وهم الهوية ودستور الأصولية

يونس شريف

يرمي هذا المقال إلي قراءة الصراع حول المادة‮ ‬219،‮ ‬بشكل يتجاوز مجرد الصراع الفقهي‮- ‬القانوني،‮ ‬أو حتي السياسي البحت،‮ ‬لاستكشاف أبعاده الإيديولوجية التأسيسية،‮ ‬وتجاوز جوانب من الزيف الذي يحيط بالمناقشة،‮ ‬وصولا إلي تحليل بشأن طبيعة الصراع،‮ ‬واقتراح موقف أساسي للمعسكر الديمقراطي في الجدل حول الدستور في سياقات الثورة المصرية‮.‬

‮(‬1‮) ‬بين المادة الثانية و219
الجدل حول المادة‮ ‬219‮ ‬يُخفي أكثر مما يُظهر‮. ‬المادة تحدد الشريعة‮ (‬باعتبارها المصدر الرئيسي للتشريع في المادة الثانية‮)‬،‮ ‬بأنها‮ “‬تشمل أدلتها الكلية،‮ ‬وقواعدها الأصولية والفقهية،‮ ‬ومصادرها المعتبرة،‮ ‬في مذاهب أهل السنة والجماعة‮”. ‬هذا التحديد يعني في واقع الأمر تعريف الشريعة بأنها ذلك التراث السابق المتراكم علي مر القرون من الفتاوي والمدارس الفقهية‮ (‬السُنِّية وحدها‮)‬،‮ ‬أي تعني الالتفاف علي سابق رفض إحلال كلمة‮ “‬أحكام‮” ‬محل كلمة‮ “‬مبادئ‮” ‬في المادة الثانية‮. ‬وهو ما يعني عمليا إحالة‮ ‬غائمة إلي تراث كامل،‮ ‬معظمه انتهي فعليا،‮ ‬يمكن أن تجد فيه كل شيء وصولا إلي أحكام معاملة العبيد والإماء‮. ‬هذه الإحالة لا ترمي إلي إعادة العبودية مثلا،‮ ‬بل وضع مبدأ دستوري يحيل المُشَرِّع والمجتمع بأكمله وجوبا إلي مجلدات ذلك الماضي بكل ما ورد فيها من اجتهادات‮. ‬
المادة‮ ‬219‮ ‬لا ترمي إذن إلي مزيد من الدقة في تحديد المقصود بالشريعة،‮ ‬بل إلي التخلص من كل دقة بإلقاء المجتمع والسلطة في خضم هذه المجلدات القديمة ليحاول أن يشق طريقه عبرها باعتبارها هي المجال المتاح له‮.. ‬لتتقاتل جميع القوي بالأوراق الصفراء‮. ‬
لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن هنا،‮ ‬ولم تنشأ من إقرار المادة‮ ‬219‮ ‬التي لم تطبق عمليا‮.. ‬بل تكمن في المادة الثانية نفسها‮. ‬كانت المحكمة الدستورية قد فسّرت المادة الثانية بأن مبادئ الشريعة هي المقاصد العامة للشريعة التي هي مقاصد عامة لا خلاف عليها في أي مجتمع تقريبا،‮ ‬مثل العدل والحرية والمساواة وما إلي ذلك‮. ‬كما قررت أن مبادئ الشريعة هي مجموعة قليلة من الأحكام قطعية الثبوت والدلالة‮. ‬
برغم ذلك أدت المادة الثانية في التطبيق إلي أحكام منافية للحرية الدينية والأخلاقية والضميرية وحرية النشر والتعبير في قضايا كثيرة،‮ ‬منها الأحكام الخاصة بالبهائيين أو بشأن نصر حامد أبو زيد أو قضايا تحويل العقيدة‮ (‬ما لم يكن إلي الإسلام‮)‬،‮ ‬وغير ذلك‮. ‬وحالت الأحكام قطعية الثبوت والدلالة،‮ ‬التي فقدت علاقتها بالواقع الاجتماعي ومجمل البنية التشريعية‮ (‬مثل قطع يد السارق،‮ ‬أحكام الزنا،‮ ‬مثلا‮) ‬إلي شل يد التشريع عن إجراء أية تعديلات في مواد قانون العقوبات المتعلقة بها،‮ ‬مثل حالات القتل من أجل الشرف،‮ ‬لأن أي محاولة للتعديل ستصطدم فورا بالتفسير الضيق لمبادئ الشريعة‮. ‬

‮(‬2‮) ‬الأصولية والهوياتية والدستورية
المشكلة إذن من حيث جوهرها أبعد من أن تُحصَر في المادة‮ ‬219‭.‬‮ ‬هناك مشكلة أساسية تحتاج إلي فحص وإدراك لأبعادها ومعناها مع مبدأ الشريعة نفسه،‮ ‬أي مبدأ الإحالة إلي التراث الفقهي بأدلته ومصادره وقواعده التي أشارت إليها صراحة المادة‮ ‬219،‮ ‬والتي كانت تتسلل بروحها في عدد معتبر من أحكام المحاكم حتي قبل أن تظهر في الأفق في دستور الإخوان‮- ‬السلفيين في‮ ‬2012‭.‬‮ ‬
هذا التأكيد علي عمق المشكلة لا يعني بطبيعة الحال القول بأنه لا فارق بين وضع المادة‮ ‬219‮ ‬وإلغائها،‮ ‬بل يعني أن المشكلة من حيث التصور والمفهوم لا تكمن هنا،‮ ‬بل تكمن في تصور معين،‮ ‬عن المجتمع والدولة والوجود،‮ ‬موجود بشكل ضمني خلف كل الكلام المثار بشأن الشريعة،‮ ‬وغير متاح للمناقشة بسبب خوف المعسكرات الفكرية من تجاوز خطوط حمراء معينة‮. ‬هذا التصور الضمني الذي يتسلل عبر المادة الثانية أحيانا،‮ ‬أو يظهر بشكل صريح في صياغة المادة‮ ‬219،‮ ‬نجد تجليه الحقيقي في رأيي في المادة التي فشل السلفيون في فرضها علي رأس دستور‮ ‬2012‮: ‬السيادة للـه وحده،‮ ‬ومجمل التصورات الفقهية‮- ‬السياسية التي حركت مجمل الظاهرة المعروفة بـ”الصحوة الإسلامية‮”.‬
وفقا لذلك،‮ ‬المشكلة في عمقها هي مبدأ‮ “‬الصحوة‮” ‬الأصولي نفسه‮: ‬ليس للمجتمع الحق في أن يضع لنفسه تشريعاته كيفما يري،‮ ‬من خلال توازناته السياسية والمصالح وجماعات الضغط المختلفة ونجاحها في الدفاع عن مصالحها بوصفها مصالح عامة،‮ ‬لأن‮ “‬السيادة للـه وحده‮”‬،‮ ‬وهي السيادة التي تتحقق عبر سلطة الوسطاء المطلعين علي ذلك التراث،‮ ‬والذين يمنحون أنفسهم حق تأويله وتطويره‮. ‬
لكن المقال لن يتناول هذه القضية من زاوية أثرها علي الحريات،‮ ‬بل من حيث أزمة هذا المبدأ الأصولي نفسه‮. ‬الفكرة هنا هي أن هذا المبدأ هو في صميمه‮ ‬غير دستوري أصلا‮. ‬فكرة الدستور،‮ ‬بصفة عامة،‮ ‬أي دستور،‮ ‬تعني أن المجتمع يضع لنفسه نظام حكمه،‮ ‬بما في ذلك قواعد التشريع،‮ ‬بما له من حرية ابتدائية افتراضية حصل عليها‮. ‬وإقرار أي دستور عن طريق استفتاء أو عن طريق جمعية منتخبة أو كليهما يعني أن هذا المجتمع يعتبر نفسه مكوّنا من أفراد متساوين،‮ ‬لكل منهم الحق،‮ ‬بوصفه فردا حرا،‮ ‬في وضع القواعد التي تقوم عليها السلطة العامة،‮ ‬بما في ذلك قواعد التشريع‮. ‬لذلك يعتبر باب الحريات الذي يضمن حريات وحقوق الأفراد في مواجهة كافة سلطات الدولة لُب أي دستور،‮ ‬بينما يمكن أن يختلف تحديد نظام الحكم نفسه بين مَلَكي دستوري أو جمهوري أو برلماني أو خليط من عدة نظم بضوابط معينة من دستور لآخر،‮ ‬حسب التراث الدستوري التاريخي والتوازنات الواقعية‮. ‬
معني هذا أن فكرة الاستفتاء علي دستور قائم علي ملامح أصولية‮ (‬وبالتالي يقيد الحريات الفردية وحق المجتمع في التشريع بأي قيد‮)‬،‮ ‬منافية لفكرة الدستور نفسها‮. ‬كما أن الاستفتاء علي دستور كهذا مناقض أيضا للفكرة الأصولية،‮ ‬لأن استفتاء الأفراد الأحرار علي إقرار‮ (‬أو عدم إقرار‮) ‬التشريع الإلهي،‮ ‬أو السيادة الإلهية،‮ ‬أو أحكام الفقه،‮ ‬يعتبر من وجهة نظر فكر‮ “‬الصحوة‮” ‬شِرْكا وتعديا علي الحقوق الإلهية‮. ‬إقرار أية أصولية بشكل متسق يعني استبعاد أية إحالة إلي الفرد الحر بأية صورة كانت‮. ‬فمبدأ التشريع الإلهي لا يستطيع أن يتجسد بطريقة متسقة مع نفسه إلا من خلال مبدأ ولاية الفقيه،‮ ‬أو السلطان الأمين علي الفقه،‮ ‬باعتبارها ولاية سابقة علي كل دستور‮. ‬لذلك ربما كان الأنسب من وجهة النظر هذه أن يصدر الدستور الأصولي،‮ ‬إذا صدر دستور أصلا،‮ ‬كمنحة من حاكم يحكم بالقوة،‮ ‬بوصفه يؤدي بذلك واجبا دينيا يثاب عليه،‮ ‬كفرد،‮ ‬في الآخرة،‮ ‬ويثاب الآخرون عليه بقدر طاعتهم لهذا الحاكم التقي الذي‮ “‬يسوس‮” ‬الناس بالشريعة،‮ ‬أيا كانت إراداتهم الفردية المختلفة‮.‬
إصدار دستور أصولي،‮ ‬أو به ملامح أصولية حاكمة،‮ ‬لا يتفق إذن مع أي مبدأ أيا كان،‮ ‬لا مبدأ الأصولية ولا مبدأ الدستورية‮. ‬لكن مشروع الدستور الإسلامي يحاول أن يحقق هذا الهجين بالفعل،‮ ‬لأنه ببساطة يعبر عن عجز الإسلاميين عن إقامة دولتهم الأصولية علي الوجه‮ “‬السليم‮”‬،‮ ‬أي بـ”الفتح‮”: ‬تحطيم جهاز الدولة وإعادة بناء الازدواج بين الدولة والشريعة علي النحو‮ “‬الملائم‮” (‬النموذج الإيراني‮). ‬
ما هو إذن مبدأ إصدار دستور به ملامح أصولية في ظروف‮ ‬غير‮ “‬ملائمة‮”. ‬في هذا الحل‮ “‬الوسط‮”‬،‮ ‬تجري ترجمة العقيدة إلي نوع من قومية،‮ ‬أو إلي نوع من تراث ثقافي أصلي ومؤسِّس للجماعة السياسية‮. ‬لا تجري المطالبة بالشريعة كحاكم أعلي من حيث أنها إلهية فحسب،‮ ‬ولا حتي أساسا،‮ ‬بل من حيث أنها‮ “‬تراث الأمة‮” ‬أو‮ “‬ثقافتها‮”. ‬فالمجتمع يجري افتراض هوية إسلامية له،‮ ‬وأن هذه الهوية موجودة في الشريعة‮ (‬ومصادرها المعتبرة التي لا يعرفها الناس،‮ ‬إلخ‮). ‬وبناء عليه يجري فرض الشريعة بوصفها هوية المجتمع في مواجهة الفرد بصفة عامة‮ (‬أي من حيث المبدأ‮)‬،‮ ‬وفي مواجهة أية جماعات أو أفراد لا يتفقون مع هذه الرؤية‮. ‬هذه الترجمة قام بها أساسا مجموعة التراثيين الجدد،‮ ‬مع مجموعة من‮ “‬الإسلاميين المعتدلين‮”‬،‮ ‬لكن هذا موضوع آخر‮. ‬
ولأن الشريعة مطروحة في هذا التصور الهجين كنوع من ثقافة اجتماعية تعبر عما يسمي‮ “‬هوية المجتمع‮”‬،‮ ‬قيل إن فرضها باستفتاء أو بغيره هو من صميم الديمقراطية بالمعني الواسع للكلمة،‮ ‬أي التعبير عن إرادة المجتمع في الدفاع عن هويته‮. ‬
وفي سياق هذه الفكرة‮ (‬أي ترجمة العقيدة إلي ثقافة،‮ ‬هوية‮)‬،‮ ‬قيل إن فرض القواعد الإلزامية‮ (‬غير المحددة‮) ‬للشريعة،‮ ‬هو من صميم الديمقراطية،‮ ‬ولا يتنافي مع قواعدها‮. ‬وقيل إن أي دستور يفرض قواعد إلزامية ما علي الجميع،‮ ‬وأنه بذلك يقيد حرية الفرد،‮ ‬حتي لو كانت هذه القواعد‮ ‬غاية في الديمقراطية وتقديس الحرية‮. ‬فهي بوصفها قواعد عامة تحد من حرية الفرد بوصفه فردا‮. ‬فعليه،‮ ‬مثلا،‮ ‬أن يحترم حريات الآخرين المختلفين معه برغم أنه قد لا يرغب في ذلك بإرادته الحرة،‮ ‬لو تُركت إرادته هذه لنفسها‮. ‬كما قيل إن كل مجتمع،‮ ‬بصفة عامة،‮ ‬يضع قواعد قانونية،‮ ‬بل وأعرافا‮ ‬غير مكتوبة،‮ ‬لها قدرة مُلزمة تحد من حرية الأفراد عمليا،‮ ‬وإن كل مجتمع له تاريخ وتراث وتقاليد لها قوة إلزام متفاوتة،‮ ‬وتسفر فعليا عن دساتير وقوانين متفاوتة‮. ‬
لكن هذه المحاولة‮ “‬لتجسير الفجوة‮” ‬بين الدستوري والأصولي ليست سوي مغالطة‮. ‬يكمن الفارق الجوهري في أن مبدأ الدستور يقوم علي الفرد المستقل الافتراضي،‮ ‬الحر من حيث المبدأ،‮ ‬الذي يكون عليه بالتالي،‮ ‬التفاهم علي ما هو محل إلزام مشترك مع الأفراد الآخرين المساوين له‮. ‬ولأن مبدأ حرية الفرد هو أساس المبدأ الدستوري،‮ ‬يجب أن يكون هذا الإلزام في الحدود الدنيا التي تتيح للفرد ولنظرائه من المواطنين تعديل هذا الإلزام المتبادل،‮ ‬بما يفضي عمليا إلي توسيع نطاقات الحرية،‮ ‬أو تقليل القيود المتبادلة‮. ‬بعبارة أخري،‮ ‬يفترض المبدأ الدستوري‮ (‬شاملا مسألة صدوره عن الشعب بوصفه مجموع السكان بوصفهم جماعة سياسية‮)‬،‮ ‬أن هذه الجماعة تتشكل كجماعة من أفراد حريصين علي حريتهم،‮ ‬يقللون التزاماتهم المتبادلة إلي الحد الأدني الذي يحفظ المصالح المشتركة‮ ‬للجماعة بوصفها جماعة بشرية حريصة علي تصور نفسها‮ ‬
كمجموعة من المواطنين الأحرار المختلفين في رؤاهم وطموحاتهم وطبائعهم،‮ ‬وحقهم في ممارسة هذا الاختلاف علي قدم المساواة‮. ‬
ويمتد ذلك إلي مسألة التراث الثقافي والتاريخ والتقاليد‮. ‬فالمبدأ الدستوري بإطلاق حق التشريع للشعب بغير قيود مسبقة،‮ ‬يفترض أن أفرادا من الشعب قد يرغبون في تغيير بعض البنود القانونية أو الدستورية في المستقبل،‮ ‬وأنه ليس من حق واضعي الدستور بالتالي أن يقيدوا إرادتهم مسبقا‮. ‬وبالتالي يتيح،‮ ‬بل يضمن،‮ ‬لكل المنشقين علي الأغلبية،‮ ‬حاليا ومستقبلا،‮ ‬التمتع بكامل الحرية في بذل الجهود المشروعة لتحقيق هذا التغيير في المفاهيم أو القيم،‮ ‬وفي القوانين الحاكمة،‮ ‬سواء بالسلوك العملي فيما لا يتناوله القانون،‮ ‬أو بتغيير القواعد القانونية‮. ‬
أما ترجمة الأصولية إلي ثقافة،‮ ‬فإنها تقوم علي عكس هذا المبدأ تماما،‮ ‬أي تقوم،‮ ‬كما ذكرتُ،‮ ‬علي حق الماضي في التحكم في الحاضر،‮ ‬وحق الحاضر في التحكم في المستقبل‮. ‬ويسمي هذا المبدأ الاستبدادي،‮ ‬في صياغة يمكن أن توصف بالنفاق والكذب،‮ “‬حرية المجتمع‮”. ‬المقصود بهذه‮ “‬الحرية‮” ‬في الحقيقة هو حق السلطات المعبرة عن‮ “‬المجتمع‮” ‬في تقييد حرية الفرد‮. ‬ليس فقط بمنعه من ممارسة عقيدة أو التعبير عن فكرة تتعارض مع‮ “‬الثقافة‮”‬،أي‮ “‬الهوية‮”‬،‮ ‬بل أيضا بالسماح بتدخل واسع للدولة في‮ “‬تربية‮” ‬الأفراد وتقويمهم وتهذيبهم ليصبحوا مطابقين للتصور الهوياتي المرغوب فيه‮. ‬
لكن هذا المبدأ،‮ ‬أي رفض مبدأ حرية الفرد وواجب إخضاعه،‮ ‬لا يقتصر علي المنادين بالشريعة،‮ ‬بوصفها في أقوالهم‮ “‬الكتالوج‮” ‬الذي أمر اللـه الإنسان باتباعه،‮ ‬بل يشمل كل دستور يحدد هوية معينة إلزامية للمجتمع،‮ ‬لأن تحديد الهوية دستوريا يترتب عليه إلزام كافة سلطات الدولة بالحفاظ علي هذه الهوية أو تدعيمها‮. ‬ويعتبر هذا التحديد أساس كل ديكتاتورية‮ “‬دستورية‮” (‬أو ملتحفة بأوراق تكرس قوانين ومؤسسات قمعية وفقا للدستور‮). ‬
لماذا كانت مقولة الهوية ديكتاتورية؟ واقع الأمر أن أحدا لا يضع هوية ما في الدستور‮ (‬ويشفع ذلك بإجراءات في مجال التعليم والثقافة والإعلام و”تهذيب‮” ‬المواطن وما إلي ذلك‮) ‬لأن هذه الهوية من طبائع الأمور‮. ‬بالعكس تماما‮. ‬لأننا إذا سلمنا جدلا بما يقوله الهوياتيون،‮ ‬من أن الهوية قائمة بالفعل،‮ ‬ومغروسة بالتالي في أعماق الأفراد أو معظمهم،‮ ‬سنجد أنها بوضعها هذا ليست بحاجة إلي أي دعم دستوري ولا إلي قهر قانوني‮. ‬لأن هذه الهوية التي يُفترض أنها أصيلة وبديهية،‮ ‬تكون وفقا للافتراض الهوياتي متغلغلة في الحس المشترك،‮ ‬وظاهرة في سلوك الإفراد،‮ ‬بوعي منهم أو بشكل‮ ‬غير مقصود،‮ ‬فلا يحييها ولا يميتها ولا يدعمها دستور ولا قانون‮. ‬تماما مثلما لا ينص أي قانون أو دستور علي أن الإنسان يأكل ويشرب وينام،‮ ‬لأن ذلك من صميم طبيعة البشر ككائنات‮.‬
واقع الحال إذن أن كل نص علي هوية المقصود به فرض هوية،‮ ‬لا التعبير عنها‮. ‬وهو إذن مدخل لتقييد عام لحرية الأفراد بقدر ما يجري تفسير أقوالهم أو سلوكهم بأنها تشكل اعتداءات علي هذه الهوية الجماعية المفترضة‮. ‬فوق ذلك،‮ ‬الهوية هي مبدأ للتحكم في المجتمع القائم ككل،‮ ‬لا مجرد‮ “‬الخارجين عليه‮”. ‬لأن الهوية تفترض في نفسها أنها عابرة للأجيال والزمن‮. ‬هي‮ “‬أصلية‮”‬،‮ ‬بلا أصل محدَّد أو مرجعية يمكن أن تناقَش‮. ‬وهي بوصفها سرمدية وأصلية تعلو علي إرادة أي جيل بعينه،‮ ‬لأنها فوق الأجيال والأزمنة‮. ‬وبهذا المنطق لا تكتفي مبادئ الهوية بتبرير منع أية رؤي تحملها أقليات ما،‮ ‬دينية أو فكرية أو مذهبية أو سياسية،‮ ‬بل أيضا قمع رؤي مخالِفة،‮ ‬حتي لو تبنتها أغلبية،‮ ‬باعتبارها تمثل وفقا لمبدأ قداسة الهوية الخروج علي هذا الأصل المبهم السرمدي،‮ ‬فيجري محو إرادتها باعتبارها‮ “‬غير دستورية‮” ‬في هذا المبدأ‮ ‬غير الدستوري في أساسه‮. ‬
تبدو فكرة السيادة الإلهية والتشريع الإلهي التجسيد الأنقي والأكثر شراسة لفكرة الهوية اللا-دستورية‮. ‬لكنها لهذا السبب بالذات يبلغ‮ ‬فيها هذا التناقض أشده‮. ‬فبينما تفترض هذه الهوية أنها أعلي حتي من أي تراث أو تاريخ،‮ ‬لأنها نابعة من الفطرة البشرية مباشرة،‮ ‬فإنها تقدم أقسي القيود التي تعتبرها ضرورية لكي‮ “‬تتجلي الفطرة‮”. ‬بعبارة أخري،‮ ‬يفترض تقنين أو دسترة الفطرة أن الفطرة‮ ‬غير فطرية،‮ ‬وأنه،‮ ‬علي العكس،‮ “‬الانحراف‮” ‬عن الفطرة هو الفطري الحقيقي،‮ ‬الذي يجب قمعه لكي يتجلي ما هو‮ “‬فطري‮” ‬حقا‮. ‬وبرغم أن فكرة الفطرة تعتبر من حيث المبدأ فردية‮ (‬لأن الفرد هو الذي يملك ضميرا ويحاسَب علي أفعاله‮)‬،‮ ‬فإنها تعتبر حرية الفرد الخطر الأكبر علي الفطرة،‮ ‬وأن المؤسسات القمعية‮ (‬بما فيها التربوية والدعائية وغيرها‮) ‬هي في واقع الأمر الأمينة علي الفطرة والمسئولة عن فرضها علي الأفراد‮. ‬

‮(‬3‮) ‬ما العمل إذن؟
الدستورية والهوياتية إذن لا يتوافقان،‮ ‬ولا يمكن الجمع بينهما في نص دستوري إلا بوصفه تعبيرا عن عجز الهوياتية عن‮ “‬فتح البلاد‮” ‬بالقوة وإخضاعها،‮ ‬وعجز المبدأ الدستوري القائم علي الفرد عن السيادة‮. ‬لكن النتيجة لا يمكن أن تكون فعليا حلا وسطا،‮ ‬لأنه لا حل وسط بين فكرة سيادة طائفة،‮ ‬أو جماعة مُنقذة،‮ ‬مبنية علي مبدأ هوية،‮ ‬ومبدأ سيادة الشعب بوصفه مجموع السكان في هيئة سياسية مكونة من أفراد أحرار‮. ‬لذلك،‮ ‬مثلا،‮ ‬جاء دستور‮ ‬2012‮ ‬واضحا في تقييد الحريات بمواد الهوية،‮ ‬ولم يكن واردا أن يكون الأمر بالعكس‮. ‬
لا يبدو لي صحيحا تصوُّر أنه يمكن التخلص بشكل كامل من هذا الازدواج،‮ ‬برغم تغير توازنات القوي‮. ‬فأولا،‮ ‬لم تختف القوي الاستبدادية بانتفاضة‮ ‬30‮ ‬يونيه،‮ ‬وثانيا،‮ ‬الهوياتية الاستبدادية ليست مقصورة علي الإسلاميين‮. ‬
أبسط الدلائل علي هذا مسار التطور الدستوري المصري‮. ‬فبينما كان تعريف الدولة المصرية إجرائيا بحتا بغير أية إشارة للهوية في المادة الأولي من دستور‮ ‬1923‮ (‬حكومتها مَلَكيّة وراثية وشكلها نيابي‮)‬،‮ ‬تاركا باقي المواد لحقوق الأفراد وتنظيم الفصل بين السلطات،‮ ‬نجد أن دستور‮ ‬1956‮ ‬يدور بأكمله حول كيان المجتمع،‮ ‬الذي قد يمنح الفرد حقوقا،‮ ‬لكن في سياق الهيمنة باسم المجتمع وانتماءاته الافتراضية‮. ‬يعين الدستور هوية عربية للبلاد،‮ ‬ويمنح السيادة‮ “‬للأمة‮”‬،‮ ‬لا للشعب،‮ ‬أي للسكان بوصفهم كيانا ثقافيا له هوية معينة،‮ ‬ويقوم علي التضامن الاجتماعي والأسرة،‮ ‬ويقيد مختلف الحقوق لصالح‮ “‬المجتمع‮” ‬أو‮ “‬الخير العام للشعب‮”. ‬ومع تقدم الجماعة،‮ ‬أي التصور اللادستوري للدستور،‮ ‬يتزايد ثقل الدولة التي تنظم وترتب،‮ ‬فضلا عن التوزيع المختل والصوري للسلطات كما هو معروف‮. ‬وفي نفس الوقت يظهر الإسلام كدين رسمي للدولة‮. ‬وفي دستور‮ ‬1971‮ ‬تظهر الشريعة كمصدر رئيسي،‮ ‬لتصبح‮ “‬المصدر الرئيسي‮” ‬في التعديل عام‮ ‬1980‭.‬‮ ‬
غني عن البيان أن دستور‮ ‬1956‮ ‬وما تلاه قد صدر في سياق لا صلة له بالديمقراطية والحريات،‮ ‬وكانت هذه الدساتير بتأكيداتها الهوياتية تعبيرا عن واقع أنها كانت منحة من النظام الحاكم،‮ ‬وأداة لتسيير مؤسساته وضبطها،‮ ‬ولا تنبني علي أي حق أصلي للفرد،‮ ‬ولا بالطبع علي مبدأ استقلال السلطات الثلاث،‮ ‬بل علي فكرة سيادة النظام بوصفه حامي السكان وهويتهم،‮ ‬مانح الدستور ووالده‮. ‬
والمسألة ليست تاريخية فحسب،‮ ‬بل هي ماثلة في صميم الوضع الراهن‮. ‬الوضع الحالي يشي بأن الثورة لم تنجح بعد في الحلول محل قوي الاستبداد في السلطة علي اختلافها،‮ ‬بل في زعزعتها فحسب،‮ ‬بسبب تناقضات هذه القوي وعجزها عن الحكم‮. ‬لذلك،‮ ‬سيظل التيار الهوياتي القومي يدافع عن مبدأ هوية تركيبي متعدد الأوجه حسب الظروف‮ (‬وطني‮- ‬عروبي‮- ‬إسلامي‮)‬،‮ ‬يبرر به التشريع لتدخل أجهزة السلطة لتحجيم الحريات في المجال العام بحجة حفظ‮ “‬مصالح الدولة‮”‬،‮ ‬وستظل القوي الأصولية الطائفية تدافع عن مبدأ هوية إسلامي تبرر به طرح التشريعات القمعية للنساء والأقليات والتحكم في مجمل المجال العام وإخضاع مجمل السكان‮. ‬
في ضوء هذا الواقع،‮ ‬لن تستطيع القوي الديمقراطية سوي أن تقبل مضطرة الازدواجية الهوياتية الدستورية في الدستور محل النقاش،‮ ‬تماما مثلما اضطر الأصوليون للتسليم ببعض الحريات،‮ ‬وقبول مبدأ الدستور والاستفتاء والصندوق‮. ‬الحل الممكن من وجهة نظري‮ (‬من منطلق دستوري‮) ‬في الدستور محل المناقشة،‮ ‬هو،‮ ‬مع القبول اضطرارا للازدواجية الهوياتية الدستورية،‮ ‬إخضاع مبادئ الهوية لحرية الفرد والمساواة،‮ ‬بحيث تقيَّد أية مواد هوياتية أيا كانت‮ (‬وطنية،‮ ‬عروبية،‮ ‬دينية‮)‬،‮ ‬بالمبدأ الدستوري،‮ ‬لتصبح نوعا من عنوان أو توجه عام يشير إلي اعتبارات ثقافية محل احترام دستوري،‮ ‬لا بوصفها مبدأً‮ ‬قمعيا حاكما‮.‬
هذا يعني عمليا أنه ينبغي أن يعود تعريف الدولة إلي النمط الإجرائي كما جاء في دستور‮ ‬1923،‮ ‬باعتبار مصر جمهورية ديمقراطية قائمة علي الحرية والمساواة‮ ‬غير المشروطة بين جميع المواطنين،‮ ‬وأن الشعب بإرادته الحرة هو مصدر السلطات‮. ‬أما بالنسبة للهوية،‮ ‬فينبغي التأكيد علي الهوية التعددية تاريخيا للأمة المصرية،‮ ‬وعلي انتماء مصر لعصرها وللمجتمع الدولي وقيمه،‮ ‬بحيث يأتي إبراز الانتماء العربي والإسلامي،‮ ‬بكل عبارات التبجيل الممكنة،‮ ‬في هذا السياق التعددي وحده،‮ ‬مع كامل الاعتبار والتقدير باعتبار ذلك مكوّنا ثقافيا أصيلا للشعب المصري‮. ‬بعبارة أخري،‮ ‬احترام التيارات الهوياتية وحقها في العمل يجب ألا ينطوي علي القبول بحقها في السيادة علي الشعب،‮ ‬سواء بنفسها،‮ ‬أو عن طريق الأزهر،‮ ‬أو‮ ‬غيره من المؤسسات،‮ ‬أو عن طريق فرض مبادئها في الدستور‮. ‬وبالتالي يصبح لموضوع الشريعة وجهة معينة،‮ ‬تجعل التعامل معها في سياق المبادئ الدستورية،‮ ‬لا الهوياتية‮. ‬ويشجع علي إمكانية هذا الحل‮…..‬
ويشجع علي إمكانية هذا الحل الفشل المدوّي للتيار الأصولي،‮ ‬بما حال دون نجاح أي تحالف بين قوي الهوياتية المختلفة‮. ‬في ضوء هذا الواقع،‮ ‬ليس الخطران متساويين‮. ‬بقدر ما يقتنع التيار القومي بأن إعادة بناء الدولة يجب أن تكون في شراكة مع قوي سياسية تتبني الدستورية،‮ ‬سيكون عليه أن يقبل بقدر كبير من إخضاع الهوية للحرية‮. ‬إبقاء مبدأ الهوية سيعطي نوعا من الدعم المعنوي لتيارات الهوية،‮ ‬ويغطي ضعف المجال السياسي،‮ ‬لكنه لن يكون في صورته هذه تكأة للتسلط الهوياتي القومي،‮ ‬أو التسلط الاستبدادي‮ ‬الديني الأكثر خطورة وانحطاطا‮.‬

منقول عن اخبار اليوم المصرية

 
Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

عندما يتاجر النظام السوري بالمسيحيين…

أن يشكو النظام السوري من صعود الحركات الدينية المتطرفة نكتة سمجة. أن يتذرّع النظام بأنه يحارب “الارهاب”، في حين انّه يحارب شعبه، نكتة أكثر سماجة. مثل هذا النوع من النكات لا ينطلي سوى على ذوي العقل المسطّح من نوع النائب اللبناني المسيحي ميشال عون. صار عون الآن حريصا على مسيحيي الشرق، هو الذي هجّر أكبر عدد من المسيحيين اللبنانيين من ارضهم لدى خوضه حربي “التحرير” و”الالغاء” عندما استقرّ في قصر بعبدا في الاعوام 1988 و1989 و1990.

ما ينساه ميشال عون ومن على شاكلته من ادوات الادوات أن تهجير المسيحيين من الشرق، اكان ذلك في سوريا أو لبنان أو العراق وحتى في مصر، عائد اساسا الى الانظمة التي توالت على هذه الدول والتي هي في طبيعتها انظمة أمنية. لم يكن لدى هذه الانظمة، التي انضمّ اليها النظام الايراني الذي كان مفترضا أن يطوّر نفسه بعد التخلص من الشاه، من هدف سوى القضاء على كلّ ما له علاقة بالثقافة الحقيقية والتنوع والحرية بشكل خاص. هذه الانظمة لا تعرف أن غنى المجتمعات في الحرية وفي تنوعّها.

ففي مصر، لم تعد هناك حرّية منذ وصول العسكر الى السلطة في العام 1952. وفي سوريا بدأت الحرية تتقلص تدريجا مع اعلان الوحدة مع مصر في العام 1958. وفي العراق لم يعد من وجود لحياة طبيعية للمواطن العادي، بمن في ذلك المسيحي، منذ الانقلاب الدموي الذي قضى على الاسرة الهاشمية المالكة في الرابع عشر من تمّوز- يوليو 1958. يا له من يوم مشؤوم، لم ير العراقيون بعده يوما أبيض!

كانت السنة 1958 سنة سيئة للبنان وسوريا والعراق. في تلك السنة، بدأت المنطقة كلها تدخل مرحلة جديدة من سماتها بدء هجرة المسيحيين والنخب من كلّ الطوائف والمذاهب من سوريا والعراق وتعرّض لبنان لخضّة قوية انتهت بانتخاب رئيس جديد للجمهورية هو اللواء فؤاد شهاب الذي عرف كيف يحمي الوطن الصغير قدر الامكان من الهزّات الاقليمية.

كان طبيعيا حصول هجرة للمسيحيين وغير المسيحيين من هذه الدول على دفعات نظرا الى أن الانظمة التي قامت في مصر وسوريا والعراق انما استعانت بالشعارات من أجل تبرير الاستيلاء على السلطة والاحتفاظ بها الى ما لا نهاية…على حساب حقوق المواطن العادي ومؤسسات الدولة.

أمّا لبنان، فهو حالة خاصة الى حدّ بعيد. فقد عانى مسيحيو لبنان من نظام سوري عمل منذ ما قبل استحواذ حافظ الاسد على كلّ السلطة في العام 1970 على تدمير الوطن الصغير والاسس التي قام عليها وذلك بهدف اضعافه. بدأ تهريب الاسلحة وادخال المسلحين الفلسطينيين الى لبنان من سوريا في وقت كان الاسد الاب وزيرا للدفاع. فُرض اتفاق القاهرة المشؤوم على لبنان بغطاء عربي وفّره جمال عبدالناصر في العام 1969. وبدأ العمل جدّيا على تدمير المؤسسات اللبنانية بعد العام 1973، أي بعد بدء تطبيق وقف اطلاق النار بين سوريا واسرائيل اثر حرب تشرين (اكتوبر) التي توجت باتفاق فك الارتباط في الجولان المحتل…الذي اشرف عليه ورعاه هنري كيسينجر.

ما نشهده اليوم استمرار لعملية تهجير مسيحيي سوريا على يد النظام بعد عمله كل ما يستطيع لتحويل مسيحيي لبنان الى تابعين له، في اطار ما يسمّى حلف الاقلّيات…وتهجير من يستطيع تهجيره منهم بشكل مباشر أو عبر ادواته اللبنانية المختلفة.

لم يترك النظام السوري المتحالف لاحقا مع ايران والميليشيا المذهبية التابعة لها في لبنان، قرية مسيحية، من أقصى الشمال الى أقصى الجنوب، الّا وحاول الحاق الاذى بها. من يتذكّر العيشية؟ من يتذكّر القاع؟ من يتذكّر القرى والبلدات المسيحية في عكّار التي كان النظام السوري يستهدفها بين حيت وآخر؟ من لديه ذاكرة ضعيفة يستطيع الاستعانة بجاره لاستعادة ما تعرّضت له زحلة والاشرفية والدامور على يد النظام السوري. هذا لا يعني من دون أدنى شك، أن النظام السوري وفّر لبنان بمسلميه. لم يكن حظ بيروت الغربية أفضل من حظ زحلة، كذلك حظ صيدا وطرابلس.

ما نشهده حاليا في سوريا يندرج في سياق الممارسات المعروفة والكلاسيكية للنظام السوري. هذا النظام لم يهجّر المسيحيين السوريين فقط. أخذ على عاتقه تهجير كلّ اهل سوريا من سوريا. من لديه ادنى شكّ في ذلك يستطيع العودة الى ما فعله في لبنان وسوريا نفسها…في حماة بالذات.

ما يحدث اليوم في معلولا البلدة المسيحية القريبة في دمشق نموذج آخر عن ممارسات نظام ينتمي الى مدرسة تؤمن بقهر السوريين واللبنانيين جميعا. يستعين هذا النظام بما يسمّى الاقليات من أجل ابتزاز العالم. انه يتاجر بمسيحيي معلولا لا أكثر ولا أقل. هذه لعبته المفضلة. المسيحيون ليسوا بالنسبة اليه سوى سلعة. هذا ما يفترض أن يعيه كلّ عربي يودّ معرفة سبب الهجرة المسيحية من المنطقة. بكلام أوضح، يعتدي النظام السوري على الأقليات ويدعي بعد ذلك انّه يفعل ذلك من أجل حمايتها. فعل ذلك مع الدروز ومع الاسماعيليين وحتى مع العلويين الذين ينتمي اليهم والذين رفضوا خطّه الفئوي والمذهبي الفاقع!

في النهاية، هل من مستقبل لحلف الاقلّيات الذي ينادي به النظام السوري الذي لا يجد عيبا في دعم “حزب الله” المذهبي، ثمّ يدعي انه نظام علماني يؤمن بدولة مدنية؟

الجواب بكلّ بساطة أنّ النظام يلعب لعبة أكل الدهر عليها وشرب. تكمن مشكلة هذا النظام في انّه لا يريد أن يتعلّم من تجارب الماضي القريب. بالنسبة اليه، ان الهوية المسيحية العربية ليست سوى تجارة. انه يساند “القاعدة” متى كان ذلك يناسبه ويدافع عن المسيحيين حين يكون ذلك في مصلحته. ما لا يمكن التغاضي عنه انّه كان دائما ضدّ كل ما هو عربي في المنطقة. كان دائما في خدمة اسرائيل التي لم تتوقف عن تهجير مسيحيي فلسطين وأهل القدس خصوصا. لم يعد السؤال، مع نظام من هذا النوع يتاجر بالمسيحيين وبكلّ ما تقع يده عليه، ما مصير مسيحيي سوريا؟ السؤال ما مصير سوريا؟

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

أطول من أذني الحمار

في العلوم أن «الإنسان حيوان ناطق». في الحقيقة أنه كائن ملول. ولم أقرأ يوما عن صدور كتاب «غينيس» للأرقام القياسية في أي غابة من الغابات. يولد الفيل قادرا على سرعة محددة ولا يحاول أن يتجاوزها. الإنسان يتناول المنشطات المزورة لكي يثبت تفوقه. الحملان ترعى ما تقدم لها من قشر الحمص. في لبنان، أعددنا أكبر جاط حمص في العالم.. في التاريخ. أي عالم؟ أي تاريخ؟ لماذا ليس ألف صحن حمص مفيد لإطعام ألف فقير؟ وأيضا أكبر صحن تبولة في التاريخ. أي تاريخ البقدونس والبرغل. لماذا ليس اختراع دواء بسيط أو تأليف جمعية خيرية. وما فائدة البشرية بدخول كتاب «غينيس» حاملا جاطا من التبولة وطبقا طويلا من الحمص؟

الإنسان كائن ملول لا يكف عن تحطيم أرقام نفسه. ماذا اكتشف ما لم يكن يعرفه عندما وصل إلى قمة إيفرست؟ لماذا هو دائما ذاهب إلى الفضاء أو عائد منه؟ ماذا تشكو رحلة في القطار من فيينا إلى سالزبورغ. ذهابا وإيابا؟ التذكرة عليك وكل المشاهد من النافذة مجانية. وآداب النمساويين. وموسيقى باخ. عندما أسأل ابنتي: ما ألطف الساعات؟ تقول: إذ أنا معكما في الحديقة وموسيقى باخ من قرب.

لكن الإنسان ملول. الفيل يأكل ويقيل. العصافير تهزج وتنام على غصن واحد. الإنسان يبحث على الغداء أسعار الأسهم وحركة النقل وسعر الفائدة وهبوط الفضة وثروات معارفه ومشاريع كارلوس سليم. كل الأشياء التي تسبب له المغص والقرحة. الأفيال في قيلولة إلا إذا كان خلفها مخلوق يطاردها لذبحها من أجل أن يبيع عاجها. أنيابها تتحول إلى تاج وأنيابه إلى اهتراء.

كل يوم يتحدى نفسه. ثم يشاهد حياة الحيوان على الوثائقيات ويحسدها. لا دليل على أنها خاضت يوما حربا عالمية. أو أصدرت مجلة شتم وابتزاز باسم الفضيلة. أو تصرفت مثل أهل رواندا. أم كمنت للعسكر في سيناء. أو حشت نفسها بارودا لكي تفجر مخلوقات لا تعرفها. أو تعاونت وتكاتفت من أجل إعداد طبق حمص يسجله فاضي البال والأشغال «غينيس». وأنا لا أعرف إن كان «غينيس» هذا رجلا أو امرأة أو روضة أطفال، لكنني أعرف أنه سجل أمجاد لبنان الجديدة تحت فصل الحاء. حمص.

في القديم، ورد ذكر هذا البلد تحت فصل الألف: الأبجدية، وألف الأرجوان، اللون الذي اخترعته صور وحولته إلى أوسع تجارة في بحار العالم. لم يكن المدعو «غينيس» قد ولد ليحمل دفترا وقلما ويسجل طول طبق الحمص، باب الحاء في الأبجدية: حائط، حائر، حاد. حمص يا بلدي. بمعنى يا بلادي لا بلدياتي. بلد كان يفاخر في عصره بأنه أرض المائة شاعر وجنان فيروز وعباقرة الانتشار، فصار في عصرنا مآثره الحمص بطحينة مع رشة بقدونس وكزبرة.

الإنسان ملول. وأحيانا يدفعه ملله إلى السخف. والحيوان عبقري، ليس «غينيس» في حساباته أو في قراءته. أطلق الإنسان على المخلوقات الأخرى ما استنسب من الأسماء. وسمى الداب المخلص والكدود وصاحب الأحمال والأفضال، حمارا. أما هو، فعبقري يتكون في مجموعات لإعداد أطول طبق حمص. وهناك أبواب أخرى في عناوين السيد والسيدة «غينيس»، أهمها كيف تجعل ذكاءك في خدمة عكسه.

Posted in الأدب والفن, كاريكاتور | Leave a comment

يا من هواه أعزه وأذلني .. كيف السبيل إلى وصالك دُلني

يا من هواه أعزه وأذلني .. كيف السبيل إلى وصالك دُلني
iranqueenbeauty

Posted in الأدب والفن, يوتيوب | Leave a comment

مصطفى جواد العلّامة النحوي تاريخ لا ينسى‏‎

Eman_EEdad_ESH

أستاذ اللغة العربية في العراق وأحد أهم اللغويين العرب في القرن العشرين… ولد الدكتور مصطفى جواد توركماني من عشيرة صارايلو في محلة (عقد القشل) ببغداد عام 1904م،وأصل أسرته من دلتاوه(قضاء الخالص) ووالده جواد الخياط ابن مصطفى بن إبراهيم، المعروف ب”اسطة جواد” كان خياط البسة في سوق الخياطين ببغداد وكان ثاني اثنين في الشهرة فاذا قيل: ان هذه الجبة قد عملت فيها ابرة اسطة جواد علا قدرها وقد احتكر هو واخر شهرة الجودة بين جميع خياطي العراق وعلى الاخص في خياطة الجبب
درس العلوم الابتدائية في مدارس دلتاوه في عهد الدولة العثمانية

MU_JD_GLF

وبعد وفاة والده بدلتاوه في أوائل الحرب العالمية الاولى، عاد إلى مسقط رأسه بغداد. بعد الاحتلال البريطاني للعراق فكفلهُ أخوه (كاظم بن جواد) وكان يعد من أدباء بغداد في التراث الشعبي وهو الذي أسهم ببناء قاعدةالعشق اللغوي في شقيقهِ الأصغر، فدرس النحو ومعاني الكلمات وأعطاهُ قاموساً في شرح مفردات اللغة العربية وأوصاه بأن يحفظ عشرين مفردة في اليوم الواحد، وحفظ أكثر من عشرين حتى نشأت عندهُ حافظة قوية

المراحل الدراسية الأولى درس العلوم الابتدائية في دلتاوه حيث تعلم في الكتاتيب ثم في المدارس فأصبح قارئا للقرآن الكريم وحافظا له. بعد وفاة والده بدلتاوه في أوائل الحرب العالمية الأولى، عاد ابنه مصطفى إلى بغداد مسقط رأسه بعد الاحتلال البريطاني وأكمل بقية دراسته الابتدائية في المدرسة الجعفرية كان شقيقه “كاظم بن جواد” من أدباء بغداد في التراث الكلاسيكي وهو الذي أسهم ببناء قاعدة العشق اللغوي في شقيقه الأصغر كما كان لشقيقه صلة تعارف مع مدير المدرسة الجعفرية الشيخ “شكر البغدادي” (1855-1938) الذي بدوره ألزم التلميذ مصطفى جواد بحفظ الأجرومية في النحو فحفظها في ثلاثة أيام دُهِش الشيخ شكر وأهداه كتاب “شرح قطر الندى” فأتقن مضامينه أمام الشيخ. شاع أمره بين طلاب المدرسة الجعفرية لذا أُطلِق عليه لقب “العلّامة النحوي الصغير”. انتقل لاحقا إلى مدرسة باب الشيخ..

أكمل دراسته خلال الفترة (1921-1924) في دار المعلمين العالية عام 1924، وفي هذه الدار وجد اثنين من أساتذته يعتنيان بموهبته وهما “طه الراوي” (1890-1946) حيث أهداه كتاب المتنبي لما وجده يحفظ له قصيدة طويلة بساعة واحدة بصوت شعري سليم بأوزانه،

ساطع الحصري وأستاذه الآخر ساطع الحصري حيث أهداه قلما فضيا بعد أن وجد قابليات تلميذه تتجاوز مساحة عمره إلى أقصى الحدود، وكان أساتذته يقولون له: “أنت أفضل من أستاذ!” فهو يكمل عجز البيت الشعري إذا توقف عن ذكره، ويحلل القصيدة ويتصيد الأخطاء ويشخص المنحول بقدرة استقرائية غير مستعارة من أحد

الدراسات العليا

حصل على بعثة لتطوير دراساته في باريس فقضي سنة كاملة في القاهرة لتعلم الفرنسية وهناك التقى رواد الثقافة طه حسين وعباس محمود العقاد وأحمد حسن الزيات وباحثهم وجادلهم في أخطائهم ولم يذعنوا لأنهم كما يقول مصطفى جواد “مدارس وقدرات” ولا يجوز انتقادهم

سافر إلى فرنسا خلال الفترة (1934-1939) وأكمل دراسة الماجستير والدكتوراه في جامعة السوربون في الأدب العربي فنالها عن أطروحته “الناصر لدين الله الخليفة العباسي” نشبت الحرب العالمية الثانية فعاد إلى بغداد سنة 1939 قبل أن يناقش الرسالة وعاد معه الدكتور ناجي معروف، والدكتور “سليم النعيمي”، وهما مثله كانوا بانتظار مناقشة الرسالة

الميرزا “محمد القزويني” أفاد ذاكرته التراثية في باريس من ملازمته لمجلس الميرزا “محمد القزويني” ومكتبته التراثية فنسخ منها عشرات المحفوظات العربية النادرة، وعشرات مثلها من المكتبة الوطنية الفرنسية، ومهمة النسخ هذه ساعدته على اتساع خياله التراثي وإرجاع الفرع الذي قرأه في الكتب الحديثة إلى الأصل الذي هو في الكتب الأولى وهذه المراجعة والمذاكرة مع الذات تمهد له الطريق لاكتشاف المزيد من حقائق اللغة التراثية وتجعل ذهنه ذهنا مقارنا حيوي التخريج سيرته المهنية بعد تخرجه من دار المعلمين العالية، مارس مهنة التعليم في المدارس مدة تسع سنوات (1924-1933) متنقلا بين البصرة والناصرية وديالى والكاظمية، حيث تم تعيينه معلما للمدارس الابتدائية عمل مدرسا في معهده الذي تخرج منه وفي كلية التربية التي ورثت المعهد بعد تأسيس جامعة بغداد.

في عام 1962، انتدب للتدريس في معهد الدراسات الإسلامية العليا وعُيِّن عميدا للمعهد المذكور بعد عام تم تعيينه كاتبا للتحرير في وزارة المعارف ونقل بعد ذلك معلما في المدرسة المأمونية ببغداد، ومنها نقل إلى المدرسة المتوسطة الشرقية ببغداد

الأب أنستاس الكرملي تعرف خلال هذه المدة على الأب أنستاس الكرملي فلازمه وكتب في مجلته “لغة العرب”.

كما شغل منصب المشرف على الأساتذة الخصوصيين الذين أشرفوا على تدريس وتثقيف الملك فيصل الثاني ملك العراق

رشيد عالي الكيلاني هو أحد الأصدقاء المقربين للسيد رشيد عالي الكيلاني وكان على صلة طيبة به خصوصا أنهما بالأصل من لواء ديالى كتب الكثير من الأبحاث والكتب عن اللغة العربية وكيفية تحديثها وتبسيطها. له العديد من المؤلفات المشتركة ومقالات ودراسات منشورة لم تجمع بعد، كما واصل النشر والكتابة والبحث والتنقيب والتخصص في اللغة وتاريخها فألف وحقق ما يثريها ويعمق من معرفتها والتمعن بها، باذلا جهوده في الإحاطة بها رغم معاناته من مرض القلب وقام بتدريس اللغة لأكثر من خمس وأربعين سنة

شغفه باللغة العربية لما اكتشف المفتشون أنه أكثر قابلية منهم في طرق التدريس (وبفصحى لا مثيل لها) توجه إلى تدريس المتوسطة، وخلال تسع سنوات في التعليم قرأ المطولات في الشعر والتاريخ والتراث، وكانت مكتبته ترافقه حيثما حل، وفي هذه الحقبة ذاتها نشر أبحاثه اللغوية في الدوريات المحلية والعربية ولا سيما تلك الصادرة في مصر ولبنان، وطبع كتابين في التحقيق التراثي. أخذ يتردد أثناء عطلاته على مجالس بغداد ويدخل معارك أدبية حول فنه الذي ما فارقه (التصحيح اللغوي) الذي ألزمه بأن يدرخ كثيرا ويعلل الدرخ ويقرنه بمزيد من الأسانيد والشواهد مما أتاح لذاكرته بأن تتوسع بخزن المتراكم طبقة فوق طبقة خلال سنة 1925 تعرف بالعلّامة اللغوي الأب أنستاس الكرملي وكان للكرملي مجلس أدب ولغة في الكنيسة اللاتينية يؤمه أدباء الدرجة الأولى في بغداد، وفي جلسته الأولى أثار مصطفى جواد معركة حامية حول العامية والفصحى، وكان يبزهم في الأدلة والبراهين، فمال إليه الكرملي منذ لحظته الأولى قائلا: أريدك يا أخ اللغة أن تحضر مجلسي كل أسبوع

عند حضوره في الأسبوع الثاني كلفه الكرملي بأن يهندم مكتبته على التنظيم العصري وكانت من خيرة مكتبات بغداد، فنظمها وجعل لها فهارس وأخرج منها العابث والمكرر، ثم اقترح عليه الكرملي الكتابة في مجلته الشهيرة لغة العرب، فكتب أبحاثا لغوية ونقدا في التراث اللغوي وزاوية خاصة بـ”التصويبات اللغوية” وهذه جعلته على اللأسنة بين أخذ ورد وجدل وانتقاد وكانت معاركه تسمع في القاهرة وبلاد الشام، وهذه وحدها جعلته يمتد في الذاكرة اللغوية وجعلته أيضا أن يكون سيدا في إرجاع ما يشاع بأنه فصحى إلى العامية وبالعكس وكان الكرملي مثله سيدا في اللغة ومثله تعرض لخصومات جيرانه التي أرادت أن تبطش به لولا دفاع مصطفى جواد عن جواهره وانجازاته في لغة العرب، وكتب مقالة بحق الكرملي في مجلة السياسة المصرية في الثلاثينيات كان بها ينهي خصومة الكرملي، وهو القائل على قبره

ياسائرا، ووجيب القلب صاحبه … لنا ببغداد من بين القسوس أب أب عزيز وذو علم ومعرفة … قضى السنين بشوق العلم يكتسب

من إنجازاته اللغوية إعداد قواعد جديدة في النحو العربي كبدائل لقواعد نحوية قديمة

إعداد قواعد وقوانين جديدة في تحقيق المخطوطات التراثية

إنزال الفصحى إلى العامة بأسلوبه السلس ذي الجرس الأنيس

تنبيه أساتذة الجامعات إلى اعتماد لغة سليمة في أبحاثهم

تعليم الباحثين طريقة الاستناد إلى الشواهد شعرا ونثرا وسواء كانت الشواهد من القرن الأول الهجري أم من العصر الحديث، وبذلك حررهم من الجمود الفكري

قل ولا تقل ستتحول قصة حياة العلامة مصطفى جواد صاحب البرنامج اللغوي المعروف (قل ولا تقل) وضيف الندوة الثقافية التي استمرت 12 عاماً من دون انقطاع

عرف العراقيون مصطفى جواد من خلال برنامجه الإذاعي الناجح “قل ولا تقل”؛ أي قل الصحيح وانبذ الخطأ الشائع. كان برنامجا لغويا شيقا وكان يتابعه الصغار والكبار. قام مصطفى جواد من خلال ذلك البرنامج بتبسيط اللغة العربية للمستمع العام وللمختص اللغوي وبحرفة الكتابة في آن واحد طبع له من هذا الموضوع جزآن (1970-1988) وربما استعار عنوان كتابه من الدراسات اللغوية الفرنسية التي شاعت في أثناء دراسته في جامعة باريس. ابتدأ بنشر موضوعه منذ عام 1943 في مجلة “عالم الغد” فكان يذكر أولا الصحيح أو الفصيح ويشفعه بالغلط أو الضعيف، وكان يرتب ذلك على حروف المعجم. أما الأسباب التي دعته إلى تأليف موضوعه “قل ولا تقل” فهي استهانة طبقة من المترجمين باللغة العربية، وقد امتاز منهم بهذا الإثم اللغوي مترجمو البحوث العسكرية أن كثيرا من الكتاب والشعراء يكتبون كلما غير مشكول، واللحن في غير المشكول لا يظهر، وبعضهم يكسر المفتوح ويفتح المضموم وينون الممنوع من الصرف ويكسر المضموم. إفساد اللغة من قبل طبقة من الممثلين كثرة الأغلاط في (تحريرات) الدوائر ودواوين الحكومة ولا سيما في الإعلانات والتعليمات كثرة الأغلاط عند مترجمي الأفلام السينمائية. والهدف الرئيس وراء صيحاته ليس طعن من يخطيء، إنما يريد أن ينبه على الغلط ويذكر الصواب

انتقاده للمصريين أن الخطأ خطأهم، ويقول في ذلك: “ليست اللغة ميراثا لهم وحدهم فيعملوا بها مايشاؤون من عبث وعيث

من طرائف العلامة مصطفى جواد كان العلامة الدكتور مصطفى جواد دائرة معارف تمشي على قدمين، فهو علم اللغة العربية في العراق والوطن العربي كان فن مصطفى جواد هو التصحيح اللغوي فهو في العربية لم يسبقه سابق على الرغم من كونه تركمانياً من عشيرة صارايلو، وكانت حافظته عجيبة وشخصيته طريفة وقلبه سليما نقياً أبيض وقد قام الصحفي الرائد المرحوم رشيد الرماحي والذي فيه تتعرف على الوجه الآخر لمصطفى جواد، وهو الجانب الطريف المرح في شخصيته حيث قال : أثناء إجراء لقاء مع طبيبه الخاص الدكتور شوكت الدهان الذي ذهبت إليه في عيادته في شارع الرشيد وحدثني انه كان معجباً كثيراً بشخصية الدكتور جواد وكان يتمنى أن يتعرف عليه، وأنه مرة كان قادماً إلى عيادته فوجد الدكتور جواد يتمشى في شارع الرشيد فتقدم إليه وسلم عليه قائلاً: أنت الدكتور مصطفى جواد وأنا الدكتور شوكت الدهان وأحب أن أتعرف عليك… فاشترط جواد أن يعرف اختصاصه الطبي أولاً ولما أخبره بأنه اختصاص قلب ومفاصل وافق على أن يتعرف عليه ، يقول الدكتور شوكت الدهان: جئنا إلى العيادة، ودار بيننا حديث طويل عن الطب والأدب واللغة وفي أثناء هذا الحديث شكا لي الدكتور جواد معاناته من مشكلة عويصة تحولت الى آلام مبرحة في الظهر والمفاصل، وأخبرني أنه راجع العديد من الأطباء من دون أن يفلح احد منهم في إيجاد علاج ناجع، فطمأنته إلى أن ما يعاني منه أمر بسيط ولا يدعو الى القلق، واعطيته علبتين من حبوب (دلتابوتوزولدين) وأوصيته أن يتناول منها ثلاث حبات يوميا، وقلت له إذا شعرت بتحسن فاتركها بالتدريج. وبعد ثلاثة ايام جاءني مصطحبا معه ابنته لأعالجها وأخبرني بأنه تحسن كثيرا، وانه لا يدري لماذا لم يرشده الاطباء الذين راجعهم الى مثل هذه الحبوب. وكررت عليه تعليماتي السابقة ،ثم غاب عني لمدة شهرين لم اره خلالهما حتى اتصلوا بي هاتفيا لان صحته متدهورة فذهبت الى داره، وفحصته فوجدته يعاني صدمة وضيقاً في التنفس وألماً شديداً في الصدر، فاتصلت بالاسعاف من فوري، ونقلته الى مستشفى (ابن سينا) واجريت له تخطيطا للقلب، فلم أستطع أن اخفي عنه شيئا، واخبرته بأنه يعاني من (جلطة قلبية) وكنت أتوقع ان يحزن مصطفى جواد لهذا الخبر وينزعج منه، ولكنه ابتسم وقال يا دكتور… قل غلطة قلبية… ولا تقل جلطة قلبية

ومما نقله إليّ من اللطائف أن العلامة جواد ركب إحدى سيارات الأجرة في بغداد، يوماً، وفي الطريق شغل السائق المذياع، وكان برنامجه من الإذاعة (قل ولا تقل) يذاع، فضجر السائق وأغلق المذياع وقال باللهجة العراقية العامية: (اسكت گ…..)، فطلب مصطفى جواد التوقف ونزل من السيارة وهمس في أذن السائق: (قل قوّاد ولا تقل كوّاد)، فسارع السائق للاعتذار منه وقبل مصطفى جواد اعتذاره وضحك..

ومن الطرائف التي أثارت الجمهوروالصحف المحلية ان أحد السائلين سأله عن أنواع التمور في العراق، فما كان من العلامة جواد الاّ وأجابه بقصيدة طويلة ذكر فيها جميع أصناف التمور المعروفة في العراق مع بعض التعليقات الطريفة على بعض الأسماء مثل: الطبرزد ولا تقل التبرزل: والأزادي ولا تقل الزهدي قضي شطرا طويلا من حياته في متابعة ومشاهدة الأفلام السينمائية، وسئل عن أسباب دوافعه لرؤية الشاشة، قال: (ليس للتسلية بل حب لمعاينة الهارب في الأفلام البوليسية) أين ذهب وأين اختبأ ومتي يقبض عليه، والمطاردة في الأفلام البوليسية تشبه المطاردة في تحقيق الكتب التراثية: من المؤلف ومتى حبر الكتاب وأي نقص يختفي بين الأسطر والصفحات، وهذه المطاردة حتما ستقوده في يوم أو في زمن إلى الكشف عن الغنيمة اي الحقيقة

ومرة التقى العلامة جواد الزعيم عبد الكريم قاسم وقال له: (أرجو أيها الزعيم أن لا تقول: الجَمهورية بفتح الجيم، بل قلْ الجُمهورية بضم الجيم) وتقبل الزعيم النصيحة، لكنه تساءل عن السبب، فقال له مصطفي جواد: (لأن المأثور في كتب اللغة هو “الجُمهور” بضم الجيم ولأن الاسم إذا كان على هذه الصيغة وجب أن يكون الحرف الأول مضموماً لأن وزنه الصرفي هو فعلول كعُصفور

ومرة أخطرته وزارة المعارف بكتاب رسمي بضرورة عدم نشر المقالات في الصحف استنادا للقوانين التي لا تجيز للموظف المشاركة في الأمور العامة والنشر في وسائل الإعلام، فقام بتصحيح الأخطاء الواردة في الكتاب بالقلم الأحمر وأعاد الكتاب إلى الوزارة داعيا أن تقوم بتقويم كتابها قبل أن تقّوّم الآخرين

وذات يوم كان مسافرا خارج العراق وعند وصوله مطار البلدة التي يروم السفر إليها طلب منه الموظف المسؤول إبراز وثيقة التطعيم ضد الجدري فأخطأ في نطق الكلمة بكسر الجيم ورفع التشديد فرد عليه الجواد قل الجدري برفع الجيم وتشديد الدال فهز الموظف رأسه مستغربا وسمح له بالمرور وكان العلامة جواد بعيدا عن السياسة ومشكلاتها ولا يعنى بمتابعة مجرياتها حتى قيل إنه لو سئل عن مدير شرطة بغداد لصعب عليه معرفته ولكن لو سئل عن رئيس الشرطة في زمن هارون الرشيد لقال إنه فلان ابن فلان عين لرئاسة الشرطة سنة كذا وعزل من عمله عام كذا وتوفي عام كذا واستخلفه فلان الذي… الخ ولأورد تاريخ الشرطة في ذلك الزمن من دون أن يعنى بالحاضر لاشتهاره باهتماماته التاريخية وانصرافه للعلم وحده

وحينما أسس الدكتور رياض الدباغ جامعة ديالى اطلق اسم العلامة على احدى القاعات تخليدا له… ولا بد أن أذكر أن (العائلة المالكة) انتقته لتدريس الملك (فيصل الثاني) درس اللغة العربية لقد كان وداعه الأخير تظاهرة كبرى سار في توديعه جمهور كبير من محبيه والمعجبين بأحاديثه التلفازية عن محلات بغداد القديمة،وبرحيله فقد العراق علماً من أعلامه البارزين ورمزاً من رموزه الخالدين

كتبه وأبحاثه ترك خلفه كنزا ثمينا من آثاره ومؤلفاته المختلفة في شتى ميادين المعرفة بلغت مجموعها 46 أثرا، نصفها مطبوع ونصفها الآخر ما زال مخطوطا له العديد من المؤلفات المشتركة ومقالات ودراسات منشورة لم تجمع بعد وكتب مترجمة عن الفرنسية. بلغت كتبه المطبوعة عشرين كتابا بين تأليف وتحقيق ونقد، وبلغت كتبه الخطية أكثر من عشرة كتب. نقد شعره مرارا لأنه شعر علماء يغلب فيه المنطق على الوجدان، أما مقالاته في المجلات فتقدر بألف مقالة تتركز في علم التحقيق وعلم المخطوطات والتاريخ والآثار العباسية والنقد اللغوي. بالإضافة لكونه من عباقرة اللغة العربية وموسوعة معارف في البلاغة والسير والأخبار والآثار، كان مؤرخا معروفا وله مصادر تاريخية موثوقة يرجع إليها الباحثين والمهتمين في شؤون التاريخ. فكانت حياته الثقافية حافلة بالإبداعات في البحث والتنقيب والتخصص في اللغة وتاريخها فألف وحقق ما يثريها ويعمق من معرفتها والتمعن بها، باذلا جهوده في الإحاطة بها وتدريسها لأكثر من خمس وأربعين سنة

من مؤلفاته الحوادث الجامعة” أول كتاب صدر له (1932) سيدات البلاط العباسي.” (1950) “المباحث اللغوية في العراق” (1960) “سيرة أبي جعفر النقيب” (1950) “خارطة بغداد قديما وحديثا” (مع الدكتور أحمد سوسة وأحمد حامد الصراف) “دليل خارطة بغداد” (مع الدكتور أحمد سوسة) “دليل الجمهورية العراقية” لسنة (1960) (مع محمود فهمي درويش وأحمد سوسة) “الأساس في الأدب” (مع أحمد بهجت الأثري وكمال إبراهيم) دراسات في فلسفة النحو والصرف واللغة والرسم” (1968) “قل ولا تقل” (1969) “قصة الأمير خلف” (مترجمة عن الفرنسية) “رحلة أبي طالب خان” الرحالة الهندي المسلم للعراق وأوروبا عام 1799 (طبع سنة 1970) “دليل خارطة بغداد المفصل” (مع الدكتور أحمد سوسة) مطبعة المجمع العلمي العراقي (1958) “جاوانية القبيلة الكردية المنسية” المجمع العلمي العراقي “رسائل في النحو واللغة” آخر كتاب طبعه (1969) “مستدرك على المعجمات العربية” كتاب خطي “الشعور المنسجم” ديوان شعر

الدكتور عناد غزوان الضائع في معجم الأدباء” أعادت دار المدى بدمشق نشر الكتاب بتقديم الدكتور عناد غزوان، تلميذه الوفي له ولدراسة الأدب واللغة والنقد الأدبي، بحثا وتدريسا واهتماما وسهرا على ما غرسه العلامة بنفوس محبي لغتهم وتراثها الإنساني كتاب المختصر المحتاج اليه من تاريخ بغداد وغيره العديد وإن دل على شيء فيدل على رسوخ علمية الرجل

حسين علي محفوظ ومن آراءه العلمية التي نقلها عنه حسين علي محفوظ قوله ان (الشيخ عبد القادر الجيلاني ولادة قرية جيلان العراق قرب المدائن لا جيلان طبرستان وان سكان الجيل العراقية من الأكراد وهذا ما يفسر تعلق الأكراد بالزاهد عبد القادر الجيلاني لأنهم يعتبرونه منهم)

العلامة سالم الألوسي صرح بذلك محفوظ، وأيضا ذكر العلامة سالم الألوسي، ان الرئيس احمد حسن البكر في بداية حكمه، طالب إيران باسترجاع رفات الخليفة هارون الرشيد، كونه رمز لبغداد في عصرها الذهبي…

وذلك بدعوة وحث من المرحوم عبد الجبار الجومرد الوزير السابق في عهد عبد الكريم قاسم، ولكن إيران امتنعت، وبالمقابل طلبت استرجاع رفات الشيخ عبد القادر الكيلاني، كونه من مواليد كيلان إيران،وعندها طلب الرئيس من العلامة مصطفى جواد، بيان الامر، فاجاب مصطفى جواد: إن المصادر التي تذكر أن الشيخ عبدالقادر مواليد كيلان إيران، مصادر تعتمد رواية واحدة وتناقلتها بدون دراسة وتحقيق، أما الأصوب فهو من مواليد قرية تسمى (جيل) قرب المدائن، ولا صحة كونه من إيران أو أن جده اسمه جيلان، وهو ما أكده العلامة حسين علي محفوظ في مهرجان جلولاء الذي أقامه اتحاد المؤرخين العرب وكان حاضرا الألوسي أيضا سنة 1996، وفعلا أخبرت الدولة الإيرانية بذلك ولكن بتدخل من دولة عربية وبيّن أنه عثر عليه في مطالعاته وقراءاته الكثيرة والمتفحصة لكتب التراث واللغة واضاف له ما يكمله وأحرى به حسب منهجه الذي ثبته في تقديمه: وقد فات ياقوتا ذكر فريق من الادباء، فمنهم من لم يطلع على تراجمهم، كما يدل عليه كتاب (بغية الوعاة) للسيوطي، ومنهم من لم يجدهم حريين بأن يذكروا في معجمه مع أنه نبه على أدبهم في معجم البلدان بحسب مواضع بلدانهم، فالمهملون استخمالا منه أو غفلة منه عنهم ليسوا في عداد الذين عقدت هذا البحث في ذكرهم، وانما عقدته فيما ضاع من التراجم من معجم الأدباء حسب، وعثرت عليه في مطالعاتي وتصفحاتي، وأضفت إليه أشياء أخرى للإفادة، وهو تراجم لـ(ست وأربعين) علما جديدا فاتت على ياقوت الحموي ، الذي كان من أعظم الجغرافيين العرب المسلمين في عصره بين القرنين السادس والسابع للهجرة، في ذلك العصر الذي كادت فيه المادة العربية والإسلامية توشك أن تضيع في طوفان الفتن المتلاحقة والمصائب المتتابعة، وهو أديب موسوعي في ترجماته وأسفاره آثر الاختصار والاعجاز في نهاية الاجاز على حد تعبيره في تأليفاته الموسوعية، والتي أضاف لها مصطفى جواد ما اعتبره ضائعا من معجم الأدباء إرشادا للأجيال الجديدة وحفاظا على موروث ثمين لابد من التواصل معه واستمرار ما يغني الأمة ويتابع المهمة

وفاته توفي في 17 ديسمبر عام 1969 في بغداد التي ولد فيها عن عمر ناهز الثامنة والستين بسبب مرض عضال لازمه سنواته الأخيرة. سار في تشييعه رئيس الجمهورية العراقية أحمد حسن البكر وأقيمت في الذكرى الأربعينية لوفاته حفلة تأبينية كبرى حضرها مندوب عن رئيس الجمهورية وعدد كبير من الوزراء والمسؤولين وشعراء الدول العربية والإسلامية وجمهور غفير من أصدقائه وطلابه ومحبيه، ثم نظمت وزارة الثقافة والإعلام معرضا يضم مخلفاته وآثاره الشخصية والعلمية افتتح يوم 25 مارس 1970 فيوم صنع له تمثالا في ديالي صعد إليه من يهشم يده التي فيها القلم، فهو لم يسلم من الأذى حتى وهو ميت، لأن الأقدار دائما تترصد عباقرة العصور أحياء أو موتى، وكان يعرف رصيده من ذلك قائلا رشحتني الأقدار للموت لكن أخرتني لكي يطول عذابي ومحت لي الالام كل ذنوبي، ثم أضحت مدينة لحسابي

رحمه الله فلقد كان العلاّمة الدكتور مصطفى جواد لايحتاج إلى تعريف فالمعروف لا يعرّف

المصادر ذكرى مصطفى جواد، الدكتور سالم الألوسي تاريخ المجمع العلمي العراقي، الدكتور سالم الألوسي

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية | Leave a comment

المعارضة والنظام – المسلمين والبعثيين -وجهان لعقلية واحدة

sa1

المعارضة والنظام – المسلمين والبعثيين -وجهان لعقلية واحدة
معلولا مدينة يعود تاريخها للقرن العاشر قبل الميلاد، وهي المدينة الوحيدة في العالم التي يتكلم اهلها الآرامية، وحتى اصحاب البقاليات فيها يعرفون بالإضافة إلى الآرامية والعربية الفرنسية والانكليزية وهي منطقة مسيحية وتتميز عالمياً بمظاهرها وآثارها المسيحية، وكل سكانها مسيحيين، فما كان حاجاتها لجامع كبير للمسلمين ومقر ضخم لحزب البعث العربي الاشتراكي عند مدخل المدينة!!! (عند زيارتنا لم نجد اي كائن بشري مسلم او بعثي هناك ولم نجد في المقرين
sa2
غير ذاك الحمار الموجود بالصورة)

 

 

sa3

Posted in ربيع سوريا, كاريكاتور | Leave a comment

DNA 09/09/2013 ! OTV فضيحة جبران باسيل و

Posted in ربيع سوريا, يوتيوب | Leave a comment

أفيقوا من أوهامكم مرّة ثانيّة

( هناك مثل شعبي يقول ” عرب وين طنبورة وين ” ) …
هذا المثل ينطبق على جميع تيارات الإسلام السياسي والذين يرفعون شعار ” الإسلام هو الحلّ ” كيف يكون هو الحل في ظل ظروف ومعطيات ومتغيرات ومستجدات الحياة وديدنهم الحجاب والنقاب وقتل المخالف والأذان في البرلمان والصلاة في المساجد والزواج من 4 نساء الخ …… ؟
في كتابه ” الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية المعاصرة للكاتب فؤاد زكريا يقول ” :

“ إن العقل الذي اعتاد أن يسير في اتجاه واحد , والذي يعجز عن فهم حقيقة النسبية وتعدد طرق الوصول إلى الحقيقة , لابد أن يوصل أصحابه , دون أن يشعروا , إلى هذه النتائج الخطيرة. وهكذا يصبح من بديهياتهم التي لا تناقش , الاعتقاد بأن الشك خطيئة , والنقد جريمة , والتساؤل إثم وجريرة” ………….

“فإن ما بين الحكم العسكري والتطرف الديني ليس إلا شعرة ، ففي الحالتين نجد تفكيرا سلطويا ، وطاعة عمياء ، واعتقادا بامتلاك الحقيقة المطلقة ، ورفضا للرأي الآخر ، بل معاملته علي إنه خيانة أو كفر ، وفي الحالتين تسود القوة على المنطق ، وتحسم المعارك بالتصفية لا بالحوار ، ويصادر حق العقل في الاعتراض واتخاذ موقف مستقل ، وتختفي المنابر الإعلامية التي تنمي في الناس ملكة التفكير النقدي” ………………………………

“إن دعاة تطبيق الشريعة يرددون عبارات ذات تأثير عاطفي هائل على الجماهير ، ونتيجة لهذا التأثير العاطفي تمر هذه العبارات دون أن يتوقف أحد لمناقشتها ، وتتناقلها الألسن محتفظة بمحتواها الهلامي، حتى تشيع بين الناس و كأنها حقائق نهائية ثابتة ، مع أنها في ضوء التحليل العقلي عبارات مليئة بالغموض والخلط ” ………………………………..

“هل سمع قارئ واحد عن برنامج لأية جماعة دينية اشتمل علي خطط محددة لمواجهة الأزمة الاقتصادية تعمل حسابا لمواردنا و مصروفاتنا و ميزان مدفوعاتنا والعلاقة بين القطاعين العام والخاص و التزاماتنا تجاه البنوك الدولية وأعباء القروض التي تثقل كاهلنا ” ………………………………

“انقياد الجموع الكبيرة من الناس إلى التيارات الدينية التي تركز جهدها علي الجانب الشعائري من الدين وعلى التحريمات الجنسية وشكل الملبس , الخ .., وتتصور أن أول جوانب تطبيق الشريعة وأهمها هو تطبيق حدود الخمر والسرقة والزنا وتتجاهل كلية مشكلات الحياة الاقتصادية والسياسية بتعقيداتها التي لا تنتهي – هذا الانقياد لا يمكن أن يكون علامة صحة وإنما هو حالة شاذة طارئة لم تعرقها مصر إلا في ظل عهود الحكم الفردي المتلاحقة وفي العهد الذي فتح الباب لتسرب الفكر “المتخلف” الوافد من مجتمعات بترولية تستخدم الدين أداة للحفاظ علي مصالحها في الداخل ونشر أيديولوجيتها “الهابطة” في الخارج .”

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

قصاصات

انتصارات الظل.

طوال النهار .. كان يمشي مترقباً، يتلفت في كل الاتجاهات، بطريقة مضطربة، لكنه كان يشد تركيزه نحو الأسفل، نحو جموع الظلال، تلك المحتشدة والساقطة من على أصحابها من المارة وكأنها جذور روحية أو شبحية. كان يحب أن يذهب إلى الأسواق المكتظة بالناس، هناك كان يختلس وضع قدمة على كل ظلال يمر به بطريقة انتقامية وحاقدة، كان يركز على أن يضع قدمه على عنق كل ظلال أو الوجه أحياناً، هكذا كان يعود إلى البيت مستريح النفس ومنتتشياً بعد كل هذه الانتصارات العظيمة التي حققها على الظلال.
…………………………………..

تمرد من نوع آخر

القى الزعيم خطابه، وحين لم يكن هنالك ما يثير حماسة الحاضرين للتصفيق، ولم يكن هنالك أي داع لذلك حتى .. قام أحد الحاضرين في أقصى الزاوية وصفق بحرارة للزعيم، صفق وحده دون أن يعير أي اهتمام لأحد. كان يبدو أكثرهم ولاء للزعيم ، وأكثرهم نفاقاً في تلك اللحظات.
فجأة، وحين لمح الزعيم أن في تصرفه نزعة تمردية، امر باعتقاله.

طلال قاسم – مفكر حر

Posted in الأدب والفن, فكر حر | Leave a comment

الدين ليس هو الحل لأن المتدينين هم المشكلة

الدين ليس هو الحل لأن المتدينين هم المشكلة
قالت العرب :اذا عقلك عقلك عما ينبغي فأنت عاقل
فإن القيام بتحطيم زجاج سيارة متوقفة مثلما تقوم بتفجيرها بعفوة ناسفة لأن العقل الفوضوي هو المحرض كبر أو صغر مسرح الجريمة ،روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه انه قال ذكر رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم بعبادته قال كيف عقله قالوا يارسول الله ان من عبادته ان من تقواه قال كيف عقله قالوا يارسول الله نثني عليه بالعبادة واصناف الخير وتسألنا عن عقله قال :ان الاحمق العابد يصيب بجهله اكثر من فجور الفاجر وإنما يقرب الناس من ربهم بالزلف على قدر عقولهم 0
لاأحد يختلف على أن الاسلام هو أعظم دين إختاره الله للبشرية ليهديها به الى الطريق القويم لاأن يمعن بتشتيتها ويجعلها تتفرق عن سبيلة رغم أن كل الاديان ودعوة الانبياء مبدأها ومبتد أها هو الاسلام ،فأختار لهذا الدين أعظم الانبياء وخاتمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله ليس لقريش لكي تحصد به مكاسبها السياسية العنصرية كون (الأئمة من قريش ) وماعداهم سوقة لايصلحون لولاية ولايقودون راية وأن من قادوها مهمتهم تسليمها وتسليم مفاتيح الكعبة للفتى (القرشي) الذي يخرج في آخر الزمان ،وهو ايظا ليست خاصية للعرب ليفاخروا به غيرهم بكثرة الجواري والغلمان وإنما أرسله الله سبحانه وتعالى رحمة للعالمين وليس من أجل أن يختطف أتباعة طائرة مليئة بالأطفال والنساء ليفجروها فوق مناطق آهلة بالسكان, أويخطفوا سفينة في عرض البحر ،وليس ليقوم أحفاد أتباعه بتفجير أنفسهم في حفلة عرس ،وليس ليختطفوا نساء قرية آمنة مطمئنة يقتلون رجالها ويستحيون نساءها كماهي عقيدة (فرعون)بتصفية خصومه تلك العقيدة التي أذلت اليهود وخلفت لديهم نزعة التدمير (التلمودية) التي تطبقها في كل حروبها التاريخية على كل ماهو خارج منظومة القيم التوراتية فتحطم الحجر والشجر والبشر في تطابق عجيب مع التعاليم التي يصدرها الان من يعتقدون انهم ينصرون الله ورسولة وكأنهم رضعوا تعاليمهم ليس من القرآن بل التقطوها من تعاليم كتاب (آخر) نسخت جميعها بدمائها واشلائها ليتم تطبيقها عقب كل صرخة هي لله 00 هي لله لتكتشف أنها صدى آخر يتردد خارج المنصة هي للكرسي 0000هي للكرسي
ماذا ينقص من الدين لو جلس المرء ببيته ووضع قرآنه بحجره وصلى وصام دون أن يصب مالا حراما أو دما حراما وهو يستطيع ان يبلغ رسالة ربه من خلال جهاز يضعه بجانبه ليلتقط اشاراته في الفضاء إنسان حائر يبحث عن مخرج لأزمته الوجودية دون أن يراه يلحس خنجره ليقطع رأسه أو يتمنطق بحزام ناسف ليفجر بيته أو يحرق جثث أطفاله ، اليس هذا جدير بالفوز بالجائزة التي اعدها الله له ،أليس الله سبحانه وتعالى وهو أكرم من اعطى وأصدق من أوفى تكفل له بهذا عندماقال على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم :(لأن يهدي الله بك رجلاواحدا خير لك من حمر النعم) والهداية لاتكون في الاكراه ولاتكون إلا عن طريق إعلاء قيم التسامح والمحبة فكيف تكون حريص على هدايتي ويأخذك حبك لي وحماسك على ان أدخل جنة الله بأن تعمل على ان تفجر بيتي او تقتل أطفالي ، أين تجد محبة الله التي يفرح بتوبة عبده كما تفرح الوليدة بمولودها بتصرفات كل معتنقي الاديان الذين أضلوا بها عباد الله وجعلوها عناوين للخوف والارهاب ،وجعلوا من الدين كهف مظلم لايحوي إلا العظام البالية ومكان آمن لطيور الظلام تعشش في جنباته ، الله سبحانه وتعالى لايريد ان يكون (دينه) قناعا يرتديه اللصوص والقتلة ومصاصي الدماء البشرية عبرالتاريخ ليسرقوا تعاليمه ويزورون على انبيائه ويوقولونهم مالم يقولوا 0
قبل عشرين سنة كنت من (الموهومين ) بفكرة الخلافة وكان عقلي رهين قصر(الخليفة) وأن المسلمين هم ضحايا يتم التآمرعليهم من قبل الغرب والحكام المحليين لكي لايصلوا للسلطة وبالتالي عرقلة (أمة) محمد(صلى الله عليه وسلم) عن إقامة مشروعها السياسي العظيم لكي لايتسنى لهم تحرير المقدسات الاسلامية ويعيدوا (الأندلس) السليب من براثن الإحتلال الأسباني (الوطني) حتى إكتشفت أن عرقلة هذا المشروع هو رحمة (بأمة )محمد صلى الله عليه وسلم لكي لايتحكم هؤلاء برقاب الناس ،كيف لي أن أقنع نفسي والاخرين أن القاعدة وجبهة النصرة اللتان هما احد أذرعة جيش المسلمين على ألأرض من أصحاب (الرعب الأبيض) ومن ورائهم أصحاب (الرعب ألأسود) كجيش المهدي وحزب الله يمكن ان يحملوا مشعل الخير والهداية والأمن للناس والإستقرار للأرض أوأنهم خير من يمثل اتباع نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم وهم (الأمناء) على قيام هذا المشروع أو أؤمن أن مفاتيح الكعبة يجب أن تمنح لأصحاب الرعب (المزدوج ) لكي يقيموا خلافتهم على جماجم المسلمين اولا ماذا لو قدر لهؤلاء وهؤلاء امتلاك الاسلحة الكيماوية والجرثومية وحتى النووية، ليزيد يقيني أن مشروع مايسمى الحكم (الاسلامي) في الجملة هو مشروع فاشل لانه بلا مشروع اصلا لأن الاسلام اعظم من ان يكون مشروعا يدار بنظرية المقاول والمشرف /المرشد …
يتساءل الإنسان البسيط ماهي (الحكمة) من توريطه مع هؤلاء المتدينين وفرقهم التي تتقاذفه على مر الاجيال وكل اتباعها يدعون انهم يملكون الحقيقة ويمنحونه السلام الورقي ولكن عندما يقف على أرض الحقيقة تتزلزل الارض من تحت قدميه وهو يراها تغوص في الدماء التي ترتكب كلها باسم الله الواحد ، مشروع الأديان هو مشروع (شخصي) للفرد وصفقة شراء مع الله بموجب عقد بين طرفين الهدف منه التسليم والرضى بإاردة الله ومشيئته وإفراده بالعبادة مقابل التزام من الله بأن يدخله الجنة فالإسلام مشروعي (الخاص) أقيمه على نفسي وأهل بيتي في إطار قانون عام (شامل وعادل) يأمن به الكافر والمؤمن على نفسيهما في هذه الحياة الدنيا والعاقبة للمتقين (لايضركم من ضل اذا أهتديتم) نهايته هو الفوز بصفقة (الجنة) التي يستطيع المرء ان يحضى بها ولو (بشق تمرة) و لاتحتاج الى كل هذه التكاليف الباهظة من الدماء والنفوس المتنافرة , هذا العقد البسيط يستطيع أن ينفذه شخص يقبع في اخر مدن الدنيا التي لايعرف سكانها الابتهالات والترانيم الدينية ولاحتى مكبرات الصوت ،يجلس وحيدا يسبح بحمد الله قد يذكره الله جل وعلا فيمن عنده دون الحاجة الى ان ينتمي الى أي منظمة إرهابية أو أي جماعة تصر على انها تسيئ لسمعة تعاليمه على الأرض ودون حاجته لتجشم كل هذا العناء ليقوم بقطع رقبة عبدا من عباد الله وهو يصدح بالتكبير ،حتى انه ليخال للمرء احيانا أن الجهل بالدين هو نعمة تستقر معها الاوطان وتأمن البشرعلى انفسها قبل ظهور المتدينين الذين حرفوا تعاليم الانبياء عن مسارها الصحيح فأصبحوا هم المشكلة وليس علاج لمشكلة حتى ان الدول التي لم يتسلل اليها المتدينون هي اكثر بلدان الارض نماءا وإستقرار ماهذا الابتلاء العظيم وماهي الكارثة التي ارتكبت بحق دين الله ليكون مهمته اشعال الحرائق (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين) الأمم لاتحتاج كل هذه التعاليم الجوفاء لكي يدخلها الله الجنة مع وجود خيار استراتيجي عظيم يقرره الله لعبادة من شاء فل يؤمن ومن شاء فل يكفر بعد استحقاق التبشير والانذار 0
جميع ألأديان رسالتها للبشرية هي السلام وعندما تجد دينا يبيح القتل في تعاليمه وتدمير الناس فأعلم انه دين اخر غير الذي ارتضاه الله للناس لعبادته أوأختاره ليكون لهم طريقا مستقيما لأن الطرق المستقيمة من المستحيل ان تكون ممهدة بالدماء ومستحيل ان يكون الله جعلها طريقا لرضوانه ،إنها فقط طرق الشياطين الملتوية التي تقود الى الدهاليز والحفر الضيقة رغم انها تلبس لباس التقوى وترتدي رموز التدين ولكن لاتجد اكثرهم مؤمنين في نهاية الطريق فلكي نقنع الاخرين بعدالة مشروعنا (الاسلامي) علينا أولا أن نحمي المسلمين من المسلمين قبل أن نستعد لأي غزوة مباركة في الخارج 0

عمري الرحيل
السعودية –عرعر

Posted in فكر حر | Leave a comment