه الإقليم والعالم، تسلك مسلك دولة التمهيد (لظهور المهدي)، ومن ضمن المهدوية والخلاصية يأتي النووي، وتأتي تلك البشارات شبه اليومية، بإنجازاتها في سائر أنواع الأسلحة، وهي السياسات التي عرفها كل أقطاب وأبطال الحرب الباردة، استدامة للجبروت وإرغاماته، ودونما تفرقة ملحوظة بين الداخل والخارج، أو دونما تردد في إخضاع الداخل من خلال عرض الأسلحة من جهة، وإرغامه على الطاعة والتسليم تحت وهج «الانتصارات» الخارجية!

ويملك «الإخوان» نفس الدعوى، ونفس العقلية. فالدعوى أنهم ولاة أمر الشريعة، ويريدون استعادة الخلافة، وإنْ بصيغة مخفقة. لكنهم جاءوا إلى السلطة في سياقات أخرى، وفي زمن آخر. ولذا، فقد نظروا منذ البداية إلى منْ ينصحهم علنا بإقامة حكم الإسلام، وولاية الشريعة – أنه إنما يريد إحراجهم. فهم ورغم خروجهم إلى العلانية، لن يكشفوا عن كامل مشروعهم إلا بعد «التمكين» الذي لم يتحقق بعد. ولديهم مشكلة أخرى، هي أنهم لا يستطيعون ادعاء السواد في عالم الإسلام السني (مثلما تزعم إيران تزعُّم العالم الشيعي)، وذلك لأن لديهم إلى يمينهم السلفيين، ولديهم في الجوار السعودية بلاد الحرمين. إنما التحدي الأوضح في العلنيات أنهم جاءوا على أثر ثورة الحرية أعلى مطالبها الحرية، والشبان الثوار لا يريدون الخروج إلى قيم وأنظمة شمولية أخرى. وهذه الإرغامات تفرض عليهم التظاهر بالانكفاء للداخل، لأن هذا هو المزاج الشعبي. ثم إن العين بصيرة واليد قصيرة، رغم الطموحات والمبالغات بشأن دولية «الإخوان» وعالميتهم. فالإسلام السني لا يقبل زعامة أوحدية باسم الدين، وسواء أكانت لحزب أو فرقة أو مدرسة عقدية أو فقهية. وقد حاولت عشرات الدويلات التحول إلى إمبراطوريات من خلال الربط بين أوحدية السلطة وأوحدية المذهب، أو الفرقة، دون جدوى. وفي الأزمنة المعاصرة، ورغم سواد القطبيين في أوساطهم، اضطر «الإخوان» إلى القول ظاهرا بالدولة المدنية، أي دولة المواطنة والمواطنين، سواء آمنوا بها أم لم يؤمنوا، وهو ما لم يضطر إليه الفقيه الإيراني أو أنه أصم أذنيه عن ذلك، كما حدث عدة مرات، آخرها انتخابات الرئاسة في عام 2009.

إن المهم أنه بعد عام على المحاولات للتقرب إلى إخوان مصر في السلطة؛ فإن الإيرانيين أظهروا للمرة الأولى تذمرا عندما تحدى شيخ الأزهر دعاواهم الاستيلائية باسم الدين والمذهب؛ فردوا على المصرين بالدعوة لاعتناق ولاية الفقيه، التي لا يخجلون بها، بل الأحرى أنهم يعتزون بنموذجهم السلطوي، ويدعون الآخرين لاعتناقه أو تقليده، باعتباره النموذج الإسلامي الأصلح في السيادة والحكم!

ويسمي الإيرانيون زعيمهم مرشدا، وكذلك الإخوان المصريون. وينفرد المرشد الإيراني بجمع الدين والدنيا تحت قبضته. ولا شك في أن الإخوان المصريين لا يزالون يحكمون بوصفهم حزبا له زعامته الدينية المرشدة. لكنهم لا يملكون المرجعية الدينية، باعتبار أن الحكم (في منظومتهم العقدية) هو للشريعة، كما أن المرجعية المشرفة على تطبيق الشريعة هي للأزهر كما نص على ذلك الدستور. فقصارى جهدهم منصب على الوصول للسلطة والتشبث بها؛ بينما تملك الإمامة الخمينية أهدافا نشورية وخلاصية، ليس لدى «الإخوان» شيء من مهدياتها وعصمتها!

ماذا يحدث الآن، وإلى أين تتجه الأمور؟ لقد أقام الإيرانيون ثاني دولة دينية في الشرق الأوسط بعد إسرائيل. وعلى وقع بشارات المهدوية والقوة، تمددوا داخل العالمين العربي والإسلامي. ودائما تحت عناوين تحررية وإسلامية. وبذلك، فإنهم يعتقدون أنهم يستطيعون طرح نظامهم بديلا، باعتبار أن هناك دولة كبرى تنصره وتدعو له. وفي هذا الصدد، فإن هذا النهج ليس نهج الحق فقط؛ بل هو النهج الصحيح بدليل «الانتصارات» التي حققها والتي يدعون «الإخوان» أيضا للاعتبار بها!

لكنْ، لا مستند للنجاحات الإيرانية غير «المواجهة» مع أميركا وإسرائيل، وإنشاء محور «الممانعة» في قلب البلاد العربية. والمحور حافل بالمشاكل الآن، وإيران ذات المشروع الخلاصي مقبلة على الدفاع عن محورها بالقتل والتقسيم في سوريا والعراق والبحرين واليمن ولبنان. وهكذا، فقد سقط مشروعها الخارجي (الذي تدعو «الإخوان» للانضمام إليه!)، وصار عليها الخشية على «دولة التمهيد» ذاتها!

ما كانت رسالة خامنئي إلى «الإخوان» رسالة ود وتحالف، بل هي رسالة تأزيم وتحد ودعوة للدخول إلى المأزق. فولاية الفقيه لا حظوظ لها في العالم العربي. وهي تمضي من الديني إلى المذهبي. و«الإخوان» ضائعون بين المشروع الأصلي وضرورات البقاء في السلطة، وفي كلا الأمرين لا لقاء مع خامنئي.

سمعت أردوغان يقول: لقد أصغينا لفترة لدعوات الحاكمية والمرشدين. ثم أصغينا لفترة لدعوات الإمبراطورية. ونحن نرى الآن أنه لا يبقى شيء غير الازدهار الاقتصادي ودولة المواطنين.

 
Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

سوريا: قانون العرض والطلب بين لافروف وكيري

تسربت انباء بعد رفع تشوركين ممثل روسيا في الامم المتحدة للفيتو ضد قرار ادانة النظام السوري, تفيد بأن مشادة كلامية حصلت بين تشوركين ووزير خارجية قطر, صرخ فيها تشوريكن مهدداُ الشيخ حمد بأن روسيا دولة عظمى, وبالرغم من انه قد تم نفي هذه التسريبات من قبل تشوركين, نحن نقول لتشوركين بأن الدولة العظمى لا تصرخ ابداُ وتدعي بأنها دولة عظمى, وانما الدول الاخرى هي التي تعاملها معاملة الدولة العظمى, والدول تثبت عظمتها من خلال اقتصادها وتقدمها العلمي, و حقوق الانسان فيها, وليس من خلال الصراخ… ققد صرخ قبلك وماتزال تصرخ الكثير من الدول بأنها عظمى مثل كوريا وايران و كوبا وصدام حسين والقذافي!؟

لقد أثبتنا سابقا بأن روسيا من حيث الاقتصاد والتكنولوجيا وحقوق الانسان ليست بدولة عظمى, وفي هذه المقالة سنقدم برهانا اخر على ذلك من خلال قانون السوق للعرض والطلب على المسألة السورية بين اميركا وروسيا.

في بداية الثورة السورية, قال اوباما ان على (المجرم) بشار الاسد الرحيل, فظنت روسيا بأنها فعلاُ  دولة عظمى وتستطيع عن طريق عرقلة رحيل الاسد من ان  تحصل على مكاسب من اميركا كسعر مغر من اجل عدم عرقلة رحيل الاسد, … فكان وزير الخارجية الروسي لافروف يبتسم على طاولة المفاوضات للأميركيين مطالباُ بالسعر, .. فكان  رد الاميركيين في البداية نحن لا ندفع اثمان لاي شئ كان, وبضاعتكم فاسدة ولن ندفع ازائها اي شئ, وانتم ستخسرون اكثر منا في المستنقع السوري, … هذا كان في البداية, ولكن الآن مع الفترة الرئاسية الثانية لاوباما واعتماد جون كيري كوزير خارجية خلفا لكلينتون, فقد قلب كيري قانون العرض والطلب للمفاوضات بينه وبين لافروف, واصبح هو الذي يطالب لافروف بسعر ويقول له التالي: اذا سلمناكم (لروسيا) الملف السوري من بابه لمحرابه فماذا تدفعون لنا بالمقابل بالملفات الاخرى والتي تهمنا اكثر من سوريا مثل ايران والصين وكوريا والشمالية؟

برأينا هنا تأتي عبقرية الدبلوماسية الاميركية كدولة عظمى مقابل الدبلوماسية الوضيعة لدولة وضيعة مثل روسيا, وبالنتيجة النهائية الدولة العظمى ستحصل على كل ما تريد من دون الحاجة الى ان تدفع اي شئ, اما روسيا فلن تحصل الا على مزيد من الخسارة في كل النواحي, لانها تريد ان تساوم بخساسة على اي شئ  لكي تحصل على مكاسب, وهي ليست في موضع دولة عظمى للقيام بذلك, فلن تحصل روسيا من المشكلة السورية الا مزيد من الخسارة الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية بينما اميركا ستحصل على كل ما تريده لا بل ستحصل على اكثر مما تريد و من دون اي ثمن.

هناك إشارات واضحة من أن واشنطن قد اوهمت روسيا بأنها وضعت الملف السوري  في يد موسكو، على أن يحظى برعايتهما المشتركة، تماماً مثلما حصل في اليمن، عندما سُلمت القضية اليمنية إلى مجلس التعاون الخليجي ودعمت كل من واشنطن وموسكو مبادرته الناجحة التي انتهت بتسوية تاريخية من دون إراقة دماء, والتي بنهايتها امنت اميركا على كل مصالحها عن بعد وجعلت مجلس التعاون  الخليجي يتوهم بأنه هو من فعل كل شئ.

ولكن اوهام عظمة روسيا الكبيرة على حساب الملف السوري, ستكون اكبر لان هناك عدة أطراف خارجية مؤثرة، فما تقبل  به موسكو قد لا يناسب طهران، المتورطة بالسلاح والمال والرجال، والتي تريد اوهامها كدولة عظمى من  دمج الحل السوري في سلة تفاوضية كاملة مع الغرب كما تفعل روسيا بالنسبة لمصالحها, هذا من جهة ومن جهة اخرى فان ما يؤيده العرب الداعمون للمعارضة السورية قد لا يلق قبول أطراف أخرى تحاول الوقوف في الوسط، مثل مصر وتركيا.

أما من ناحية الدول الاوروبية في مجال منافستها على قانون العرض والطلب على طاولة المفاوضات حول المسألة السورية , فأن الغرب لا يمانع من اطالة امد القتال، لتدمير سوريا من اجل بنائها من جديد وانعاش اقتصاد اوروبا المأزوم, ومن جهة اخرى من اجل استنزاف ايران ماليا وعسكريا ومعنويا، وتوريط ذراعها اللبنانية “حزب الله” في قتل السوريين ولجذب اكبر عدد ممكن من الجهاديين الى سوريا, ليسهل التحكم فيهم وفي حركتهم في نطاق جغرافي ضيق، بهدف التخلص منهم. راجعوا مقالنا:”هل سيتم إغراق الولي الفقيه بالمستنقع السوري؟“.

وفي الختام, عندما تتم المساومة بين الدول العظمى والصغرى مستخدمين مبدأ السوق للعرض والطلب , فأن الدول العظمى تحصل على كل ما تريد بأبخس الاثمان اما الدول الصغرى فتحصل على الفتات هذا اذا تم الرمي لها بالفتات.

هوامش:  هل سيتم إغراق الولي الفقيه بالمستنقع السوري؟

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

المحتسبون ومعرض الكتاب

محمد بن عبد اللطيف ال الشيخ: الجزيرة السعودية

أيام قلائل وتبدأ المعركة التي تعوّدنا عليها كل عام، جحافل ممن يُسمّون أنفسهم بالمحتسبين، يغيرون على (معرض الكتاب)، يهددون هذا ويتوعّدون ذاك، في محاولة مستميتة للحفاظ على الجهل وإبعاد إنسان هذه البلاد عن القراءة والاطلاع.

السؤال الذي يسأله كل عام أغلب أصحاب دور النشر القادمة من خارج المملكة، وهم يرون جحافل الجهل هذه تعكِّر صفو المعرض: لماذا يكره هؤلاء الكتاب، ولماذا يخافون منه؛ وهل يُعقل أن يتسمّى هؤلاء (بطلبة علم) أو دعاة أو وعّاظ، وهم ألد أعداء العلم والقراءة والثقافة والاطلاع؟.. ثم أليست الشعوب في كل العالم العربي، بما فيهم من يتسمون بالإسلاميين، ومنهم سلفيون، تُطالب الآن بالحرية؛ طيب لماذا هؤلاء في بلادكم يسعون ويدعون على رؤوس الأشهاد إلى مصادرة الحرية في أسمى معانيها، في معرض الكتاب، الذي يُكرِّس حق القراءة والاطلاع والثقافة للبشر؟

الغريب – وهذه بصراحة من المفارقات – أن تسعى الدول القمعية إلى مصادرة الكلمة، وتتبرّم الشعوب، بينما يقوم بقمع الحرية ومصادرة الكلمة ومحاربة الكتاب في بلادنا، ليس السلطة الحاكمة، وإنما أناس من عامة الشعب، يقولون إنهم (محتسبون)، انتدبوا أنفسهم كمتطوعين لتنفيذ مهمة الحرب على الكتاب والحفاظ على الجهل وعدم التفريط بالغفلة والسذاجة؛ ليظل ذهن الإنسان السعودي مُستباحاً لهم ولأساطينهم، يتحكّمون فيه تحكُّم الملاك في أملاكهم، فيوجهونه ويشكلونه وينفردون به كما يريدون. لذلك فإنّ الإنسان القارئ المطلع هو عدوّهم المبين، والإنسان البسيط الساذج الجاهل هو غاية المنى، وهو الإنسان المثالي والمطلوب.

قال صاحبي وكنا نتحدث عن بساطة وسذاجة هؤلاء القوم، وغرابة مطالبهم، في محاولة لتحليل دوافعهم، قال: أساطينهم، ومن يوجهونهم، يعلمون يقيناً أنّ مصادرة الكتاب، وإقامة الأسوار حول الأذهان لكي تبقى جاهلة أمر مستحيل، فقد دكّت أسوار التقوقع ثورة الإنترنت والاتصالات والقنوات الفضائية التي لا تستأذن أحداً عند الدخول، فقد انتهى عصر مصادرة المعرفة ولن يعود، غير أنهم أرادوا من هذا الشغب، والمشاكسات، أن يُثبتوا أنّ ثمة سلطة حسبة موازية لسلطة الحسبة المعتمدة من الدولة، وهم بذلك لا يُمارسون عملاً احتسابياً كما يدعون، وإنما عملاً سياسياً محضاً، يُعبرون فيه عن عدم (ثقتهم) بما تقوم به السلطات الحكومية، سواء في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو في مجالات الدعوة والوعظ والإرشاد؛ ولأنّ هذه البلاد قامت على تحكيم الشريعة، والذّود عن حياض العقيدة، فهم (يُزايدون) على شرعيتها في ممارسة محض سياسية.

إنّ هناك أكثر من طريقة للجم مثل هذه التصرفات (السياسية) الرعناء، خاصة وأن القضية التي يُدافعون عنها قضية خاسرة اجتماعياً وثقافياً بامتياز، فلا أعتقد أن هناك من سيتعاطف مع هؤلاء إلا قلة قليلة من أشكالهم لا وزن لهم، وإلاّ فهل هناك عاقل يقف عقبة كأداء ضد العلم والمعرفة والقراءة والثقافة والاطلاع؟.. لذلك فإنّ مجاملتهم وتركهم، يُعكرون أجواء هذه الممارسة الثقافية كل عام فيه تفريط بسمعة البلاد؛ خاصة وأن من تتعامل معهم في معرض الكتاب، سواء من أصحاب دور النشر، أو المرتادين لهذه المعارض، هم نُخب مثقفة واعية، ومثل هؤلاء المحتسبين (نتوء مشوه) في مسيرتنا التنموية، يجب إذا لم نستطع علاجه واجتثاثه، أن نمنعه على الأقل من تشويه سمعة بلادنا في مثل هذه المحافل الثقافية.

لا بد أن تُكبح جماح هؤلاء بأية طريقة، ولن يخسر في النهاية إلا هم، ولن يتعاطف معهم إلا دعاة الجهل وأساطين الظلام، وخسارة مثل هؤلاء هي غنيمة بكل المقاييس.

إلى اللقاء.

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

هل نسعى لاستقطاب العقول المهاجرة؟!

يوسف الكويليت

حسب ما نشرته الزميلة جريدة عكاظ عن تصريح لوكيل وزارة التعليم العالي، أن المملكة تنوي استقطاب العلماء المتميزين للجامعات بالتجنيس وبالعديد من المزايا التي تجعل هذه العناصر تقبل بهذه الدعوات، ومشروع كهذا يعد استثماراً هائلاً للعقول المهاجرة سواء كانت عربية أو إسلامية، أو حتى أجنبية، ولعل الإحصاءات التي أشارت إلى الأعداد الهائلة من المؤهلين والعلماء التي تفقدهم الأقطار العربية كل عام، أرقام مذهلة، وكلها ذهبت لأمريكا وأوروبا وكندا بواقع هجرة عشرة آلاف كل عام من العلماء والأطباء والمهندسين والفنيين وفقاً لدراسة قامت بها «مؤسسة فلسطين الدولية للأبحاث» وهي خسارة فادحة، لأن أسبابها مادية وسياسية واجتماعية لعدم توطين هذه الكفاءات بدولها الأصلية المتعذر بحيث صارت طاردة لها..

الهند اشتهر علماؤها في البرمجيات في وادي «السلكون» الأمريكي بأنهم كانوا كغيرهم من علماء العالم قيمة علمية أضافت للاقتصاد الأمريكي مبالغ تزيد على ميزانيات دول غنية، لكن الهند عندما وفرت الإمكانات والبيئة الناجحة، استطاعت جلب علمائها، والمملكة إذا كانت تريد بالفعل الإقدام على هذه الخطوة الهامة والناجحة بكل المقاييس أن تنظر للموضوع وفقاً لما يحصل عليه أي عالم من تسهيلات وامتيازات، وعقد التوظيف والسكن، والرواتب وغيرها، إلى جانب تهيئة المكان الذي تنمو فيه عملية الاستفادة من هذه العقول، لأن مثل هذه العناصر المؤهلة قد لا تغريها الجوانب المادية أو حتى الجنسية ما لم تكن تحصل على بيئة جاذبة تسهل عليها العمل وفق خطط واضحة، لأن البديل في الدول المتقدمة موجود، ولا يمكن أن يتخلى عن هذه العناصر بسهولة أو طواعية..

لقد حاولت أكثر من دولة عربية لاستعادة كفاءاتها المهاجرة ولكنها فشلت لأن المناخ الموجود غير جاذب، وحتى الدعوات التي وجهت لهم بالزيارات والحديث عن الوطنية وخدمة الوطن، تبقى مجرد عواطف لا تغير من النتائج، حتى أن إحدى الدول الآسيوية المتقدمة حالياً، وعلى قائمة الدول في البحوث والصناعات المتقدمة، بدأت بمشروع كهذا، واستطاعت جلب أصحاب الكفاءات والخبرات من المتقاعدين العلماء من كل أنحاء العالم وهي فكرة جديرة بالاستنساخ، لكن هل يمكن حصر الدافع بالمادي فقط، ونحن نعلم أن تلك العقول يغريها المركز والمعمل أكثر من الدخل المادي، ومشكلة الأمة العربية أن السياسة خربت كل شيء بما في ذلك حيادية العالم الذي يريد أن يتفرغ لاختصاصه دون أي دخل له بالاتجاهات السياسية والحزبية..

إن التفكير بمشروع كهذا يحتاج إلى دراسات معمقة، والمنطق يجبرنا أن نفهم سياسات تلك البلدان، وكيف عملت على تهجير الكفاءات إليها، والاستفادة من الوسائل التي جعلت إمكانات بقائهم عملية ناجحة، وعلينا أن نضع هذه الكفاءات كقيمة مضافة، وأن لا يزعجنا وجودها وحصولها على تلك الامتيازات مقابل العائد الطويل بالمنجزات العلمية، أو تدريب وإشراك الكوادر الوطنية لتكون ملازمة لها..

جامعاتنا ومراكز بحوثنا البسيطة تفتقد للكفاءة النادرة لكن إذا ما وصل المشروع إلى التنفيذ، فإننا سنكون القدوة الناجحة في كسب عقول كل العالم يبحث عنها ويركض بطلبها..

نقلا لـ صحيفة “الرياض”

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

نادين البدير: أنا وأزواجى الأربعة

ائذنوا لى أن أزف إلى أربعة.. بل إلى خمسة. أو تسعة إن أمكن.

فلتأذنوا لى بمحاكاتكم.

ائذنوا لى أن أختارهم كما يطيب لجموح خيالى الاختيار.

أختارهم مختلفى الأشكال والأحجام. أحدهم ذو لون أشقر وآخر ذو سمرة. بقامة طويلة أو ربما قصيرة. أختارهم متعددى الملل والديانات والأعراق والأوطان. وأعاهدكم أن يسود الوئام.

لن تشتعل حرب أهلية ذكورية، فالموحد امرأة.

اخلقوا لى قانوناً وضعياً أو فسروا آخر سماوياً واصنعوا بنداً جديداً ضمن بنود الفتاوى والنزوات. تلك التى تجمعون عليها فجأة ودون مقدمات.

فكما اقتادونى دون مبررات لمتعة وعرفى وفريندز ومصياف ومسيار وأنواع مشوشة من الزيجات، فلتأذنوا لى أن أقتاد بدورى أربعة.

هكذا رحت أطالب مرة بحقى فى تعدد الأزواج أسوة بحقه فى تعدد الزوجات. استنكروها، النساء قبل الرجال. والنساء اللواتى تزوج عليهن أزواجهن أكثر من المعلقات بأحادى الزوجة. والنساء المتزوجات أكثر من العازبات. كتب رجال الدين الشىء الكبير من المقالات والسؤالات حول عمق تعريفى للزواج وعمق تدينى وكتب القراء كثير من الرسائل أطرفها من يريد الاصطفاف فى طابور أزواجى المأمولين.

أصل الموضوع كان تعنتى وإصرارى على أحادية العلاقات. أصله رغبة جامحة باستفزاز الرجل عبر طلب محاكاته بالشعور بذاك الإحساس الذى ينتابه (وأحسده عليه) وسط أربعة أحضان.. ألم يمتدحه الرجال؟ ألا يتمنونه بالسر وبالعلن؟ لطالما طرحت السؤال حول علة الاحتكار الذكورى لهذا الحق. لكن أحداً لم يتمكن من إقناعى لم: أنا محرومة من تعدد الأزواج؟

كرروا على مسامعى ذات أسطوانة الأسئلة وقدموا ذات الحجج التى يعتقدونها حججاً.

قالوا إنك لن تتمكنى كامرأة من الجمع جسدياً بين عدة رجال، قلت لهم الزوجة التى تخون وبائعة الهوى تفعلان أكثر، بلى أستطيع. قالوا المرأة لا تملك نفساً تؤهلها لأن تعدد. قلت: المرأة تملك شيئاً كبيراً من العاطفة، حرام أن يهدر، تملك قلباً، حرام اقتصاره على واحد. إن كان الرجل لا يكتفى جنسياً بواحدة فالمرأة لا تكتفى عاطفياً برجل.. أما عن النسب فتحليل الحمض النووى DNA سيحل المسألة. بعد فترة لم يعد تفكيرى منحصراً فى تقليد الرجل أو منعه من التعدد، صار تفكيراً حقيقياً فى التعددية، التى نخجل نحن النساء من التصريح عن رأينا الداخلى بها.

التعددية التى انتشرت بدايات البشرية وزمن المجتمع الأموى والمرأة الزعيمة. التعددية التى اختفت مع تنظيم الأسرة وظهور المجتمع الأبوى وبدايات نظام الاقتصاد والرغبة فى حصر الإرث وحمايته.. لأجل تلك الأسباب كان اختراع البشرية للزواج. وجاءت الأديان لتدعم أنه مؤسسة مودة ورحمة وأداة تناسل وحماية من فوضى الغرائز.

كل الفوائد المجتمعية مكفولة به. وكثير من المصالح الدينية مضبوطة به. عدا شىء واحد. لم يحك عنه المنظمون. وهو دوام التمتع بالجنس.. ودوام الانجذاب داخل زواج خلق لتنظيم الجنس..

جاءت حماية الأمور المادية للمجتمع من اقتصاد وأخلاق على حساب الشغف الطبيعى بين الأنثى والذكر. ونسى المنظمون أن الزواج يستحيل عليه تنظيم المشاعر التى ترافق الجنس. لأن لا قانون لها ولا نظام. الجنس داخل مؤسسة الزواج واجب روتينى.. أحد طقوس الزواج اليومية. وسيلة إنجاب، إثبات رجولة، كل شىء عدا أنه متعة جسدية ونفسية.

يقول الرجال: يصيبنا الملل، تغدو كأختى، لا أميل لها جنسياً مثل بداية زواجنا صار بيتى كالمؤسسة، اختفى الحب.

ـ الملل.. أهو قدر طبيعى لمعظم الزيجات؟

فتبدأ ما نسميها (خيانة)، ويبدأ التعدد لا لأن الرجل لا أخلاقيات له لكن لأن الملل أصابه حتى المرض، والتقاليد وأهل الدين يشرعون له الشفاء.

أما المرأة فتحجم عن الخيانة، لا لأن الملل لم يقربها، بل على العكس فى الغالب هى لم تشعر بأى لذة منذ الليلة الأولى فى هذا الزواج التقليدى المنظم. لكن لأن التقاليد وأهل الدين يأمرونها بأن تلزم بيتها و(تخرس). هل كل المتزوجات فى مجتمعاتنا الشرقية مكتفيات جنسياً؟ بالطبع لا.

تخجل المرأة من التصريح بأنها لا تنتشى (أو لم تعد تنتشى)، وأن ملمس زوجها لم يعد يحرك بها شيئاً.. وتستمر بممارسة أمر تعده واجباً دينياً قد يسهم بدخولها الجنة خوفاً من أن تبوح برفضها فيلعنها زوجها وتلعنها الملائكة. سيمون دى بوفوار بقيت على علاقة حب بسارتر حتى مماتها لم يتزوجا ورغم مغامراتهما المنفردة بقيا على ذات الشعور الجارف بالحب تجاه بعضهما.

هل الأحادية فى أصلها الإنسانى خطأ؟ هل الحياة داخل منزل واحد والالتصاق الشديد هو سبب الملل؟ اختفاء عنصر التشويق.

هل صحيح أن الأجساد كلما ابتعدت يرسخ الانجذاب، وكلما اقتربت الأجساد حد التوحد اليومى ابتعدت الأرواح؟ هل من الغلط انتقالهما للحياة فى منزل مشترك؟ لماذا يدوم كثير من العلاقات خارج إطار الزواج لسنوات طويلة وحين يتم الزواج ينتهى كل ما جمعهما؟ حتى يقال (انتهت علاقتهما بالزواج) وكأنها فنيت.

هل هناك خطأ فى الزواج نفسه؟ هل يكون عقد النكاح المكتوب هو السبب.. تحويل المشاعر لأوراق تصادق عليها المحكمة والشهود لإبرام تحالف المفترض أن يكون روحياً؟ أهو اختلاط الحب والانجذاب بالالتزام القانونى والرسميات.. أم أن تدخل الأهل واشتراط موافقة جمع هائل من المجتمع والنظام ومختلف المعابد قد يفرغ المشاعر من روحها..

التعدد فى اعتقاد كثيرين هو حل لمشكلة الملل والسأم وتلبية لمشاعر الرجل، لكن فى احتكار الرجال للتعدد دون النساء تمييز وخرق لكل معاهدات سيداو. إذ كيف تلبى مشاعر المرأة؟

إما التعدد لنا أجمعين أو محاولة البدء برسم خارطة جديدة للزواج.. تحل أزمة الملل وحجة الرجل الأبدية. وحتى ذلك الوقت يبقى سؤالى مطروحاً: ما الحل إن أصابنى الملل من جسده أو شعرت أنه أخى؟نادين البدير – مفكر حر؟‎

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

قصة و حكمة من زياد الصوفي..109

القصة:

حكاية اليوم رح تكون شوي غير القصص اللي مرو..هية مجموعة من حكايا لشبيح معين أخد من الشام مركز لألو ..

قصة شبيح قادر اليوم يرعب أكبر ضباط الشام..

شيخ كار التشبيح بسوريا..

شب ضخم و على وجهو دائما علامات الغضب حتى بأسعد لحظاتو..بيمشي بطريقة مميزة جدا ما ممكن ما تلفت نظرك، راسو لقدام بدون ما يحركو لا يمين و لا شمال و بيمشي بسرعة، و إذا عصب بتصيبو حالة من الهيستيريا فبيصير يكسر كلشي حواليه..

ما عندو قيمة لا لرجل دين و لا لرجل سياسة و لا لرجل شرطة، يعني بالسوري الدارج ما عندو كبير إلا الجمل..مهما كان هالجمل و مهما حمل..

شبيح من الدائرة الضيقة لحافظ مخلوف، دائرة باتضم بالاضافة ألو شبيح أقل من مستواه الأجرامي بشوي هوة غاندي أسعد..

مجاهد إسماعيل: شيخ كار التشبيح بالشام اليوم..

جامع الحسن و جامع الرفاعي بيعرفوه كتير منيح..

ابن ضابط متوفي( فؤاد إسماعيل) مقرب من حافظ الأسد، عقيد قائد لواء 21 ميكانيك..

بعد الخدمات الكبيرة اللي قدمها للبائد في مجزرة حماه، ما نسيلو ياها و رقاه لرتبو لواء، و مات بهالرتبة..

مجاهد اتربى على مبدأ: كل أخطاءك مغفورة يا بطل..بدي حياتو شريك لعاصم غسان الأسد بتجارة السيارات اللي كانو يستأجرونها من بيروت و يدخلو فيها على سوريا عن طريق الخط العسكري و يهربوها ليبيعوها بالعراق..

بسنة 2005 ما عادت وفيت معو تجارة السيارات المسروقة، فأنتقل لمرحلة أخطر من التشبيح و بدي بخطف تجار الشام و ابتزاز أهاليهون..

من حوادث الخطف المشهورة بسنة 2006، حادثة خطف تاجر من عيلة صمصالو اللي كان مقرب من بشار، بس ما استرجى يشكيلو خوفا من حافظ مخلوف..

و تاجر تاني اسمو احمد هدايا وكيل مجموعة من الشركات منها جيليت و سوزوكي و أيسوزو..و ما طلع من الرهن إلا لما دفعولو لمجاهد 2 مليون دولار بصلنفة..

انسجن مجاهد أكتر من مرة نتيجة مشاكل كبيرة و كان حافظ مخلوف بكل مرة يطالعو بحجة أنو ما بقا بيعيدا و على مسؤوليتي..

لما بديت الثورة السورية، ما شاف حافظ مخلوف كلب وفي و شاطر بالتشبيح أد مجاهد..فوكلو بمهمة القمع و التشبيح على أهل الشام المنتفضين..

و حقيقة حافظ مخلوف كان على حق، لما اختار مجاهد، اختار شخص بزمانو من قلة ضميرو قوص على شريكو عاصم الأسد بالشام..

فما كان رح يشوف أحسن منو لهيك مهمة..

مهمة مجاهد كانت الروحة على ضيع اللادقية و طرطوس، و تجييش كل الشباب المطلوبين للأمن و بتمويل من آل مخلوف و ذو الهمة عيسى شاليش..

كل مظاهرات الشام بتعرف مجاهد و باصات الشبيحة اللي بيبعتهون..

هوة اللي بعت الشبيح ليضرب المعارض صالحة بسميراميس قدام عدسة كاميرا تلفزيون الدنيا، و هوة اللي اتعرض لمحمد حبش بنفس الاجتماع و سألو قدام كل العالم: مين سمحلكن بهالاجتماع؟؟

فكان رد النائب حبش: أخدنا موافقة شفهية من النائب فاروق الشرع..

فكان رد مجاهد قدام كل خلق الله: ايه كذا من أختك و أخت فاروق الشرع..

و هوة الشبيح اللي كان حاضر بليلة القدر 2011 قدام جامع الرفاعي.. قام بطرد العقيد توفيق يونس اللي باعتو وزير الداخلية يومها مع عناصرو لقمع أي مظاهرة بتطلع بعد الصلاة، و بياخود عنو الشبيح مجاهد مع جماعتو هالدور عالرغم من تدخل محمد حمشو شخصيا بهالموضوع..

حمشو اللي نال الطرد متل العقيد يونس بليلتها و تركو الجامع و المصلين لهالكلب و جماعتو..

لما اتصل العقيد يونس بمجاهد ليخبرو أنو محمد حمشو أكدلو أنو ما رح يصير شي و لا رح يطلعو المصلين مظاهرة، فكان رد مجاهد بصراخ: نحنا اللي رح نحمي البلد مو أنتو يا طنطات و سكر بوجهو التلفون..

اقتحم المسجد و كسرو على راس المصلين تحت مراقبة قوى الأمن الداخلي و العقيد يونس و الحمشو نفسو..

ليلتها كتب مرافقة هالكلب وليد مخلوف على الفيس بوك: أسمعو يا اتباع العرعور.. من نحن.. علويين لا نهاب موتا و لا سجنا و لا سجينا، و لا نخضع إلا لذو الفقار سيف علينا..

و كتب كمان ردا على شبيحة اسمها سوسو: و الله يا سوسو نحنا ما كنا بدنا نوسخ رجلينا بالمسجد، بس على ما يبدو اشتاقت وجوه المصلين لصرامينا..

هيدي كانت نوعية اللي اقتحمو مسجد الرفاعي، بس لحتى حطكون بالصورة..

و كتب عن رحلتهون تاني يوم لمسجد الشيخ سارية الرفاعي ( زيد بن ثابت ):

شووو اليوم، قال فيه كم كلب كآنو معتصمين بجامع زيد بن ثابت!! رحنا.. بس ما شفنا و ما لقينا غير نسوانوهون ما يبوسو صرامينا بعد ما اشتغلت الهريبة عند رجالهون..

هيدي عينة من خريجي مدرسة حافظ مخلوف، و كلبو الوفي مجاهد إسماعيل..

فمين الطائفي، و مين المسلح، و مين المجرم؟؟

منرجع لمجاهد..

لما بيمر بالشعلان مكان أقامتو، كل الجيران بيتجنبو النظر بوجهو من معرفتهون بجنانو ، حتى أصحاب المطاعم اللي بيروح عليها متل سهارى و المشرقة، كان يغط عالبهون لما يدخل هالمناضل..

و أكيد نتيجة كل هالخدمات اللي قدمتها هالعيلة لبيت الأسد، كان لازم يتكافأوو..

طارق إسماعيل ابن عمو هوة قنصل سوريا بمصر عند الشبيح الأكبر السفير يوسف الاحمد زوج روعة الأسد..

زياد إسماعيل، أمين عام جمارك جديدة يابوس..

و فهمكون كفاية شو يعني أمين جمارك..

و من القصص الكتيرة لهالشبيح: اقتحامو لمقهى الروضة بوسط العاصمة دمشق، و اعتداؤو على الفنان سلوم حداد، اللي ما خلصو من موت محقق من الضرب إلا المخرج احمد إبراهيم احمد، اللي استخدم انتماؤو للطائفة الكريمة و بعدو لمجاهد عن رقبة سلوم..

حكيو كتير عن ظاهرة الشبيحة اللي اختفت عأيام بشار الأسد.. هادول عينة حقيرة، مانهون مشايخ جبل هالمرة، مجرد خفافيش الليل و الأزقة..

الحكمة:

بيستغرب أدونيس ليش الثورة لجأت للتسليح..

حاولنا بصواتنا بالأول، بس ما بيفهم بالحكي الشبيحزياد الصوفي – مفكر حر؟

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment

“العدو” إسرائيل : صناعة عرب

بقلم أمير علي حيدر*

المقال يعبر عن رأي الكاتب

لا أعرف لماذا يجب على إبن الرباط الذي تبعد مدينته عن عاصمة الأديان اورشليم 4000 كيوملترا أن يعادي الدولة العبرية. ولا أدري لماذا يجب على السوداني الذي لا تربطه باسرائيل أي رابطة أن يعادي هذه الدولة. إنما الذي أعرفه وبالتأكيد أنّ المد القومي الذي قاده عبد الناصر وتابعه صدام والأسد الأب وما زال يتابعه الأسد الأبن هو الذي أوحى للعرب بهذا العداء.

د. أمل عبد العزيز الهزاني، نشرت في صحيفة الشرق الاوسط الصادرة بلندن في 5 شباط/ فبراير 2013 مقالا ردت فيه على هجمة شرسة تتهمها بالتطبيع مع إسرائيل، في هذا المقال أشارت بالقول” كان مأخذي أن العرب يتغطرسون، يترفعون عن معرفة عدوهم حتى لا يضطروا للاعتراف بوجوده”.

أقف مع الكاتبة عند هذا المقطع وأتساءل بدءا لماذا يعادي العرب إسرائيل أصلا؟

اذا كانت ثمة مشكلة في المنطقة ، فهي مشكلة تاريخية قائمة بين مكونات فلسطين نفسها، العرب من جهة واليهود من جهة. وهذا يرسم حدودا واضحة لأزمة تنحصر في حدود الدولتين التي يجري الحديث عنها.

لم يخرج العرب على مدى تاريخهم من دائرة الحروب والصراعات المستمرة، حروب مع جيرانهم، وحروب بين بعضهم البعض، بل وحتى حروب بين مكونات نسيجهم الإنساني، وهم اليوم يجنون نتائج تلك الحروب، ولننظر الى المشهد السياسي في الشرق الأوسط اليوم:

دول تحتضر

تونس بعد “الثورة السلمية” تسير سراعا الى التمزق المجتمعي، بل أضحت اليوم خزانا يمد تنظيم القاعدة بالعناصر الإنتحارية والإرهابية كما أشار الباحث التونسي صلاح الدين الجورشي، في حديث نشر في ‘يونايتد برس أنترناشيونال’ معتبرا أن” هذا بات يُشكل تحديا بالنسبة للإنتقال الديمقراطي في تونس”. وأثبت اغتيال الزعيم الليبرالي شكري بالعيد مدى انقسام المجتمع التونسي.

في مصر المشهد أكثر تعقيدا، فالمجتمع مقسّم بين مسلمين وبين أقباط. بين المسلمين هناك أغلبية تتشبث بالإسلام السياسي وترى فيه وسيلة الخلاص سياسيا ومجتمعيا. فيما تقف الكتل المنضوية تحت وصف الطبقة الوسطى والقوى الليبرالية والعلمانية والديمقراطية على الضد وهي تنظر بمرارة الى مجتمع بنته منذ عهد محمد علي ، يتآكل فجأة وينهار.

سوريا وهي الأقرب جغرافيا الى إسرائيل، تحافظ اليوم على نسيجها بمدافع ودبابات بشارالأسد ، وقد ينقسم المجتمع فيها الى علوي تدعمه إيران وفصائل مسلحة من اليسار الفلسطيني وحزب نصر الله وتسنده روسيا والصين دوليا ، و سني سلفي إسلامي تدعمه السعودية وقطر ومصر( وربما حماس) ، وكردي تدعمه كردستان العراق واكراد تركيا وايران ، ويبدو الغرب مترددا في إعلان دعمه الصريح لهذا المشروع.

العراق الذي أخرجه التحالف الدولي من نير الإستبداد البعثي الطوباوي وديكتاتورية صدام حسين الدموية، تتصارع اليوم مكوناته متباغضة تبحث عن الاستقلال، بأغلبية شيعية تستمد دعمها من إيران، وأقلية سنية تستقوي بالسعودية وقطر والجارة المتأسلمة تركيا، وإقليم كردي يتشكل بثقة كنواة لدولة كردستان الكبرى .

ولا أريد ان أذهب الى تفاصيل دولتي السودان وبقايا دولتي اليمن وليبيا التي تمزقت الى مناطق قبلية مسلحة تصدر الإرهاب الى مالي والجزائر وكل العالم، والصومال وموريتانيا المنقسمة بين أسياد وعبيد والمغرب التي تصارع الصحراء والأمازيغ والبوليساريو، ولبنان المتنازع الى الأبد مع نفسه و القائمة تطول.

إسرائيل نقطة الضوء الوحيدة في منطقة غارقة في العتمة

إزاء هذا المشهد المثقّب المهلهل، نلتفت الى إسرائيل التي ما زال بعضهم يردد بشكل ببغاوي انها ” العدوة اللدودة”.

تشكلت مكونات اسرائيل في الشتات بما يسمى بالعبرية ( أيدوت) ، ثم انصهرت المكونات المتباعدة جغرافيا لتصبح خيوطا في النسيج المجتمعي بات يعرف ب:

• ” أشكنازيم” أي يهود المانيا وفرنسا.

• “سفارديم ” أي يهود اسبانيا.

• ” اليهود المشارقة ” القادمون من آسيا وافريقيا، ويتحدر قسم منهم من بابل القديمة .

• “صبرا ” وهم الذين ولدوا في إسرائيل من والدين مهاجرين “اوليم”.

• الاقليات غير اليهودية من العرب و الدروز والبهائيين.

• يتعايش في اسرائيل نسيج ديني يضم اليهود والمسلمين والمسيحيين.

هذا التنوع الذي قد يبدو متباعدا ، نجحت الدولة العبرية في أن تحتويه ضمن دولة ديمقراطية تحكمها قوانين علمانية. كما نجح الساسة وعلماء السياسة والإجتماع اليهود في أن يجعلوا من هذا التنوع سببا لقيام دولة متنورة منفتحة على العالم والعلم، وتسير قدما الى أمام . بل أن كثيرأ من من المثقفين المتنورين العرب والأتراك والإيرانيين ، يرون في إسرائيل اليوم نقطة الضوء الوحيدة في منطقة غارقة في العتمة.

دولة مؤسسات لا تهزها انقلابات العسكر

السلطة في إسرائيل تنتقل سلميا بين أحزاب تتشكل باستمرار وفق حاجات المجتمع . نظام الخدمة العسكرية وخدمة الاحتياط، يضمن للدولة العبرية توفيرا مثاليا للموارد البشرية، فالطبيب المتخصص، يعود الى الجيش حين يتهدد أمن بلده، ليضع خبرته في خدمة افراد جيش الدفاع. والمهندس كذلك، والمعلم، والممرضة والمذيعة، وهكذا.

من جانب آخر ، يمكن اعتبار هذا النظام صمام أمان يمنع تحول المؤسسة العسكرية الى ديكتاتورية مسلحة قد تنسف البناء الديموقراطي وتسرق السلطة من ممثلي الشعب. لذا لم نسمع قط خلال ستة عقود عن محاولة انقلاب في إسرائيل.

السطات مقسّمة في اسرائيل الى تشريعية يقوم بها الكنيست وهو مجلس النواب من ممثلي الشعب، فيما تقوم الحكومة المنتخبة بمهمات السلطة التنفيذية. وتتولى السطة القضائية (من خلال جهاز قضائي مستقل عن السلطتين ) تحقيق العدالة وفق قوانين ديمقراطية.

“لا تملك إسرائيل دستورا مكتوبا “

يتبجح القادة والزعماء العرب بأنهم يملكون دساتير مكتوبة ، فيما لا تملك إسرائيل دستورا مكتوبا تقيم عليه تشريعاتها، ويعللون ذلك برغبة إسرائيل في توسيع حدودها على حساب دولهم. لكن الموقع الألكتروني الرسمي للكنيست وفي صدر صفحة الدستور يعلن ما يلي:

لا تملك إسرائيل دستورا مكتوبا رغم أن إعلان الإستقلال قد ألّزم الجمعية التأسيسية بتهيئة دستور وجب أن يكون جاهزا في الأول من اكتوبر/ تشرين اول 1948. نجم التأخير في إعداد الدستور أساسا عن مشكلات قامت على خلفية التضاد بين دستور علماني وبين “هالاخا” أي القانون الديني اليهودي ( الشريعة اليهودية- الكاتب).

ولم أجد في أي بلد شرق اوسطي تشخيصا لمشكلة عميقة كتب بهذه العلانية والوضوح والشفافية. بل إن الدول العربية وتركيا وإيران ترفض حتى الإعتراف بمكونات أصيلة في نسيجها الاجتماعي، والأمثلة الأوضح على ذلك ، هي رفض تركيا وإيران وسوريا والعراق الإعتراف دستوريا بحقوق الأكراد، حدث ولا حرج عن حقوق اليهود في هذه الدول.

*كاتب عراقي

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

حول الخيانة الزوجية بين رأي الشرع وآراء القراء

 عندما يأتيني أهرام الجمعة أحرص على قراءة صفحة بريد القراء التي نهض بها الراحل الأستاذ عبد الوهاب مطاوع، وواصل محررها الحالي الأستاذ خيري رمضان تطويرها. في عدد 8 ديسمبر نشر الباب تحت عنوان “الخائن” قصة زوج سعيد يعيش في سعادة مع زوجة مخلصة كانت بتعبيره “نعم الزوجة” وثلاثة أبناء خلال أحد عشر عاماً، ولكن هذا الحال تبدل عندما دخلت حياته إنسانة سيئة حذرته زوجته منها، ولكنها تطارده بكلماتها ونظراتها، وكان ينظر إليها بعين الشفقة لأنها زوجة صديق، وذات يوم جاءت إلى منزله لتستدين مبلغاً من المال لمرض ابنها، ولم تكن زوجته موجودة، وعندما علمت بذلك “قررت أن تستريح من المشوار”، وفي ساعة ضعف حدث المحظور وقبل أن تمشي صورها “حتى يهددها بالخروج من حياته”، ولكنه نسى أن يمسح الصورة التي كانت على كاميرا الفيديو ورأتها زوجته فتركت المنزل وأصرت على الطلاق وطلقها وأعطاها كل حقوقها لأنه معترف بخطئه.

فكلام الرجل كلام نادم عرف خطأه بعد فوات الأوان وهو يكتب للأهرام أملا أن يشد المحرر عضده وينصح الزوجة بالصفح عنه واستئناف الحياة الزوجية.

انهال عليه المحرر تقريعاً (وهو بالطبع يستحقه)، ولكن لم يبد رأياً ورأى أن الرأي رأي الزوجة التي يكون عليها أن تسأل نفسها هل يمكن أن تعود الحياة الزوجية السعيدة بعد هذه النزوة، وهل نشأة الأطفال بين والديهما أفضل .. الخ ولم يشأ أن يفتات عليها برأي وقال : وإن كنت أميل إلى تحريضها على العودة لأن العفو لمن يقدر عليه في مثل حالتكما مكاسبه أكبر بكثير من خسائر الانتقام.

كنت آمل أن تكون كلمات المحرر أكثر حرارة لأن الصلح في هذه الحالة سيصلح الحياة للزوجة والزوج والأبناء ولان الندم توبة، وواضح من رسالة الزوج أنه نادم وتائب.

ولكن إحدى القارئات ذهبت مذهباً آخر وأنا أنقله حرفيا قالت مخاطبة المحرر: “أفزعني ميلك لعودة مطلقة صاحب رسالة “الخائن” بعد اعتقادك أن ما تم لم يكن مصادفة، وهذا ما أظنه، بل أظن أنه ساومها مقابل ما طلبته من المال، والدليل تصويرها لإذلالها، ليس هذا هو المهم، والذي استفزني للرد هو أنه أوضح أن الشرع قد قال كلمته في ذلك “وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم”. “ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب” هذا الزاني في الشرع حتى وإن صدقت توبته يجب أن يقام عليه الحد وهو الرجم حتى الموت كما فعل رسول الله مع المرأة الزانية رغم تأكده من توبتها، ولو كان أحد أحق بالصفح لكان قد عفا الرسول عنها، ولكننا لا نطبق الشريعة، فلماذا يكون العمل؟ فلنعلم أن الله تعالى قال: “الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين”.

فكيف بالله عليك بعد أن قال الله كلمته أن نخالفها! أو لم تسألوا أنفسكم لماذا رأت هذا التصوير في هذا الوقت بالذات، ولماذا صورها من أصله؟ لحكمة الله أن تراها ويطهرها الله أن تنكح مثل هذا الزاني، وتأكد أن بيتا به أناس يتطهرون أفضل من أن يدنس وأي قيم تلك الذي يعلمها هذا الأب لأولاده؟ أقول هذا وأتمني نشر رسالتي بعد أخذ رأي الفقهاء ولنتأكد من أن قول الله حق، وأن لنا في القصاص حياة لو كنا أصحاب العقول، وحتى لا تنتشر الفاحشة بين الناس وليتأكد الرجل أن زوجته عليه حرام وإلا فليتأكد أنها مثله – حتى وإن لم يعلم عنها إلا كل خير – لأن قول الله حق وأمامي أمثلة من ذلك كنت أتساءل كيف لها أن تتزوجه وأن من سعي في هذا الزواج آثم، حتى تأكد لي أن أقول للراسل إن أردت أن تتوب حقا فحاول أن تتطهر بأن تجد من يقيم عليك الحد أو على الأقل ألا تقرب أي امرأة بعد الآن تكفيراً عن ذنبك”.

أريد أن أقول للقارئة التي يبدو أنها من الحريصات على تطبيق الشريعة وتوقيع الحدود إن الأمر له جوانب متعددة يكون عليها أن تضعها في تقديرها لأنه ليس من السهل أن تجلدي أحدا أو تقطعي يد آخر فهذه ممارسات صعبة قاسية لا يجوز اللجوء إليها إلا في أشد الحالات فجراً وضراوة، وحتى في هذه الحالات فإن الشرع حاطها بسياج من الضمانات تحول دون تطبيق الحد في حالات عديدة إن علينا أن نقدر آلام الآخرين، وما يوقع عليهم من جزاء مهما كانت أخطاؤهم وقد أمرنا الرسول بأن “نتعافى الحدود” وقد خان التوفيق القارئة في النقاط الآتية:

أولا : أن التوبة تسقط كل ذنب، حتى الشرك بالله، إذا كانت نصوحاً، وأن الرسول في حالتي تطبيق حد الرجم أخذ يحاول بكل الطرق ثني الآثمين عن الاعتراف، وحاول أن يصرفهما، ولكنهما أصرا على توقيع الحد باعتباره تطهيرا لهما، وكان لهما في فسحة التشريع مندوحة بالتوبة والعمل الصالح.

ثانيا: إن كلمة زان وزانية لا يمكن أن تطبق على من يقترف هذا الإثم أول مرة، فتعبير زان وزانية لا يطلق إلا على من كان هذا دأبه وديدنه، أما من ضعف مرة ثم ندم فإن المفسرين يدخلون ذلك في باب “اللمم” الذي استثناه القرآن من كبائر الإثم وذكروا صراحة الزانية الأولى والسرقة الأولى، فالمطالبة بتطبيق الحد مدفوع من ناحيتين: ناحية التوبة، وناحية أنها المرة الأولى التي تدخلها في باب اللمم وما جاء في الآية “الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان” يصعب جدًا في حالة ارتكاب هذا الإثم لمرة واحدة، وإنما يمكن تطبيقه عندما يمارس الزنا على وجه الاستمرار، ويكون له حكمه أيضا لأن من ألف ممارسة الزنا قد لا يتوافق في الزواج إلا بمن يماثله، وقد لا يجد سواه وهي أي الزانية أيضًا بالمثل.

وأخيرًا نأتي إلى النقطة الثالثة وهي أن عقوبة الرجم لم ترد في القرآن وإنما جاءت في التوراة، ولما سئل الصحابي ابن أبي أوفي هل رجم الرسول، قال نعم فسئل قبل سورة النور أو بعدها قال لا أدري، ويحتمل أن الرسول طبق مبدأ “شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يخالف” ولكن تطبيق الرسول لها لا يوجب أن نطبقها فقد تكون هناك ملابسات أوجبت ذلك ولا نعلمها، وما يجب علينا في الحدود التي تحدث عنها القرآن باعتبارها “حدود الله” هو ما جاء في القرآن وحده، وهذا هو ما كرره الرسول عندما قال: “الحلال ما أحله القرآن والحرام ما حرمه القرآن وبينهما عفو فاقبلوا من الله عافيته” وأعلن أن هذا سيثير الكثيرين، ولكني أعلم أيضًا انه رأي عدد كبير من كبار الفقهاء ذكروه إيماءً أو في مجال خاص لأنهم لا يريدون الدخول في معركة مع الآخرين.

وقد تدخل عالم فاضل في عدد تال فوجه نظر القارئة إلى منزلة التوبة والعفو وذكر الآيات التي تقرر ذلك، ولكنه ويا للعجب وقع في لبس أغلب الظن انه نتيجة السهو فذكر أن الآية “الزاني لا ينكح إلا زانية”.. إلخ، أنها الآية الثانية وهي الآية الثالثة “ولعل الخطأ من الطبع خاصة وأن 2 يشبه 3 تمامًا” ولكن التوفيق أخطأه عندما أحال القارئة على الآية التي تقول: “إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم” فقال إنها الآية الرابعة وهي الخامسة وأنها تعود إلى الذين يرمون المحصنات، وليست على الزاني والزانية”.

نقلا عن نهضة مصرجمال البنا – مفكر حر

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment