الخط الاعوج من الثور الكبير

ميخائيل سعد: زمان الوصل

كان عمي جرجي خبيراً في الفلاحة، يأتي إليه الفلاحون من قريتنا والقرى المجاورة كلما استعصت عليهم مشكلة يطلبون حلاً لها، علماً أنه لم يكن يملك أرضاً للفلاحة ولا زوجاً من البقر أو الحمير وهو أضعف الإيمان لمارسة الفلاحة. وعمي جرجي لم يكن يعرف القراءة والكتابة، وهو بالكاد كان قد حفظ عن ظهر قلب صلاة -أبانا الذي في السموات- ويحكي إن خوري الضيعة الذي كان يردد الصلاة أمامه كي يحفظها قد أصابه اليأس من إمكانيات عمي جرجي على الحفظ، فاستشاط غضباً أكثر من مرة وسب الدين أمام بعض اهل القرية ما خفف من احترام الناس له. ومما يزيد في الاستغراب أن حظوظ عمي جرجي، مع ذلك، كانت تنمو وتتكرس كخبير في الفلاحة مع الزمن، وكانت تلك السمعة الكبيرة تقف حاجزاً امام المشكك في خبرة الرجل.

خطر على بالي أحد الأيام، وكنت مراهقاً، أن أهجر حمص وصباياها، وأن أمضي صيفيتي في القرية، مسقط رأسي، يعني حيث سقط رأسي بمجرد خروجه من رحم أمي. ولما كنت بنظر أهل القرية ابن مدينة وأسكن فيها، فقد كانوا يعاملونني باحترام أكثر من احترامهم لشوفير البوسطة التي تمر مرة واحدة في اليوم باتجاه مصياف. واحترامهم لي لم يكن سببه كوني قد أنهيت الصف الأول في دار المعلمين وانتقلت إلى الصف الثاني عام ١٩٦٦، ولا بسبب ال(٨٠) ل س، راتبي الذي كنت أتقاضاه من الدولة لأنني طالب في دار المعلمين، وإنما لأنني ببساطة أسكن في المدينة، وكان هذا بحد ذاته يحيطني بسحر خاص، تكّون في ذهن الفلاحين عن المدينة والمعارف والقدرات العظيمة التي يملكها أبناء المدن مقارنة مع أبناء الريف، يكفي ذكر قصة الخبز الموجود في الأفران وسهولة الحصول عليه مقارنة مع عذابات المرأة في الريف كي تحضر الخبز للعائلة، بالإضافة للخرافات التي تنتشر بين الفلاحين عن المدينة، وكيف أن هناك دكاكين متخصصة، واحد للثياب وآخر للنجارة وثالث للحدادة، وهذه من الأسباب التي شجعت فيما بعد الريفيين على الهجرة للمدينة. وكان عمي جرجي من هؤلاء الفلاحين الذين يحترمون أبناء المدن أو سكانها، مثلي مثلاً. 

كنت قد سمعت، كما غيري، عن خبرات عمي جرجي في الفلاحة، وكيف أصبح مرجعاً في هذا المجال، فقررت تتبع قصة شهرته وذياع صيته في قرى المنطقة. قصدته بعد ظهر أحد الأيام، وكان جالساً أمام داره، في ظل الجدار الوحيد، القريب من كنسية مار جرجس، فسلمت وجلست بقربه. سألني عن صحة والدي وبقية أفراد العائلة وعن سبب وجودي في القرية. فقلت له: لقد ضجرت من ضجة المدينة ومجاملات الناس لبعضهم وقررت أن أستفيد من جودي في القرية لقراءة بعض الروايات، والاستماع لقصص الناس هنا، ومنها رغبتي في معرفة قصة شهرتك كخبير في الفلاحة، وخاصة بعد أن قال لي أبي إنك لم تكن في يوم من الأيام فلاحاً، ليس تعففاً، وإنما لفقر الحال، وإن أبي يظن أنك لا تملك حتى هذا اليوم عدة الفلاحة مثل: المحراث والصمد والمساس واللبادة والشرع، هذا عداك عن الدواب، أكانت بقراً أو حميراً لاستخدامها في الحراثة، فإذا كان كلام أبي صحيحاً، فكيف أصبحت خبيراً في هذا المجال؟

أصلح من جلسته، شاداً ظهره إلى الجدار، مد يده ليصلح وضع لبادته على رأسه، وكأنه أحد المعارضين أمام كاميرا التلفزيون، ثم مد يده إلى جيب شنتيانه (سرواله) وأخرج علبة دخانه المعدنية، لافاً سيكارة حموي فلت، وضعها بين شفتيه، قبل أن يخرج قداحته الفتيل، المربوطة بدكة شنتيانه، ويشعل سيكارته، مج سيكارته، ثم سعل قائلاً: خرجت أحد الأيام من البيت صباحاً، أفتش عن أي شيء للأكل. مشيت قليلاً في زواريب الضيعة ثم توجهت إلى الحقول، فالموسم هو موسم الفلاحة ولا أحد في البيوت. وجدت (أبو حنا) وعائلته في حقلهم الكبير، والصراخ يعلو من هنا وهناك، فسلمت وجلست على أمل أن أتناول معهم كسرة خبز. كان أبو حنا وراء المحراث الذي يجره ثور وحمار، وما إن وصل إلى نهاية الحقل حتى علا صراخ الجميع إن الخط مائل، والمقصود طبعا خط الفلاحة، وليس خط المخبر، كاتب التقارير. لم يرد أبو حنا على صراخ العائلة وأمر دوابه بالدوران ليحرث خطاً آخر، عندها بأن العور والميل في الخط فتوقف الرجل وقام بتغيير الحمار، ووضع بدلاً عنه بقرة ضعيفة، فكانت النتيجة مشابهة: الخط دائماً أعوج. مرة جديدة قام أبو حنا، وهو يكفر، بتغيير البقرة الضعيفة بثور صغير العمر، وما إن بدا بالحراثة حتى بدا واضحاً ميل الخط باتجاه الثورالقوي الكبير، عندها وقفت صارخاً: يا خيي بو حنا الغلط من التور الكبير. توقف الرجل وقام بتغيير الثور الكبير واضعاً مكانه ثوراً صغيراً مثل الآخر، ثم تابع الفلاحة فكانت النتيجة سليمة وأصبحت الخطوط متوازية.

تابع عمي جرجي قائلاً، بعد أن جدد سيكارته وأشعلها بقداحته العجيبة: أكلت يومها حتى شبعت. وكنت كلما توقفت يلح أبو حنا علي كي أتابع الأكل وهو يقول: الغلط دائماً من التور الكبير. وذهبت مثلاً في القرية والقرى المجاورة. وبدأ الناس يتوافدون لاستشارتي في مشاكلهم الزراعية، حاملين معهم ما تيسر من المواد الغذائية، وكنت أتعلم من قصصهم، وأرويها لآخرين، فكان منها ما يصح ومنها ما يعطي نتائج سيئة، وفي هذه الحالة كان الناس أنفسهم يبررون لي الأخطاء وينسبونها إلى عبقريتي الخاصة التي تعجز عقولهم عن معرفة خفاياها. وهكذا بدأ الناس يطلبون مني التدخل في حياتهم الشخصية، من سيتزوج، ومن لم تحمل امرأته، ومن يمرض، وبدأت أعتقد أنني أعظم وأفهم رجل في القرية، إلى أن وصلت إلى السياسة، وهنا كانت الطامة الكبري. ففي عام ٦٤ جاء شخص غير معروف، إلى القرية وسألني عن رأيي فيما جرى في حماه من قتل للناس وهدم للجوامع، ولما كنت لا أعرف ماذا حدث هناك، فقد كررت جملتي الشهيرة، والتي كنت أستخدمها دائما عندما لا يكون عندي جواب مقنع، فقلت للرجل: الغلط مو من الناس، الغلط من التور الكبير. ذهب الرجل دون أن يقول شيئاً، ولكن بعد يومين جاءت إلى القرية سيارة جيب فيها ثلاثة رجال، أخذوني معهم إلى حماه، وسألوني عن قصة التور الكبير. حكيت لهم قصة الثور، ولكنهم لم يصدقوا إلا بعد أن حلفت لهم مليون يمين بالله والمسيح ومارجرجس أن هذا كل ما أعرفه عن القصة. أكلت بعض اللكمات قبل أن يتركوني، محذرين: إنني في المرة القادمة سأبقى طويلاً عندهم.

ختم عمي جرجي قصته قائلاً: يا بن أخي، نحن الآن وحدنا، تشهد الكنيسة على ما أقوله لك: دائماً الخطأ هو من التور الكبير، لأنه يريد أن يشد الأمور لجهته.

تذكرت شهادة عمي جرجي هذه الأيام، وقسمه قرب الكنيسة، أن الخطأ هو من الثيران الكبيرة أكانت في الكنيسة أم الجامع أم الدولة أم الاحزاب السياسية المعارضة والمؤيدة، وهم من يجب تغييرهم كي تستقيم الخطوط وتصبح متوازية.

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | Leave a comment

لماذا الموسيقى العربية حزينة؟

الشرق الاوسط

عندما لم تكن وزارة الثقافة العراقية منشغلة بمهامها الأساسية، أي أعمال وزارتي الداخلية والدفاع وحرس الشواطئ، كانت تنصرف أحيانا إلى مهام لائقة بالتسمية. مهرجان المربد ليس بينها، لأنه كان من اختصاص الأمن الخارجي والحرس الجمهوري. لكن في أوقات الفراغ انصرفت الوزارة إلى إحياء شيء من صورة العراق الحضارية ولو لم يتضمن ذلك إشادات بدور السيد الرئيس. منها على سبيل المثال، المتحف العظيم الذي دمرته عسكرية جورج بوش الابن، في حين أن جورج بوش الأب رفض الدخول حتى إلى أطراف بغداد. ومنها إعادة إنشاء مدينة بابل. وتولى بعض رجال الوزارة – في صوت واحد – الترويج لملحمة غلغامش، مما أدى إلى نتائج عكسية. فقد طغت صورة الرجال، ورجالهم في سوريا ولبنان والأردن والكويت، على صورة غلغامش المسكين.

كان شتات الفنانين والشعراء والأدباء العراقيين يملأ العالم، فقررت الوزارة أن تركز على من بقي صامدا، مقيما غير منفي. وكان من أبرز هؤلاء الموسيقي منير بشير، صاحب أرق عود منذ مواطنه زرياب. ومثله كان مرهفا، متعدد الآفاق. لم تكن الموسيقى عنده فقط التحديث في حركة الأوتار، ومحاكاة أقصى طاقتها على السحر والتنوع، بل كانت أيضا أو خصوصا، معرفة ينابيعها وتاريخها وبداياتها. وعلى نحو ما، كان منير بشير، مثل الدكتور وليد غلمية، رئيس معهد الموسيقى الوطني في لبنان، عالما بقدر ما كان فنانا. لم يبدع وليد غلمية كما أبدع بشير أو الرحابنة أو توفيق الباشا أو زكي ناصيف، لأنه ظل في طبقة الكلاسيكيين المحدودة للجماهير. أما بشير فكما انفرد في العزف على العود، انفرد عازفا وتفرد باحثا في تاريخ الموسيقى وألوانها.

كان منير بشير يعيد كل شيء إلى العود. إنه أبو كل الآلات الموسيقية. ولد في العراق قبل آلاف السنين، وحمله المسلمون في الفتوحات الأولى إلى الهند، ثم نقلوه إلى الأندلس، ومنها إلى بقية أوروبا. من نقله إلى الأندلس؟ طبعا زرياب الذي سوف يضع ما عرفناه بالموشحات الأندلسية. وما هو أجمل ما في الألحان؟ المقام العراقي، أغاني. (راجع: وتر يبحث عن أصالة، دار الحوار الجديد). و«المقام»، عيني، يعني الإجلال والوقوف بشموخ «وقد سمي كذلك لأنه قمة الألحان الحضارية. والمقام مقامان، الكبير، وبه يغنى الشعر الفصيح، والصغير، ويغنى به الشعر العراقي العامي».

عالم من تاريخ الموسيقى كان منير بشير. إلى جانب المقام، يقول، يغني العراقيون «الركباني». وهو الحداء الذي يرافق سير الإبل. «والحداء هو أقدم لحن في تاريخ العرب وأبو المقامات ومشتقاتها». وهناك شيء يدعى «البوذية»، لا بد أن العراقيين يعرفونه، لكن ما لم نكن نعرفه هو أنه أبو المواويل المعروفة في لبنان مثل «الميجانا» و«أبو الزلف».

لم يترك لنا المؤرخ الموسيقي الراحل أي شيء حتى «أبو الزلف.. عيني يا موليا». ولا شرح لنا لماذا الآلة الأولى في الموسيقى العربية هي الحزن. هل لأنها ولدت في العراق؟

Posted in الأدب والفن, فكر حر | Leave a comment

! رد على الغارة الاسرائيلية على سوريا

Posted in ربيع سوريا, كاريكاتور, يوتيوب | Leave a comment

في إنتظار أبو زيد – وثائقي عن الدكتور نصر حامد أبو زيد

في إنتظار أبو زيد – وثائقي عن الدكتور نصر حامد أبو زيد
muf37

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, يوتيوب | Leave a comment

سوريا في الخمسينات من القرن الماضي

نشرت شبكة بي بي سي شريطا مصورا يجري فيه مراسل القناة مقابلات مع المواطنين السوريين واصحاب رؤوس الاموال والسياسين في سوريا في فترة الخمسينيات، ويدور الحديث في المقابلات حول الشيوعية والرأسمالية في سوريا، ويظهر في التسجيل مقاطع مميزة ونادرة للاسواق في #دمشق ومقابلات مع السوريين وهم يتكلمون الانكليزية بطلاقة .

التسجيل من ارشيف بي بي سي و اعداد مكتب صدى في بريطانيا وترجمة سلمة سخيطة .

Posted in ربيع سوريا, يوتيوب | Leave a comment

جون ستيوارت يسخر من اوباما حول الخط الاحمر من سورية Jon Stewart

Jon Stewart took on the issue of Syria crossing the “red line” in its potential usage of chemical weapons against its own people. Stewart focused mostly on the Republican response to this unacceptable red line crossing, calling out their militaristic attitude for not having learned anything from Iraq. Stewart highlighted a few similarities between the current situation with Syria and the one almost ten years ago from Iraq, and found it odd that Republicans haven’t realized they might want to exercise more caution this time around.Stewart mocked the U.S.-imposed red line, saying “You can come up to the line… [but] you cross that line, mister, you are grounded!” But now that the line has been crossed, what’s the next step? Stewat noticed a lack of clarity from the White House on exactly what happened, using a Dr. Seuss poem to put things into perspective.

However, what Stewart found more interesting was how the GOP has been criticizing Obama for not getting more involved in Syria, and tore into Lindsey Graham for suggesting giving the right weapons to the right people, by pointing out that could be solved with background checks. But Republicans like Graham and John McCain don’t want boots on the ground, and Stewart couldn’t help but wonder how the hell that’s supposed to happen if the U.S. is going to arm the rebels and then consequently asking for those arms back. When Graham suggested international involvement, Stewart quipped that we may as well just send in Latvian troops.

But any action is going to run into roadblocks at the U.N., and Stewart found it awkward that any potential intervention in Syria relies on “convincing Vladimir Putin that it’s bad to poison people.” Stewart called out GOP senators and George W. Bush for not learning any lessons from Iraq, suggesting “that little misadventure made us a little more cautious” about how we handle red lines.

Posted in English, ربيع سوريا, كاريكاتور | Leave a comment

لماذا لم يسقط النظام؟

ميشيل كيلو : السفير

في العقل السحري، يكفي أن «تعزم» على أمر كي يحدث. في العقل السحري السيــاسي السـوري يكـفي أن «تعــزم» علــى النظــام كي يسقــط. في العــقل العقلانـي والعملــي، لا يتحقــق هدفــك ما لم تخـلق شروط تحققه الواقعية. إذا فشلت في إقامة هذه الشروط، لن يتحقق هدفك مهما «عزمت» عليه سحريا ورغبيا. عندئذ، يزيد «التعزيم» عجزك عن بلوغ مقصدك بقدر ما يجعلك تعزف عن العمل الدؤوب للوصول إلى شروط تحققه، ويحولك إلى كائن منفصل عن الواقع، مع أنه قد يكون «لتعزيمك» مفعول تعبوي، لكنه يكون دوما مفعولا تضليليا يوهم الخلق أنه قادر بمفرده على بلوغ الآمال، بينما هو يبعدهم عنها، ويأخذهم إلى عالم يخضعون فيه لتأثير مخدر كلامي مدمر، لا يستطيع تبديل شيء في واقعهم العملي، أو بالنسبة إلى شروط تحقق هدفهم، بل يبعدهم عنه وحسب.

في السياسة: هناك حدان أحدهما الهدف وثانيهما الجهد الضروري لتحقيقه. فهل مهدت السياســات التي اعتمدتها المعارضة السورية في تنظيميها الرئيسَين: «المجلـس الوطني الســوري» و«ائتــلاف قوى الثورة والمعارضة» لإسقاط النظـام، أم حققت مفعولا عكسيا وأسهمت في استمرار النظام، بدل أن تؤدي إلى إقامة بيئة سياسية ونضالية تفضي إلى زواله؟

قبل أن أجيب عن هذا السؤال، أود التركيز على نقطة مهمة هي أن السياسة الحقة ليست أي شيء آخر غير خلق الظروف والشروط الملائمة، المفضية إلى تحقيق أهداف يناضل من أجلها بشر يعتقدون أن فيها تطلعاتهم ومصالحهم. بهذا المعنى، ما أن يتحدد الهدف، حتى تأخذ السياســة صــورة جهــود، منظــمة أو عفوية، تذهب مباشــرة أو بصــورة غير مباشــرة، نحــو تحقيقــه، علـى مراحــل غالبــا، وبضربــة واحــدة في حالات جد نادرة. وبما أنني لم أكن يومــا من أنصار فكرة: الهدف لا شيء، الحركة كل شيء، كما قال ذات يوم منظر اشتراكي اسمه برنشتاين، فإنني أؤمن أن انفصال الهدف والحركة أحدهما عن الآخر يقود إلى فشل سياسي وإنســاني محتــم، لأنه توجــد دوما طــريق حركي يرتبــط بهــدف؛ طريق قـد تتنــوع الخطـى عليــه وتتقــدم وتتراجع في أحيان كثــيرة، إلا أن تناقضها مع الطريــق يحــول دون بلوغ الهــدف كلــيا أو جزئيا، كما حدث في تجربــة المعارضــة السورية مع إسقـاط النظــام الذي أعلنــته هــدفا للثورة، بيد أن طريقـها إليــه وخطــواتها نحــوه أديــا إلى تعطيل قدرات وطنية ومجتمعية هائلة، سياسية ومقاومة، لو أحســن استخدامها للعبــت دورا حاســما في جعل إسقاطه مسألة واقعية وعملية، وفي متناول اليد.

من المعلوم أنه حين تفضي الحركة إلى الابتعاد عن الهدف، يصاب طلابه بإحباط يدفعهم إلى البحث عن بدائل توصلهم إليه، وأن جدارتهم السياسية والفكرية تتأكد من خلال المراجعة التي يجرونها والطريقة التي يتلمسون بواسطتها البدائل والسبل المطلوبة، التي توصلهم إلى مبتغاهم. أما عندما يتمسك العقل السياسي الرسمي بسلوكه الذي فشل في تحقيق هدفه، ويرفض البحث عن بدائل لها، فإنه يضع نفسه في حال احتجاز تنتج الفشل تلو الفشل، مهما تحدث عن هدفه في تصريحاته وبلاغاته، التي تنقلب إلى فخ يسقط فيه، ما أن يفقد القدرة على الخروج منه، حتى يمعن في التمسك بهدفه الوهمي، الذي يتحول إلى مجرد شعار يقلص الممارسة الثورية والسياسية إلى ألفاظ لا معنى لها، تحتفظ بطابعها التضليلي وإيحاءاتها الوهمية، بينما يكون المطلوب التخلي عنها والبحث عن طريق تكون بديلا لطريق فاشلة قادت الشعب إلى حيث لا يريد.

لم يسقط النظام، ليس لأنه غير قابل للسقوط، كما تقول دعايته، بل لأن المعارضة فشلت في خلق الشروط اللازمة لسقوطه، وضيعت، بسبب فشلها، تضحيات كبيرة يقدمها شعب قادته على طريق أخذته بعيدا عما كان يطالب به: الحرية لشعب سوريا الواحد. حدث هذا، لأن رهانات المعارضة المتحكمة تقاطــعت مع رهــانات النظام الأمني، الذي وضع خطة أساسها القضاء على الجانب المدني من الحراك والضغط بالعنف والقوة على المجتمع الأهلي، لإجباره على التخلي عن وعي الحرية الحديث، الذي تبناه لأول مرة في تاريخه، وإعادته بالقوة إلى تبني وعي مذهبي تفتيتي، يتخلى عن الحرية كمطلب جامع لكل السوريين، يوحد الشعب ويحفظ الدولة. وضع النظام هذه الخطة، لما لوحدة المجتمع ومطلب الحرية من تأثير يمكن أن يقوض قاعدته ما قبل المجتمعية المستندة إلى ولاءات دنيا، ما قبل وطنية، طائفية وجهوية، استخدم العنف لمنعها من مغادرة موقع وضعها فيه ضد بقية مجتمعها، وللحؤول دون تكون مؤسسات وطنية جامعة معادية للاستبداد والنظام العائلي/ الفئوي الضيق، لها فيها مكان ودور. لتحقيق حساباته، كان من الضروري أن يُكرِهَ النظامُ الحراك على التخلي عن السلمية وأن يتعسكر كجهد مفتت مرتبط ببؤر محلية ومناطقية، تفتته، وتجعل من السهل سيطرة قوى متدنية الوعي، «زاروبية» العقل والمصالح، عليه، يرجح أن تصير فريسة سهلة إما للنظام وأجهزته أو لقوى مذهبية مناوئة بدورها لمبدأي الحرية والشعب الواحد، يعني بروزها وتقدمها إلى الواجهة نجاح النظام في قلب ثورة الحرية إلى اقتتال طائفي أو جهوي، يغير هويتها وطابعها الوطني.

بدل أن تعي القوى التي نادت باسقاط النظام هذا الرهان السلطوي، سارعت إلى ملاقاته في منتصف الطريق، وعملت من جانبها على تطييف ومذهبة الحراك وتحمست لعسكرته، وراهنت على تقليدية المجتمع الأهلي وفوات وعيه، بدعم من قوى عربية وإقليمية. بذلك، نجح النظام في أخذ الصراع إلى حيث أراد، وحقق جزئيا خطته التي قامت على حد أعلى هو سحق الحراك واستعادة الوضع الذي كان قائما قبل انطلاقه، وحد أدنى هو التكيف مع ثورة شعبية شاملة عبر تفتيتها وإنزال خسائر فادحة بها وتمزيق المجتمع وتفكيكه وإلحاق قدر من الدمار به يصعب عليه الخروج منه لعقود كثيرة، في حال سقط النظام، يغير هوية الثورة تغييرا بنيويا عميقا ويبدل علاقات الأطراف السياسية بها بما يتنافى مع هدف الحرية الذي خرج الحراك من أجله. عندئذ سيجد نفسه مجبرا على تغيير مواقفه وبنائها على تفتيت وتطييف صراع يسهم في قلبه إلى عراك دموي بين المواطنين، بدل أن يكون بينهم كجماعة وطنية وبين نظامهم الاستبدادي.

بدل العمل بمبدأ الوحدة الوطنية الذي يضم المجتمعين المدني والأهلي، والقوى السياسية المعارضة للنظام، ويقوم على خطة سياسية ذات بعد مقاوم، لم تنتبه قيادات المعارضة المتحكمة إلى معنى وحدة المجتمعين المدني والأهلي، ولم تأبه كثيرا لسعي النظام إلى فك لحمتهما، وإنما أسهمت فيها لاعتقادها أن تعبئة المجتمع الأهلي ستكون أكثر سهولة ويسرا من خلال شعاراتها وخطبها المذهبية، التي خالت أنها تتفق ونمط وعيه وتستطيع تعبئته وتحريكه في الاتجاه المطلوب. بالإضافة إلى هذا، دخلت هذه القيادة في صراع مع بقية أطراف المعارضة، مزق لحمتها السياسية وما كان قد تراكم في حقبة النضال ضد النظام من مشتركات بين طرفيها الديموقراطي والإسلامي. بذلك تم تفتيت قاع الثورة المجتمعي، وأزيحت قيادة الحراك الشبابية عن القيادة وقضي على برنامجها، وتفتت المجال السياسي المعارض، الذي غدت وظيفته الرئيسة إنزال خلافاته إلى الشارع، بينما كان النظام يوحد مجاله السياسي ويتحصن بولاءات أتباعه، الطائفية وغير الطائفية، وينظم هؤلاء في تشكيلات شبه عسكرية ما لبث أن حولها إلى «جيش دفاع وطني». في ظل تردي أحوال المعارضة السياسية وتدهور أدائها، وتردي علاقاتها وقيامها أكثر فأكثر على الإقصاء والتخوين المتبادل، نشأت أجواء أتاحت للنظام الوقت الكافي لتدقيق خططه، والبحث عن نقاط ضعف الحراك والمعارضة والعمل على الإفادة منها. ليست المعارضة هي التي أقامت التوازن الذي حال بين النظام وبين إخراج الشعب من الشارع، رغم أن الأخير لم ينجح في إجبار السلطة على تغيير سياساتها وإخراج جيشها من مدنه وقراه وبلداته وانتهاج سياسة حلول وسط غير عنيفة ضده. إن من أقام هذا التوازن، المستمر إلى اليوم، هو الشعب، الذي كان حراكه سلميا أول الأمر ثم تحول إلى المقاومة المسلحة حين يئس من وقوع أي تبدل في مواقف النظام وخياراته، ووجد نفسه مهددا بالهزيمة وربما بالفناء، إن هو لم يقاتل دفاعا عن نفسه ويخلق بصموده شروطا تقنع أهل السلطة بعبثية ما يسعون إليه من انتصار واستعادة لحقبة ما قبل آذار 2011. أكل تفوق الحراك الاستراتيجي تفوق النظام التكتيكي، وصحح عيوب سياسات المعارضة، التي افتقرت ولا تزال إلى خطة استراتيجية. لو أردت تلخيص ما حدث لقلت باختصار: كان هناك النظام من جانب والحراك من جانب آخر، وكانت المعارضة عبئا على الثاني أكثر مما كانت نقيض الأول، فلا عجب أن النظام لم يسقط، وأنه تم تقويض انجازات حراكية عديدة، وأن الشعب الذي سار أول الأمر وراء المجلس والائتلاف لاعتقاده أنهما سلطة بديلة ستسهل سقوط النظام، انفض عنهما، حين اكتشف بتجربته العملية أنهما ليسا ما اعتقده، وتكيف، في ظل عدم وجود بديل متاح لهما، مع أمر قائم اتسم بالبلبلة والفوضى، أسهم في إيصالنا إلى ما نحن عليه اليوم.

هل صرنا في مرحلة سقوط متبادل حل عمليا محل إسقاط النظام، لأن القيادة التي تصدرت المجلس الوطني والائتلاف عجــزت عن تحقيــق شروطـه، وحققـت عكسها؟ ما العمـل لتغيير هذه المعــادلة الكارثية؟.

 
Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

أقدم خارطة للعالم توضع في العراق

The oldest map of the world, before 4000 years ago, Drawn by the Babylonians.

2300 BC.

هذه أقدم خارطة للعالم توضع في العراق

خارطة العالم كما رسمت قبل نحو أربعة آلاف عام

وضعت على لوح من الآجر لتصوير منطقة الفتوح التى أنجزها سارجون السامي ملك أكاد (2300 ق. م.)

والعالم بنظر علماء ذلك العهد عبارة عن دائرة تشتمل على بلاد بابل وبلاد آشور ثم الجبال في الشمال والأهوار في الجنوب ويحيط بهذه الدائرة البحر وعلى أطرافه جزر رسمت على شكل مثلثات دونت عليها المسافات

 
Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

من هو”رجل اسرائيل في دمشق”؟

ايلاف

رئيس الموساد الأسبق يفضح أكذوبة المقاومة السورية.

لماذا لا ترغب اسرائيل بسقوط بشار الأسد؟

يعتقد افرايم هاليفي رئيس الموساد الأسبق والرئيس الرابع لمجلس الأمن الوطني الاسرائيلي وخبير الاستخبارات ومهندس معاهدة السلام بين اسرائيل والأردن وهو من الذين طالبوا شارون باطلاق سراح مروان البرغوثي عام 2005 يعتقد أن بقاء بشار الأسد في السلطة مصلحة اسرائيلية استراتيجية وحيوية. أفرام هاليفي معروف ببراغميته وواقعيته ويرى الأمور كما هي.

استوقفني مقال هام كتبه افرايم هاليفي في مجلة فورين أفيرز Foreign Affairs Magazine (مجلة الشؤون الدولية) الأميركية ذائعة الصيت في العاشر من هذا الشهر 10 مايو آيار الحالي وهو مقال تحليلي عن سوريا وعن رغبة اسرائيل في بقاء بشار الأسد في منصبه كحافظ لأمن اسرائيل وملتزم بهدؤ الجولان.

هاليفي ينسف أكذوبة محور المقاومة:

في هذا المقال ينسف هاليفي أكاذيب المقاومة والممانعة وأتمنى على البعثيين والقوميين واليساريين والساذجين الذين صدقوا أكذوبة الممانعة والمقاومة والصمود أن يقرأوا ما كتب هاليفي بتمعن علهم يتعلموا ويتعظوا.

وهذا ما قاله هاليفي:

“استراتيجية اسرائيل لما يحدث في سوريا تستند على تاريخ مشترك بين القيادات الاسرائيلية المتعاقبة وبين حكم آل الأسد. القاسم الاستراتيجي المشترك بين اسرائيل وسوريا هو احترام سوريا للسلام والاستقرار مع اسرائيل وهذا ما تهدده الحرب الأهلية القائمة الآن. لا يوجد اهتمام عاجل في اسرائيل بسقوط بشار الأسد. ولكنها قد تتدخل عسكريا احيانا اذا رأت ان هناك ما يشكل خطرا على اسرائيل مثل نقل اسلحة لحزب الله.”

ويقول هاليفي “لأربعين عام ورغم عدم وجود اتفاق سلام رسمي بين سوريا واسرائيل الا ان نظام دمشق التزم باتفاق الهدنة بحذافيره منذ عام 1974 وحتى اثناء الغزو الاسرائيلي للبنان عام 1982 بقيت الحدود مع سوريا هادئة”.

“وبالنسبة للصراع القائم الآن على الأراضي السورية لا تثق اسرائيل كثيرا بالاطراف المعادية لنظام بشار الأسد بسبب تدخلات القاعدة من طرف المعارضة وتدخل ايران وحزب الله من طرف النظام. ولذا سقوط سوريا في ايدي المعارضة المدعومة سريا من القاعدة أو بنظام قد يكون مرتبطا بايران غير مقبول لاسرائيل. واستمرار الوضع القائم لا يخدم مصلحة اسرائيل لأن استمرار القتال سيجذب عناصر ارهابية لحلبة الصراع مما يسبب زعزعة الاستقرار في العراق والأردن. ومن المخاطر قد يلجأ بشار الأسد لاستعمال الأسلحة الكيماوية او يفقد السيطرة عليها.”

“وفي خضم هذه التناقضات تفضل اسرائيل التزام الحياد ولا تريد استعداء الطائفة العلوية المتواجدة على حدود اسرائيل مهما كانت النتيجة النهائية للصراع الحالي.”

تهديدات بالرد لاستهلاك الشارع:

“هذا ورغم الغارة الجوية الاسرائيلية الأخيرة على موقع سوري لمنع نقل اسلحة لحزب الله يؤكد هاليفي ان اسرائيل اوصلت رسالة للأسد مفادها انها تصمم على البقاء في خانة الحياد في الحرب الأهلية وفعلا أتت تصريحات دمشق العقلانية المنضبطة والمبهمة بعد الغارة لتثبت ان الرسالة الاسرائيلية قد وصلت حيث أصدر موظف وزاري غير عالي ومتوسط الرتبة ادانة شفهية لاسرائيل من أجل استهلاك الشارع مع وعد مبهم وغير واضح ان سوريا سترد في وقت وبطريقة يختارهما النظام السوري. ورغم قساوة الوضع في سوريا الا ان الخطر الأكبر على اسرائيل ليس من سوريا بل من برنامج ايران النووي.”

اسرائيل على قناعة ان بشار سيسقط عاجلا أم آجلا:

ويستطرد هاليفي في الجزء الأخير من مقالته في “الفورين أفيرز” أن اسرائيل سوف لا تبذل جهودا خاصة لدعم بشار الأسد لاعتقادنا انه سيسقط عاجلا أم آجلا ولكن دولة بحجم اسرائيل تحتاج ان تميز بين الأولويات الاستراتيجية فليس من مصلحة اسرائيل ان تطرح بدائل لبشار الأسد. ستترك هذه المهمة لروسيا والولايات المتحدة لعلاج الأزمة من خلال مؤتمر دولي ولكن على اسرائيل تذكير موسكو وواشنطن انها لا تريد وجود ايراني او جهادي اسلامي في الاراضي السورية.”

وفي هذا الاطار يشدد هاليفي: “يمكن القول أن رسائل اسرائيل السرية ليست موجهة للأسد فقط بل للبيت الأبيض.”

التعقيب والتعليق:

المقال لم يكتبه معارض سوري او كاتب تركي او قطري او سعودي بل يهودي اسرائيلي معروف وكتبه في مجلة أميركية مشهورة وليس في موقع اليكتروني معارض والرابط للمقال موجود لمن اراد البحث والتأكد.

وتعقيبا عل ما جاء نفهم الآن سبب التردد الأميركي في أخذ اجراء حاسم ضد نظام بشار الأسد بسبب خوفها أن نظام جديد مجهول قد يخلق مصاعب ومشاكسات لاسرائيل في الجولان.

وكلمة أخيرة لمن يعتقدون ان دمشق هي آخر قلاع القومية والمقاومة والممانعة عليهم اعادة النظر في مواقفهم والخضوع لعلاج نفسي وربما عملية اعادة غسل لأدمغتهم لتطهيرها من عقدة الاعجاب بالشعارات الزائفة واستئصال ورم الولاء الأعمى لنظام قتل من شعبه أكثر مما قتلت اسرائيل من العرب في حروبها منذ 1948.

الرابط لمقال افرايم هاليفي باللغة الانجليزية:

http://www.foreignaffairs.com/articles/139373/efraim-halevy/israels-man-in-damascus#cid=soc-twitter-at-snapshot-israel_s_man_in_damascus-000000

لندن

 
Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

ميشيل كيلو: موسكو وواشنطن اتفقنا على أن الأسد ليس جزءا من الحل

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment