وفاء سلطان: اللقاء الذي أجرته معي صحيفة 7 أيام المصرية و لم تنشره!

أعزائي القراء

أجرت معي السيدة ساره رمضان من صحيفة 7 أيام المصرية هذه المقابلة منذ أكثر من شهر، لكنها لم تنشر حتى الأن

لذلك قررت أن أنشرها في موقع “صوت العقل” كي تتطلعون عليها

لست مغفلة ، كنت أدرك تماما بأنهم لن ينشروا ما سأقوله، ولكنني دائما أتوسم خيرا بالشخص الذي ألتقي بي حتى يُثبت لي العكس، هذه فلسفتي وبناءا عليها أقبل هذه النمط من المقابلات. تحياتي للجميع

…..

كيف تقيمي الوضع في سوريا؟

……..

لا أستطيع أن اقيم الوضع في سوريا إلا بناءا على حدسي حيال ما يحدث…

لا أحد يستطيع..

أشك بمصداقية الأخبار التي تردني أيا كان مصدرها…

كل ما أعلمه علم اليقين هو أن هناك حرب إبادة تجري على قدم وساق، حربا تريدها وتشنها جميع الأطراف ولا أحد يعرف مَن مع مَن!

يحدثني قلبي، وصدقيني يا سيدتي، أن العقل ـ وفي أغلب الأحيان ـ محكوم بالقلب، أن الحاضر والمستقبل ـ على الأقل المستقبل القريب، لا يبشر بالخير!

هذه حرب إبادة أسبابها المباشرة وغير المباشرة تتجذر في عمق الثقافة البدوية التي تتحكم بنا….

الثقافة التي تحرض الإنسان على أن يقف مع أخيه ضد ابن عمه، ومع ابن عمه ضد الغريب بغض النظر عن حق أي منها لا يمكن في النهاية أن تثمر إلا دماءا وخرابا…

هناك لا شك، مصالح دولية متصارعة، ,لكن لا تستطيع تلك المصالح أن تفرض نفسها حرفيا إلا إذا أخذت بعين الإعتبار الواقع الثقافي المعاش والعقل الجمعي الذي هو ثمرة ذلك الواقع!

يبدو أن الغرب قد وصل إلى قناعة “الكي آخر العلاج”، وأسهل الطرق لتطبيق ذلك العلاج هو أن يكووا بعضهم البعض!

هي حرب لن تكلفه الخسائر التي اعتاد أن يتكبدها ليغير واقعا ما، ليس هذا وحسب، بل ستأتيه بنتائج لا يحلم بها حتى ولو استنفر كل قواته وعتاده…

ما يجري في المنطقة كلها هو من تداعيات كارثة الحادي عشر من سبتمبر، قالها الرئيس بوش “سنعيدهم إلى الحجر العصري”، وهاهم بضعة أميال (وكم يوم) منه!

هم أرادوا العودة إلى القرن السابع الميلادي، والغرب أعطاهم “بحبوحة” وقرر أن يرسلهم أبعد من ذلك بقليل!

يستحقونها، أقولها بكل ألم!

داخل هذا النفق المظلم يجب أن أتطلع دائما إلى بقعة ضوء، والبقعة الوحيدة التي أراها ـ أو بالأحرى أتخيلها ـ هو أن تقودنا تلك المذابح إلى حد نستطيع عنده أن ندرك قيمة الحياة، وقيمة الإنسان الذي لا يعلو عليه إله!

******

ـ الى أين سينتهي الامر؟

…….

طالما لا أعرف ما يجري بالتفصيل لا أعرف إلى أين سينتهي الأمر بالتحديد!

لكن، وبالعودة إلى قناعاتي الشخصية التي بنيتها على أساس معرفتي العميقة ببواطن النفس لدى إنسان هذه المنطقة المشحونة، أستطيع أن أتوقع بأن الأمر سينتهي إلى هيروشيما مقنبلة لا أثر للأخضر ولا لليابس فيها!

********

ـ وماهي سبل الخروج من الازمة؟

…….

لا يوجد سبل بالمدى المنظور…

بقلب منكسر أقول: يجب أن يستمر ما يحدث الآن حتى تتطهر النفس من كل أحقادها ـ هذا إلى تطهرت ـ وتصل إلى قناعة حول عبثية هذا العنف…

عندها ـ وكما أشرت سابقا ـ ستكون سوريا، وربما غيرها من بلدان النطقة ـ مجرد هيروشيما مقنبلة…

عندها، وعندها فقط ـ قد يكون هناك سبل لإعادة البناء، أقصد البناء العقلي والعاطفي وليس فقط البناء العمراني!

لا قوة في الأرض تستطيع أن تعيد تأهيل الإنسان المسلم إلا إذا سمحنا له ـ بل وشجعناه ـ على أن يطبق عقيدته على أرض الواقع، ويرأى بأم عينيه عبثيتها وعدم فعاليتها في الزمن الذي نعيش فيه!

هذا ما يحدث اليوم في سوريا وفي مصر أيضا، وربما ستتستمر القنبلة لتشمل بلدان أخرى!

ألف وأربعمائة عام والغسيل الدماغي يجري على قدم و ساق من أنه “لا حل إلا الإسلام”!

يعيشون المشكلة ويؤمنون بأنها هي الحل، كمن وقع في مستنقع لا قعر له، وظل يؤمن بأن الطريق الوحيد للخروج منه هو الوصول إلى القعر، وكلما ازداد غوصا تشبث بعقيدة البحث عن القعر!

المأساة الأكبر، أن الطرف “العلماني” المناوئ لتلك الأغلبية الساحقة لا يعرف أنه مبرمج بنفس طريقتها، ولذلك يستخدم نفس اسلوبها، وهو اسلوب رفض الآخر، والآخر هنا “من يختلف معه حتى ولو على لون جوربه”!

كل واحد ضد الآخر، والحرب الدائرة ستتوسع حتى تضيع الطاسة ولم يعد الواحد منهم يعرف مع من هو، وضد من هو، وتلك هي أقذر وأبشع أنواع الحروب!

لأنها حرب هدفها الأول والأخير القتل بغض النظر هن هوية المقتول!

********

ـ وما رأيك في الجبهة المعارضة الموجودة على الساحة؟

……

هي الشق التوأمي للنظام قلبا وقالبا!

أتحدث هنا عن الجبهة المعارضة على أرض المعركة، أما الجبهة المعارضة في الميدان السياسي فليست موجودة حسب مفهومي لكلمة “جبهة”.

هناك أشخاص ـ أو مجموعات صغيرة من أشخاص ـ معارضين سياسيا، ومشرذمين هنا وهناك لا يجمعهم هدف واحد ولا قناعات مشتركة، إذا استثنينا جماعات الإخوان المسلمين!

أقولها لا طعنا بهم، فأنا واحدة منهم، ولكن بناءا على تاريخ المعارضة السورية!

المعارضة بمفهومها الحقيقي والتنظيمي لا تتشكل إلا في وسط من الحرية، ولا تنتعش مالم تملك الوسائل الإعلامية لنشر أفكارها وتوحيد جهودها.

في وسط قمعي كالوسط السوري، ينتفي وجود تلك المعارضة بمفهومها الصحيح. هناك بعض السوريين الذين يعيشون خارج سوريا، وأنا واحدة منهم، ربما نمتلك الحرية للتعبير، ولكننا لا نمتلك الوسيلة لنعمم أفكارنا ونتواصل مع بعضنا.

لا يستطيع أحد أن يشكل جبهة مع أخر إلا عندما يلم بكافة أفكاره ويتعمق في فهم أهدافه.

شخصيا لم أسمع من جبهة معارضة، وأنا الأحق أن أكون فردا في أية جبهة، نظرا لتاريخي، وعلى تواصل مع أشخاص جديرين بأن يكونوا هم أيضا جزءا من أية جبهة معارضة، ولكنهم ليسوا!

أين هي تلك الجبهة، وعلى أي أساس تقبل عضويتها؟ لا أعرف!

…………..

ـ وأي القوى والفصائل التي ترجحي كفتها في الصراع؟

*********

لا يوجد قوى منظمة تستطيع أن ترجح كفة الصراع في هذه الحرب الطاحنة إلا القوى الإسلامية الظلامية التي همها أن تَقتل أو تُقتل!

كل طرف يقاتل من أجل القتل ودون أية اعتبارات إنسانية، سيملك لاحقا القوة التي تؤهله ليطغى!

يضاف إلى ذلك، الرغبة التي نلمسها لدى الغرب اليوم في إيصال تلك القوى!

النظام السوري يتبع اليوم نفس الاسلوب، إذ يجب أن لا ننسى أنه إرث اسلامي أيضا، ولو أخفى يديه المجرمتين تحت قفاز علماني!

القوى الدولية المتصارعة على الأرض السورية تريد للصراع على أرض المعركة أن يستمر حتى يحرق الأخضر واليابس!

لذلك، لا أتوقع أن تنفذ أسلحة أي طرف حتى يتحقق ذلك الهدف!

عندها، وعندها فقط سيقوم الغرب بسحب القوة العسكرية من الطرف الذي تقضتي مصلحته أن ينتصر…

في المدى المنظور لست متفائلة بمصير القوى العلمانية، إذ ليس لها دور واضح المعالم في ذلك الصراع…

قد يكون وصول الإسلاميين مرحلة لا بد منها، فالأغلبية الساحقة مبرمجة على أن الإسلام هو الحل، ولا تستطيع أن تقنعها إلا من خلال تلك التجربة…

الجريمة الأكبر أن تلك التجربة لو حدثت ستطيل عمر الخراب العقلي والفكري عقودا وأجيالا….!

*********

ـ هل تشعرين بأن المصير الذي حل بدول الربيع العربي ينتظر سوريا؟

بل أرى أن المصير الذي حل بسوريا ينتظر كل دول ذلك “الربيع”!

*******

ـ في سوريا عدد كبير من العصبيات الأهلية والإنشقاقات…فهل هذا التنوع يقود للنهضة أم للشتات؟

……

في كل ثقافات العالم، البائدة منها والسائدة، التنوع الفكري والعرقي والإثني الموجود في سوريا يفترض أن يكون من مقومات النهضة، إلا في الثقافة الإسلامية البدوية، فهو أرضية خصبة للتناحر حتى الموت!

يبدو أنك نسيتي الحديث النبوي “ستنقسم أمتي ثلاث وسبعين فرقة واحدة في الجنة والباقي في النار”

هل هناك “أقدس” من حرب يعتقد كل مقاتل فيها أنه سيفوز بالجنة الموعدة، سواء قَتل أو قُتل.

*********

ـ إلى أي مدى تشتاقين لسوريا….ومتى تعتقدين أنك سوف تعودين إليها؟

……

هل تشتاقين للهواء الذي تتنفسيه؟؟

سوريا هي هوائي، لم أفقده بعد كي أشتاق إليه…

لا أعرف متى سأعود، أتمنى أن أكون على موعد مع طائرتي غدا.

أعرف أن سوريا التي تعيش في قلبي ليست سوريا على أرض الواقع اليوم، وأعرف أنني لن أجد سوى خرابا على كل صعيد، الصعيد العمراني، النفسي، العاطفي، و العقلي.

لكن أتمنى أن أعود، علني اساهم في بناء ما تهدم وترميم ما بقي!

كل ما دار في ذهني منذ بدأت أن أعي الحياة، رأيته لاحقا على أرض الواقع.

اليوم أتخيل نفسي حرة في سوريا الغد، سوريا المعقمة من كل أثر لوباء اسلامي، ومتفائلة بأن حلمي سيصبح حقيقة مهما طال الزمن!

********

ـ وما هو تقييمك للمرحلة التي تمر بها دول الربيع العربي وسيطرة الاسلاميين على الحكم فيها؟

……

! لا أعرف لماذا تصرين على تسميته بالـ “ربيع العربي”، سأكون سعيدة لو لفتم انتباهي إلى تلك الأزهار والورود والمروج التي تجعله ربيعا!

لقد اعتدنا على قلب المفاهيم، وانغسلت أدمغتنا إلى الحد الذي نكرر عنده ما يُملى علينا، كالببغاء، دون أن نستوعب!

شأننا في ذلك، شأن البدوي الذي ذهب من البادية السورية إلى المدينة كي يشتري بعض الحاجات، فصادف مظاهرة تصيح: فليسقط وعد بلفور!

دبت النخوة البدوية في شرايينه فراح يهتف معهم: فليسقط واحد من فوق، فليسقط واحد من فوق!

حتى الطبقة المثقفة، ولا أشك أنك واحدة منها، قد انطلت عليها الحيلة وراحت تردد ما تسمعه دون أن تستوعبه!

ربيع عربي؟؟؟؟؟

هل تصدقين بأن الربيع يأتي بلا مطر؟؟؟

هل تصدقين أنه بالإمكان أن نرى الربع الخالي وقد صار هولندة أخرى بين ليلة وضحاها؟؟

يا سيدتي، لا ربيع بلا مطر، ولا يمكن أن تثمر ثورة بلا فكر!

نحن شعوب عقيمة ولا فرق بين عقولنا وصحارينا!

الفكر الإسلامي مستبد بنا منذ أن سيطر محمد على المدينة، ولا فرق عندي بين الديكتاتور والإسلامي فكلاهما إرث محمدي!

كلاهما إفراز اسلامي، ولا يمكن أن يعيش واحد منهما بدون الآخر!

الفرق بينهما لا يتجاوز الفرق بين ديكتاتور مسلم، ومسلم ديكتاتور!

إنه صراع بين توائم جاؤوا من نفس الرحم!

لكن، طالما الأغلبية ـ المغيبة عن الوعي ـ تؤمن بأن الاسلام هو الحل، وهؤلاء الاسلاميين هم وحدهم من يقدر على تطبيق الاسلام بحذافيره، لا أرى بديلا للمرحلة المقبلة التي سيسطر بها هؤلاء الاسلاميين.

الشعب الإيراني هو أكثر الشعوب المسلمة تأهيلا اليوم لبناء دولة علمانية، والسبب أنهم جربوا حكم الملالي وخرجوا منه بقناعات جديدة.

لم نتعلم يوما أن نستفيد من تجارب غيرنا، ويجب أن نُلدغ من نفس الجحر الذي لُدغ منه الإيرانيون كي نصل إلى قناعاتهم .

******

ـ تجربة مصر وتونس تتشابهان في كل التفاصيل….فهل ستشتركان في نفس المصير؟

……..

كل الدول العربية ـ حتى الأبعدها عن ما يسمى بالـ “ربيع” العربي ـ تتشابه في تاريخها وفي تجاربها، ولذلك ستتشابه حكما في مصيرها.

قد تختلف الطرق، ولكن العقل الجمعي واحد وسيقود إلى نفس النتيجة وسيأخذ نفس الوقت!

عندما أتواصل مع الجيل الجديد عبر الفيس بوك والإيميل، لا أستطيع التمييز بين سوري ومصري ومغربي ولا حتى سعودي عندما يتعلق الأمر بهمومه اليومية وإحباطه وتطلعه إلى مستقبل أفضل!

هو مهموم بشكل أو بآخر، هو محبط لسبب أو لأخر، سواء كان منغمسا في ترفه السعودي أم غارقا حتى شوشة رأسه في فقره المصري!

هذا الجيل المنفتح على العالم عبر الانترنت لا يمكن أن يقبل بالحياة التي عاشها أباؤوه وأجداده، وسيتمرد عاجلا أو آجلا!

سنرى حراكا في الخليج العربي مهما طال الزمن، ولن يكون أقل دموية من الصراع الذي تشهده الدول الأخرى اليوم.

على العكس تماما، كلما اشتد القمع سيزداد الصراع دموية، والقمع على أشده وأسوأه في السعودية!

من ناحية أخرى، خمسة عشر إرهابيا من المجموعة التي ارتكبت مجزرة الحادي عشر من سبتمبر كانوا سعوديين.

الغرب يعرف أن السعودية هي رحم الإرهاب الإسلامي، وهو إذ يقص اليوم أطراف هذا الإرهاب، لا شك أنه سيحرق الرحم الذي يتوالد منه ذلك الإرهاب عاجلا أم آجلا.

إنه مسألة وقت، ولا نعرف سر ذلك التأخير!

**********

ـ وما أكثر الأمور التي تري أنها تنتظر مصر؟

…….

لست متفائلة جدا، رغم أن الظروف في مصر تختلف عن ظروف سوريا وربما أكثر ملائمة لبناء مجتمع مدني علماني.

الحقد الطائفي ليس موجودا على شدته، رغم ما يعانيه الأقباط، ولكن دائما الخطورة التي يفرضها التناحر بين الطوائف الإسلامية أشد بكثير من التناحر بين المسلمين والمسحيين، فالمسيحيون بطبعهم مسالمون، وقد اعتادوا على حياة الذل التي فرضتها قرون طويلة من اضطهاد في ظل الإسلام.

الحقد بين الطوائف الإسلامية وتحديدا بين السنة والشيعة جاهز لينفجر في أية لحظة، وسيأخذ معه كل أثر للحياة، وهذا الحقد لا تعيشه مصر اليوم!

من ناحية أخرى، الحرية النسبية التي عاشها الشعب المصري في السنوات الأخيرة التي سبقت سقوط النظام السابق قد أيقظت الكثير من العقول، وهيأت الطبقة العلمانية لتأخذ ولو جزءا من دورها!

رغم كل هذا، أعتقد أن المرحلة المقبلة ستجسد صراعا بين العلمانين من اصول اسلامية وبين الإسلاميين الأصوليين من جهة ثانية، وسيكون صراعا دمويا وعنيفا وقد يمتد سنينا!

*******

ـ وسبل الخروج من الأزمة الواقعة عليها الآن؟

……

لا يوجد سبل للخروج بالمدى المنظور، الصراع سيستمر طويلا وسيكون دمويا!

الاسلامييون لن يتخلوا عن السلطة بسهولة وعن رضى وطواعية،

إنها العقلية البدوية التي ترفض الآخر وتدعي استمداد شرعيتها من الله، وامتلاكها لحقيقته.

الطرف الآخرـ متمثلا بالعلمانيين والمسلمين المعتدلين ـ والذي ذاق مرارة العيش في ظل الديكتاتور، لن يقبل أن يضحي بانجازاته بعد أن قضى على ذلك الديكتاتور.

الغرب يدعم الاسلاميين اليوم، ليس حبا بهم، وإنما ليطيل بعمرهم حتى تنكشف حقيقتهم، و يتمكنوا من شحذ القوى العلمانية الهشة في الوقت الحاضر!

سيأخذ الأمر عقودا، وستكون التضحيات خلالها كثيرة!

**********

ـ لكِ مقال تحت عنوان “الإسلام جهاز عقائدي مسؤول أولا وأخيرا عن انحطاط الإنسان المسلم فكريا وأخلاقيا”…كيف يكون للدين هذا التأ؟ثير على التفكير الانساني، بصرف النظر عن الافكار الدينية الجامدة؟

…….

أي فكر ـ سواء كان صالحا أم طالحا ـ عندما ينفرد بالساحة ويمنع أي فكر آخر من منافسته، ينتهي ببرمجة فكرية جامدة ومتعصبة!

كيف تتم عملية الغسيل الدماغي؟

تتم بعزل الفرد المراد غسله دماغيا عن أي فكرة أخرى، والسماح له بتشرب الفكر المراد زرعه فقط دون غيره، لا سيما في سنوات عمره الأولى حيث تكون عملية الهيمنة العقلية اسهل، ويكون الإنسان أكثر قدرة على التشرب التلقائي، وأقل قدرة على الرفض والمقاومة!

ألم يلعب الإسلام برأيك ذلك الدور؟؟؟

على مدى الأربعة عشر قرنا الماضية، هل تعرفنا على فكر مغاير؟ هل تجرأنا على أن نعطس؟

لا أعرف عمرك بالضبط، لكن أتوقع أنك شابة في مقتبل العمر، وربما تكونين من جيل الانترنت والفيس بوك، ولذلك قد يصعب عليك استيعاب فكرتي!

تربيت والأجيال التي سبقتني على الإيمان المطلق بأن الإسلام هو الأول والآخر، ولقد وجد ليسود ويبيد بأمر من الله.

كان مجرد التفكير بطرح سؤال حيال تلك البرمجة العقلية ضربا من الجنون، بل ضربا من الإنتحار!

وصل خوف الناس حد الرعب، ولذلك رضوا بالواقع رضى لا تبرره إلا غريزة البقاء!

أذكر أول مرة وأصعب لحظة واجهتني حيال برمجتي كانت عندما طرح علي رجل هنا في أمريكا ملحد من أصول مسيحية، كيف تقبلين أن يقال عن الله الذي تؤمنين به ماكر؟؟؟

قلت: خسئت، لا أحد يقول عن الله الذي اؤمن به ماكرا!

فناولني الآية القرآنية التي تقول: خير الماكرين!

حتى تاريخ تلك اللحظة كنت قد قرأت القرآن مئات المرات، وكنت قد حفظت أغلبه عن ظهر قلب قبل عامي الثاني عشر. لكنني تبرمجت لأن أذوب روحانيا بالنغم، وأقفل عقلي حيال المعنى!

شككت بالنسخة القرآنية التي يملكها، وظننت أن حقده المسيحي على الإسلام خرج بنسخة مزورة!

وصلت إلى البيت واطلعت على نسختي وعلى كل التفاسير، لأبدأ رحلة جديدة، رحلة قادتني إلى من أنا اليوم!

كنت في ذلك اليوم قد مررت بعدة تجارب هيأتني نفسيا وروحانيا لأن أسأل وأتساءل وأبحث عن الحقيقة المغيبة!

لم يكن ذلك الحدث البدء، بل كان القشة التي قسمت ظهري المسلم!

وبالعودة إلى سؤالك يا سيدتي، أقول:

هكذا يسيطر الفكر الأصولي

**********

ـ في هذا الزمن لم يعد بامكان أبي هريرة أن يكون سيد الموقف، لقد فسدت بضاعته ولم يعد بامكانها أن تنافس بضائع اليوم…..هل يمكن أن تنطبق هذه المقولة على مشايخ وقساوسة وحاخات اليوم؟؟

…….

يا سيدتي لماذا تحاولون أن تخلطوا عباسا بدباس؟

عندما يتعلق الأمر بنقد الإسلام، لا يستطيع المسلمون أن يتحملوا حدة الألم فيلجأون إلى سياسة “اقتلني ومالكا”

بمعنى، إن كنت تنوين نقد الإسلام فلماذا لا تنقدين المسيحية واليهودية؟

هذا اسلوب نسميه في علم النفس “آلية دفاع”

Defense Mechanism

يلجأ إليه الإنسان باللاوعي محاولا أن يخفف حدة الألم التي يشعر بها!

كأن تسألين ابنك: لماذا رسبت في مادة الحساب؟ فيرد: وابن الجيران أحمد رسب أيضا!

فنقدي للمسيحية واليهودية قد يخفف من حدة الألم الذي يشعرون بهم من حيال نقدي لدينهم،

لكنه في الوقت نفسه سيشتت تركيزي، وسيقلل من أهمية الهدف الرئيسي وهو دحض الإسلام!

دائما عندما تركزين على أكثر من هدف، تفقدين إحتمال إصابة الهدف الرئيسي!

على حد قول مثل روسي: من يركض وراء أرنبين لن يمسك أي منهما!

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، الثقافة البدوية وفي سياق نكرانها للآخر والعمل على إلغائه، وصل بها الأمر إلى حد لا يمانع عنده أتباعها من أن تقتلهم بشرط أن تقتل أعدائهم معهم، على حد “اقتلني ومالكا”.

لن أمنحنهم تلك النشوة، وسأظل أضرب بمطرقتي على رأس شيوخ الإسلام حتى أعريهم وأعري تعاليمهم!

قساوسة وحاخامات اليوم لا يمتلكون القوة السياسية التي يمتلكها شيوخ المسلمين،

لقد أثبت العلم والفكر العلماني هشاشية تعاليمهم منذ قرون، وشرح العلمانيون بما يكفي ويوفي!

ما سأقوله بخصوص تعاليم اليهودية والمسيحية يعرفه الناس في الغرب ويتداولونه ويطرحونه دائما على بساط النقاش بلا خوف!

هناك مئات بل ألوف من الأفلام والكتب والمراجع التي تناولت دحض أفكار رجال الدين اليهودي والمسيحي، ولذلك تحرر الغرب من سيطرتهم.

مهمتنا المقدسة اليوم أن نضع تعاليم الإسلام ورجاله تحت عدسة مجهرنا، كي نعريهم ونكشف حقيقتهم، كما فعل الغرب بتعاليمه ورجال دينه.

ثم من قال لك بأن أبي هريرة لم يعد صاحب القرار؟؟؟؟

أعرف أنني قلت تلك العبارة في إحدى مقالاتي، ولكنها مقتطعة من سياقها في المقالة…

نعم، عندما يتعلق الأمر بصناعة الجيل الجديد والأجيال القادمة لم يعد هو صاحب القرار، لأن بضاعته أفلست وفقدت قدرتها على منافسة بضائع اليوم….

ولكن عندما يتعلق الأمر بالواقع المعاش في تلك اللحظة، والذي هو ثمرة قرون طويلة كان خلالها أبو هريرة صاحب القرار، ليس سهلا أن نحذف تأثيره بشخطة قلم!

عندما يفقد أبو هريرة صلاحيته وقدرته على التفرد بالقرار، سأكون أنا وأنت من يصنع ذلك القرار!

ونحن اليوم مازلنا بعيدين عن تحقيق ذلك الحلم.

عندما تمتلك وفاء سلطان وساره رمضان الوسيلة الإعلامية التي تستطيع أن تصل إلى أي إنسان في أوطاننا، ويمتلكان الحرية المطلقة للتعبير عن أفكارههما، سأقول بأننا اقتربنا شوطا من تجريد أبي هريرة من صلاحية صنع القرار كليا وإلى الأبد!

لست متشائمة بهذا الخصوص كثيرا، فامتلاك ساره رمضان لوسيلة إعلامية وقبولها على إجراء مقابلة مع وفاء سلطان، ووعدها بأن تنشريها بحذافيرها يمنحني بصيص أمل على أننا نمشي ـ ولو ببطئ ـ حيال ذلك الهدف!

ـ وإلى أي مدى تري أن تابوهات الدين تقودنا إلى الدوران دون تقدم؟

كل فكر يفرض نفسه بقوة السيف، ويرفض أن ينافسه فكر آخر، سيتجمد ويصبح مع الزمن عاجزا عن الإيفاء بمتطلبات وشروط اللحظة التي يعيش فيها، وبالتالي سيصل بأتباعه إلى طريق مسدود، وهذا ما حدث مع الفكر الإسلامي!

اليوم نناقش في وسائل الإعلام العربية نكاح القاصرات والزوجة الميتة وما ملكت اليمين وإرضاع الكبير والإعجاز العلمي للقرآن وتقطيع الأرجل والأيدي من خلاف، أكثر مما نناقش أية حاجة ملحة في القرن الواحد والعشرين.

هناك شريط لداعية اسلامي معتوه، يقول فيه أن الجماع مع المرأة الحامل سنة محمدية شريفة، وخصوصا في الأربعين يوم الأولى من الحمل، فلقد “أثبت” العلم بأنه كلما شرب الجنين من السائل المنوي لوالده كلما ازداد ذكاءا!

هل هناك عته عقلي وإسفاف أخلاقي وفكري يفوق مايطرحه هذا المعتوه؟

هؤلاء المجرمين يمكلون وسائل الإعلام ويتمتعون بمطلق الحرية لنشر قمامتهم الفكرية، بطرق لا يضبطها رادع أخلاقي أو وازع ضميري، بينما وفاء سلطان مقصية عن كل ما يدور في العالم العربي!

مهزلة!

تصوري سخافة وانحطاط فكر يبرمج الناس على أن الطريقة المثلى لتحسين ذكاء الطفل هو أن يشرب السائل المنوي لوالده خلال حياته الجنينية؟؟

تصوري حجم الجريمة عندما نبرمج الناس على أن تلك الخزعبلات “مثبتة علميا”!

وقيسِ على ذلك!

تطالبينني بتعرية القساوسة والخامات بنفس الطريقة، كم مرة سمعت مؤخرا حاخاما أو قيسيا يصل في تفاهته وجنونه إلى ذلك الحد؟؟؟

هل بامكانك أن تتصوري ردة فعل وسائل الإعلام في الغرب لو حدث ذلك؟؟؟

********

ـ وكيف يمكن للفرد أن ينعم بحرية ويكسر تابوهاته؟

……..

العقل العربي سجين داخل قالب حديدي…..

كسر هذا القالب والإنفلات منه ليس سهلا، بل يحتاج إلى زمن طويل وجهود حجارة، وسيكلف الكثير من التضحيات والدماء البريئة!

لقد مر الغرب بتلك المرحلة، وحان الوقت لأن نبدأها معزيزين بفكر متنوع منفتح على الآخر، يتبنى الاسلوب العملي بعيدا عن خرافات الدين وجنون رجاله!

التمرد ليس سهلا، وأنت هنا أمام امرأة مجربة استمدت رأيها من تجربتها الخاصة.

لقد كانت بداياتي صعبة للغابة، وبدت مستحيلة أكثر من مرة، لكن الإصرار والإيمان بقدسية المهمة يسهلان الأمر مع الزمن.

من يريد أن يتمرد اليوم على تعاليمه وواقعه سيجد طريقه أسهل وأقل خطورة من الطريق الذي صنعته لنفسي!

فالانترنت في متناول يديه، ومعرفته بسبر أغوارها تفوق إمكانياتي ومعرفتي كثيرا عندما بدأت رحلتي!

يضاف إلى ذلك، أن الأصوات المناوئة للزخم الاسلامي قد كثرت وازدادت وضوحا، وصار من الصعب على سيف الإرهاب أن يصل إليها كلها!

يستطيع الجيل الجديد ـ لو أراد ـ أن يستمد من شجاعتي وشجاعة أمثالي ما يكفيه لأن يتمرد، أما أنا فكنت ولسنوات وحيدة في قلب الإعصار، وشعرت مرارا بأنه سيقلعني من جذوري.

رغم شهرتي، لم أتلق من الدعم النفسي والعاطفي ـ باستثناء عائلتي الصغيرة ـ ماكان يكفي لأن أصمد في وجه التهديدات التي تعرضت لها.

لكن يبقى الإيمان بقدسية المهمة والإصرار على تنفيذها سيد الموقف في النهاية.

طبعا، كان هناك ـ ولم يزل ـ الملايين الذين كتبوا لي يشدون على يدي، و يكبرون شجاعتي.

لكن، طالما يفعلون ذلك من وراء ستار وبأسماء مستعارة، لا أستطيع أن أثق بأشباح!

اليوم، الأمر يختلف والفرصة لدى الشباب للتمرد متوفرة، وبابها أعرض بكثير من الثقب الذي دخلت منه قبل عقدين!

بالنسبة للجيل الجديد، خطوة الألف ميل تبدأ بخطوة، وأول خطواته يجب أن تكون قراءة السيرة النبوية والقرآن بعقل منفتح وبلا برمجة، ثم طرح أسئلته والإستماع إلى أجوبة هؤلاء الثرثارين الذين يسمون أنفسهم “العلماء”!

عندها ستنهار البروج الرملية لجهازهم العقائدي وستبدأ رحلة الحرية التي طالما حلموا بها!

السؤال والتساؤل هما بداية الوصول إلى أية حقيقة!

*********

ـ وماذا عن المرأة العربية ودورها في المجتمع ـ وبالإسقاط على المرأة السورية؟

……

صار من التكرار الممل أن نتحدث عن دور المرأة، كما لو أننا نحاول أن نثبت أهيمة الهواء للحياة!

أشعر بالملل عندما أكرر نفسي، وخصوصا عندما يتعلق بمحاولة إثبات البديهيات!

أهمية دور المرأة من البديهيات التي لا تقبل الجدل!

هناك لوحة كانت تحملها امرأة أمريكية في إحدى المظاهرات ضد الكنيسة مؤخرا، تقول: (أنت أتيت من رحمي، ولم آتِ من ضلعك)!

أعتقد أن تلك العبارة تجسد بطريقة، ولا أجمل، حقيقة دور المرأة!

هي التي تصنع الرجل، فكيف بامكانه أن يقصيها؟؟؟

لقد تبرمج الإنسان منذ زمن طويل على أن المرأة ضلع منه، والضلع هو أضعف عظامه، هذا إذ اعتبرنا الضلع عظما، فهو في الحقيقة أقرب للغضروف منه إلى العظم!

لذلك، وإمعانا في التهميش اختار صانعو الدين الضلع، باعتباره أوهن العظام، ولم يقولوا مثلا: هي خلقت من فقرته، أو من جمجته!

نحن اليوم بحاجة إلى فك البرمجة العقلية التي ابتلت بها المرأة العربية من أنها ضلع قاصر وعقل ناقص، وإعادة تأهيلها فكريا وبطريقة علمية تثبت لها أهمية وجودها ودورها في ذلك الوجود!

بالنسبة للأجيال الجديدة، والتي اسميها جيل الفيس بوك، تبدو الأمور أسهل…

الدفق المعرفي الذي يعيشونه اليوم قد يخفف من حدة البرمجة التي ابتلت بها الأجيال التي سبقتهم، ولكنه في الوقت نفسه قد يجرفهم إلى حالة من الضياع!

هذا ما ألاحظه من خلال تواصلي مع هذا الجيل، وخصوصا النساء منه.

هم يعرفون عمق الكارثة الفكرية التي يعشونها، ويرفضونها قلبا وقالبا.

لكنهم متسمرين في أمكانهم لا يعرفون الطريق إلى مرحلة جديدة.

نحن نعيش في عصر المعلومات، لكنني أستطيع ـ في نفس الوقت أن أسميه عصر “اللامعلومات”!

كانت جدتي تقول: الزائد أخو الناقص، وهذا بيت القصيد الذي اريد أن أنوه له!

يغرق المرء اليوم في محيط من المعلومات، وفي حال غياب القيادة الواعية والمثل الأعلى، يتخبط عاجزا عن اختيار ثمينها من غثها!

تتواصل معي آلاف النساء الذين غرقوا في محيط الانترنت، يسألون عن السبيل للوصول إلى واقع أفضل!

هنا يبرز دور المفكرين والمثقفين، في أهمية الغربلة المعلوماتية وفصل قمحها من شعيرها.

للأسف، هم موجودون، لكنهم قلة قليلة قياسا بالملايين التي تنتظر من يوجهها!

ليسوا قليلين وحسب، بل مجردين من الوسائل الإعلامية الهامة للتواصل مع تلك الملايين!

اعطيني محطة تلفزيونية تبث إلى كل بيت في العالم العربي وسأعطيك عالما مختلفا اختلافا جذريا عن عالم اليوم في أقل من عقد!

عجلي يا ساره وطالب بتحقيق حلمي، قبل أن أودع هذا العالم وأفقد فرصتي تلك!

فملايين النساء في العالم العربي تحتاج لي ولك، وتنتظر مثلا أعلى كي تتبعه!

*****

ـ كلمة اخيرة عن الدور الغربي وخاصة الولايات المتحدة في دول الثورات؟

……

لا يستطيع العقل العربي ببرمجته الحالية أن يفهم ويستوعب طيبعة الدور الغربي وأبعاده، وخاصة الولايات المتحدة!

حساباتهم تختلف جدا عن الطريقة التي نفكر بها…

لديهم مفكرون وصانعو قرار متمرسون في مهمتهم، والهدف الذي يصوبون عليه هو بعيد المدى، فهم يخططون للأجيال القادمة لأن الأجيال الماضية قد خططت لهم!

لديهم مصالح في كل بقعة من تلك الأرض، وهي ليست بالضرورة ضد مصالح الشعوب الأخرى.

لست من أنصار أن تواجه المخرز بعينك الوحيدة، وطالما تبدو أمريكا اليوم مخرزا من فولاذ، أرى أنه من الحكمة أن تعرف كيف تتعامل معها بطريقة تضمن مصالحك ومصالحها، وهذا أمر أراه عادلا وقابلا للحدوث!

تذكرت الآن كتابا قرأته منذ سنين وكان بعنوان:

What have you learned from life?

ماذا تعلمت من الحياة؟

قام الكاتب بطرح هذا السؤال على مئات من الناس أعمارهم تتراوح بين خمس سنوات ومائة عام، وجمع أجوبتهم في كتاب.

أذكر جوابا لأحدهم، جاء فيه: لقد تعلمت من الحياة أن الصفقة لا تكون جيدة إلا إذا كانت لصالح الطرفين!

وهذه واحدة من أفضل الحكم التي تعلمتها في حياتي!

كل صفقة قابلة لأن تكون لصالح الطرفين، مادام فكر كل طرف واضح المعالم ونوياه سليمة بخصوص الطرف الآخر!

ليس لدينا في الشرق العربي فكر متبلور إلا الفكر الإسلامي الذي يرفض الآخر ويكفره ويطالب بالقضاء عليه.

وطالما نوايانا بخصوص ذلك الآخر غير صافية وتضمر له الشر، لن نطالب بإعادة النظر في ذلك الفكر.

لذلك، لا شك أن علاقتنا بالغرب ـ وتحديدا أمريكا ـ ستتأثر بعدوانية ذلك الفكر وخساسة تلك النوايا.

فأمريكا تدرك تماما الخلفية الفكرية ونوايا الدول التي تتعامل معها، ولا تستطيع أن تحمي مصالحها إلا إذا أخذت بعين الإعتبار هذه الخلفية وتلك النوايا!

مصالح أمريكا مع سويسرا وألمانيا وفرنسا هي نفسها مع مصر وسوريا وايران، ولكن شتان بين الصفقات التي تبرمها أمريكا مع كل من هذين الطرفين!

أحب أن أذكر القراء بما نشرته صحيفة الليموند الفرنسية، في اليوم الذي أعقب كارثة الحادي عشر من سبتمبر، على صفحتها الأولى وبالخط العريض: (كلنا أمريكان)!

هذا رغم كل الخلافات التي تنجم عن صراع المصالح بين فرنسا وأمريكا!

فماذا قالت صحفنا؟؟؟؟؟

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ

العقلية التي تتربص بها تلك الآية تلعب دورا كبيرا في الصفقات التي تحضرها لنا أمريكا اليوم!

فهل نلوم أمريكا؟!!وفاء سلطان (مفكر حر)؟

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

لماذا يريد العرب المسلمون ان يقتل المسيحيين بالنيابة عنهم بمعاركهم الطائفية؟

غريب هو امر اخواننا المسلمين وشركائنا بالوطن!؟

لأنهم لا يتذكرون الاقلية المسيحية بأنهم إخوان لهم وشركاء لهم بالوطن إلا بالحالات التالية:

الحالة الأولى: 

عندما يريدون ارضاء ربهم بإهانة المسيحيين المغضوب عليهم والضالين وابناء القردة والخنازير على منابر مساجدهم, او عند تفجير كنائسهم بمن فيهم من المصلين الوادعين الامنين, للظفر بالجنة والحوريات والغلمان لأنهم هدف سهل من جهة ومن جهة اخرى يعطي البطاقة المباشرة لدخول الجنة!؟

الحالة الثانية:

عندما يريدون تلميع صورتهم في الغرب, وإظهار انفسهم كإسلاميين يؤمنون بالديمقراطية ويتعايشون مع الاخر, فيقومون بتعيين افراد مسيحيين في مناصب سياسية صورية, تكون هذه المناصب عبئاً على المسيحيين في اغلب الحالات, ولقد بحثنا هذا الموضوع سابقا في مقالنا بعنوان:” معاملة المسيحي (كالأي..) جورج صبرا مثالاٌ“.

الحالة الثالثة: 

عندما يكون هناك صراعات دموية على السلطة بين مختلف الطوائف الاسلامية, او يكون هناك حروب طائفية بين الدول الاسلامية المختلفة, فيريدون أن يزجوا بالمسيحيين كرأس حربة في معاركهم هذه لكي يقتلوا بالنيابة عنهم, لان قتل المسيحي فضيلة بالنسبة للمسلم, اما قتل المسلم للمسلم فهو مكفر بالاسلام!؟ فهل رأيتم اغرب من هكذا قوم؟؟ او هكذا عقديدة؟؟

هل يحق للدول العربية ان تتذمر وتضيق ذرعا بالموقف الرسمي للحكومة اللبنانية الصورية والتي يتحكم بها حزب الله وايران وسوريا والعراق؟؟ 

ماذا تريدون من المسيحيين اللبنانيين المسالمين, والذين عدى عن انهم اقلية, فليس لديهم قطعة سلاح واحدة يدافعون بها عن انفسهم في الازمنة العاطلة التي تعصف بلبنان؟ وانتم تعرفون كيف قتل حزب الله بمساندة سوريا وايران, بمنتهى الوحشية, رفيق الحريري الزعيم السني المسلم, والجميل الزعيم الماروني المسيحي, والكثير من الصحفيينّ وكل من وقف بوجههم وقال لهم لا!؟

هل تريدون من الاقلية المسيحية ان تقتل عوضا عنكم بمعاركم الطائفية مع ايران؟ لماذا لا تحاربون ايران بأنفسكم وانتم تعدون ب 300 مليون عربي ومليار ونصف مسلم, ومواردكم الاقتصادية من المواد الاولية والنفط والغاز ليس لها حدود؟ 

هل تريدون من الاقلية المسيحية ان تحارب ايران عوضاً عنكم, بالوقت الذي يفتح الاخوان المسلمون في مصر كل ابواب بلادهم للولي الفقيه الايراني؟؟ وفي الوقت التي تفتح حماس كل اراضي غزة لجيش القدس الايراني؟ وفي الوقت الذي اصبحت به العراق وسوريا والبحرين ولبنان محافظات ايرانية كما ينظر الولي الفقيه في ايران؟ وفي الوقت التي تملك كل الدول العربية والاسلامية بعلاقات سياسية وافتصادية كاملة مع ايران هذا عدا عن العلاقات الاسلامية الدينية ومؤتمراتها, وكان اخرها مؤتمر القمة الاسلامية في القاهرة؟ ما هذه الازدواجية الاسلامية المقيتة؟؟

قد يجيب بعضكم بأن كل هذا ضرورات سياسية؟ نحن نوافق معكم بان هناك ضرورات سياسية, ولكن للمسيحيين ايضا ضرورات سياسية ويجب ان يحافظوا على بقائهم, ويجب ان لا يقتلوا هباءاً بمعاركم الطائفية مع ايران, ويجب عليكم ان تقدروا لهم ضروراتهم ايضاُ؟ 

من المواقف المضحكة للإسلاميين المصريين, بأنهم طلبوا من اقباط مصر ان يتوسطوا لهم عند الاثيوبيين الاقباط من اجل ان يمنحوا مصر حصة اكبر من مياه نهر النيل, وكأن مياه نهر النيل والحصص فيها والتي تسن من اجلها القوانين الدولية يمكن ان تحل بجلسة عرب كما يحدث عندما يتم قتل الاقباط على يد المسلمين في مصر؟ ولكن من جهة ثانية على سبيل المثال لا الحصر, فلم يطلب الاسلاميون من انفسهم او من مكة ان تتوسط لدى تركيا الاسلامية بان ترد لسوريا كيليلكية وانطاكية ولواء الاسكندرون التي استولت عليهم تركيا؟ فما هذه الازدواجية؟

لقد قمنا بكتابة مقال بالسابق فندنا بها الخرافة القائلة بأن وضع المسيحيين بسوريا هو جيد مقارنة بالبلدان العربية الاخرى وهذا رابطه:” مسيحيو سوريا وخرافة وضعهم المستقر“.

من المواقف المضحكة الأن بسوريا هو ان المعارضة تريد ان تزج الاقلية المسيحية نفسها بالمقدمة لمقاتلة النظام المجرم لبشار الاسد ومن جهة اخرى النظام المجرم لبشار الاسد يريد ان يزج بالمسيحيين كرأس حربة لمقاتلة المعارضة المسلحة؟؟ ولقد قمنا بالرد على هذه المطالب بمقال عنوانه:” اسلمة الدراسات الكنسية“, ولقد أثبتنا في هذا المقال بأن المسيحين هم وطنيون انقياء ومنخرطون بالمعارضة بنسبة اكبر من المسلمين, وخير دليل على هذا هو انه  لولا وقوف المسلمين السنة مع بشار الاسد لما صمد نظامه لمدة تزيد على السنتين.

اقلعوا ايها المسلمين أشواككم بأيديكم, فلديكم الكثير من العمل قبل ان تلوموا الاخرين؟

نظفوا تراثكم بأيديكم!؟ 

تصالحوا مع انفسكم والغير بأيديكم!؟

فلا احد ينجب اولاد بالعضو الذكري لغيره.

هوامش:

اسلمة الدراسات الكنسية

مسيحيو سوريا وخرافة وضعهم المستقر

 معاملة المسيحي (كالأي..) جورج صبرا مثالاٌ

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

جزرة إيران‏..‏ وعصا مرسي‏!‏

‏الأهرام المصرية:   محمود الورواري

بعد عودة وزير السياحة هشام زعزوع من طهران وتوقيع اتفاقية التعاون السياحي وتسيير الوفود كثر الحديث والتخوف عن هذا الموضوع ولم اجد تعليقا سريعا يختذل ذلك التخوف المطروح سوي انها سباحة ملتوية وليست سياحة‏,

سباحة نحو شواطئ يصر اصحابها علي ان تبقي نقية بلا اية تصنيفات مذهبية وتبقي بعيدة عن اي استغلال لتازم اقتصادها او كسادها السياحي.

السياحة الايرانية هذه اخذت صوراواشكالا كثيرة اولها السعي لاستكمال العلاقات الدبلوماسية بمعني ان يرتقي التمثيل إلي مستوي سفراء وليس علي مستوي مديري مكاتب خدمة مصالح وهذا اشتغل عليه وسعي اليه الرئيس محمد خاتمي الذي سبق الرئيس الحالي محمود احمدي نجاد وتوج ذلك السعي الخاتمي بلقاء جمعه مع مبارك في سويسرا, أعقبه مباشرة حزمة من الاجراءات ابرزها ما انتهي اليه البرلمان بقرار تغيير اسم شارع خالد الاسلامبولي الي شارع الانتفاضه ونزع الجدارية الضخمة لصورة الاسلامبولي نفسه, وفعلا وضعت يافتة تحوي الاسم الجديد علي مدخل ذلك الشارع في منطقة الوزارات بطهران ولم تنزع الجدارية بل زاد عليها اقامة نصب وتمثال ضخم له في جنة بهشتي وهي المقابرالاشهر في طهران.

هذا الاجراء يوضح تعدد متخذي القرار في ايران فليس مجلس الشوري الاسلامي ولا الحكومة ولا الرئاسة وأقول ذلك لأن في عهد خاتمي كان الفصيل الاصلاحي الذي ينتمي اليه خاتمي يمثل اغلبية في البرلمان وفي الحكومة والرئاسة معا لكن القرار في ايران لا يخرج بعيدا عن مكتب المرشد الاعلي الرهبر علي خامنئي. وبعدها حين غادر خاتمي و نجح احمدي نجاد في انتخابات الرئاسة2005 عزف كثيرا علي وتر عودة العلاقات وكان الهدف الايراني. وقتها نعيد العلاقات أولا ثم بعدها نناقش موضوع المحاذير والتحفظات الامنية وهذا ما رفضه النظام المصري حيث اصر علي تنظيف الملف الأمني أولا قبل عودة العلاقات رغم تلويح الايرانيين بجزرة السياحة متمثلة في مائة ألف سائح ايراني سينعشون الاقتصاد المصري ووقتها قال مبارك ومن يضمن انهم ليسوا مائة الف ضابط مخابرات, مبارك قال ذلك علي خلفية كفاءة وقدرة المخابرات الايرانية وعلي خلفية واقعة استقالة جورج تينت رئيس المخابرات الامريكية حين اعلن ان هذه الاستقالة ابمثابة اعلان هزيمة للمخابرات الامريكية في العراق امام المخابرات الايرانية, كلام مبارك عن المخبارات الايرانية جاء ايضا في توقيت اختطاف وذبح السفير المصري ايهاب الشريف وكل ما قيل وكتب وقتها حول محاولة الخطف والاعتداء علي السفراء والدبلوماسيين العرب العاملين في العراق.

أضف الي ذلك التقارير الأمنية التي كانت تشير الي عمليات تشيع في سوريا والنيجر والسنغال وافريقيا الوسطي ومعظمها تتم تحت غطاء السياحة واقامة المراكز الثقافية والدعم والتبرعات هذا كله جعل جزرة السياحه الايرانية تفشل مع نظام مبارك حتي بعد ان اعلنت ايران انها ستتبرع الي مصر بمائة الف طن من الغلال. وقد أدرك المصريون أن النظام الايراني يريد أن يحقق تتطورا في عودة العلاقات السياسية دون ان يقدم اية تنازلات امنية لذلك زاد اندهاشي واستغرابي حين علمت بزيارة وزير السياحة الي طهران وتوقيع هذه الاتفاقات ومرد اندهاشي أنه في حدود علمي لم يحدث أي تطور في القضايا الأمنية العالقة وخبرة الاجهزة المصرية الأمنية والدبلوماسية في هذا كبيرة وقلت ان تم ذلك سيكون كحفلة زفاف وليلة دخلة بدون كتب كتاب. علاوة علي ذلك أن مصر في عز سطوة وقوة وحديدية أجهزتها الأمنية تحفظت وخافت فما بالك بحال هذه الاجهزة الامنية المنهكة الآن بفعل توتر واحتقان اوضاع الداخل.

اذن السياحة الايرانية حتي لو وضعت لها ضوابط كما صرح وزيرالسياحة وحددت لها أماكن تكون بعيدة عن القاهرة وأنها ليست سياحة دينية بل سياحة شاطئية وأن الأجهزة الامنية ستقوم بفرز ومعرفة أهداف وطبيعة السائح القادم حتي لو تحقق كل ذلك فإنها لا تقبل إلا إذا جاءت ضمن حزمة من الاجراءات والتسويات تبدأ بالملف الأمني الغامض علي مستوي القضايا العالقة بين البلدين علي أن يكون تنظيف هذا الملف مرتبطا بايجاد ايجابة علي أسئلة الدور الايراني في كل من اليمن من خلال ورقة الحوثيين, وفي البحرين التي يعتبرونها احدي المحافظات الايرانية, وهكذا في جنوب لبنان حزب الله وسلاحه وفي العراق وسوريا الآن بالإضافة الي دول الخليج وموضوع الجزر الاماراتية طنب الكبري/ كنب الصغري/ ابو موسي.

ليس هذا تلكيكا او وضع العصي في عجلات عودة العلاقة, اطلاقا لكنه الدور الذي كتب علي مصر بفعل الجغرافيا والتاريخ ان تقوم به تجاه محيطها واشقائها. كما أن هذا ليس تجنيا علي النظام الايراني الحالي اطلاقا فالرئيس السابق دكتور محمد خاتمي صرح بأن ايران لو توقفت عن اثارة الحروب والقلاقل في دول الجوار لنجحت في ان تكون دولة محورية وهكذا انتقد الشيخ رفسنجاني اداء نظام احمدي نجاد باتباع سياسة توتير الأوضاع في دول الجوار.

ما أخافه فعلا من مسألة السياحة الايرانية أن يكون هناك من اشار علي الرئاسة وعلي الدكتور مرسي أن يستخدم العلاقات الايرانية للتلويح بها في وجه السلفيين وخصوصا حزب النور بعد اشتداد الخلاف حين سلم الدكتور يونس مخيون ملف الأخونة الي الرئيس في جلسة الحوار الأخيرة. وخوفي الأكبر أن يكون هناك من اقترح علي الرئيس ايضا أن يستخدم أيضا هذه العصا ضد الخليج خصوصا الامارات التي تشهد العلاقات معها سحابة نتمني ان تكون عابرة. والخوف يمتد أيضا من أن يكون هناك أيضا من اقترح علي الرئيس أن يستخدم هذه الورقة ضد أمريكا قبيل زيارة جون كيري التي انتهت مؤخرا محركين رسائل مفادها, أما أن تمدوا أيديكم لمساعدة مصر وإلا فلا تلوموناإن مددنا أيدينا للجميع بمن فيهم أعداؤكم!

لو كان ذلك كذلك سيكون هو اللعب بالنار, لأنه وبمنتهي البساطة هناك من أن لو مددت له يدك فلن تعود إليك سالمة.

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

العيش مع الآخر… أين يتجه المسلمون؟

الإتحاد الاماراتية

سبق أن ذكرتُ أن السؤال عن «وجهة الإسلام» كان قد طرحه هاملتون غب، المستشرق البريطاني في ثلاثينيات القرن الماضي. وقد شغله وقتها اتجاه المسلمين بشبه القارّة الهندية إلى الانفصال عن الهند، وإقامة كيان خاص بهم رغم مساعي غاندي الحثيثة لإبقائهم في «حزب المؤتمر الهندي». وقد اعتبر «غب» يومَها أن هذا التوجه له دلالات فيما يتعلق برؤى المسلمين المستجدة للعيش مع الآخر. فقد ذهبت «الرابطة الإسلامية» إلى اعتبار الإسلام هويةً دينية وثقافية وسياسية. وبالفعل فإن الدين الإسلامي اعتُبر فيما بعد الدين الرسمي لدولة باكستان الجديدة. وظلت التجربة الباكستانية ملأى بالمصاعب والعقبات عبر تاريخها الحديث والحاضر كله. فبمساعدة الهند في مطلع سبعينيات القرن الماضي، قام البنجاليون، فيما كان يُعرفُ بباكستان الشرقية، بالانفصال عن باكستان الغربية، وأقاموا دولة بنجلاديش. ومع أن الدولتين ظلتا على اضطراب شديد منذ ذلك الحين؛ فإن دولة باكستان (الغربية) هي التي تعاني داخلياً من الأصوليات الدينية المتشددة (حركة «طالبان» باكستان). وهكذا فإن الانفصال الباكستاني عن الهند، ما أنهى حالة الانقسام، بل انتقل للدواخل الباكستانية، ولا يزال معششاً فيها في صورة توترات إثنية ودينية وسياسية.

على أن فشل التجربة الباكستانية، باعتبار الإسلام ديناً قومياً جامعاً، ما أفضى لمراجعات بشأن علائق الدين بالقومية والإثنيات، وعلائق الدين بنظام الحكم. فالقومية الكردية في تركيا والعراق وإيران وسوريا لا تزال تسعى لإقامة دولة قومية جامعة. ونحن نعرف أن الأكراد هم في غالبيتهم العظمى من المسلمين السنة وعلى المذهب الشافعي. بيد أن محاولاتهم الانفصالية عن كل الدول التي يقيمون فيها، لا تستند إلى المكون الديني الواحد، بل إلى المكون الإثني واللغوي (والتاريخي) والجغرافي. وقد دفع النزاع الكردي مع سائر الدول الوطنية والقومية والنزاعات القبلية والإثنية المشابهة في آسيا وأفريقيا، الباحثين الأنثروبولوجيين والاستراتيجيين، إلى القيام بدراسات مُمايزة بين الدين والإثنية باعتبارهما أبرز عوامل الصراع في القرن الحادي والعشرين. وقد توصل بعضهم إلى أن العامل الإثني هو الأكثر إثارةً للنزاع أخذاً من أعداد مواطن التوتُّرات والصراعات في القارتين القديمتين.

على أنه ينبغي أن يقال إنه ليس في هذه النتيجة إن صحت، أي عزاء. فنحن نعلم -بعد الثورات العربية على الخصوص- أن المسألة الدينية أو علاقات المسلمين بالآخر غير المسلم، وطبيعة أنظمة الحكم التي يريدون إقامتها، تطرح إشكاليات كبرى. فهناك ميل جامح لدى كثرة من عامة المسلمين، إلى إقامة أنظمة حكم إسلامية تميز بحدود معينة بين المسلم وغير المسلم اجتماعياً وسياسياً على أساس الدين. ووجهة نظر هؤلاء أنهم يريدون أن يحيوا حياةً إسلامية كاملة، فذلك مقتضى هويتهم ودينهم. وما دام الأمر كذلك، فإنه يصعُبُ إقامة أنظمة حكم مدنية أو ديمقراطية حتى استناداً إلى صناديق الاقتراع. فنظام الحكم في الأزمنة الحديثة يقوم على مبدأ المواطنة، الذي يفترض التساوي في الحقوق والواجبات وبدون تمييز ديني أو إثني أو جغرافي أو اجتماعي. ولأنّ الأنظمة الشمولية القامعة ما عادت ممكنة، فمعنى ذلك أن تتفكك بعض الدول والبلدان إلى وحدات صغيرة على أساس الأديان والإثنيات، وتسود بينها النزاعات والحروب على الحدود وعلى مسائل أخرى كثيرة. فكما كانت الدولة القومية الشمولية في أوروبا وآسيا وأفريقيا مدعاةً لنزاعات كثيرة؛ فكذلك ستكون الدولة الدينية القادمة مثاراً لهذه النزاعات لسببين: النزاع في الأوطان وعليها بين المسلمين وغيرهم، والنزاع بداخل الإسلام وجماعات المسلمين على النظام السياسي وعلى التمايزات بين الأحزاب السياسية الدينية القائمة.

ولدى المسلمين مشكلات كبرى في مواطن هجرتهم واستقرارهم في الدول الأوروبية وأميركا وأستراليا. فقد أثاروا بإصرار بعض شبابهم على الخصوصية الشديدة، حذر ثم نفور سكان البلاد الأصليين، وأفضى الأمر إلى عنف تقلب فيه الناس بين ظلم وظلم. وكل ذلك ينسبهُ المتابعون إلى ما يعتبرونه «يقظة» في أوساط المسلمين، تجرف في وجهها كل الاعتبارات الأخرى للعيش والتعايش وقبول الآخر أو التسليم بجواره القريب أو البعيد.

إن السؤال الآن وغداً: لماذا يسلك المسلم العادي سلوكَ الخائف على دينه، أو لماذا يسلك سلوكَ الأقلية الخائفة والمتوترة حتى في البلدان ذات الكثرة الإسلامية؟ وما هي مآلات ذلك العيش التاريخي في مجتمعات تعددية والذي عاشه المسلمون في تجربتهم التاريخية والحديثة، وهم الذين صنعوه بوحي من دينهم وقرآنهم؟ لقد اعترف القرآن بالديانات الكتابية الأخرى، وأمر بالتسليم لأتباع تلك الديانات بالحريات الدينية والاجتماعية، وحرية التنقل والتجارة، والمشاركة شبه الكاملة في الحياة أو الحيوات بداخل دار الإسلام. ثم إن دول المسلمين وسعت من الاعتراف بأتباع الديانات غير الكتابية، وسادت وجوهُ عيشٍ وادعة خلال قرون وقرون: فما الذي حصل؟ ولماذا يضيقُ المسلمون ذَرْعاً بذواتهم الشاسعة في الأصل، وبالذوات والهويات الأخرى المشابهة أو المختلفة؟ برنارد لويس يعيد هذا الضيق إلى المنخفض الحضاري الطويل الذي دخل فيه المسلمون نتيجة الغَلَبة الأوروبية عليهم في القرنين الأخيرين، ثم نتيجة عواصف الحداثة التي ضربت طمأنينتهم وسكينتهم واستقرار بلدانهم. إنما من ناحية ثانية فإن المجتمعات الآسيوية والأفريقية الأخرى عانت ما عاناه المسلمون وأكثر. وهناك أمثلة الصين والهند واليابان. وهي مجتمعات هائلة وذات أمجاد تاريخية، وقد عانت معاناة شديدة تحت وطأة الغزوات الاستعمارية والحروب الإمبريالية. ومع ذلك كله فإنها ما قررت الانفصال الشديد عن الآخر الذي قرره المسلمون. هنا يقول لويس وغيره إن تلك المجتمعات أقامت دولا قومية، ونجحت في المشاركة بحضارة العصر، والإنتاج الصناعي والتكنولوجي والاقتصادي الكبير. وهو الأمر الذي لم ينجح فيه المسلمون نجاحاً كبيراً. ولذا فإن باحثين كثيرين يعتبرون أن هناك تجارب إسلامية واعدة، مثل إندونيسيا وماليزيا وتركيا. وهناك تجاربُ ناجحة للمسلمين في مواطن هجرتهم واستقرارهم. ومع الوقت؛ فإن وعياً جديداً سيُداخل المسلمين بأن دينهم ليس في خطر، وأنه ليست هناك مؤامرة عالمية عليهم!

لكنْ، إلى ذلك الحين، ماذا يكون بالوسع فعله لمواجهة الانفصاليات والتماميات على حد سواء؟ فالانفصاليات تستشري حيث يكون المسلمون أقليات. والتماميات تصعد وتستشري حيث تكون هناك كثرة إسلامية.

الواقع أن المسلمين لا ينفردون بالخطأ في المجتمعات التي يكونون فيها أقليات. فالآخرون تغيروا أيضاً، وهم أيضاً يأبَون الإصغاء والاعتراف أو فئات واسعة منهم. وفي حالات كهذه، يكون على المسلمين التمسك بحقوق المواطنة، والتأبي على العنف وعلى الدونية في الوقت نفسه. أما مجتمعات الكثرة الإسلامية فلا علاج لها ولا حل إلا بحدوث تغيير في الوعي الديني والاجتماعي والسياسي. وللنخبة التي تعرف الدين والعالم دور كبير في استحداث ذاك الوعي. وهذه العملية شاقة ومضنية لكنها ممكنة، ويساعد عليها الاستقرار القادم، والأنظمة السياسية التعددية، والسلطات الدينية المستنيرة.

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | 1 Comment

قصة و حكمة من زياد الصوفي ..115

القصة..

كل شباب سوريا بعد ما يخلصو دراستهون بتلاقيهون يا عيني و بأول مهمة الهون بعد الخدمة الالزامية , استخراج جواز السفر و السعي بين السفارات و مكاتب السمسرة للحصول على شي فرصة عمل بشي دولة خليجية..

اللي بيتطلع على سوريا و عمرها بالارض و خيراتها و مصادر دخلها, بيستغرب كتير أنو كيف شبابها بيتركوها و بيمشو على بلاد تانية منشان لقمة العيش..

بس الاجنبي اللي بيستغرب هالظاهرة, ما بيعرف انو اسباب الهجرة كتيرة, و ما بتقتصر بس على الحاجة المادية و قلة فرص العمل بالبلد..

الثروات بسوريا كتيرة, و الكل بيعرف بتفاصيلها.. بس كتير قلال اللي بيعرفو كيف بتتوزع هالثروات و على شو بتنصرف..

اربعين سنة و النفط السوري بينباع لشركة بقبرص بعقود بتتجدد كل خمس سنين و بيتثبت فيها السعر خلال مدة العقد..

العقد الاخير قبل العقوبات المفروضة كان سعر البرميل مثبت ب 27 دولار و قيمة المبيع الحقيقية ب 60 دولار.. و الكون انتو انو تحسبوها وين ال 33 دولار الفرق عم يروحو و بحسابات مين عم ينزلو..

حكاية اليوم بأجواء النفط نفسها..

شركة ليد ، هية شركة تابعة و مملوكة لنزار الاسعد و غسان مهنا احد اكبر تجار و ناقلين البترول السوري بالعشرين سنة الاخيرة.. و اصحاب اكبر شركة انشاءات نفطية في سوريا و الجزائر, و نزار الو صلة قرابة بمحمد مخلوف ( ابو رامي ) , اما غسان مهنا فهوة عديل محمد مخلوف..

الشركة بتملك مجموعة من البواخر العاملة على نقل النفط السوري الخام للموانئ القبرصية, و لسبب رح تعرفوه لاحقا, كانو كل البحارة من اصغر عامل للقبطان من حاملين الجنسية القبرصية..

الرحلة المقررة يومها بصيف 91 من مينا طرطوس لميناء ليماسول القبرصي, و الحمولة متل العادة نفط خام سوري..

الرحلة بأسوء حالاتها و بأسوء العواصف ما بتاخود اكتر من 12 ساعة, بس ليلتها مر الليل كلو و الباخرة بعدها ما وصلت..

بيفتحو عيونهون البحارة تاني يوم ليشوفو حالهون بمرفأ لأول مرة بيمرو عليه.. و خلال ثواني عشرات من الشرطة و الامن الاسرائيلي معبايين سطح الباخرة و عم يطلبو من البحارة الاجتماع لتسليم جوازات سفرهون..

و بدل الختم على الجواز متل العادة, بيعطوهون تصريح ( شورت باس ) منفصل عن الباسبور , منشان ما يتركو أي أثر لأي زائر لاسرائيل بحال قرر الرجعة لأحد المطارات او المرافىء السورية..و بنهاية التفريغ و قبل ما تنطلق الباخرة من المرفأ بترجع الشرطة و بتستلم كل التصاريح الموزعة..

بيخلصو تفريغ الشباب خلال ست ساعات, و ببتنطلق الباخرة مرة تانية على مينا ليماسول لتقوم بتفرغ الحمولة المسجلة..

ست شهور على هالحالة..

تسع زيارات لنفس الباخرة تنطلق من مينا طرطوس, تتوجه بالبداية لمينا حيفا, و بعدها ليماسول و ترجع بالاخير على طرطوس منشان التحضير لرحلة تانية..

احد البحارة اللي كانو على ضهر هالباخرة, و من معرفتو بطبيعة العلاقة بين سورية و اسرائيل, كان كل ما أخد تصريح من الشرطة الاسرائيلية بدخول مرفأ حيفا , يروح يصورو و يحتفظ بصورة الو , للاستفادة منها بيوم من الايام بابتزاز شركة ليد..

و متل العادة و متل كل مرة, بيوقع الغلطان بالخطأ.. و بتتأخر الشركة شهرين عن دفع مستحقات العمال و البحارة, فبيقرر هون هالشب القبرصي يستفيد من التصاريح اللي معو..

و بأحد رحلات العودة لطرطوس, بيحضر هالبحار ملف بكل صور التصاريح اللي معو و بوجهو عند رئيس الضابطة الجمركية بمرفأ طرطوس ( غانم شباط )..

لما غانم بيشوف هالملف, بيعتقد المسكين انو صفقة العمر في السلك الامني اجت, و اجا الوقت ليقبر الفقر و يصير محل علي دوبا بهداك الوقت..

بيسهر الليل على كتابة التقرير اللي رح يسلمو شخصي لرئيس فرع أمن الدولة بطرطوس تاني يوم, مرفق بصور التصاريح اللي اخدها من البحار القبرصي..

لما بيوصل عالفرع تاني يوم و بيقابل رئيس الفرع و بيشرحلو الموقف كلو و بيقدملو التقرير.. بيصدر أوامر رئيس الفرع بمداهمة الباخرة الراصفة بمينا طرطوس و احتجازها بكل طاقمها..

خلال دقايق كان مرفأ طرطوس مليان عناصر أمن و مخابرات و شرطة عسكرية و جمارك, و الباخرة باللي فيها صارو قيد الحجز..

بسرعة وصول و انتشار عناصر الامن بالمرفأ كان الخبر واصل لنزار الاسعد اللي بيركب سيارتو و بيهرب على بيروت لحتى يتلفلف الموضوع بالشام و يندار و ينطبخ بحيث ما حدا يتأذى..

و بالفغل بيوصل الموضوع لحافظ الاسد اللي بيأمر باحالة كل ضباط امن طرطوس يومها و اللي اتدخلو بهالموضوع عالتقاعد مع المكافأة منشان ما ينحكى بالموضوع اكتر, و بينحكم على نزار الاسعد بمتابعة أعمالو بتهريب التفط السوري لاسرائيل مع مراعاة اختيار الطقم اللي رح يشتغل على البواخر من تاريخ الحادثة, و بالفعل بيوقع الخيار على بحارة اسرائيليين بيحملو باسبورات سورية مزورة على اساس هنن من جزيرة أرواد السورية..

الحكمة:

باعوكي و قبضو حقك مصاري و قعدتهون عالكرسي..

ما حدا يقلي اتزوج يا زياد، يوم خلاصنا من هالنتن هوة يوم عرسي..زياد الصوفي – مفكر حر؟

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment

أيها العلمانيون والإسلاميون العرب تعلموا من تركيا!

لا شك أن زعيم حركة النهضة التونسية السيد راشد الغنوشي كان موفقاً جداً في تصريحه رداً على وزير الداخلية الفرنسي الذي اتهم الإسلاميين التونسيين بأنهم يحاولون فرض توجههم الديني على المجتمع التونسي. فرد عليه الغنوشي قائلاً: “إن أبواب المساجد والحانات والشواطئ مفتوحة في تونس”. وهو لا شك رد مفحم على الذين راحوا يخوفون بلدان الربيع العربي التي تحكمها أحزاب إسلامية من قيام الإسلاميين بفرض تقاليدهم وعاداتهم بالقوة على المجتمع وأسلمته عنوة.

قد يختلف بعض الإسلاميين مع حركة النهضة على اعتبار أنها أقرب إلى النموذج الإسلامي التركي المعتدل جداً منها إلى الحركات التي تسعى إلى فرض نموذج إسلامي خالص على بلدانها. لكن، وبكل صراحة، إذا أرادت الحركات الإسلامية التي دخلت المعترك السياسي بقوة بعد الربيع العربي أن تبقى في الساحة، وتتنافس بشكل ديمقراطي حقيقي مع بقية الأحزاب، عليها أن تحذو حذو المثال التونسي والتركي، لأنهما حزبان إسلاميان ديمقراطيان بامتياز يقبلان بالتعددية التي هي جوهر الديمقراطية. وخير دليل على ذلك أن السيد الغنوشي قال في رده على منتقدي الإسلاميين إن المسجد في تونس لن يفرض أجندته على الناس، بل هو مجرد مرفق من مرافق الدولة، مثله في ذلك مثل الحانة وشواطئ السباحة والسياحة.

كلام السيد الغنوشي طبعاً يجب ألا يؤخذ بمعناه السطحي الذي قد يثير بعض الإسلاميين المتشددين الذين وجدوا في وصولهم إلى السلطة بعد ثورات الربيع العربي فرصة لتحويل المجتمعات العربية إلى مجتمعات ذات لون إسلامي خالص. لكن التصريح في واقع الأمر يؤسس لدولة ديمقراطية مدنية حقيقية يستطيع فيها الإسلاميون أن يحكموا بطريقة لا تنفّر أحداً، ويتناوبوا على الحكم طالما التزموا بمبدأ التعددية المقدس ديمقراطياً.

هناك أمران في غاية الأهمية يرتكز عليهما تصريح السيد الغنوشي، ويجب على جميع الإسلاميين أن يأخذوهما بعين الاعتبار، ألا وهما أن جوهر الديمقراطية أن يكون الحكم فيها مدنياً وقائماً على مبدأ المواطنة التعددية التي تترك شأن المعتقد للشعب، ولا تحاول فرضه على الناس لا بالقوة الخشنة ولا حتى الناعمة، فالمواطنة الحقيقية تعني أن يكون الإنسان حراً في توجهاته السياسية والفكرية والثقافية والدينية والحياتية العامة، فمن شاء أن يرتاد المسجد فليفعل، ومن شاء أن يرتاد الحانة أو الشواطئ فليفعل. وهذا لا يعني أن القوى السياسية في المجتمع لا تستطيع أن تعبر عن توجهاتها الثقافية والفكرية والعقدية، فهذا مسموح به في الديمقراطيات، وبإمكان الجميع أن يتنافسوا ديمقراطياً وسلمياً، والرأي يعود في النهاية إلى الناس، فهم الذين يقررون من يتبعون بناء على سياساته وبرامجه الانتخابية وإنجازاته السابقة. وقد لاحظنا كيف تحول جزء مهم من الشعب التركي إلى مناصرة التيار الإسلامي رغم وجود علمانية صارخة ومتشددة في البلاد منصوص عليها عنوة في الدستور.

لقد لاحظنا كيف أن العاملين في المرافق الترفيهية كالحانات وحتى بيوت اللهو قد صوتوا لأردوغان، لأنهم وجدوا فيه وفي حزبه مثالاً يحتذى في محاربة الفساد والظلم والتنمية والنهوض بالبلاد اقتصادياً. لا يستطيع إنسان في رأسه ذرة عقل حتى لو كان ماجناً إلا أن يبايع حزب أردوغان عندما يراه وقد وضع تركيا على قائمة الدول العشر الأكثر نمواً اقتصادياً في العالم، وفي الوقت نفسه ترك الناس يديرون حياتهم بطريقتهم الخاصة بعيداً عن الابتزاز أو التوجيه الديني الفاقع.

إن الأنظمة الإسلامية كالنموذج التركي والتونسي هي وحدها القادرة ليس فقط على البقاء في المعترك السياسي، بل أيضاً المحافظة على وحدة بلادها، خاصة أن الأنظمة المتشددة التي حاولت فرض النموذج الإسلامي بالقوة انتهى بها الأمر إلى تخريب بلدانها وتفتيتها وتمزيقها. لاحظوا كيف تفكك السودان بسبب السياسات الطائشة التي بدل أن تترك جنوب السودان يعيش على طريقته، حاولت أن تفرض عليه الشريعة الإسلامية رغماً عنه، فانتهى به الأمر إلى الانفصال عن البلاد، لا بل الدخول معها في معارك عدائية لا تنتهي. ولا ننس ما حل بفلسطين بسبب الفشل في عدم المواءمة بين العلمانية والإسلام، فانتهى الأمر بالفلسطينيين إلى دويلتي غزة الإسلامية ورام الله العلمانية. وعلى القيادة المصرية الجديدة أن تتعلم الدرس من السودان وفلسطين، وأن تعلم أن الانقسام في مصر خطير جداً، ليس فقط بين مسلم ومسيحي، بل أيضاً بين القوى الإسلامية والقوى الليبرالية والعلمانية المسلمة.

ليس كل من يدين بالدين الإسلامي يريد أن يعيش بموجب الشريعة الإسلامية. وهذه حقيقة واضحة للعيان في مصر وفلسطين وتونس وسوريا وبقية البلدان العربية. لاحظوا الفرق الهائل في أسلوب العيش الذي يريده سكان قطاع غزة، والأسلوب الذي يريده سكان رام الله. ولاحظوا أيضاً الفرق الشاسع بين أسلوب الحياة الذي تريده القوى المنضوية تحت لواء جبهة الإنقاذ المصرية والأسلوب الذي يريده الإخوان والسلفيون في مصر. على الأحزاب الإسلامية التي تصل إلى السلطة أن تضع هذه الحقائق الصارخة أمام أعينها، وأن تعمل بنصيحة السيد الغنوشي الذي لا يمانع في فتح أبواب المساجد والحانات والشواطئ في آن معاً. ويجب ألا تنسى تلك الأحزاب أننا نعيش في عصر العولمة التي جعلت من العالم قرية واحدة يتعايش فيها كل التيارات الثقافية والدينية والقومية جنباً إلى جنب. وكل من يحاول أن يفرض نموذجه على الآخرين سيخسر المعركة، ويصبح منبوذاً. لاحظوا كيف أن المعارضة المصرية تقف بالمرصاد لحزب الحرية والعدالة الإسلامي رغم أنه حزب معتدل، ويسعى إلى دولة مدنية حسب قوله، مع ذلك فهناك حساسية كبيرة لدى الأطراف الأخرى تجاهه خوفاً من أن يفرض أجندته الثقافية على المجتمع. ولاحظوا أيضاً الهيجان السياسي والإعلامي ضد حركة النهضة التونسية رغم اعتدالها الشديد واقترابها من النموذج التركي، مع ذلك فهي تتعرض لحملة شعواء لمجرد أنها ذات لون إسلامي. 

باختصار، على القوى الإسلامية أن تدرك أن أي محاولة لفرض لون واحد على المجتمعات العربية في حقبة ما بعد الربيع العربي ستكون كارثية بكل المقاييس. وهذا الكلام موجه أيضاً للقوى العلمانية والليبرالية التي يجب عليها أيضاً أن تتخلص من أصوليتها العلمانية الصارخة، وأن تتوقف عن شيطنة الإسلاميين لمجرد أنهم يخالفونها في الرأي والتوجه. فليتعلم العلمانيون العرب من جماعة أتاتورك في تركيا الذين بعد تخندقهم وتعنتهم الشديد لعشرات السنين وراء متاريسهم العلمانية المتطرفة، إلا أنهم لم يستطيعوا في نهاية المطاف إلا أن يتعايشوا، ويقبلوا بالتيار الإسلامي من أجل مصلحة تركيا. لذلك، فكما هو مطلوب من الإسلاميين العرب أن يتعلموا من أردوغان، فعلى العلمانيين العرب أن يتعلموا أيضاً من علمانيي تركيا، وألا يضعوا العصي في عجلات الحكومات الإسلامية بطريقة صبيانية شلت الحياة الاقتصادية، وعكرت صفو الشعوب، وأثرت على لقمة عيشها في بلاد مثل مصر وتونس، وجعلتها في حيرة من أمرها كي لا نقول شيئاً آخر.

منقول عن بوابة الشرق

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

الرفيق ماركس‎

( لكي تفهم الأمور بشكل جيد …. فتش عن المستفيد ) .

ولهذا سأبدأ من البيئة التي ولد فيها كارل ماركس .. ثم أشرح سيرته الذاتيه لأعود بعدها الى البيئة التي تركها بعد وفاته .

استقلت الولايات المتحده الأمريكيه في 4 يوليو / تموز 1776 ودخلت الى ساحة الصراع الدولي تبحث عن مناطق للنفوذ , لكن ذلك لم يكن سهلا بوجود امبراطوريات استعمارية كبرى مثل بريطانيا وفرنسا واسبانيا والبرتغال وألمانيا , لذلك بدأ الأمريكان ( بتصدير ثورتهم ) الى أوربا وهكذا وقعت الثورة الفرنسيه التي ابتدأت سنة 1789 وانتهت تقريباً سنة 1799 مغيرة وجه أوربا وفاتحة الطريق لتصدير المصالح الأمريكية الى أصقاع الأرض المختلفه .

بعد حوالي عشرين عاما ً من هذه الأوضاع السجال ولد كارل ماركس عام 1818 في عائله غنيه من الطبقة المتوسطه وعلى الرغم من أن ماركس وكل ما دعا له من أفكار ظل مجهولاً نسبياً أثناء حياته إلا أن الماركسية بدأت تغزو العالم بعد وقت قصير من وفاته وأعزو هذا الى سبب واحد قوي ومؤثر هو استعمال الأمريكان لهذه الماركسيه كأداة ( لتصدير الثورات ) بشكل عابر للقارات يعلو فوق الحدود والحواجز والنظم من أجل تكسير الإشكال القائمة الموجوده وإحلال أشكال جديده تكون فيها منفعة للمصالح الأمريكيه وكما سنرى , فقد أدت هذه الماركسيه الى تأسيس الإتحاد السوفييتي عام 1922 , والى تأسيس الصين الشعبيه عام 1949 حيث تعتبر نظرية ماركس هي المؤديه الى ( اللينينيه ) و( التروتسكيه ) و ( الماويه ) ويعد ماركس و ( أميل دوركهايم ) و ( ماكس فيبر ) أهم ثلاث شخصيات رائده في مجال العلوم الإجتماعية الحديثه .

ولد كارل ماركس عام 1818 في بروسيا ( ألمانيا النمساويه ) مقاطعة جنوب نهر الراين متحدراً من جهة الأب من عائلة يهوديه من حاخامات اليهود ويعتقد أن والده هو واحد من أوائل من تلقوا تعليماً علمانياً , أما جده من ناحية أمه فقد كان حاخاماً ألمانياً .

والد كارل كان يملك عدة مزارع للكروم , لكنه وبسبب يهوديته كان يعد من غير المنتفعين إقتصاديا أو قانونياً ولهذا السبب فقد ترك اليهودية وإعتنق المسيحية البروتستانتيه مغيرا إسمه الى ( هنريش ) بعد ان كان في اليهودية يدعى ( حسقيل ) وبدأ العمل في المحاماة تلك المهنة التي كان سيحرم منها لو بقي على يهوديته , وفي عام 1819 نقل عائلته من شقه ذات خمس غرف الى دار به عشر غرف قرب ( بورتا نيجرا ) وكان الأب معجباً بفلسفة الفيلسوفين ( عمانويل كانط ) و ( فولتير ) وكان يعمل من أجل الدستور والإصلاح في بروسيا .

لا يعرف إلا القليل عن طفولة كارل ماركس حيث تم تعليمه بشكل خاص حتى عام 1830 ودخل الى المدرسة الثانويه التي كان يديرها صديق لوالده كان قد عين فيها العديد من الليبراليين كمعلمين مما أغضب السلطات التي داهمت المدرسة عام 1832 بعد إكتشافها ان هؤلاء المعلمين ينشرون الأفكار السياسيه الليبرالية بين الطلاب .

عام 1835 وكان ماركس في السابعة عشرة من عمره دخل الى جامعة بون حيث رغب دراسة الفلسفه والآداب لكن والده أصر على دراسته للقانون كتخصص عملي , وحين اصبح عمره ثمانية عشر عاما ً تمكن من التخلص من الخدمة العسكريه بسبب متاعب يعانيها في صدره , ولولعه في شرب الكحول فقد انتسب الى أحد نوادي شرب الكحول في مدينته وعمل في نفس النادي كنائب لرئيس النادي , وكان مهتماً بشرب الخمر والعلاقات الإجتماعية أكثر من إهتمامه بدراسة القانون وبسبب ضعف معدلاته فإن والده أجبره على الإنتقال الى دراسة أكثر جدية وأكاديميه في جامعة برلين حيث قل إهتمامه بالقانون وولع بدراسة الفلسفة والتاريخ .

عام 1836 تمت خطوبة ماركس الى ( جيني فون ويستفالين ) وهي أميره بروسيه من الطبقة الحاكمه فسخت خطوبتها من ملازم ثاني من الطبقة الأرستقراطيه لكي يخطبها ماركس , وكان زواجهما مثيراً للجدل بكسره إثنين من المحرمات في تلك الفتره : التصاهر بين الطبقة الحاكمة والمتوسطه , وبين رجل يصغر كثيراً المراة التي إقترن بها , وكان الذي سهل عملية هذا الزواج تلك الصداقة بينه وبين والد عروسته المفكر الليبرالي الأرستقراطي الذي أهداه ماركس موضوع أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه , وبعد الخطوبة بسبع سنوات تم الزواج عام 1843 .

خلال هذه الفتره كان ماركس مفتوناً بفلسفة هيغل ( 1770 _ 1831 ) الذي انتشرت افكاره بقوه بين طبقات المتفلسفين الأوربيين تلك الفتره , وسرعان ما تحول الإفتتان الى عدم اتفاق مع آراء هيغل حيث كتب ماركس (( مع شديد الإمتعاض اضطررت الى عبادة وثن من أفكار أمقتها )) ثم إنضم الى جماعة من المفكرين الراديكاليين تعرف بإسم ( الهيغليين الشباب ) تجمعوا حول الفيلسوفين ( لودفيك فيرباخ ) و ( برونو باور ) وكان شباب هذه المجموعة مثل ماركس ينتقدون أفكار هيغل وفرضياته الميتافيزيقيه لكنهم مستمرون في اعتماد منهجه الجدلي في نقد المجتمع القائم والسياسة والدين .

كان ماركس قد أصبح صديقاً حميما ً ل ( برونو باور ) حيث تعرض الإثنان الى موجة نقد إجتماعي لاذع في بون بسبب سكرهما وعربدتهما وضحكهما في الكنسية وتسابقهما في الشوارع على ظهور الحمير . وكانت معظم أعمال ماركس في تلك الفتره تتركز على نقد أفكار هيغل وبعض من رفاقه الهيغليين الشباب .

وجد ماركس في نفسه موهبة الكتابه وهكذا في العام 1837 صدرت له روايه قصيره عنوانها ( فيلكس والعقرب ) ومسرحيه وبعض القصائد لم تنشر جميعها لأنه سرعان ما ترك هذا النوع من الكتابه وإتجه الى تعلم اللغتين الإنكليزيه والإيطاليه وبدأ في كتابة أطروحته للدكتوراه المعنونه ( الفرق بين طبيعة الفلسفه الديمقراطيه والأبيقوريه ) حيث أنهاها عام 1841 وحين تعرضت الى النقد من قبل أساتذة جامعة برلين بوصفها ( أطروحه جريئه ومبتكره تظهر بأن على اللاهوت أن يستسلم الى حكمة فلسفة أكثر تفوقاً ) ولهذا حمل ماركس أطروحته وقدمها الى ( جامعة يينا ) الأكثر ليبرالية حيث منحته عنها شهادته في الدكتوراه .

رغم ولع ماركس بالعمل الأكاديمي إلا أنه إتجه للعمل في الصحافه , ذهب الى كولون عام 1842 وعمل في احدى الصحف مستعرضاً افكاره الإشتراكيه , وفي هذه الصحيفه لم ينتقد حكومات اوربا وسياستها فقط , ولكن حتى الليبراليين وبقية الجماعات المنضويه تحت تسمية ( الحركات الإشتراكيه ) التي أعتقد بأن أفكارها ستفضي الى مناهضة الإشتراكيه .

جذبت الصحيفه انتباه الرقيب الحكومي البروسي الذي بدأ بقراءة كل مادة فيها قبل التصريح بالنشر ولهذا وصف ماركس ذلك بقوله (( صحيفتنا يجب أن تقدم الى الشرطه لتشمها فإن شمت الشرطه أي رائحه غير مسيحيه أو غير بروسيه فلن تسمح للصحيفة بالظهور )) وبعد نشر الصحيفه مقالاً لماركس ينتقد بشده النظام الملكي المطلق في روسيا والقيصر الروسي نيقولا الأول الذي كان حليفاً للنظام الملكي البروسي طلب القيصر من حكومة بروسيا منع الصحيفه فتم إغلاقها عام 1843 .

ثم كتب ماركس في صحيفة تعود لجماعة ( الهيغليين الشباب ) منتقداً الرقابه على الصحف التي وضعها الملك البروسي ( فريدريك وليام الرابع ) مما أدى الى إغلاق الصحيفة ايضاً في العام 1843 . بعدها كتب ماركس في مشكلة اليهود وميز بين السياسة وحقوق الإنسان والدور الذي يلعبه الدين في بناء المجتمع حيث كتب في هذا الفتره تصريحه الشهير ( الدين أفيون الشعوب ) وذلك قبل مغادرته كولون بفترة قصيره .

بعد إغلاق الصحيفه بفترة قصيره التحق ماركس للعمل في صحيفة أصدرها ثوري اشتراكي ألماني يدعى ( أرنولد روج ) وكانت تصدر من باريس التي انتقل اليها ماركس وزوجته بعد زواجهما مباشرة في 1843 وعاشا مع روج وزوجته لكنهما وجدا الحياة صعبة مع الغير ولهذا فحالما ولدت ابنتهما جيني إنتقل ماركس وعائلته الى سكن مستقل .

على الرغم من أن الصحيفه كانت مصممه لجذب الكتاب من فرنسا والولايات الألمانيه إلا انها اجتذبت كاتباً روسيا يعيش في المنفى هو ( الشيوعي الأناركي ) ميخائيل باكونين وكانت صحيفة ناجحه نظراً لنشرها قصائد الشاعر هنريش هاينه الساخره ضد الملك لودفيج ملك بافاريا مما أدى الى جمع نسخ هذا الصحيفه ومصادرتها من قبل الشرطة الألمانيه .

عام 1844 تعرف ماركس على الإشتراكي الألماني فريدريش أنجلز في أحد المقاهي واستمرت صداقتهما الى نهاية العمر , أهدى أنجلز الى ماركس في هذا اللقاء كتابه الذي نشره حديثا وعنوانه ( حالة الطبقة العامله في إنجلترا عام 1844 ) .

عام 1844 كتب ماركس كتاب ( المخطوطات الإقتصاديه والفلسفيه ) وضم العديد من المواضيع شرح فيها ماركس فرضياته عن العمالة المغتربه , وبعد عام واحد كتب ( رساله عن فيورباخ ) وأصبح الكتاب مشهوراً بسبب قوله (( يفسر الفلاسفة العالم من أجل تغييره )) ويحتوي العمل على نقد ماركس التأملي للماديه , وانتقاده للمثاليه وأسلوب وضع الحقائق المجرده مثل إشارات فوق عالم مادي , وفي هذا الكتاب تحدث ماركس للمرة الأولى عما سيدعى لاحقاً ( مادية ماركس التاريخيه ) وأن العالم لا يتغير بالأفكار وإنما بالعمل المادي الفعلي والممارسه .

بعد إغلاق صحيفة ارنولد روج بقي ماركس في باريس وأخذ يعمل في صحيفة أخرى أسستها وتديرها (الرابطه الثورية الإشتراكية للعداله ) والتي عرفت فيما بعد بإسم (الرابطه الشيوعيه ) وفيها نظم ماركس أفكاره الإشتراكيه حول الهيغليه والفيورباخيه والماديه الديالكتيكيه وانتقد خلال هذا الفترة العديد من الليبراليين والإشتراكيين في أوربا , وبوصولنا الى عام 1845 قامت الحكومه الفرنسيه وبعد تسلمها طلباً من ملك بروسيا بإغلاق الصحيفة التي يعمل فيها ماركس وقام وزير الداخلية الفرنسي بطرد ماركس من فرنسا .

غير قادر على البقاء في فرنسا وغير قادر على العودة الى ألمانيا _ لذلك فضل ماركس الهجرة الى بروكسل في بلجيكا ولكن بعد إجباره على كتابة تعهد بعدم نشر أي شيء ينتقد السياسه قبل الدخول الى بلجيكا . وفي بروكسل إنضم ماركس الى مجموعة الإشتراكيين المنفيين وسرعان ما لحق به انجلز .

عام 1845 قام ماركس وانجلز بزيارة ( الچارتيين ) وهم حركه اشتراكيه مقرها لندن , واستغلا المناسبة للقراءة في مكتبات لندن ومانشستر.

وبالتعاون مع أنجلز تمكن من إنجاز كتابه ( الماديه التاريخيه ) و ( الفكر الألماني ) الذي لم ينشر في حياته , ثم أعقبهما بكتاب ( فقر الفلسفه ) عام 1847 وهو نقد للإشتراكيين الفرنسيين بشكل عام ورد على الشيوعي الأناركي الفرنسي ( بيير جوزيف برودن ) في كتابه المعنون ( فلسفة الفقر ) .

بعد ذلك نشر الكتاب الذي جلب الشهرة لماركس وأنجلز ( البيان الشيوعي ) الذي صدرت طبعته الأولى في 21 شباط 1848 حيث تأثر به أفراد الرابطه الشيوعيه الذين قال ماركس إن عليهم أن يجعلوا أهدافهم وأفكارهم معلنة للناس وعدم إخفائها .

الأسطر الإفتتاحيه للبيان الشيوعي أوضحت المباديء التي تقوم عليها الماركسيه وهي : إن تاريخ المجتمع هو تاريخ الصراع الطبقي فيه , وان هذا الصراع مستمر وقائم على تضارب المصالح بين البرجوازيه ( أغنياء الطبقة المتوسطه ) والبروليتاريا ( طبقة الشغيله الصناعيه ) كما ناقش : لماذا الرابطة الشيوعيه وعلى العكس من الأحزاب السياسيه الإشتراكية الأخرى تتصرف حقاً في مصلحة البروليتاريا للإطاحة بالمجتمع الرأسمالي وإستبداله بالإشتراكي .

في نفس العام 1848 إندلعت شرارة الثوره الأوربيه في فرنسا وأدت الى الإطاحة بالحكومه وتأسيس ( جمهورية فرنسا الثانيه ) التي رأس وزراءها ( لويس بونابرت ) الذي قام بعد أربع سنوات من ذلك بتتويج نفسه وإعلان فرنسا إمبراطوريه , ومن فرنسا عمت الثورة جميع أرجاء أوربا .

كان ماركس داعما لنشاط الثوره ليس في فرنسا وحدها , فحين وصله ميراثه من والده وكان مبلغ 6 آلاف فرنك يعد ضخماً ذلك الوقت استخدم ثلث المبلغ لتسليح ماركسيين بلجيكيين يخططون القيام بقلب نظام الحكم في بلجيكا , وحين علمت الحكومة البلجيكية بذلك وكان هو مقيماً على أراضيها في بروكسل فقد حاكمته وزارة العدل واجبرته على مغادرة بلجيكا فذهب الى فرنسا حيث اعتقد أنه سيكون آمناً في ظل حكومتها الجديده .

حالما وصل الى باريس افتتح فيها مقراً جديداً للرابطة الشيوعيه , كما فتح نادي للشغيلة الألمانيه مع مجموعه من الإشتراكيين الألمان الموجودين في باريس وطامحاً الى نشر الثورة في كل أوربا . وفي نفس العام 1848 عاد الى كولون في ألمانيا وبدأ بتوزيع منشور يطالب بتأسيس حزب شيوعي في ألمانيا من أجل الإطاحة بالعائلة المالكه الأرستقراطيه , ثم ساعد احدى الصحف من المال الذي ورثه عن والده فبدأت تنشر له على صفحاتها وأعتمادا على مراسليه الماركسيين في مختلف دول أوربا أصبح واحداً من كتاب الصحيفه الرئيسيين .

أثناء الكتابة في هذه الصحيفه كان دائم التعرض لتحرش الشرطه وتعرض للتحقيق عدة مرات وتمت محاكمته حين دعا الى الإمتناع عن دفع الضرائب الحكوميه , في هذه الأثناء إنهار البرلمان الديمقراطي البروسي فقام الملك فردريك وليم الرابع بدعوة انصاره من الرجعيين لتشكيل حكومة جديده تعمل على ابعاد العناصر الثوريه والإشتراكية من البلاد , ولهذا تم تضييق الخناق على ماركس وأمر بمغادرة البلاد فعاد الى باريس التي كانت ذلك الوقت مجتاحه بوباء الكوليرا وتم طرده منها من قبل الحكومة بإعتباره مثيراً للفتن والمشاكل , لذلك قام مع زوجته التي كانت على وشك انجاب الطفل الرابع بالسفر الى لندن في شهر مايس 1849 وعاش كل ما تبقى له فيها .

إفتتح في لندن مقراً للرابطة الشيوعيه , وعمل بشكل مكثف مع الشغيلة الألمانيه في لندن حيث كانت اجتماعاتهم تتم في قلب لندن في حي سوهو وفي هذه المرحله نذر ماركس نفسه لشيئين : التنظيم الثوري لمختلف فئات الناس , ومحاولة فهم الإقتصاد السياسي والرأسماليه , وفي هذه الفتره كان مصدره الوحيد للعيش الإعتماد على ثراء صديقه أنجلز , وعمله الذي أشك بماهيته كمراسل لصحيفة نيويورك تربيون الأمريكيه , فقد بحثت للأطلاع على أعماله لهذه الصحيفه وهل كان يراسلهم بمواضيعه الثورية التي يكتبها في الصحف الأوربيه أم يراسلهم فقط بأخبار أوربا فلم أعثر على شيء , لكن الشيء المهم الذي يثبته هذا العمل هو أنه كانت للأمريكان علاقة وطيده مع ماركس ستدفعه الى عمل آخر في المستقبل حين سيشعر بالتهديد .

بين عامي 1851 و 1852 نشر كتاب ( 18 برومير لويس نابليون ) تحدث فيه عن الثوره الأوربيه التي اندلعت شرارتها في فرنسا عام 1848 وكيف كانت ( صراعاً طبقياً ) وكيف أن دكتاتورية البروليتاريا أطاحت ببرجوازيه الدوله .

خمسينات وستينات القرن التاسع عشر كانت الحد الفاصل بين ماركس الهيغلي الشاب وبين ماركس الناضج الأكثر عملية ويتفق على هذا جميع الدارسين للفكر الماركسي الهيغلي .

عام 1864 أصبح رئيساً للجمعيه الدوليه للعاملين من أجل الشغيله وتعرف ب ( الأمميه الأولى ) ومن خلال الأممية الأولى ناضل ضد جناح الأناركيه الذي تشكل حول الروسي ميخائيل باكونين , ففي عام 1868 إنضم باكونين الى جناح جنيف من الأممية الأولى وكان نشيطاً للغايه وله الدور الفعال في فتح فرعي الأمميه في اسبانيا وإيطاليا , لكن ماركس طرد باكونين وأتباعه من الأمميه خلال مؤتمر الأمميه في لاهاي عام 1872 .

نقطة الخلاف بين باكونين وماركس أن الأول كان يدعو الى إلغاء الدوله والرأسماليه وترك الناس ينظمون أمورهم فوضوياً وينتقد ماركس في دعوته الى أن تستولي الطبقة العامله على مقاليد الحكم موضحاً له أن هذا سيؤدي الى الحكم الشمولي واستبداد حكومة الطبقه العامله وتحولها الى بديل عن البرجوازي المتحكم بالمجتمع . والأيام والتجربه قد أثبتتا صحة كلام باكونين عن الحكم الشمولي وإستبداد الطبقة العامله في كل الدول التي طبقت الماركسيه فأفقرت شعوبها ولم تحقق لهم السعاده المنشوده .

وعلى الرغم من تغلب ماركس على باكونين إلا انه وحفاظاً منه على منظمته الماركسيه , فضل نقل مقر الأممية من لندن الى نيويورك عام 1872 معتقداً أن بإمكانه تأسيس ( أممية موسعه ) تضم طبقة الشغيلة الأوربيه والأمريكية معاً .

الحدث الأهم الذي وقع خلال فترة وجود الأممية في أوربا هو ( كومونة باريس ) حين ثار سكان باريس ضد حكومتهم وإحتلوا المدينة مدة شهرين عام 1872 وقد كتب ماركس عن ذلك واحداً من أشهر كراساته ( الحرب الأهلية في فرنسا ) .

نظراً للفشل المتكرر والإحباط من الثورات والحركات العماليه , سعى ماركس الى فهم الرأسماليه وانفق من وقته الكثير للقراءة في مكتبة المتحف البريطاني , وبحلول عام 1857 كان قد كتب ما يزيد على 800 صفحه من الملاحظات والمقالات القصيره عن رأس المال , الملكيه , العماله المأجوره , تجارة الدوله الخارجيه , الأسواق العالميه .

عام 1859 نشر كتاب ( مساهمه في نقد الإقتصاد السياسي ) وهو الجزء الأول من كتابه المتسلسل في الإقتصاد . وفي ستينات القرن التاسع عشر عكف على تأليف ثلاثة أجزاء ضخمه من كتاب ( نظريات فائض القيمه ) ناقش فيه منظري الإقتصاد السياسي ( آدم سميث ) و ( ديفيد ريكاردو ) .

عام 1867 صدر الجزء الول من كتاب ( رأس المال ) الذي حلل فيه إجراءات الرأسماليه الصناعيه على ناتج العمل وناقش فكرة أن الإستغلال يؤدي الى خفض معدل الأرباح وبالتالي انهيار الرأسماليه .

بوصولنا الى ديسمبر عام 1881 توفيت زوجته وكانت صحة ماركس في اعتلال تام حيث عانى من نزلة صدريه مدة 15 شهر تحولت الى نزله شعبيه والتهاب ذات الجنب الذي قتله في 14 آذار 1883 في لندن , ولم يحضر جنازته غير تسع أشخاص .

رغم أن ماركس حين نقل الأممية الى نيويورك كان يظن أنه سيتمكن بها من تأسيس أممية موسعه تضم الشغيلتين الأوربيه والأمريكيه , إلا أن تصوره لم يكن في محله , فالحكومة الأمريكيه التي كانت تدعم التنظيمات الشيوعيه خارج أراضيها بشكل أو بآخر .. كانت تناهض التنظيمات الشيوعيه والإشتراكية والأناركية فوق أراضيها , ولهذا فلم تتمكن التجمعات الشيوعيه من تأسيس حزب إلا بعد 47 عام من نقل الأممية الى نيويورك حيث تمكن الشيوعيون الماركسيون واللينينيون والإشتراكيون والأناركيون ( مجتمعين ) من تأسيس الحزب الشيوعي الأمريكي عام 1919 إنضوت تحت لوائه جميع التيارات التي ذكرناها .

وكان هذا الحزب ماركسياً لينينياً وكان تأسيسه رد فعل على نجاح ثورة اكتوبر الإشتراكيه في روسيا وضم في عضويته نصف مليون منتمي , غير أن هذا العدد وبسبب ضغط الحكومه أخذ في التناقص , وبوصولنا الى عام 1957 كان العدد قد تضاءل الى 10 آلاف منتمي محذوف منهم 2000 شرطي فيدرالي مندسين في الحزب بملابس مدنيه يبقى صافي العدد 8 آلاف شيوعي أمريكي .

على العكس من ذلك ما وقع في اوربا , قلنا أن ماركس نقل مكاتب الأممية الأولى الى نيويورك عام 1872 لكن التجمعات الإشتراكيه والشيوعيه والأناركيه الأوربيه تمكنت من تنظيم أنفسها لتأسيس الأمميه الثانيه في باريس بتاريخ 14 تموز 1889 .

وضمت في عضويتها أحزاباً شيوعيه من عشرين بلداً , ومن انجازات الأممية الثانية المعمول بها الى حد اليوم : ا أيار عيد العمال العالمي , 8 آذار يوم المراة العالمي , تحديد ساعات العمل ب 8 ساعات في اليوم فقط وتم حل الأممية الثانيه عام 1916 .

فلاديمير لينين عضو في الأممية الثانيه منذ عام 1905 , في الموضوع المقبل سأكتب عن أهمية وقوع الحرب العالمية الأولى خدمة للمصالح الأمريكيه , ومن هو فلاديمير لينين وما فائدة الأمريكان من وصوله هو بالذات الى سدة الحكم دون جميع نظرائه الشيوعيين .ميسون البياتي – مفكر حر؟

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

المرأة العربية في اليوم العالمي للمرأة

في 8 آذار من كل عام تحتفل هيئة الأمم المتحدة بيوم المرأة العالمي. يتزامن مع مؤتمر تعقدة لجنة الأمم المتحدة المعنية بوضع المرأة في العالم في مقرها في نيويورك.. تتشارك في هذا المؤتمر السنوي وفود نسائية تمثّل منظمات العمل المدني والمنظمات غير الحكومية من جميع اقطار العالم لإعادة النظر في وضع المرأة وللتحقق من الإنجازات التي وعدت بها الأمم المتحدة في مؤتمر بكين لتمكين المرأة.. وأيضا مدى إلتزام الدول الموقّعة على إتفاقيات عدم التمييز وتمكين المرأة بما وعدوا بالقيام به.

الخطاب الذي تبنته هذه المنظمات لهذا العام. كان عنوانه.. إنهاء جميع أشكال العنف ضد المرأة والطفلة وحق جميع النساء في التحكم في جميع الأمور المتعلقة بصحتهن الجسدية والنفسية.

لنبدأ بالإعتراف بأن أكبر العوائق التي تواجهها المرأة العربية..خليط غير متساوي من الثقافة الدينية الذكورية والعرف والتقاليد.. وفي القرن الحادي والعشرين جاء الإسلام السياسي ليسيطر عليها وليعجزها.. بحيث أعطى دستورية وحق لتعلل الحكومات العربيه بحماية الخصوصيه الثقافيه والتقاليد الاجتماعيه من أي قرارات دولية.. هذه العقبة التي ساهمت المرأة فيها بإنتخابها لنواب الإسلام السياسي.. فسيطرة الإسلام السياسي اليوم تستند إلي الشريعة الإسلامية بالنسبة للمرأة، التي تعتبر أن ضربها مباحا.. وتدخل في جدل فقهي حول مدى قوة هذا التأديب والضرب.. وأن قهرها حلال لأن تعدد الزواجات ’محلل أيضا.. وأن عدم مساواتها في ميراث الأبوين أيضا مشروع إضافة إلى عدم تأهيلها معنويا بالإعتماد على النفس.. إضافة إلى أن شهادتها غير مقبولة إلا إذا كانتا إثنتين.. لأنها أصلا وكما هو مفهوم الإسلام السياسي فهي ناقصة عقل ودين..

يأخذ العنف ضد المرأة أشكالا متعددة.. وبالتأكيد أن بعضه موجود في كل العالم ولكن الغريب أن أشكال العنف التي يبررها الإسلام السياسي قضائيا.. والذي تتعرض له المرأة في المجتمعات العربية إضافة إلى الإنتهاكات السابقه.. تبيحها التشريعات القضائيه المحكومة بإجتهادات فقهية بشرية وتستند وتعزز الثقافة الدينية والإجتماعيه التي ترّسخ لإنتهاك حقوق المرأة..

1- إعتبارها من ممتلكات الرجل وليس كائنا حرا.. وبالتالي إعطاء أي ذكر في العائلة حق الولاية عليها.. ومن هذا المنطلق , ينتهك القانون القضائي حقها حين لا يجرم الرجل (قريبها ) في حال الإعتداء عليها كما حصل مع رجل الدين السعودي الذي إغتصب طفلته ذات الأربعة أعوام وقتلها.. فتحت تبرير لا يؤخذ الوالد بولده قضت المحكمة بتغريمه بدفع الدية.. لولا تدخل الملك السعودي في القضاء وإبقائه مسجونا ؟؟؟

2- تواطؤ قانون العقوبات الذي يخلص الرجل المغتضب من عقوبته في جريمة الإغتصاب بإعفائه من الملاحقة الأمنية في حال تزوج من الضحية.. أي إعطائه مبررا شرعيا لإغتصابها مرات اخرى وكأنها ليست بشر بأحاسيس؟؟

3- سلبها الحق في حضانة أولادها في حال تزوجت مرة اخرى.. بحيث تقع المراة بين نارين.. نار دفن شبابها بينما يتمتع الزوج بالزوجه الثانية…. ونار الإحتراق لفراق أولادها الذين قد يكتووا بزوجة الأب !!

ومرة أخرى ’تسلب من الحضانه حين يبلغ الأطفال السابعة… وضاع بريق شبابها.. ولا يترك للطفل حق الإختيار !!!

4- جعل الطلاق قرار سيادي للرجل في حال عقم الزوجة.. بينما ’يرفض طلبها إن كان هو عاقرا وتضع العراقيل في طريقها.. وفي حال طلبت الخلع. عليها التنازل عن كل حقوقها المادية..,ترى كم من إمرأة تستطيع الإنفاق على نفسها بحيث تخلع هذا الزوج. ألا تعتقد معي بأن هذا الخلع يؤسس لعدم المساواة وعدم العدالة بين النساء.. ألا يعتبر هذا القانون إنتهاكا صارخا لروح القانون المفروض فيها العدالة والمساواة !!!

5- أليس هناك تناقضا.. بين مقولة أن الإسلام أعطى للمرأة حرية العمل وذمة مالية خاصة.. بينما يريد مؤسلموا الإسلام السياسي عودتها وإجبارها على المكوث في البيت.. لتطبيق الآية.. ” وقرن في بيوتكن ” التي تؤكد بأن إستخدام مالها لا يكون الا عبر محرم لأنها ملزمة بالنص ؟؟؟ 

تحفظات العالم العربي..بقيادة رجال الدين على إتفاقية سيداو وعلى القرار الذي تعمل عليه النساء في الأمم المتحدة لوضع حد جذري للعنف ضد المرأة وحقها في الصحة الجسدية والنفسية… يسنده فقهاء الدين إلى أن أي تغيير في وضع المرأة تعدي على النظام الأسري والأخلاقي الذي وضعه الله لحماية هذا الكون..وأن نية المجتمع الدولي هدم النظام الأخلاقي في الدول التي تعتنق الإسلام… وأن بعض من هذه البنود تدخل من باب تحريم حلال ؟؟

يقولون بأن هذه القرارات الدولية……

تنفّر من الزواج المبكر والذي هو محلل شرعا.. وتريد وضع قوانين لمنع هذا الزواج ؟؟

أليس زواج القاصرات يتعارض أخلاقيا مع أي دين ؟؟ ألا يشكل ظاهرة إجتماعية خطيرة تشكل خطرا على المرأة والمجتمع لما له من تأثيرات صحية ونفسية على بناء أسرة سوية.. فالطفلة التي تتغرض لمثل هذا الإغتصاب.. لا يمكن أن تسمح لها حالتها النفسية ببناء أسرة سوية

أليس مثل هذا الزواج.. خاصة ومع وحشية الزوج الذي يكون أكبر سنا في معظم الأحوال ’يعرضها للعنف الجسدي.. وهناك شواهد عديدة على وفاة طفلات من جراء نزفهن في تلك الليلة…

أليس زواجها جريمة في حق المجتمع لصغر سنها وعدم قدرتها على تربية جيل ؟؟؟ 

هذه القرارت الدولية تحرّم الختان..

أليس ما ينادي به فقهاء الإسلام السياسي بختان المرأة إنتهاك صارخ لحقها في الصحة ؟؟؟؟ وإنتهاك صارخ لحقها في المتعة الجنسية ؟؟؟

هذه القرارات الدولية تبيح التعليم المختلط.. أليس العزل القائم بين الرجال والنساء أدى إلى تشويهات مجتمعية أدت إلى التحرش الجنسي والإغتصاب الجماعي وغيرة من الجرائم المجتمعية ؟؟؟

أليس الإختلاط العادي أحصن لكلا الطرفين بحيث تختفي غريزة حب الإستطلاع. 

هذه القرارات الدولية

تنادي بتقديم الثقافة الجنسية في المدارس بأن توفر للمراهقين المعلومات والخدمات المناسبة المتعلقة بالعلاقة الجنسية… ألا يدخل من ضمن حماية الفتاة من التحايل الذكوري وفض بكارتها مما يعرضها إلى قتل الشرف.. أو التعرض لحمل جنين لا يقبله المجتمع ويعتبرة إبن حرام ؟؟؟؟

هذه القرارات الدولية

تحث الحكومات على نشر وسائل منع الحمل.. للقضاء على الحمل غير المرغوب فيه.. ووضع سياسات حكومية لتشجيع التأخير في الإنجاب…

سؤالي..أليست الدول العربية بحاجة إلى تنظيم الإنجاب نظرا لإرتفاع معدلات الفقر والبطالة… ألا تشكل الزيادة السكانية عبئا على الموارد.. وعلى معدلات التنمية الإجتماعية والإقتصادية والأهم أيضا الثقافية..!!!

ألم تقم انديرا غاندي بوضع حد للزيادة السكانية في الهند لتتلاءم مع مواردها وإمكانياتها بإجبار الرجال على القيام بعملية التعقيم.. والنتيجة كانت إنتقال الهند من دولة فقيرة إلى إحدى أكبر الدول المنتجه في العالم..والخروج من الفقر..

ألم تقم الصين بتحديد النسل خلال مرحلة معينة وقصرته على إنجاب طفل واحد.. وغيّرت هذه السياسة حين أصبحت أكبر دول العالم في الإنتاج.. وجعلته طفلين..

نعم هناك بعض من الصور المشرقة لبعض من النساء العربيات. ولكنها لا تعبر عن صور مشرقة لمجتمع يريد الحياة والتعايش مع ما حولة…. لأن هذه صور النخبة القادرة على فهم المتغيرات العالمية.. وفهم أن تمكين المرأة لا يتم إلا بتمكينها تعليميا.. وماديا بحيث لا تكون عالة على أي رجل مهما كانت درجة القرابة..

وأن الحكومة مشؤولة أخلاقيا على امكين المرأة الغير قادرة ماديا وثقافيا وأن تحترم خياراتها فيما إذا لم تعمل بحمايتها قانونيا ليس بمؤخر صداق.. ولكن بنصف الملكية.. إلا إذا كان هناك إتفاقا مسبقا بين الطرفين.

المجتمع الدولي باجمعة أيقن بأن لا طريق للأمن العالمي إلا بإحقاق العدالة للمرأة.. وأن أفضل طريقة لقياس تطور وتنمية أي مجتمع هي مدى تقدم ونهوض المرأة في هذا المجتمع بإعتبارة من المؤشرات الصادقة التي تعكس مدى تقدم المجتمع..

ونظرة واحدة إلى المجتمعات العربية تعكس حالة التخلف والفقر والبطالة وإنعدام التنمية…

إن تعلل الدول العربية بالخصوصية والسيادية في قراراتها بشأن المرأة ألغتة ثورة الإتصالات.. وألغته الحرب التي بدأتها القاعدة على العالم كلة.. حين كفّرت كل من هو غير مسلم..

أعود فأهيب بالرجل العربي.. بأن المرأه صانعة الحياة.. وسند الرجل في الحياة.. بدونها لا طعم للحياة.. بحبها ينبض القلب بالحياة.. بعدالة حقوقها تضمن الأمن في الحياة.. لنعمل معا على تمكين بناتنا وحمايتهن من عثرات الحياة..ليرفضن الركون للظلم.. بثقافة جديدة تستند إلى المساواة بين الذكر والأنثى ليكون الرجل حليف المرأة في نضالها لإحقاق حقوقها لأن العدالة لا يمكن أن تفرق بين الرجل والمرأة.

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

«عرض غير لائق»

dimimor

ديمي مور في عرض غير لائق

أمضيت عاما في قبرص، كانت جزيرة هادئة إلى درجة الملل. آمنة وبسيطة وكلفة الحياة فيها عادلة. وكان القانون فيها سيدالأحكام. وكان القبارصة يعتدّون ببلادهم ويخافون عليها. ومثل أهل الجزر في كل مكان، يحذرون الغرباء ويفضلون أن لا يروهم إلا سياحا عابرين. وكانت الليرة القبرصية أغلى عملة في العالم، كنوع من الاعتزاز رغم صغر الحجم. والقبارصة كانوا يفاخرون، ولو ضاحكين أو مضحكين، بأن ليرتهم أغلى من الليرة البريطانية التي استعمرتهم ذات يوم.

ثم سقط الاتحاد السوفياتي. ثم تفككت يوغوسلافيا. تدفق على الجزيرة الفاسدون وغسالو الأموال. يحكي فيلم «عرض غير لائق» لروبرت ردفورد قصة ثري يعرض على زوجة صبية مبلغ مليون دولار لقاء ليلة واحدة. ترفض في البداية ثم تبحث العرض مع زوجها ويقرران الرفض. لكن السوسة بدأت تنخر وإغراء المليون بدأ يمرمر حياة الزوجين. وفي النهاية تقبل المرأة، لكن كل شيء في حياتها يبدأ في الانهيار. قبرص قبلت العروض غير اللائقة وانقلبت حياتها كلها. واليوم تقف ذليلة عند أعتاب أوروبا تطلب إنقاذها. وأوروبيون يقولون: لا يمكن أن نساعد بلدا يغسل الأموال كالثياب الداخلية ويعلقها على السطوح.

تغير كل شيء في حياة قبرص. لم تعد بلدا هانئا ولا بسيطا ولا سعيدا بقناعته. صارت بلدا مثقلا بالديون. ازدادت أموال الناس وتضاءل كل شيء آخر. ومثل الزوجة في «عرض غير لائق» صارت قلقة في الليل ومهمومة في النهار.

قبرص التي عرفتها كان أهلها يرفضون بيع ثلاثة أشياء: الأرض والقانون والهيام بهذا البلد الصغير وكأنه القارة السادسة. كانوا «شوفينيين» مثل الآيرلنديين ومناصري الفريق الأهلي في مصر. وعاشوا يرفضون أن يدخل أحد بينهم وبين بلدهم. إلى أن وصل الصرب والروس ومعهم ذلك العرض غير اللائق. الفساد هو سوس الأمم.

بلدان أحببتهما: كينيا، التي كنت أعتقد أنها سوف تكون أجمل نموذج في القارة السمراء، فإذا الفساد يحولها إلى أسوأ النماذج في العالم. وقبرص، التي كان حماس أهلها لوطنهم نموذجا من الصعب تقليده، حتى في سويسرا أو آيرلندا أو ألمانيا. الفساد ينخر في الأمم دون توقف ودون تراجع ومن دون أي شفقة.

في «عرض غير لائق» يكون الزوجان في غاية السعادة والحب، لكنّ حادثا يجعلهما في حاجة إلى مبلغ 50 ألف دولار، فإذا بهذا الملياردير الكهل يطل ومعه عرض بمليون دولار. أخذا المليون، وفقدا كل شيء آخر.

‎سمير عطا الله – مفكر حر؟‎


Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, فكر حر | 2 Comments

لهفي على عيش مضى

لهفي على عيش مضى

ما ذقت أحلى منه شي

لما ذكرت عهوده

جرت الدموع وقلت أي

 ‎أحمد بن سعيد البوسعيدي – مفكر حر؟

Posted in الأدب والفن | Leave a comment