عندما يتاجر النظام السوري بالمسيحيين…

أن يشكو النظام السوري من صعود الحركات الدينية المتطرفة نكتة سمجة. أن يتذرّع النظام بأنه يحارب “الارهاب”، في حين انّه يحارب شعبه، نكتة أكثر سماجة. مثل هذا النوع من النكات لا ينطلي سوى على ذوي العقل المسطّح من نوع النائب اللبناني المسيحي ميشال عون. صار عون الآن حريصا على مسيحيي الشرق، هو الذي هجّر أكبر عدد من المسيحيين اللبنانيين من ارضهم لدى خوضه حربي “التحرير” و”الالغاء” عندما استقرّ في قصر بعبدا في الاعوام 1988 و1989 و1990.

ما ينساه ميشال عون ومن على شاكلته من ادوات الادوات أن تهجير المسيحيين من الشرق، اكان ذلك في سوريا أو لبنان أو العراق وحتى في مصر، عائد اساسا الى الانظمة التي توالت على هذه الدول والتي هي في طبيعتها انظمة أمنية. لم يكن لدى هذه الانظمة، التي انضمّ اليها النظام الايراني الذي كان مفترضا أن يطوّر نفسه بعد التخلص من الشاه، من هدف سوى القضاء على كلّ ما له علاقة بالثقافة الحقيقية والتنوع والحرية بشكل خاص. هذه الانظمة لا تعرف أن غنى المجتمعات في الحرية وفي تنوعّها.

ففي مصر، لم تعد هناك حرّية منذ وصول العسكر الى السلطة في العام 1952. وفي سوريا بدأت الحرية تتقلص تدريجا مع اعلان الوحدة مع مصر في العام 1958. وفي العراق لم يعد من وجود لحياة طبيعية للمواطن العادي، بمن في ذلك المسيحي، منذ الانقلاب الدموي الذي قضى على الاسرة الهاشمية المالكة في الرابع عشر من تمّوز- يوليو 1958. يا له من يوم مشؤوم، لم ير العراقيون بعده يوما أبيض!

كانت السنة 1958 سنة سيئة للبنان وسوريا والعراق. في تلك السنة، بدأت المنطقة كلها تدخل مرحلة جديدة من سماتها بدء هجرة المسيحيين والنخب من كلّ الطوائف والمذاهب من سوريا والعراق وتعرّض لبنان لخضّة قوية انتهت بانتخاب رئيس جديد للجمهورية هو اللواء فؤاد شهاب الذي عرف كيف يحمي الوطن الصغير قدر الامكان من الهزّات الاقليمية.

كان طبيعيا حصول هجرة للمسيحيين وغير المسيحيين من هذه الدول على دفعات نظرا الى أن الانظمة التي قامت في مصر وسوريا والعراق انما استعانت بالشعارات من أجل تبرير الاستيلاء على السلطة والاحتفاظ بها الى ما لا نهاية…على حساب حقوق المواطن العادي ومؤسسات الدولة.

أمّا لبنان، فهو حالة خاصة الى حدّ بعيد. فقد عانى مسيحيو لبنان من نظام سوري عمل منذ ما قبل استحواذ حافظ الاسد على كلّ السلطة في العام 1970 على تدمير الوطن الصغير والاسس التي قام عليها وذلك بهدف اضعافه. بدأ تهريب الاسلحة وادخال المسلحين الفلسطينيين الى لبنان من سوريا في وقت كان الاسد الاب وزيرا للدفاع. فُرض اتفاق القاهرة المشؤوم على لبنان بغطاء عربي وفّره جمال عبدالناصر في العام 1969. وبدأ العمل جدّيا على تدمير المؤسسات اللبنانية بعد العام 1973، أي بعد بدء تطبيق وقف اطلاق النار بين سوريا واسرائيل اثر حرب تشرين (اكتوبر) التي توجت باتفاق فك الارتباط في الجولان المحتل…الذي اشرف عليه ورعاه هنري كيسينجر.

ما نشهده اليوم استمرار لعملية تهجير مسيحيي سوريا على يد النظام بعد عمله كل ما يستطيع لتحويل مسيحيي لبنان الى تابعين له، في اطار ما يسمّى حلف الاقلّيات…وتهجير من يستطيع تهجيره منهم بشكل مباشر أو عبر ادواته اللبنانية المختلفة.

لم يترك النظام السوري المتحالف لاحقا مع ايران والميليشيا المذهبية التابعة لها في لبنان، قرية مسيحية، من أقصى الشمال الى أقصى الجنوب، الّا وحاول الحاق الاذى بها. من يتذكّر العيشية؟ من يتذكّر القاع؟ من يتذكّر القرى والبلدات المسيحية في عكّار التي كان النظام السوري يستهدفها بين حيت وآخر؟ من لديه ذاكرة ضعيفة يستطيع الاستعانة بجاره لاستعادة ما تعرّضت له زحلة والاشرفية والدامور على يد النظام السوري. هذا لا يعني من دون أدنى شك، أن النظام السوري وفّر لبنان بمسلميه. لم يكن حظ بيروت الغربية أفضل من حظ زحلة، كذلك حظ صيدا وطرابلس.

ما نشهده حاليا في سوريا يندرج في سياق الممارسات المعروفة والكلاسيكية للنظام السوري. هذا النظام لم يهجّر المسيحيين السوريين فقط. أخذ على عاتقه تهجير كلّ اهل سوريا من سوريا. من لديه ادنى شكّ في ذلك يستطيع العودة الى ما فعله في لبنان وسوريا نفسها…في حماة بالذات.

ما يحدث اليوم في معلولا البلدة المسيحية القريبة في دمشق نموذج آخر عن ممارسات نظام ينتمي الى مدرسة تؤمن بقهر السوريين واللبنانيين جميعا. يستعين هذا النظام بما يسمّى الاقليات من أجل ابتزاز العالم. انه يتاجر بمسيحيي معلولا لا أكثر ولا أقل. هذه لعبته المفضلة. المسيحيون ليسوا بالنسبة اليه سوى سلعة. هذا ما يفترض أن يعيه كلّ عربي يودّ معرفة سبب الهجرة المسيحية من المنطقة. بكلام أوضح، يعتدي النظام السوري على الأقليات ويدعي بعد ذلك انّه يفعل ذلك من أجل حمايتها. فعل ذلك مع الدروز ومع الاسماعيليين وحتى مع العلويين الذين ينتمي اليهم والذين رفضوا خطّه الفئوي والمذهبي الفاقع!

في النهاية، هل من مستقبل لحلف الاقلّيات الذي ينادي به النظام السوري الذي لا يجد عيبا في دعم “حزب الله” المذهبي، ثمّ يدعي انه نظام علماني يؤمن بدولة مدنية؟

الجواب بكلّ بساطة أنّ النظام يلعب لعبة أكل الدهر عليها وشرب. تكمن مشكلة هذا النظام في انّه لا يريد أن يتعلّم من تجارب الماضي القريب. بالنسبة اليه، ان الهوية المسيحية العربية ليست سوى تجارة. انه يساند “القاعدة” متى كان ذلك يناسبه ويدافع عن المسيحيين حين يكون ذلك في مصلحته. ما لا يمكن التغاضي عنه انّه كان دائما ضدّ كل ما هو عربي في المنطقة. كان دائما في خدمة اسرائيل التي لم تتوقف عن تهجير مسيحيي فلسطين وأهل القدس خصوصا. لم يعد السؤال، مع نظام من هذا النوع يتاجر بالمسيحيين وبكلّ ما تقع يده عليه، ما مصير مسيحيي سوريا؟ السؤال ما مصير سوريا؟

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

أطول من أذني الحمار

في العلوم أن «الإنسان حيوان ناطق». في الحقيقة أنه كائن ملول. ولم أقرأ يوما عن صدور كتاب «غينيس» للأرقام القياسية في أي غابة من الغابات. يولد الفيل قادرا على سرعة محددة ولا يحاول أن يتجاوزها. الإنسان يتناول المنشطات المزورة لكي يثبت تفوقه. الحملان ترعى ما تقدم لها من قشر الحمص. في لبنان، أعددنا أكبر جاط حمص في العالم.. في التاريخ. أي عالم؟ أي تاريخ؟ لماذا ليس ألف صحن حمص مفيد لإطعام ألف فقير؟ وأيضا أكبر صحن تبولة في التاريخ. أي تاريخ البقدونس والبرغل. لماذا ليس اختراع دواء بسيط أو تأليف جمعية خيرية. وما فائدة البشرية بدخول كتاب «غينيس» حاملا جاطا من التبولة وطبقا طويلا من الحمص؟

الإنسان كائن ملول لا يكف عن تحطيم أرقام نفسه. ماذا اكتشف ما لم يكن يعرفه عندما وصل إلى قمة إيفرست؟ لماذا هو دائما ذاهب إلى الفضاء أو عائد منه؟ ماذا تشكو رحلة في القطار من فيينا إلى سالزبورغ. ذهابا وإيابا؟ التذكرة عليك وكل المشاهد من النافذة مجانية. وآداب النمساويين. وموسيقى باخ. عندما أسأل ابنتي: ما ألطف الساعات؟ تقول: إذ أنا معكما في الحديقة وموسيقى باخ من قرب.

لكن الإنسان ملول. الفيل يأكل ويقيل. العصافير تهزج وتنام على غصن واحد. الإنسان يبحث على الغداء أسعار الأسهم وحركة النقل وسعر الفائدة وهبوط الفضة وثروات معارفه ومشاريع كارلوس سليم. كل الأشياء التي تسبب له المغص والقرحة. الأفيال في قيلولة إلا إذا كان خلفها مخلوق يطاردها لذبحها من أجل أن يبيع عاجها. أنيابها تتحول إلى تاج وأنيابه إلى اهتراء.

كل يوم يتحدى نفسه. ثم يشاهد حياة الحيوان على الوثائقيات ويحسدها. لا دليل على أنها خاضت يوما حربا عالمية. أو أصدرت مجلة شتم وابتزاز باسم الفضيلة. أو تصرفت مثل أهل رواندا. أم كمنت للعسكر في سيناء. أو حشت نفسها بارودا لكي تفجر مخلوقات لا تعرفها. أو تعاونت وتكاتفت من أجل إعداد طبق حمص يسجله فاضي البال والأشغال «غينيس». وأنا لا أعرف إن كان «غينيس» هذا رجلا أو امرأة أو روضة أطفال، لكنني أعرف أنه سجل أمجاد لبنان الجديدة تحت فصل الحاء. حمص.

في القديم، ورد ذكر هذا البلد تحت فصل الألف: الأبجدية، وألف الأرجوان، اللون الذي اخترعته صور وحولته إلى أوسع تجارة في بحار العالم. لم يكن المدعو «غينيس» قد ولد ليحمل دفترا وقلما ويسجل طول طبق الحمص، باب الحاء في الأبجدية: حائط، حائر، حاد. حمص يا بلدي. بمعنى يا بلادي لا بلدياتي. بلد كان يفاخر في عصره بأنه أرض المائة شاعر وجنان فيروز وعباقرة الانتشار، فصار في عصرنا مآثره الحمص بطحينة مع رشة بقدونس وكزبرة.

الإنسان ملول. وأحيانا يدفعه ملله إلى السخف. والحيوان عبقري، ليس «غينيس» في حساباته أو في قراءته. أطلق الإنسان على المخلوقات الأخرى ما استنسب من الأسماء. وسمى الداب المخلص والكدود وصاحب الأحمال والأفضال، حمارا. أما هو، فعبقري يتكون في مجموعات لإعداد أطول طبق حمص. وهناك أبواب أخرى في عناوين السيد والسيدة «غينيس»، أهمها كيف تجعل ذكاءك في خدمة عكسه.

Posted in الأدب والفن, كاريكاتور | Leave a comment

يا من هواه أعزه وأذلني .. كيف السبيل إلى وصالك دُلني

يا من هواه أعزه وأذلني .. كيف السبيل إلى وصالك دُلني
iranqueenbeauty

Posted in الأدب والفن, يوتيوب | Leave a comment

مصطفى جواد العلّامة النحوي تاريخ لا ينسى‏‎

Eman_EEdad_ESH

أستاذ اللغة العربية في العراق وأحد أهم اللغويين العرب في القرن العشرين… ولد الدكتور مصطفى جواد توركماني من عشيرة صارايلو في محلة (عقد القشل) ببغداد عام 1904م،وأصل أسرته من دلتاوه(قضاء الخالص) ووالده جواد الخياط ابن مصطفى بن إبراهيم، المعروف ب”اسطة جواد” كان خياط البسة في سوق الخياطين ببغداد وكان ثاني اثنين في الشهرة فاذا قيل: ان هذه الجبة قد عملت فيها ابرة اسطة جواد علا قدرها وقد احتكر هو واخر شهرة الجودة بين جميع خياطي العراق وعلى الاخص في خياطة الجبب
درس العلوم الابتدائية في مدارس دلتاوه في عهد الدولة العثمانية

MU_JD_GLF

وبعد وفاة والده بدلتاوه في أوائل الحرب العالمية الاولى، عاد إلى مسقط رأسه بغداد. بعد الاحتلال البريطاني للعراق فكفلهُ أخوه (كاظم بن جواد) وكان يعد من أدباء بغداد في التراث الشعبي وهو الذي أسهم ببناء قاعدةالعشق اللغوي في شقيقهِ الأصغر، فدرس النحو ومعاني الكلمات وأعطاهُ قاموساً في شرح مفردات اللغة العربية وأوصاه بأن يحفظ عشرين مفردة في اليوم الواحد، وحفظ أكثر من عشرين حتى نشأت عندهُ حافظة قوية

المراحل الدراسية الأولى درس العلوم الابتدائية في دلتاوه حيث تعلم في الكتاتيب ثم في المدارس فأصبح قارئا للقرآن الكريم وحافظا له. بعد وفاة والده بدلتاوه في أوائل الحرب العالمية الأولى، عاد ابنه مصطفى إلى بغداد مسقط رأسه بعد الاحتلال البريطاني وأكمل بقية دراسته الابتدائية في المدرسة الجعفرية كان شقيقه “كاظم بن جواد” من أدباء بغداد في التراث الكلاسيكي وهو الذي أسهم ببناء قاعدة العشق اللغوي في شقيقه الأصغر كما كان لشقيقه صلة تعارف مع مدير المدرسة الجعفرية الشيخ “شكر البغدادي” (1855-1938) الذي بدوره ألزم التلميذ مصطفى جواد بحفظ الأجرومية في النحو فحفظها في ثلاثة أيام دُهِش الشيخ شكر وأهداه كتاب “شرح قطر الندى” فأتقن مضامينه أمام الشيخ. شاع أمره بين طلاب المدرسة الجعفرية لذا أُطلِق عليه لقب “العلّامة النحوي الصغير”. انتقل لاحقا إلى مدرسة باب الشيخ..

أكمل دراسته خلال الفترة (1921-1924) في دار المعلمين العالية عام 1924، وفي هذه الدار وجد اثنين من أساتذته يعتنيان بموهبته وهما “طه الراوي” (1890-1946) حيث أهداه كتاب المتنبي لما وجده يحفظ له قصيدة طويلة بساعة واحدة بصوت شعري سليم بأوزانه،

ساطع الحصري وأستاذه الآخر ساطع الحصري حيث أهداه قلما فضيا بعد أن وجد قابليات تلميذه تتجاوز مساحة عمره إلى أقصى الحدود، وكان أساتذته يقولون له: “أنت أفضل من أستاذ!” فهو يكمل عجز البيت الشعري إذا توقف عن ذكره، ويحلل القصيدة ويتصيد الأخطاء ويشخص المنحول بقدرة استقرائية غير مستعارة من أحد

الدراسات العليا

حصل على بعثة لتطوير دراساته في باريس فقضي سنة كاملة في القاهرة لتعلم الفرنسية وهناك التقى رواد الثقافة طه حسين وعباس محمود العقاد وأحمد حسن الزيات وباحثهم وجادلهم في أخطائهم ولم يذعنوا لأنهم كما يقول مصطفى جواد “مدارس وقدرات” ولا يجوز انتقادهم

سافر إلى فرنسا خلال الفترة (1934-1939) وأكمل دراسة الماجستير والدكتوراه في جامعة السوربون في الأدب العربي فنالها عن أطروحته “الناصر لدين الله الخليفة العباسي” نشبت الحرب العالمية الثانية فعاد إلى بغداد سنة 1939 قبل أن يناقش الرسالة وعاد معه الدكتور ناجي معروف، والدكتور “سليم النعيمي”، وهما مثله كانوا بانتظار مناقشة الرسالة

الميرزا “محمد القزويني” أفاد ذاكرته التراثية في باريس من ملازمته لمجلس الميرزا “محمد القزويني” ومكتبته التراثية فنسخ منها عشرات المحفوظات العربية النادرة، وعشرات مثلها من المكتبة الوطنية الفرنسية، ومهمة النسخ هذه ساعدته على اتساع خياله التراثي وإرجاع الفرع الذي قرأه في الكتب الحديثة إلى الأصل الذي هو في الكتب الأولى وهذه المراجعة والمذاكرة مع الذات تمهد له الطريق لاكتشاف المزيد من حقائق اللغة التراثية وتجعل ذهنه ذهنا مقارنا حيوي التخريج سيرته المهنية بعد تخرجه من دار المعلمين العالية، مارس مهنة التعليم في المدارس مدة تسع سنوات (1924-1933) متنقلا بين البصرة والناصرية وديالى والكاظمية، حيث تم تعيينه معلما للمدارس الابتدائية عمل مدرسا في معهده الذي تخرج منه وفي كلية التربية التي ورثت المعهد بعد تأسيس جامعة بغداد.

في عام 1962، انتدب للتدريس في معهد الدراسات الإسلامية العليا وعُيِّن عميدا للمعهد المذكور بعد عام تم تعيينه كاتبا للتحرير في وزارة المعارف ونقل بعد ذلك معلما في المدرسة المأمونية ببغداد، ومنها نقل إلى المدرسة المتوسطة الشرقية ببغداد

الأب أنستاس الكرملي تعرف خلال هذه المدة على الأب أنستاس الكرملي فلازمه وكتب في مجلته “لغة العرب”.

كما شغل منصب المشرف على الأساتذة الخصوصيين الذين أشرفوا على تدريس وتثقيف الملك فيصل الثاني ملك العراق

رشيد عالي الكيلاني هو أحد الأصدقاء المقربين للسيد رشيد عالي الكيلاني وكان على صلة طيبة به خصوصا أنهما بالأصل من لواء ديالى كتب الكثير من الأبحاث والكتب عن اللغة العربية وكيفية تحديثها وتبسيطها. له العديد من المؤلفات المشتركة ومقالات ودراسات منشورة لم تجمع بعد، كما واصل النشر والكتابة والبحث والتنقيب والتخصص في اللغة وتاريخها فألف وحقق ما يثريها ويعمق من معرفتها والتمعن بها، باذلا جهوده في الإحاطة بها رغم معاناته من مرض القلب وقام بتدريس اللغة لأكثر من خمس وأربعين سنة

شغفه باللغة العربية لما اكتشف المفتشون أنه أكثر قابلية منهم في طرق التدريس (وبفصحى لا مثيل لها) توجه إلى تدريس المتوسطة، وخلال تسع سنوات في التعليم قرأ المطولات في الشعر والتاريخ والتراث، وكانت مكتبته ترافقه حيثما حل، وفي هذه الحقبة ذاتها نشر أبحاثه اللغوية في الدوريات المحلية والعربية ولا سيما تلك الصادرة في مصر ولبنان، وطبع كتابين في التحقيق التراثي. أخذ يتردد أثناء عطلاته على مجالس بغداد ويدخل معارك أدبية حول فنه الذي ما فارقه (التصحيح اللغوي) الذي ألزمه بأن يدرخ كثيرا ويعلل الدرخ ويقرنه بمزيد من الأسانيد والشواهد مما أتاح لذاكرته بأن تتوسع بخزن المتراكم طبقة فوق طبقة خلال سنة 1925 تعرف بالعلّامة اللغوي الأب أنستاس الكرملي وكان للكرملي مجلس أدب ولغة في الكنيسة اللاتينية يؤمه أدباء الدرجة الأولى في بغداد، وفي جلسته الأولى أثار مصطفى جواد معركة حامية حول العامية والفصحى، وكان يبزهم في الأدلة والبراهين، فمال إليه الكرملي منذ لحظته الأولى قائلا: أريدك يا أخ اللغة أن تحضر مجلسي كل أسبوع

عند حضوره في الأسبوع الثاني كلفه الكرملي بأن يهندم مكتبته على التنظيم العصري وكانت من خيرة مكتبات بغداد، فنظمها وجعل لها فهارس وأخرج منها العابث والمكرر، ثم اقترح عليه الكرملي الكتابة في مجلته الشهيرة لغة العرب، فكتب أبحاثا لغوية ونقدا في التراث اللغوي وزاوية خاصة بـ”التصويبات اللغوية” وهذه جعلته على اللأسنة بين أخذ ورد وجدل وانتقاد وكانت معاركه تسمع في القاهرة وبلاد الشام، وهذه وحدها جعلته يمتد في الذاكرة اللغوية وجعلته أيضا أن يكون سيدا في إرجاع ما يشاع بأنه فصحى إلى العامية وبالعكس وكان الكرملي مثله سيدا في اللغة ومثله تعرض لخصومات جيرانه التي أرادت أن تبطش به لولا دفاع مصطفى جواد عن جواهره وانجازاته في لغة العرب، وكتب مقالة بحق الكرملي في مجلة السياسة المصرية في الثلاثينيات كان بها ينهي خصومة الكرملي، وهو القائل على قبره

ياسائرا، ووجيب القلب صاحبه … لنا ببغداد من بين القسوس أب أب عزيز وذو علم ومعرفة … قضى السنين بشوق العلم يكتسب

من إنجازاته اللغوية إعداد قواعد جديدة في النحو العربي كبدائل لقواعد نحوية قديمة

إعداد قواعد وقوانين جديدة في تحقيق المخطوطات التراثية

إنزال الفصحى إلى العامة بأسلوبه السلس ذي الجرس الأنيس

تنبيه أساتذة الجامعات إلى اعتماد لغة سليمة في أبحاثهم

تعليم الباحثين طريقة الاستناد إلى الشواهد شعرا ونثرا وسواء كانت الشواهد من القرن الأول الهجري أم من العصر الحديث، وبذلك حررهم من الجمود الفكري

قل ولا تقل ستتحول قصة حياة العلامة مصطفى جواد صاحب البرنامج اللغوي المعروف (قل ولا تقل) وضيف الندوة الثقافية التي استمرت 12 عاماً من دون انقطاع

عرف العراقيون مصطفى جواد من خلال برنامجه الإذاعي الناجح “قل ولا تقل”؛ أي قل الصحيح وانبذ الخطأ الشائع. كان برنامجا لغويا شيقا وكان يتابعه الصغار والكبار. قام مصطفى جواد من خلال ذلك البرنامج بتبسيط اللغة العربية للمستمع العام وللمختص اللغوي وبحرفة الكتابة في آن واحد طبع له من هذا الموضوع جزآن (1970-1988) وربما استعار عنوان كتابه من الدراسات اللغوية الفرنسية التي شاعت في أثناء دراسته في جامعة باريس. ابتدأ بنشر موضوعه منذ عام 1943 في مجلة “عالم الغد” فكان يذكر أولا الصحيح أو الفصيح ويشفعه بالغلط أو الضعيف، وكان يرتب ذلك على حروف المعجم. أما الأسباب التي دعته إلى تأليف موضوعه “قل ولا تقل” فهي استهانة طبقة من المترجمين باللغة العربية، وقد امتاز منهم بهذا الإثم اللغوي مترجمو البحوث العسكرية أن كثيرا من الكتاب والشعراء يكتبون كلما غير مشكول، واللحن في غير المشكول لا يظهر، وبعضهم يكسر المفتوح ويفتح المضموم وينون الممنوع من الصرف ويكسر المضموم. إفساد اللغة من قبل طبقة من الممثلين كثرة الأغلاط في (تحريرات) الدوائر ودواوين الحكومة ولا سيما في الإعلانات والتعليمات كثرة الأغلاط عند مترجمي الأفلام السينمائية. والهدف الرئيس وراء صيحاته ليس طعن من يخطيء، إنما يريد أن ينبه على الغلط ويذكر الصواب

انتقاده للمصريين أن الخطأ خطأهم، ويقول في ذلك: “ليست اللغة ميراثا لهم وحدهم فيعملوا بها مايشاؤون من عبث وعيث

من طرائف العلامة مصطفى جواد كان العلامة الدكتور مصطفى جواد دائرة معارف تمشي على قدمين، فهو علم اللغة العربية في العراق والوطن العربي كان فن مصطفى جواد هو التصحيح اللغوي فهو في العربية لم يسبقه سابق على الرغم من كونه تركمانياً من عشيرة صارايلو، وكانت حافظته عجيبة وشخصيته طريفة وقلبه سليما نقياً أبيض وقد قام الصحفي الرائد المرحوم رشيد الرماحي والذي فيه تتعرف على الوجه الآخر لمصطفى جواد، وهو الجانب الطريف المرح في شخصيته حيث قال : أثناء إجراء لقاء مع طبيبه الخاص الدكتور شوكت الدهان الذي ذهبت إليه في عيادته في شارع الرشيد وحدثني انه كان معجباً كثيراً بشخصية الدكتور جواد وكان يتمنى أن يتعرف عليه، وأنه مرة كان قادماً إلى عيادته فوجد الدكتور جواد يتمشى في شارع الرشيد فتقدم إليه وسلم عليه قائلاً: أنت الدكتور مصطفى جواد وأنا الدكتور شوكت الدهان وأحب أن أتعرف عليك… فاشترط جواد أن يعرف اختصاصه الطبي أولاً ولما أخبره بأنه اختصاص قلب ومفاصل وافق على أن يتعرف عليه ، يقول الدكتور شوكت الدهان: جئنا إلى العيادة، ودار بيننا حديث طويل عن الطب والأدب واللغة وفي أثناء هذا الحديث شكا لي الدكتور جواد معاناته من مشكلة عويصة تحولت الى آلام مبرحة في الظهر والمفاصل، وأخبرني أنه راجع العديد من الأطباء من دون أن يفلح احد منهم في إيجاد علاج ناجع، فطمأنته إلى أن ما يعاني منه أمر بسيط ولا يدعو الى القلق، واعطيته علبتين من حبوب (دلتابوتوزولدين) وأوصيته أن يتناول منها ثلاث حبات يوميا، وقلت له إذا شعرت بتحسن فاتركها بالتدريج. وبعد ثلاثة ايام جاءني مصطحبا معه ابنته لأعالجها وأخبرني بأنه تحسن كثيرا، وانه لا يدري لماذا لم يرشده الاطباء الذين راجعهم الى مثل هذه الحبوب. وكررت عليه تعليماتي السابقة ،ثم غاب عني لمدة شهرين لم اره خلالهما حتى اتصلوا بي هاتفيا لان صحته متدهورة فذهبت الى داره، وفحصته فوجدته يعاني صدمة وضيقاً في التنفس وألماً شديداً في الصدر، فاتصلت بالاسعاف من فوري، ونقلته الى مستشفى (ابن سينا) واجريت له تخطيطا للقلب، فلم أستطع أن اخفي عنه شيئا، واخبرته بأنه يعاني من (جلطة قلبية) وكنت أتوقع ان يحزن مصطفى جواد لهذا الخبر وينزعج منه، ولكنه ابتسم وقال يا دكتور… قل غلطة قلبية… ولا تقل جلطة قلبية

ومما نقله إليّ من اللطائف أن العلامة جواد ركب إحدى سيارات الأجرة في بغداد، يوماً، وفي الطريق شغل السائق المذياع، وكان برنامجه من الإذاعة (قل ولا تقل) يذاع، فضجر السائق وأغلق المذياع وقال باللهجة العراقية العامية: (اسكت گ…..)، فطلب مصطفى جواد التوقف ونزل من السيارة وهمس في أذن السائق: (قل قوّاد ولا تقل كوّاد)، فسارع السائق للاعتذار منه وقبل مصطفى جواد اعتذاره وضحك..

ومن الطرائف التي أثارت الجمهوروالصحف المحلية ان أحد السائلين سأله عن أنواع التمور في العراق، فما كان من العلامة جواد الاّ وأجابه بقصيدة طويلة ذكر فيها جميع أصناف التمور المعروفة في العراق مع بعض التعليقات الطريفة على بعض الأسماء مثل: الطبرزد ولا تقل التبرزل: والأزادي ولا تقل الزهدي قضي شطرا طويلا من حياته في متابعة ومشاهدة الأفلام السينمائية، وسئل عن أسباب دوافعه لرؤية الشاشة، قال: (ليس للتسلية بل حب لمعاينة الهارب في الأفلام البوليسية) أين ذهب وأين اختبأ ومتي يقبض عليه، والمطاردة في الأفلام البوليسية تشبه المطاردة في تحقيق الكتب التراثية: من المؤلف ومتى حبر الكتاب وأي نقص يختفي بين الأسطر والصفحات، وهذه المطاردة حتما ستقوده في يوم أو في زمن إلى الكشف عن الغنيمة اي الحقيقة

ومرة التقى العلامة جواد الزعيم عبد الكريم قاسم وقال له: (أرجو أيها الزعيم أن لا تقول: الجَمهورية بفتح الجيم، بل قلْ الجُمهورية بضم الجيم) وتقبل الزعيم النصيحة، لكنه تساءل عن السبب، فقال له مصطفي جواد: (لأن المأثور في كتب اللغة هو “الجُمهور” بضم الجيم ولأن الاسم إذا كان على هذه الصيغة وجب أن يكون الحرف الأول مضموماً لأن وزنه الصرفي هو فعلول كعُصفور

ومرة أخطرته وزارة المعارف بكتاب رسمي بضرورة عدم نشر المقالات في الصحف استنادا للقوانين التي لا تجيز للموظف المشاركة في الأمور العامة والنشر في وسائل الإعلام، فقام بتصحيح الأخطاء الواردة في الكتاب بالقلم الأحمر وأعاد الكتاب إلى الوزارة داعيا أن تقوم بتقويم كتابها قبل أن تقّوّم الآخرين

وذات يوم كان مسافرا خارج العراق وعند وصوله مطار البلدة التي يروم السفر إليها طلب منه الموظف المسؤول إبراز وثيقة التطعيم ضد الجدري فأخطأ في نطق الكلمة بكسر الجيم ورفع التشديد فرد عليه الجواد قل الجدري برفع الجيم وتشديد الدال فهز الموظف رأسه مستغربا وسمح له بالمرور وكان العلامة جواد بعيدا عن السياسة ومشكلاتها ولا يعنى بمتابعة مجرياتها حتى قيل إنه لو سئل عن مدير شرطة بغداد لصعب عليه معرفته ولكن لو سئل عن رئيس الشرطة في زمن هارون الرشيد لقال إنه فلان ابن فلان عين لرئاسة الشرطة سنة كذا وعزل من عمله عام كذا وتوفي عام كذا واستخلفه فلان الذي… الخ ولأورد تاريخ الشرطة في ذلك الزمن من دون أن يعنى بالحاضر لاشتهاره باهتماماته التاريخية وانصرافه للعلم وحده

وحينما أسس الدكتور رياض الدباغ جامعة ديالى اطلق اسم العلامة على احدى القاعات تخليدا له… ولا بد أن أذكر أن (العائلة المالكة) انتقته لتدريس الملك (فيصل الثاني) درس اللغة العربية لقد كان وداعه الأخير تظاهرة كبرى سار في توديعه جمهور كبير من محبيه والمعجبين بأحاديثه التلفازية عن محلات بغداد القديمة،وبرحيله فقد العراق علماً من أعلامه البارزين ورمزاً من رموزه الخالدين

كتبه وأبحاثه ترك خلفه كنزا ثمينا من آثاره ومؤلفاته المختلفة في شتى ميادين المعرفة بلغت مجموعها 46 أثرا، نصفها مطبوع ونصفها الآخر ما زال مخطوطا له العديد من المؤلفات المشتركة ومقالات ودراسات منشورة لم تجمع بعد وكتب مترجمة عن الفرنسية. بلغت كتبه المطبوعة عشرين كتابا بين تأليف وتحقيق ونقد، وبلغت كتبه الخطية أكثر من عشرة كتب. نقد شعره مرارا لأنه شعر علماء يغلب فيه المنطق على الوجدان، أما مقالاته في المجلات فتقدر بألف مقالة تتركز في علم التحقيق وعلم المخطوطات والتاريخ والآثار العباسية والنقد اللغوي. بالإضافة لكونه من عباقرة اللغة العربية وموسوعة معارف في البلاغة والسير والأخبار والآثار، كان مؤرخا معروفا وله مصادر تاريخية موثوقة يرجع إليها الباحثين والمهتمين في شؤون التاريخ. فكانت حياته الثقافية حافلة بالإبداعات في البحث والتنقيب والتخصص في اللغة وتاريخها فألف وحقق ما يثريها ويعمق من معرفتها والتمعن بها، باذلا جهوده في الإحاطة بها وتدريسها لأكثر من خمس وأربعين سنة

من مؤلفاته الحوادث الجامعة” أول كتاب صدر له (1932) سيدات البلاط العباسي.” (1950) “المباحث اللغوية في العراق” (1960) “سيرة أبي جعفر النقيب” (1950) “خارطة بغداد قديما وحديثا” (مع الدكتور أحمد سوسة وأحمد حامد الصراف) “دليل خارطة بغداد” (مع الدكتور أحمد سوسة) “دليل الجمهورية العراقية” لسنة (1960) (مع محمود فهمي درويش وأحمد سوسة) “الأساس في الأدب” (مع أحمد بهجت الأثري وكمال إبراهيم) دراسات في فلسفة النحو والصرف واللغة والرسم” (1968) “قل ولا تقل” (1969) “قصة الأمير خلف” (مترجمة عن الفرنسية) “رحلة أبي طالب خان” الرحالة الهندي المسلم للعراق وأوروبا عام 1799 (طبع سنة 1970) “دليل خارطة بغداد المفصل” (مع الدكتور أحمد سوسة) مطبعة المجمع العلمي العراقي (1958) “جاوانية القبيلة الكردية المنسية” المجمع العلمي العراقي “رسائل في النحو واللغة” آخر كتاب طبعه (1969) “مستدرك على المعجمات العربية” كتاب خطي “الشعور المنسجم” ديوان شعر

الدكتور عناد غزوان الضائع في معجم الأدباء” أعادت دار المدى بدمشق نشر الكتاب بتقديم الدكتور عناد غزوان، تلميذه الوفي له ولدراسة الأدب واللغة والنقد الأدبي، بحثا وتدريسا واهتماما وسهرا على ما غرسه العلامة بنفوس محبي لغتهم وتراثها الإنساني كتاب المختصر المحتاج اليه من تاريخ بغداد وغيره العديد وإن دل على شيء فيدل على رسوخ علمية الرجل

حسين علي محفوظ ومن آراءه العلمية التي نقلها عنه حسين علي محفوظ قوله ان (الشيخ عبد القادر الجيلاني ولادة قرية جيلان العراق قرب المدائن لا جيلان طبرستان وان سكان الجيل العراقية من الأكراد وهذا ما يفسر تعلق الأكراد بالزاهد عبد القادر الجيلاني لأنهم يعتبرونه منهم)

العلامة سالم الألوسي صرح بذلك محفوظ، وأيضا ذكر العلامة سالم الألوسي، ان الرئيس احمد حسن البكر في بداية حكمه، طالب إيران باسترجاع رفات الخليفة هارون الرشيد، كونه رمز لبغداد في عصرها الذهبي…

وذلك بدعوة وحث من المرحوم عبد الجبار الجومرد الوزير السابق في عهد عبد الكريم قاسم، ولكن إيران امتنعت، وبالمقابل طلبت استرجاع رفات الشيخ عبد القادر الكيلاني، كونه من مواليد كيلان إيران،وعندها طلب الرئيس من العلامة مصطفى جواد، بيان الامر، فاجاب مصطفى جواد: إن المصادر التي تذكر أن الشيخ عبدالقادر مواليد كيلان إيران، مصادر تعتمد رواية واحدة وتناقلتها بدون دراسة وتحقيق، أما الأصوب فهو من مواليد قرية تسمى (جيل) قرب المدائن، ولا صحة كونه من إيران أو أن جده اسمه جيلان، وهو ما أكده العلامة حسين علي محفوظ في مهرجان جلولاء الذي أقامه اتحاد المؤرخين العرب وكان حاضرا الألوسي أيضا سنة 1996، وفعلا أخبرت الدولة الإيرانية بذلك ولكن بتدخل من دولة عربية وبيّن أنه عثر عليه في مطالعاته وقراءاته الكثيرة والمتفحصة لكتب التراث واللغة واضاف له ما يكمله وأحرى به حسب منهجه الذي ثبته في تقديمه: وقد فات ياقوتا ذكر فريق من الادباء، فمنهم من لم يطلع على تراجمهم، كما يدل عليه كتاب (بغية الوعاة) للسيوطي، ومنهم من لم يجدهم حريين بأن يذكروا في معجمه مع أنه نبه على أدبهم في معجم البلدان بحسب مواضع بلدانهم، فالمهملون استخمالا منه أو غفلة منه عنهم ليسوا في عداد الذين عقدت هذا البحث في ذكرهم، وانما عقدته فيما ضاع من التراجم من معجم الأدباء حسب، وعثرت عليه في مطالعاتي وتصفحاتي، وأضفت إليه أشياء أخرى للإفادة، وهو تراجم لـ(ست وأربعين) علما جديدا فاتت على ياقوت الحموي ، الذي كان من أعظم الجغرافيين العرب المسلمين في عصره بين القرنين السادس والسابع للهجرة، في ذلك العصر الذي كادت فيه المادة العربية والإسلامية توشك أن تضيع في طوفان الفتن المتلاحقة والمصائب المتتابعة، وهو أديب موسوعي في ترجماته وأسفاره آثر الاختصار والاعجاز في نهاية الاجاز على حد تعبيره في تأليفاته الموسوعية، والتي أضاف لها مصطفى جواد ما اعتبره ضائعا من معجم الأدباء إرشادا للأجيال الجديدة وحفاظا على موروث ثمين لابد من التواصل معه واستمرار ما يغني الأمة ويتابع المهمة

وفاته توفي في 17 ديسمبر عام 1969 في بغداد التي ولد فيها عن عمر ناهز الثامنة والستين بسبب مرض عضال لازمه سنواته الأخيرة. سار في تشييعه رئيس الجمهورية العراقية أحمد حسن البكر وأقيمت في الذكرى الأربعينية لوفاته حفلة تأبينية كبرى حضرها مندوب عن رئيس الجمهورية وعدد كبير من الوزراء والمسؤولين وشعراء الدول العربية والإسلامية وجمهور غفير من أصدقائه وطلابه ومحبيه، ثم نظمت وزارة الثقافة والإعلام معرضا يضم مخلفاته وآثاره الشخصية والعلمية افتتح يوم 25 مارس 1970 فيوم صنع له تمثالا في ديالي صعد إليه من يهشم يده التي فيها القلم، فهو لم يسلم من الأذى حتى وهو ميت، لأن الأقدار دائما تترصد عباقرة العصور أحياء أو موتى، وكان يعرف رصيده من ذلك قائلا رشحتني الأقدار للموت لكن أخرتني لكي يطول عذابي ومحت لي الالام كل ذنوبي، ثم أضحت مدينة لحسابي

رحمه الله فلقد كان العلاّمة الدكتور مصطفى جواد لايحتاج إلى تعريف فالمعروف لا يعرّف

المصادر ذكرى مصطفى جواد، الدكتور سالم الألوسي تاريخ المجمع العلمي العراقي، الدكتور سالم الألوسي

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية | Leave a comment

المعارضة والنظام – المسلمين والبعثيين -وجهان لعقلية واحدة

sa1

المعارضة والنظام – المسلمين والبعثيين -وجهان لعقلية واحدة
معلولا مدينة يعود تاريخها للقرن العاشر قبل الميلاد، وهي المدينة الوحيدة في العالم التي يتكلم اهلها الآرامية، وحتى اصحاب البقاليات فيها يعرفون بالإضافة إلى الآرامية والعربية الفرنسية والانكليزية وهي منطقة مسيحية وتتميز عالمياً بمظاهرها وآثارها المسيحية، وكل سكانها مسيحيين، فما كان حاجاتها لجامع كبير للمسلمين ومقر ضخم لحزب البعث العربي الاشتراكي عند مدخل المدينة!!! (عند زيارتنا لم نجد اي كائن بشري مسلم او بعثي هناك ولم نجد في المقرين
sa2
غير ذاك الحمار الموجود بالصورة)

 

 

sa3

Posted in ربيع سوريا, كاريكاتور | Leave a comment

DNA 09/09/2013 ! OTV فضيحة جبران باسيل و

Posted in ربيع سوريا, يوتيوب | Leave a comment

أفيقوا من أوهامكم مرّة ثانيّة

( هناك مثل شعبي يقول ” عرب وين طنبورة وين ” ) …
هذا المثل ينطبق على جميع تيارات الإسلام السياسي والذين يرفعون شعار ” الإسلام هو الحلّ ” كيف يكون هو الحل في ظل ظروف ومعطيات ومتغيرات ومستجدات الحياة وديدنهم الحجاب والنقاب وقتل المخالف والأذان في البرلمان والصلاة في المساجد والزواج من 4 نساء الخ …… ؟
في كتابه ” الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية المعاصرة للكاتب فؤاد زكريا يقول ” :

“ إن العقل الذي اعتاد أن يسير في اتجاه واحد , والذي يعجز عن فهم حقيقة النسبية وتعدد طرق الوصول إلى الحقيقة , لابد أن يوصل أصحابه , دون أن يشعروا , إلى هذه النتائج الخطيرة. وهكذا يصبح من بديهياتهم التي لا تناقش , الاعتقاد بأن الشك خطيئة , والنقد جريمة , والتساؤل إثم وجريرة” ………….

“فإن ما بين الحكم العسكري والتطرف الديني ليس إلا شعرة ، ففي الحالتين نجد تفكيرا سلطويا ، وطاعة عمياء ، واعتقادا بامتلاك الحقيقة المطلقة ، ورفضا للرأي الآخر ، بل معاملته علي إنه خيانة أو كفر ، وفي الحالتين تسود القوة على المنطق ، وتحسم المعارك بالتصفية لا بالحوار ، ويصادر حق العقل في الاعتراض واتخاذ موقف مستقل ، وتختفي المنابر الإعلامية التي تنمي في الناس ملكة التفكير النقدي” ………………………………

“إن دعاة تطبيق الشريعة يرددون عبارات ذات تأثير عاطفي هائل على الجماهير ، ونتيجة لهذا التأثير العاطفي تمر هذه العبارات دون أن يتوقف أحد لمناقشتها ، وتتناقلها الألسن محتفظة بمحتواها الهلامي، حتى تشيع بين الناس و كأنها حقائق نهائية ثابتة ، مع أنها في ضوء التحليل العقلي عبارات مليئة بالغموض والخلط ” ………………………………..

“هل سمع قارئ واحد عن برنامج لأية جماعة دينية اشتمل علي خطط محددة لمواجهة الأزمة الاقتصادية تعمل حسابا لمواردنا و مصروفاتنا و ميزان مدفوعاتنا والعلاقة بين القطاعين العام والخاص و التزاماتنا تجاه البنوك الدولية وأعباء القروض التي تثقل كاهلنا ” ………………………………

“انقياد الجموع الكبيرة من الناس إلى التيارات الدينية التي تركز جهدها علي الجانب الشعائري من الدين وعلى التحريمات الجنسية وشكل الملبس , الخ .., وتتصور أن أول جوانب تطبيق الشريعة وأهمها هو تطبيق حدود الخمر والسرقة والزنا وتتجاهل كلية مشكلات الحياة الاقتصادية والسياسية بتعقيداتها التي لا تنتهي – هذا الانقياد لا يمكن أن يكون علامة صحة وإنما هو حالة شاذة طارئة لم تعرقها مصر إلا في ظل عهود الحكم الفردي المتلاحقة وفي العهد الذي فتح الباب لتسرب الفكر “المتخلف” الوافد من مجتمعات بترولية تستخدم الدين أداة للحفاظ علي مصالحها في الداخل ونشر أيديولوجيتها “الهابطة” في الخارج .”

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

قصاصات

انتصارات الظل.

طوال النهار .. كان يمشي مترقباً، يتلفت في كل الاتجاهات، بطريقة مضطربة، لكنه كان يشد تركيزه نحو الأسفل، نحو جموع الظلال، تلك المحتشدة والساقطة من على أصحابها من المارة وكأنها جذور روحية أو شبحية. كان يحب أن يذهب إلى الأسواق المكتظة بالناس، هناك كان يختلس وضع قدمة على كل ظلال يمر به بطريقة انتقامية وحاقدة، كان يركز على أن يضع قدمه على عنق كل ظلال أو الوجه أحياناً، هكذا كان يعود إلى البيت مستريح النفس ومنتتشياً بعد كل هذه الانتصارات العظيمة التي حققها على الظلال.
…………………………………..

تمرد من نوع آخر

القى الزعيم خطابه، وحين لم يكن هنالك ما يثير حماسة الحاضرين للتصفيق، ولم يكن هنالك أي داع لذلك حتى .. قام أحد الحاضرين في أقصى الزاوية وصفق بحرارة للزعيم، صفق وحده دون أن يعير أي اهتمام لأحد. كان يبدو أكثرهم ولاء للزعيم ، وأكثرهم نفاقاً في تلك اللحظات.
فجأة، وحين لمح الزعيم أن في تصرفه نزعة تمردية، امر باعتقاله.

طلال قاسم – مفكر حر

Posted in الأدب والفن, فكر حر | Leave a comment

الدين ليس هو الحل لأن المتدينين هم المشكلة

الدين ليس هو الحل لأن المتدينين هم المشكلة
قالت العرب :اذا عقلك عقلك عما ينبغي فأنت عاقل
فإن القيام بتحطيم زجاج سيارة متوقفة مثلما تقوم بتفجيرها بعفوة ناسفة لأن العقل الفوضوي هو المحرض كبر أو صغر مسرح الجريمة ،روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه انه قال ذكر رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم بعبادته قال كيف عقله قالوا يارسول الله ان من عبادته ان من تقواه قال كيف عقله قالوا يارسول الله نثني عليه بالعبادة واصناف الخير وتسألنا عن عقله قال :ان الاحمق العابد يصيب بجهله اكثر من فجور الفاجر وإنما يقرب الناس من ربهم بالزلف على قدر عقولهم 0
لاأحد يختلف على أن الاسلام هو أعظم دين إختاره الله للبشرية ليهديها به الى الطريق القويم لاأن يمعن بتشتيتها ويجعلها تتفرق عن سبيلة رغم أن كل الاديان ودعوة الانبياء مبدأها ومبتد أها هو الاسلام ،فأختار لهذا الدين أعظم الانبياء وخاتمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله ليس لقريش لكي تحصد به مكاسبها السياسية العنصرية كون (الأئمة من قريش ) وماعداهم سوقة لايصلحون لولاية ولايقودون راية وأن من قادوها مهمتهم تسليمها وتسليم مفاتيح الكعبة للفتى (القرشي) الذي يخرج في آخر الزمان ،وهو ايظا ليست خاصية للعرب ليفاخروا به غيرهم بكثرة الجواري والغلمان وإنما أرسله الله سبحانه وتعالى رحمة للعالمين وليس من أجل أن يختطف أتباعة طائرة مليئة بالأطفال والنساء ليفجروها فوق مناطق آهلة بالسكان, أويخطفوا سفينة في عرض البحر ،وليس ليقوم أحفاد أتباعه بتفجير أنفسهم في حفلة عرس ،وليس ليختطفوا نساء قرية آمنة مطمئنة يقتلون رجالها ويستحيون نساءها كماهي عقيدة (فرعون)بتصفية خصومه تلك العقيدة التي أذلت اليهود وخلفت لديهم نزعة التدمير (التلمودية) التي تطبقها في كل حروبها التاريخية على كل ماهو خارج منظومة القيم التوراتية فتحطم الحجر والشجر والبشر في تطابق عجيب مع التعاليم التي يصدرها الان من يعتقدون انهم ينصرون الله ورسولة وكأنهم رضعوا تعاليمهم ليس من القرآن بل التقطوها من تعاليم كتاب (آخر) نسخت جميعها بدمائها واشلائها ليتم تطبيقها عقب كل صرخة هي لله 00 هي لله لتكتشف أنها صدى آخر يتردد خارج المنصة هي للكرسي 0000هي للكرسي
ماذا ينقص من الدين لو جلس المرء ببيته ووضع قرآنه بحجره وصلى وصام دون أن يصب مالا حراما أو دما حراما وهو يستطيع ان يبلغ رسالة ربه من خلال جهاز يضعه بجانبه ليلتقط اشاراته في الفضاء إنسان حائر يبحث عن مخرج لأزمته الوجودية دون أن يراه يلحس خنجره ليقطع رأسه أو يتمنطق بحزام ناسف ليفجر بيته أو يحرق جثث أطفاله ، اليس هذا جدير بالفوز بالجائزة التي اعدها الله له ،أليس الله سبحانه وتعالى وهو أكرم من اعطى وأصدق من أوفى تكفل له بهذا عندماقال على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم :(لأن يهدي الله بك رجلاواحدا خير لك من حمر النعم) والهداية لاتكون في الاكراه ولاتكون إلا عن طريق إعلاء قيم التسامح والمحبة فكيف تكون حريص على هدايتي ويأخذك حبك لي وحماسك على ان أدخل جنة الله بأن تعمل على ان تفجر بيتي او تقتل أطفالي ، أين تجد محبة الله التي يفرح بتوبة عبده كما تفرح الوليدة بمولودها بتصرفات كل معتنقي الاديان الذين أضلوا بها عباد الله وجعلوها عناوين للخوف والارهاب ،وجعلوا من الدين كهف مظلم لايحوي إلا العظام البالية ومكان آمن لطيور الظلام تعشش في جنباته ، الله سبحانه وتعالى لايريد ان يكون (دينه) قناعا يرتديه اللصوص والقتلة ومصاصي الدماء البشرية عبرالتاريخ ليسرقوا تعاليمه ويزورون على انبيائه ويوقولونهم مالم يقولوا 0
قبل عشرين سنة كنت من (الموهومين ) بفكرة الخلافة وكان عقلي رهين قصر(الخليفة) وأن المسلمين هم ضحايا يتم التآمرعليهم من قبل الغرب والحكام المحليين لكي لايصلوا للسلطة وبالتالي عرقلة (أمة) محمد(صلى الله عليه وسلم) عن إقامة مشروعها السياسي العظيم لكي لايتسنى لهم تحرير المقدسات الاسلامية ويعيدوا (الأندلس) السليب من براثن الإحتلال الأسباني (الوطني) حتى إكتشفت أن عرقلة هذا المشروع هو رحمة (بأمة )محمد صلى الله عليه وسلم لكي لايتحكم هؤلاء برقاب الناس ،كيف لي أن أقنع نفسي والاخرين أن القاعدة وجبهة النصرة اللتان هما احد أذرعة جيش المسلمين على ألأرض من أصحاب (الرعب الأبيض) ومن ورائهم أصحاب (الرعب ألأسود) كجيش المهدي وحزب الله يمكن ان يحملوا مشعل الخير والهداية والأمن للناس والإستقرار للأرض أوأنهم خير من يمثل اتباع نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم وهم (الأمناء) على قيام هذا المشروع أو أؤمن أن مفاتيح الكعبة يجب أن تمنح لأصحاب الرعب (المزدوج ) لكي يقيموا خلافتهم على جماجم المسلمين اولا ماذا لو قدر لهؤلاء وهؤلاء امتلاك الاسلحة الكيماوية والجرثومية وحتى النووية، ليزيد يقيني أن مشروع مايسمى الحكم (الاسلامي) في الجملة هو مشروع فاشل لانه بلا مشروع اصلا لأن الاسلام اعظم من ان يكون مشروعا يدار بنظرية المقاول والمشرف /المرشد …
يتساءل الإنسان البسيط ماهي (الحكمة) من توريطه مع هؤلاء المتدينين وفرقهم التي تتقاذفه على مر الاجيال وكل اتباعها يدعون انهم يملكون الحقيقة ويمنحونه السلام الورقي ولكن عندما يقف على أرض الحقيقة تتزلزل الارض من تحت قدميه وهو يراها تغوص في الدماء التي ترتكب كلها باسم الله الواحد ، مشروع الأديان هو مشروع (شخصي) للفرد وصفقة شراء مع الله بموجب عقد بين طرفين الهدف منه التسليم والرضى بإاردة الله ومشيئته وإفراده بالعبادة مقابل التزام من الله بأن يدخله الجنة فالإسلام مشروعي (الخاص) أقيمه على نفسي وأهل بيتي في إطار قانون عام (شامل وعادل) يأمن به الكافر والمؤمن على نفسيهما في هذه الحياة الدنيا والعاقبة للمتقين (لايضركم من ضل اذا أهتديتم) نهايته هو الفوز بصفقة (الجنة) التي يستطيع المرء ان يحضى بها ولو (بشق تمرة) و لاتحتاج الى كل هذه التكاليف الباهظة من الدماء والنفوس المتنافرة , هذا العقد البسيط يستطيع أن ينفذه شخص يقبع في اخر مدن الدنيا التي لايعرف سكانها الابتهالات والترانيم الدينية ولاحتى مكبرات الصوت ،يجلس وحيدا يسبح بحمد الله قد يذكره الله جل وعلا فيمن عنده دون الحاجة الى ان ينتمي الى أي منظمة إرهابية أو أي جماعة تصر على انها تسيئ لسمعة تعاليمه على الأرض ودون حاجته لتجشم كل هذا العناء ليقوم بقطع رقبة عبدا من عباد الله وهو يصدح بالتكبير ،حتى انه ليخال للمرء احيانا أن الجهل بالدين هو نعمة تستقر معها الاوطان وتأمن البشرعلى انفسها قبل ظهور المتدينين الذين حرفوا تعاليم الانبياء عن مسارها الصحيح فأصبحوا هم المشكلة وليس علاج لمشكلة حتى ان الدول التي لم يتسلل اليها المتدينون هي اكثر بلدان الارض نماءا وإستقرار ماهذا الابتلاء العظيم وماهي الكارثة التي ارتكبت بحق دين الله ليكون مهمته اشعال الحرائق (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين) الأمم لاتحتاج كل هذه التعاليم الجوفاء لكي يدخلها الله الجنة مع وجود خيار استراتيجي عظيم يقرره الله لعبادة من شاء فل يؤمن ومن شاء فل يكفر بعد استحقاق التبشير والانذار 0
جميع ألأديان رسالتها للبشرية هي السلام وعندما تجد دينا يبيح القتل في تعاليمه وتدمير الناس فأعلم انه دين اخر غير الذي ارتضاه الله للناس لعبادته أوأختاره ليكون لهم طريقا مستقيما لأن الطرق المستقيمة من المستحيل ان تكون ممهدة بالدماء ومستحيل ان يكون الله جعلها طريقا لرضوانه ،إنها فقط طرق الشياطين الملتوية التي تقود الى الدهاليز والحفر الضيقة رغم انها تلبس لباس التقوى وترتدي رموز التدين ولكن لاتجد اكثرهم مؤمنين في نهاية الطريق فلكي نقنع الاخرين بعدالة مشروعنا (الاسلامي) علينا أولا أن نحمي المسلمين من المسلمين قبل أن نستعد لأي غزوة مباركة في الخارج 0

عمري الرحيل
السعودية –عرعر

Posted in فكر حر | Leave a comment

الإسلام السياسي و أوهام التّمَيُّز عن المسيحية السياسية

على ضوء تجارب التاريخ السياسية التي إلتحفت عباءة الدين يجد الإسلاميون أنفسهم مُحرجين من مصطلح ( دولة دينية ) أو ثيوقراطية ، وبدلاً من أن يكون هذا الإحراج بل والعار التاريخي مصدراً أو دافعاً لتغيير أطروحاتهم وتصوراتهم تلك و القائمة على أساس دمج الدين بالسياسة فإنّهم يلجأون لإقامة تمييز ـ زائف كما سنرى ـ بين الطرح أو التصور الإسلامي للدولة وتصور بقية الأديان لها ، لا سيّما المسيحية صاحبة التجربة السياسية الأكثر ظلاماً وبشاعةً ، فيخرجون علينا ـ أي الإسلاميون ـ بمصطلحات وشعارات ومقولات ما أنزل بها الله من سلطان ، مثل تقسيم الدول إلى ثلاثة : دولة دينية ودولة علمانية ودولة اسلامية ويصوغون ذلك في مقولة ( ليس في الإسلام دولة دينية بالمعنى الثيوقراطي ولكن يوجد دولة مدنية بمرجعية إسلامية ) وكأنّما الإسلام ليس ديناً ، وسنعود لاحقاً لتحليل هذا الشعار وفحصه ، وفي سياق زعمهم بوجود خصائص مائزة لتصور الإسلام للدولة عن بقية التصورات الثيوقراطية المظلمة التي عرفها تاريخ البشر ، و يُجمِل الإسلاميون هذه الفروقات التي تعصم دينهم عن إعادة تجارب المسيحية في القرون الوسطى في ثلاث ، هم حسب إعتقادي المُستمَد من محاوراتي العديدة معهم في هذا الشأن :

الفرق الأول حسب إعتقادهم : الإسلام ليس فيه طبقة رجال دين ولا كنسية لذلك لا مجال لإعادة إنتاج تجربة المسيحية في القرون الوسطى ، فبالإسلام الأمر شورى .

الفرق الثاني : الإسلام لم يشهد تجرية ثيوقراطية ولا محاكم تفتيش كالمسيحية لأنّ بنيته لا تتيح له ذلك .

الفرق الثالث : الإسلام إهتم بالتشاريع الدنيوية وليس كالمسيحية التي إنصبّ إهتمامها على الأمور الدينية وأهملت الأمور الدنيوية ، فالإسلام ـ حسب إعتقادهم ـ لا يفتقر كالمسيحية للمكون النظري السياسي والدنيوي لذلك سيُكتب لتجاربه السياسية النجاح وذلك لغناها النظري . وفيما يلينا سنبين ملاحظاتنا او مآخذنا على هذه الفروق كلٌّ على حدة .

الفرق الأوّل : وهو الزعم (( بعدم وجود كنسية أو طبقة رجال دين في الإسلام لذلك لا يمكن أن تتحول الدولة الإسلامية إلى دولة ثيوقراطية )) . وأحد أبرز ممثلي هذا الزعم هو محمد عابد الجابري المفكر الإسلامي المعروف الذي قال : (( الإسلام ليس كنيسة كي نفصله عن الدولة ، فهو لا يحتاج إلى علمانية غربية ، العلمانية بمعنى فصل الدين عن الدولة غير ذات موضوع في الإسلام ، لأنّه ليس هناك كنسية حتى تفصل عن الدولة أو تُفصل الدولة عنها )) .
وهذا القول يتعمد وضع المقدمات الخاطئة لإيقانه بأنّ المقدمات الموضوعية كفيلة بهدم القياس أو الإستدلال الصوري التي بنى عليها الجابري مقولته تلك ، فالعلمانية ليست فصل الكنسية عن الدولة ، ولا يوجد تعريف موضوعي للعلمانية ورد بهذه الصيغة التي يضعها الجابري كمقدمة لإستدلاله على عدم حوجة الإسلام للعلمانية ، والجابري يدرك تماماً أنّ العلمانية هي فصل الدين ـ وليس الكنسية ـ عن الدولة ، ولكن لو إعتمد هذه المقدمة لإستحالت مقولته تلك إلى مجرد حشو لا قيمة له ، ولما كان الإسلام دين والعلمانية تعني فصل الدين عن الدولة فهذا يعني أنّ الإسلام هو مُكوِّن أو قضية ذات علاقة موضوعية بالعلمانية ، وليس كما يزعم الجابري بأنّ العلمانية غير ذات موضوع بالإسلام .

هذا من ناحية من ناحيةٍ ثانية فإنّ الإسلام وإن لم يكن به كنيسة أو طبقة رجال دين (( اكليروس)) ـ وهذا القول قد يصدق على الإسلام السني لكنه لا يصدق على الإسلام الشيعي الذي تمثل الإمامة المعصومة ركناً جوهرياً فيه ـ أقول قد لا يكون بالإسلام كنسية والأمر لا يتعلق بالمسميات فقط ، فبالإسلام سلطة دينية وهذا بإعتراف الإسلاميون أنفسهم عندما يتحدثون عن شمولية الإسلام وهيمنته على مناحي الحياة منهجاً سياسياً وحياتياً للفرد وللمجتمع ، و أي تصور ديني ـ إسلامي أو غير إسلامي ـ لنمط الحكم ، سواءً كان صاحب التصور هو تيارفكري كالإسلاميين أو غيرهم ، فما إن يسود هذا التصور ويحكم ـ بأيّ وسيلةٍ وصل بها إلى الحكم ـ فسيكون هذا التيار صاحب التصور الذي يحكم بمثابة طبقة رجال دين (اكليروس) مهمتهم تنزيل كتاب الله واقعاً معاشاً كما يتصورونه هم بالطبع طالما أنّهم بالسلطة ، لأنّ وظيفة الحاكمين ستكون ذات وظيفة ال (الاكليروس) في ظلِّ الحكم الثيوقراطي ، وهي وظيفة حكم الناس بما يُتصور أنّه شرع الله ، وهو لايعدوا في آخر الأمر أن يكون ماهية تصورهم لهذا الشرع ، فسيحرِّمون ويُحلِّلون بما تُمليه عليهم رغباتهم وأمزجتهم ووجهة نظرهم التي تتطابق طبعاً ووجهة نظر الله .

وهذا ما حدث بالفعل تاريخياً كما سنعرض لاحقاً من نماذج لدول ثيوقراطية إسلامية في محضر نقدنا للفرق الثالث الذي يزعم بعدم وجود دولة ثيوقراطية بتاريخ الإسلام ، فإنّه سواء حكم الإسلاميون أو غيرهم بإسم تعاليم يدّعَوون أنّها من السماء ، وفرضوا تصورات محدّدة ـ تصوراتهم الذاتية عن الدين ـ كنمط تدين على الآخرين الإلتزام به ، فهذا يعني أنّهم قد تحوّلوا إلى ( اكليروس) إسلامي ، وأنّ نظام حكمهم قد تحول إلى حكم ثيقراطي ( فقهائي ) بدلاً عن ( بابوي ) . لذلك لا معنى للحديث عن ( خلو الإسلام من اكليروس) فالمسألة ليست مسألة مسميات بقدر ماهي مسألة متعلقة بطبيعة مناهج الحكم وآلياته والمصادر التي يستمد منها شرعيته .

والواقع الفعلي لممارسات الإسلام السياسي وأُطروحاته تُرسِّخ لسلطة رجال الدين عبر توحيد سلطة الدين والسياسة في يد واحدة فيصبح المخالف هو منكر للدين ومارق عنه ، فشعار الحركات الإسلامية ـ التي تزعم أن لا وجود لطبقة رجال دين متحكمون أو كنيسة ناطقة بإسم السماء ـ يتمثل في حكم المجتمع بالدين ، وطالما أنّ الله لن ينزل بنفسه ويتولى شؤون الحكم دينياً فهذا يعني أنّ الإسلاميون هم من سيفعلون ذلك نيابةً عنه وبالتالي يكونون هم أنفسهم طبقة رجال الدين التي أنكروا وجودها في محضر سعيهم لنفي إمكانية إعادة تجربة المسيحية في القرون الوسطى بالإسلام . .

ندلف بعد هذا إلى مناقشة الفرق الثاني الذي يعتبره الإسلاميون واقياً لهم من إعادة تجربة المسيحية في القرون الوسطى بأوروبا ومائزاً لهم عن المسيحيين ، والذي يتضمن زعمهم بأنّ : الإسلام لم يشهد تجرية ثيوقراطية ولا محاكم تفتيش كالمسيحية لأنّ بنيته لا تتيح له ذلك ، وسنعود إلى مسألة بنية الإسلام لاحقاً لنرى إن كانت بنية واحدة أم لا ، ولنرى إن كانت تجعل من الدول التي قامت على أساسه ـ أي الإسلام ـ دولة ثيوقراطية أم لا ، ولكننا هنا سنكتفي بنبش بعضاً من التاريخ الإسلامي لنحقِّق في زعم الإسلاميين بخلو تاريخ الإسلام من الثيوقراطية ، وسنستعرض نموذج الإمام الغزالي ـ حُجّة الإسلام ـ للرد على الزاعمين بعدم وجود طبقة رجال دين في الإسلام ، فأفكاره كانت بمثابة الميكانزم الفاعل في تأسيس الدولة الثيوقراطية وكذلك التأسيس النظري لما يمكن أن نسميه محاكم التفتيش في العهد العباسي .

فالغزالي يُمثل نموذجاً لفقيه السلطان الذي يُعادل موضوعياً في التراث الإسلامي سلطة طبقة رجال الدين في التاريخ المسيحي فهو الذي يمنح صكوك الإيمان وينزعها عمن يشاء او بالأدق عمن يُعارض الدولة العباسية وخليفتها المستظهر بالله الذي كتب الغزالي بتوجيه سياسي منه كتاب ( فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية ) الذي تركّزت مادته على إظهار فضائل الخليفة العباسي المستظهر بالله والتشنيع على خصومه وتكفيرهم ومحاكمة عقائدهم والتفتيش عن ( بواطنهم ) ، ويتّضح من الكتاب أنّ الغزالي لا يُحارب ( الباطنية ) في سياق معركة فكرية خالصة دفاعاً عن الدين والعقيدة بل يُساهم بفكره وبقدرته العقلية السجالية في معركة سياسية زجّهُ فيها الخليفة المستظهر عندما إستشعر قوة شوكة الشيعة في مناهضة النظام العباسي .

ويعترف الغزالي نفسه في مقدمة الكتاب بأنّ تأليفه للكتاب جاء إستجابةً للأوامر ( الشريفة المقدسة المستظهرية ) حيث يقول : ( فإني لم أزل مدّة المقام بمدينة السلام متشوقاً إلى أن أخدم المواقف المقدّسة النبوية الإمامية المستظهرية ضاعف الله جلالها ومدّ على طبقات الخلق ظلالها بتصنيف كتاب في علم الدين إقضي به شكر النعمة وأُقيم به رسم الخدمة وأجني بما أتعاطاه من الكلفة ثمار القبول والزلفى حتى خرجت الأوامر الشريفة المقدسة النبوية المستظهرية ـيعني الخليفة المستظهر ـ بالإرادة إلى الخادم ـ يعني الغزالي نفسه ـ في تصنيف كتاب في الرد على الباطنية … وكيف لا أُسارع إليه ؟ وإن لاحظت جانب الأمر ألفيته أمراً مبلغه زعيم الأُمّة وشرف الدين ، ومنشأه ملاذ الأُمّم أمير المؤمنيين وموجب طاعته خالق الخلق رب العالمين ) إذاً قام الغزالي بالتصدي بوصفه ناطقاً رسمياً ( حكومياً ) بإسم السماء بالتصدي لمناهضة فكر ( الباطنية ) ليس كموقف فكري بقدر ما كان إسهاماً سياسياً للدفاع عن حق الخليفة العباسي في الإمامة والذّب عن إستقرار الوضع السياسي والذي كان يهدِّده المد الشيعي .

هذا ما كان من أمر التأسيس النظري الذي قام به الغزالي لمحاكم التفتيش الإسلامية وختمه بسفره ( تهافت الفلاسفة ) والتي تجلّى ـ أي هذا التأسيس النظري لمحاكم التفتيش ـ عملياً في صلب الحلاج ، وحبس المعري ، وسفك دم ابن حيان ، ونفي ابن المنمّر ، وحرق كتب الغزالي نفسه فيما بعد وابن رشد والأصفهاني ، وتكفير الفارابي وابن سينا والكندي ، وذبح السهروردي ، وطبخ أوصال ابن المقفّع في قدر وشويها أمامه ليأكل منها قسراً قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة بعد جولاتٍ من التعذيب البشع ،و قتل الطبري ، وكذلك ذبح ابن الجعد بن درهم ، والتمثيل برأس احمد بن نصر والطواف بها في الأزقة ، وقتل لسان الدين بن الخطيب خنقاً وحرق جثته ، وتكفير ابن الفارض ومطاردته في كل مكان .

وحتى قضية قدم القرآن وحدوثه كانت من القضايا التي حسمتها السلطة السياسية في الإسلام في واحدة من تجلياتها الثيوقراطية ، حيث نجد أحمد بن حنبل قد تم تعذيبه عندما أمره المأمون بأن يعترف بخلق القرآن أو تُقطع يديه ، في حدث مطابق لما كان يحدث في المسيحية قديماً فيما يُعرف ب (الحرومات ) أو ( اللعنات ) وهي عبارة عن إقرارات إيمانية تُعرض على المسيحي فإن قبلها كان مؤمناً وإن رفضها عُدّ ( هرطوقياً / مهرطقاً ) لا ينتسب للجماعة التي إختارها الرّب ، وهذا ماحدث لإبن حنبل الذي رفض فرمان الخليفة المأمون الذي يأمره بالإقرار بخلق القرآن ، فعُذِّب حتى أنّه عندما كان يُجلَد كان فقهاء السلطان ـ المعتزلة ـ يقولون للمأمون : يا أمير المؤمنيين هو كافرٌ دمه حلال فإضرب عنقه وذنبه في رقابنا . نفس الأمر نجده قد حدث للبخاري الذي كان يقول بأنّ لفظ القرآن مخلوق ، فتم طرده من نيسابور وتم تكفيره وسرعان ما لحق به أحد أبرز معجبيه الإمام (مسلم ) الذي تم تكفيره بالمثل ووصمه بالجهالة . .

إذن فتاريخ الإسلام عرف محاكم التفتيش أوالحسبة التي ظهرت بسورة سافرة في الزمن العباسي المتأخر وإمتدت حتى العهد المملوكي والعثماني حيث وظيفة المحتسب أو الفقيه أن يستخرج الأحكام ويُحدد ماهية شرع الله ويُقيِّم الإنتاج المعرفي من حيث مدى إنطباقه على شرع الله كما يتصوره هو ، أي المحتسب ،وأهم ما يميز هذه الوظيفة عدم وضوح مهام المحتسب وحدود صلاحياته حيث يرى القائم بالإحتساب الأمر منكراً فيردعه فوراً دون الرجوع لسلطة أخرى ، بل كان المحتسب أحياناً يُمارس سلطة حتى على القاضي أو الشرطي الذي يراه منحرفاً أو ضالاً ، وسرعان ما تضخم دور المحتسب وأصبح جهازاً للمخابرات الفكرية مختص بمتابعة ومراقبة كافة مجالات النشاط الإنساني الفكري الديني أو السياسي أو المفلسفي ويرصد لنا التاريخ أحد أشهر المملوكيين المحتسب الزيني بركات وغيره من رُسل الرعب الفكري .

إمتدت محاكم التفتيش الإسلامية لتصل حتى العصر الحديث حيث نجد إعدام النميري والترابي للمفكر الإسلامي محمود محمد طه ، وتكفير طه حسين وعلى عبد الرازق ، ومطاردة الأخير في ( رزقه ) وطرده من الجامعة وسلب الأزهرية منه ، ونصر حامد ابوزيد الذي صدر حكم بالتفريق بينه وبين زوجته ووقف ترقيته الجامعية ، وتعرض نجيب محفوظ لمحاولة إغتيال ، وأحياناً تتم المحاكمة وتنفيذ العقوبة غيايباً على أيدي إرهابي متطوع بأمرٍ من شيخه دون أن يُمنح المتهم الحق في الدفاع مثل ماحدث لفرج فودة الذي إغتيل مطلع التسعينيات من القران الماضي ومحاولة قتل نجيب محفوظ بطعنه بسكينٍ في عنقه ، ناهيك طبعاً عن إرهاب المحاكم الإسلامية بالصومال وتنظيمات القاعدة التي تقتل الأطفال والمدنيين لأنّهم كفار دون حتى أن تمنحهم حتى حق الدفاع ( الصوري ) الذي كان أيام محاكم التفتيش المسيحية .

إذاً نحن لو رجعنا للتاريخ فسنجد أنّ النموذج الثيوقراطي الإسلامي ـ عكس ما يدّعي الإسلاميون ـ قد حدث بالفعل عبر التاريخ الإسلامي القديم والمعاصر . وحتى اليوم ما يُمارسه رجال الدين من نفوذ بالمجتمع يجعلهم يستطيعون تأليب الناس على مفكر أو أديب وحملهم على قتله يجعل منهم ( اكليروساً ) ، طبعا يمكن أن يزعم الإسلاميون بأنّ كلّ هذه التجارب لاتعدوا عن كونها مجرد ممارسات خارج النّص الديني والشريعة الإسلامية أو نتاج قراءة خاطئة لهما ، وهكذا هي دائماً النصوص الدينية إمكانيات مفتوحة وغير متناهية لإستولاد مختلف القراءت المتناقضة حتى مع بعضها ،
فمثلما بالإمكان إستحضار قراءات بعينها لآيات مثل ( لا إكراه في الدين ) ( وأمرهم شورى بينهم ) ( لست عليهم بمسيطر ) لنفي عدم وجود رجال دين بالإسلام ، بالإمكان كذلك إستحضار قراءات مغايرة لايات مثل (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير , ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر , وأولئك هم المفلحون ) وما يُسمى بآيات الحاكمية لتأكيد وجود رجال الدين ودورهم القيِّم على المجتمع والدعوة والحكم طبعاً بالنسبة للإسلام السياسي .
لا أريد هنا النقاش في جدل فقهي أو ديني حول أيّاً من التأويلات صحيح ، ولكني أريد القول أنّ الإسلام ليس تصور واحد حتى نحكم بإستحالة تقبل بينته للثيوقراطية ، تماماً كما المسيحية ، مما يُلغي الفارق بينهما في هذه النقطة ويجعل من القول : بإستحالة إعادة الإسلام السياسي لتجربة المسيحية السياسية في القرون الوسطى على أساس التباين في بنيتهما ، زعم واهي وخاطئ تماماً .

الفرق الثالث هو زعم الإسلاميون بأنّ : الإسلام إهتم بالتشاريع الدنيوية وليس كالمسيحية التي إنصبّ إهتمامها على الأمور الدينية وأهملت الأمور الدنيوية ، فالإسلام ـ حسب إعتقادهم ـ لا يفتقر كالمسيحية للمكون النظري السياسي والدنيوي .وكما قلت من قبل أنّ جميع التجارب الدينية السياسية الفاشلة مسيحية أو إسلامية يمكن ببساطة تأويل نصوصها على أكثر من وجه ، بل وتقويل تلك النصوص ما لم تقله قسراً وكرهاً كما كان يزعم رجال الكنسية في القرون الوسطى بشمولية المسيحية وكما يُكرِّر اليوم الإسلاميون نفس الشئ حول شمولية الإسلام لكافة مناحي الحياة ، والحقيقة أنّ النصوص الرئيسية للإسلام بدورها ـ كما المسيحية ـ تفتقر أيضاً للتشاريع الدنيوية والحياتية ، وإنصب إهتمامها ـ أي تلك النصوص ـ على الروحانيات والغيبيات والأخلاقيات العامة ، وإلاّ فأين الإقتصاد الإحصائي بالقرآن ؟ و إجتماعيات الثقافة ؟ وتنظيم المعامل ؟ والسياسة النقدية ؟و العلوم اللسنية ؟و قواعد التغذية ؟ وتربية النسل ؟ وعلم النفس التجريبي ؟ و قواعد البيبلوغرافية؟ وقواعد ترميم التحف الفنية وغيرها من الأمور المعاشية التي يزعم الإسلاميون توافرها بالإسلام وعدم توافرها بالمسيحية .

وحتى لو سلّمنا جدلاً بصحة دنيوية الإسلام ولا دنيوية المسيحية ألاّ يُدين هذا التجارب الإسلامية أكثر من المسيحية إستناداً إلى أنّ فشل المسيحية يكون في تلك الحالة مُبرّراً بعدم وجود تشاريع دنيوية بها ، وبالتالي يكون الخطأ لا في المسيحية ولكن في تطبيقها ، بينما في الإسلام ـ وبما أنّه يحتوي على تشاريع وأمور دنيوية ورغم ذلك إتّسمت تجاربه السياسية بالفشل ـ لن نجد له مُبرِّراً لذلك الفشل طالما أنّ به تشاريع دننيوية مما يعني أنّ تلك التشاريع غير صالحة طالما أنّ تجاربها فشلت .

خلاصة القول هو أنّ الدين ـ أيّ دين ـ لا يمكن إدعاء إستحالة تكراره لتجارب المسيحية الظلامية بالقرون الوسطى بزعم أنّه متميزٌ عنها ، فلا عيسى أمر أتباعه بتسليم زمام أمورهم السياسية للكنسية ، ولا محمد أمر أتباعه بالخضوع لسلطة دينية تقوم على أكتاف الإسلاميين ، ورغم ذلك حدث وأن تحوّل الدينان ـ المسيحية والإسلام ـ إلى محاكم تفتيش تنبش في ضمائر الناس ووجدانهم ، لا نفرق بين أحدٍ منهما .

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment