قبلة المراهقين وضرر الوصم الاجتماعي

عائشة التاج : الحوار المتمدنkiss

 لقد أشعلت قبلة مراهقي الناظور على الفايسبوك نقاشا عموميا حول مفهوم الحريات الفردية والعامة ومشروعية اعتقال هؤلاء القاصرين انطلاقا من تهمة تسمى ومنذ عقود حجرية ب “الإخلال بالحياء العام “

لاشك أن لمفهوم الحرية أبعاد متعددة تتم صياغتها على شكل مطالب سياسية أو اجتماعية حسب السقف المتعارف عليه من طرف القوى الفاعلة سواء كانت مدنية أم سياسية , ويتم الترافع حولها بأساليب حضارية وراقية خارج منطق الزجر والعقاب والإكراه الذي هو من سمات الأنظمة الاستبدادية ,

يبدو بأن التداعيات الكئيبة للقبلة الفايسبوكية ترتبط بشكوى إحدى الجمعيات التي دخلت المعترك الحقوقي بدون عدة مفاهيمية فوجدت في هذه القبلة الطائشة على إحدى صفحات الفايسبوك فرصة لاستعراض دورها المفترض في المرافعة الحقوقية واختارت من ضمن لائحة معيقات الحريات وما أكثرها هذا الموضوع “المثير ” والغريب على الحقل الحقوقي جملة وتفصيلا مما أدى إلى اعتقال القاصرين الثلاثة بسرعة البرق وإيداعهم مركز إعادة التربية لمجرد قبلة لا تشكل عمليا أي ضرر على الآخرين .
ومتى كان التعبير عن الحب مضرا أمام
الكم الهائل من أعمال العنف والاعتداء والكراهية التي يعج بها فضاؤنا العام
ولا من يحرك ساكنا ضدها ؟؟؟
وبالتالي فإن هذه الجهة التي جعلت من حبة “القبلة ” قبة جذبت اهتمام الرأي العام خصوصا منه عبر الشبكة أساءت لنفسها قبل أن تسيء لغيرها ,وسرعان ما تهاوت على رؤوس مدبريها لأن ما بني بدون أساس لا يصمد أمام أبسط العواصف .

لقد أبانت الجهة المشتكية عن عدم احترافية في رصد القضايا التي من المفروض أن تشكل موضوعا للمرافعة الحقوقية .وتحولت لموضوع للسخرية وحققت عكس ما أرادت فكان هناك تعاطف كبير مع المراهقين الثلاثة ،ضحايا هذا الاستنفار الحقوقي الغريب من نوعه
ذلك أننا نحن المغاربة لا نعيش على إيقاع الفكر الوهابي المظلم حتى تتحول قبلة شابين موضوعا للإثارة ,
نحن شعب راقي و واقعي ويميل إلى الاعتدال ,
وبالتالي ليس هناك قبول للمرور للمسطرة القصوى ،أي تحريك المحكمة والقضاء والتسبب في إحراج العائلات ووصمهم اجتماعيا والتسبب أيضا في اعتقال هؤلاء الشبان وحرمانهم بالتالي من “حقهم في الدراسة “
فلا يمكن معالجة ما نراه “مشكلا “بخلق مشاكل أكبر من المشكل الأولي
فباسم الأخلاق نمارس فعلا لا أخلاقيا من خلال ألحلق أضرار بالغة ب3 عائلات وثلاث شبان ,وكذلك بالمؤسسة التي تم فيها هذا السلوك وهناك حتما تداعيات متعددة ستتشعب انطلاقا من فعل بسيط كان يمكن معالجته بطريقة أخرى لو اقتضى الأمر ,
مما يظهر جهل هؤلاء بالعمل الحقوقي والتربوي والاجتماعي وبالتالي عدم أهليتهم لذلك قبل معرفة أبجديات هذا المجال والتباساته المختلفة ,
هذا إذا حسنت نيتهم فعلا ولم تكن لهم رهانات أكبر من هؤلاء المراهقين
ضحايا هذا الوصم المجاني ,

التطبيع مع مشاعر الحب :
علما أن هذا السلوك (التقبيل) لا يبدو جديدا أو معزولا عن سياقه المجتمعي العام
فالتعبير عن مشاعر الحب ولو بأساليب أخرى مثل شد اليدين وملامسة الأكتاف أضحى سلوكا متداولا في الفضاءات العامة ،نجده في الشوارع

العمومية بما فيها الشعبية وفي الغابات والحدائق والشواطيء نفاجأ بسلوكات أكثر مما ذكر خصوصا من طرف أولئك الذين يستعرضون رموز التدين كالحجاب واللحية ,,,وهنا المفارقة العجيبة حيث يجد هؤلاء الشباب الذين يراد لهم أن يتحولوا لملائكة متنفسا لهم في هذه الفضاءات بعيدا عن المراقبة الضيقة لأصحاب الخطابات الأخلاقية المبتورة ,
إذ ليس من الأخلاق في شيء أن ندين سلوكا ما بدون معرفة أسبابه وحيثياته ,,فالإدانة أسهل من البحث عن حلول تضمن لهذه الفئات المهمشة حق ممارسة إنسانيتها في شروط حميمية مثل كل الناس

ومنها حق السكن والشغل الذين بدونهما لن يتحقق شرط الزواج ثم العفة المتوخاة دينيا وأخلاقيا ومجتمعيا ,,,,,
وقد لا تتحقق كل هذه المطالب الشبابية في أقرب الآجال في سياق اقتصادي تزداد فيه البطالة وغلاء الأسعار والضغوطات الاجتماعية ,,,,,,وربما لذلك وتنفيسا عنها يتم توجيه الرأي العام حول أمور تافهة قد
لاتسمن و لا تغني من جوع , كقضية القبلة الفايسبوكية .
والسعي لشيطنة شباب ينفس عن مشاعره بما ملكت يداه وكأنه ارتكب جناية اختلاس المال العام أوالرشوة أو ماإلى ذلك من وجوه الفساد المتفشي التي لم تثر انتباه الجهة المدعية والحريصة على مصلحة المجتمع كما تدعي ,

وفوق هذا وذاك ،وتطبيقا للتوجيهات الأخلاقية لديننا الحنيف : فقد أمرنا الله بالستر ومن ستر أخاه ستره الله .
لم يكن هناك أي داعي لفضح شباب في مقتبل العمر في ردهات المحاكم لفعل ارتكبوه تحت ضغط التغيرات الفزيولوجية والقيمية التي يجتازها جيل جديد يتطلب مقاربة جديدة لقضاياه خارج منطق الإدانة والزجر والعقاب والتهويل وأساليب عجائز قرون مضت ,

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

خمسة من أعظم الأخطاء غيرت مجرى التاريخ

1- باع جورج هاريشن من جنوب أفريقيا مزرعته إلى شركة تنقيب بعشرة جنيهات فقط لعدمaa1 aa2 aa3
صلاحيتها للزراعة ، وحين شرعت الشركة في استغلالها ، اكتشفت بها أكبر منجم للذهب على
الإطلاق ، أصبح بعدها هذا المنجم مسؤولاً عن 70% من إنتاج الذهب في العالم.

.

.

.

2- وفي إحدى ليالي 1696م أوى الخباز البريطاني جوفينز إلى فراشه ، ولكنه نسي إطفاء شعلة صغيرة
بقيت في فرنه، وقد أدى هذا “الخطأ” إلى اشتعال منزله ثم منزل جيرانه ثم الحارات المجاورة ، حتى احترقت
نصف لندن ومات الآلاف من سكانها ، فيما أصبح يعرف “بالحريق الكبير” ،، جوفينز نفسه لم يصب بأذى !!.

3- وفي عام 1347م دخلت بعض الفئران إلى ثلاث سفن إيطالية كانت راسية في الصين ، وحين وصلت
إلى ميناء مسينا الإيطالي خرجت منها ، ونشرت الطاعون في المدينة ثم في كامل إيطاليا . وكان الطاعون قد
قضى أصلاً على نصف سكان الصين في ذلك الوقت ، ثم من إيطاليا انتشر في كامل أوروبا فقتل ثلث سكانها
خلال عشر سنوات فقط.

.

4- تذكر بعض المصادر أن أحد الملوك البريطانيين اختلف مع البابا في وقت كانت فيه بريطانيا كاثوليكية
وكرد انتقامي حرّم البابا تزاوج البريطانيين الأمر الذي أوقع الملك في حرج أمام شعبه ، وللخروج من هذا
المأزق طلب من ملوك الطوائف في الأندلس إرسال بعض المشايخ كي تتحول بريطانيا للإسلام نكاية بالفاتيكان !
إلاّ أن “جماعتنا” تقاعسوا عن تنفيذ هذا الطلب حتى وصل الخبر إلى البابا ، فأصلح الخلاف ورفع قرار
التحريم ( ولك أن تتصور إسلام بريطانيا، ثم ظهورها كإمبراطورية لا تغيب عنها الشمس ) !!

5- وكانت فرصة مشابهة قد سنحت للمسلمين ، خلال معركة بلاط الشهداء (قرب بواتييه في فرنسا)
ففي هذه المعركة كرر المسلمون نفس الخطأ القاتل في معركة أحد ؛ فقد تراجعوا لحماية غنائمهم من جيش
شارلمان ، فغلبوا وتوقف الزحف الإسلامي على كامل أوروبا . يقول أحد المؤرخين الإنجليز :
“لو لم يهزم العرب في بواتييه ، لرأيتم القرآن يُتلى ويُفسر في كامبريدج وأكسفورد” !!

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

هل تتدخل إيران لإنقاذ البشير؟

عبد العظيم محمود حنفي

منذ انقلاب البشير في 30 يونيو 1989 اعلن وزمرة الاخوان المسلمين خيارهم بجعل السودان مرتهنا لايران, والقبول بدور وظيفي خدمة للنظام الايراني. ومن هنا فان البشير يولي وجهه نحو النظام الايراني لانقاذه ونظامه من مصيرهما المحتوم.

ومنذ اليوم الاول للانقلاب الاخواني ارسلت ايران قوات من الحرس الثوري هناك لحماية المنشآت الرئيسية, وكان تواجدهم في مطار الخرطوم لافتا ومستفزا.

كما امدتهم بمختلف انواع الاسلحة التي تساعدهم في الحفاظ على حكمهم, وقمع الشعب السوداني سواء ضد حركات الاحتجاج المسلح, او قمع الحركات السياسية المناوئة, فايران لها اليد الطولى في اقامة الدولة الأمنية في السودان مقابل التماهي مع الاستراتيجية الايرانية في دول أفريقيا الشرقية, ولا سيما دول الصندوق الإفريقي والدول المتواجدة على امتداد البحر الأحمر. إن التحالف الإيراني – السوداني تحالف آيديولوجي في المقام الأول رغم اختلاف مذهبي الدولتين, لان آخر هموم البشير الإسلام وإعلاء قيمه السامية, بل هو حرص على استخدام الاسلام كشعار لبسط الهيمنة التسلطية وتدعيم حكم السلطوية الفاشية في السودان, وهو النظام الذي وصفه أحمدي نجاد بأنه وطن ثان يعج بـ”الأشقاء الأعزاء الأتقياء الثوريين

“.

مع قيام ايران بانشاء مراكز ثقافية منتشرة حتى في أحياء أم درمان الشعبية, يتم استخدامها لنشر وترويج المواد الدعائية المتعلقة بتصدير الثورة الايرانية وتصوير انقلاب السودان كامتداد لثورتها, وما تزعمه من مناهضة الهيمنة الآميركية و الظهور بمظهر المدافع عن المقهورين. وقد كان لافتا انه في عام 2006, أعلن عمر البشير أن البرنامج النووي الإيراني يعد “نصرا كبيرا للعالم الإسلامي

“.

وقبله أخبر آية الله علي خامنئي, المرشد الأعلى, البشير بأن ايران مستعدة لنقل خبراتها وتقنياتها النووية للسودان. وبينما أعلن السودان مرارا تأييده للبرنامج النووي الإيراني, كانت طهران من أوائل من ندد بقرار التوقيف الصادر بحق البشير من قبل المحكمة الجنائية الدولية.

ومن بين الأصول الجيوسياسية التي يتمتع بها السودان, وتعد عناصر جذابة أمام طهران, سواحل السودان الطويلة على البحر الأحمر, والطرق البحرية المهمة التي تربطها بالخليج العربي وموقعها قبالة السعودية وبجوار مصر وتمتعها بموارد نفطية وسيطرتها على النيل الأبيض.

لذا تم ترسيخ الوجود الإيراني بحرياً في ميناء بورتسودان على البحر الاحمر, لاسيما في الأوقات العصيبة والمتأزمة, وتم انشاء خط بحري مباشر مع ذلك الميناء, لكي يقود إلى ساحات الصراع الرئيسية التابعة لإيران في الشرق الأوسط, والتي تمكن عن طريقها من تهريب الوسائل القتالية والنشطاء الإرهابيين إليها. فمثلا – يُولي الإيرانيون أهميةً خاصة لمسار عمليات التهريب من السودان إلى قطاع غزة الذي يخضع لسيطرة حماس, عن طريق مصر, وهو الامر الذي شجع الجماعات الارهابية على الانتشار في سيناء, ومن ثم لم يكن من قبيل المصادفة معارضة نظامي البشير والنظام الايراني لثورة 30 يونيو المصرية الشعبية ضد جماعة الاخوان المسلمين المصرية ولفظهم واخراجهم من السلطة

.

وقد مثل النظام الإيراني نموذجا ملهما للبشير واخوانه وآية ذلك انهم اعلنوا مثل آيات الله, ان للسودان رسالة خالدة في نشر الاسلام واقامة الدولة الاسلامية الكبرى, واستضافوا جميع الحركات الراديكالية الاسلامية ورموز الارهاب في العالم وانتهى الامر لا بإقامة الدولة الاسلامية الكبرى, بل بتقزيم السودان واقتطاع دولة كاملة ومرشح الباقي لمزيد من الاقتطاع.

وتأسياً بالنموذج الايراني اقام البشير الجيش الشعبي الاسلامي تشبها بميليشبا الباسيدج (التعبئة الشعبية), لخوض الجهاد ضد اخوانهم السودانيين. والنتيجة آلاف القتلى ثم الركوع والانبطاح وقبول دولة الجنوب. وهناك تقارير تشير الى ان الجيش السوداني تم تجريفه عبر اقامة مليشيات تقوم مقام الجيش على شاكلة الحرس الثوري الايراني, وان تلك المليشيات هي التي نفذت الاغتيالات ضد المعارضين في الاحتجاجات الحالية.

وهناك تقارير موثقة ان إيران أمدت الخرطوم بأسلحة في هجماتها ضد دارفور, في انتهاك لحظر الأسلحة الذي تفرضه عليها الأمم المتحدة. و في 28 أغسطس , أسقطت القيادة الموحدة لحركة تحرير السودان طائرة إيرانية من دون طيار طراز “أبابيل – 111” كما جمدت الحكومة السودانية صدور صحيفة موالية للمعارضة (رأي الشعب) لأجل غير مسمى, لادعائها إقامة الحرس الثوري الإيراني مصنعا لإنتاج الأسلحة في الخرطوم, يعرف باسم مصنع “جياد” تنفيذا لبند في اتفاقية الدفاع التي وقعها وزير الدفاع الإيراني -آنذاك – مصطفى محمد نجار خلال زيارته الخرطوم في مارس 2008, لتقديم أسلحة للمتمردين الإسلاميين في الصومال وحركة حماس.

ولما قامت اسرائيل بضرب وتدمير مجمع اليرموك الحربي في السودان حاول النظام الانكار, ثم اعترف صاغرا, وشعر الايرانيون بالحرج فبعثوا ببارجتين إلى بورتسودان, والمضحك المبكي, اعلان وزير الخارجية “كرتي” أن الخارجية ليس لها علم, وقد قرأ النبأ في الصحف, علماً بأن الخارجية كان قد سبق أن اعتذرت لإيران عن عدم استعداد السودان لزيارة بوارجها, ومع ذلك فقد تمت الزيارة بموافقة لا يعلمها حتى الوزير المسؤول عن السياسة الخارجية, بينما اكد النائب الثاني لرئيس الجمهورية الدكتور الحاج آدم (العائد من جديد للتنظيم الحاكم الذي خرج عليه مع الترابي وكان أحد أركان حزب المؤتمر الشعبي ومسؤوله في دارفور) “إننا سندعم “حماس” وسنعمل مع إيران ولا يخيفنا الهجوم على “اليرموك”.

عن اي انواع من النظم السياسية نتحدث؟ الشعب السوداني الآن يقول كلمته وقد تحرر من الخوف, ولن تستطيع ايران انقاذ البشير, حتى ولو ارادت ذلك, ولكنها لن تفعل, لان مرحلة روحاني تقتضي ذلك, مع محاولة ضمان انقلاب قصر يأتى بمواليهم.

وليس أمام الشعب السوداني سوى استمرار ثورته حفاظا على الدولة, ولإقامة دولة الحق والقانون والحرية, وطي تلك الصفحة المظلمة في تاريخه.

والعودة الى السودان الذي نعرفه عروبيا افريقيا حرا غير تابع لايران ولا لغيرها.

* نقلا عن “السياسة” الكويتية

‎هيثم هاشم – مفكر حر؟‎

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

ويسألونك عن البديل

الخوف هو العامل المشترك الوحيد بين الأنظمة المستبدة وشعوبها ، فالنظام المستبد يخشى من حصاد ما جنت يداه من جرائم بحق شعبه قد تتجاوز بكثير مسألة وأد الحرية إلى التهديد الوجودي والإدارة الفاشلة لقضية العدالة الإجتماعية ولملفات الأمن والإقتصاد والتي تُحيل حياة الشعوب إلى جحيم يُكسَر على إثره حاجز الخوف من المستبد ، ومن ناحيةٍ أُخرى تخشى الشعوب من سلطة النظام المستبد وأجهزته القمعية التي كرّسها هذا المستبد لتخويف الشعب الذي يخاف منه المستبد بدوره .
إذاً في ظلِّ الأنظمة المستبدة تستشري ثقافة الخوف على جميع المستويات فالسلطة تخشى الشعب الجائع الذي يخشى بدوره شرطة المستبد وأمنه وجيوشه .
وفي إطار هذا الكم الهائل من دوامات الخوف يُوظِّف المستبد ثقافة الخوف التي راكمتها سنوات القهر والإستبداد المتطاولة فتستحيل ـ ثقافة الخوف ـ إلى مادة أساسية في في خطابه الإعلامي المُوجّه والمُكرّس لتأمين نظام المستبد ، فيُنشئ الإعلام الإستبدادي إنطلاقاً من ثقافة الخوف القارة في وجدان الشعب ومن قناعات المستبد نفسه بأهمية دور الإعلام في تجذير هذا الخوف في وعي الجماهير ، أقول يُنشئ هذا الإعلام الإستبدادي معادلة ( الخوف من البديل ) حيث تختلف تفاصيلها من بلد إلى آخر .

ففي مصر أنشأ حسني مبارك معادلة ( إمّا نظامي أو الفاشية الدينية ) ، وفي سورية تحقّقت المعادلة بالفعل وأصبحت المعادلة واقعاً حقيقياً ( إمّا بشار الأسد أو الحرب الأهلية والصراعات الطائفية والجماعات الإرهابية ) ، وفي ليبيا كانت المعادلة أبان حكم العقيد القذافي ( إمّا أنا أو الصراعات القبلية والتقسيم ) ، وتأتي المعادلة في دولٍ أُخرى على نحو ( إمّا أنا المستبد الذي يوفر الأمن رغم وأده للحرية ، أو الحرية والفوضى كما حدث بالعراق ) ، وفي السودان كانت المعادلة أشد فحشاً وبذاءةً فهي : ( إمّا الإسلاميون أو العبيد الغرّابة والجنوبيين والكفار دعاة الفجور والعمالة لأمريكا و الطائفية المهدية والميرغنية ) .

لذلك فالسؤال الذي ينتشر على نحوٍ مريب في السودان ويُواجَه به كلّ دعاة التغيير من قِبل غالبية المواطنيين ( من البديل في حالة سقوط النظام ؟ ) هو سؤال ليس بدعاً بين الشعوب ، وقد كان مطروحاً في كلِّ الدول التي عانت من الإستبداد ولم يُثني ذلك التساؤل كثيراً تلك الدول عن تحقيق التغيير ، والسؤال ما هو إلاّ مؤامرة يُدبِّرها النظام في إطار طموحه بالبقاء في السلطة أطول قدر ممكن كما أوضحنا ذلك ، ويأتي كلّ هذا في سياق تفعيله لسلاح الخوف أو التخويف من المستقبل ، وهو السلاح الوحيد الذي يملكه المستبد لمواجهة الملايين التي تُعاني من إستبداده ، وغالباً ما يؤتي هذا السلاح ثماره على المدى القريب والمتوسط ، ولكنه على المدى البعيد سلاح فاشل لأنّه غير إستراتيجي ، والتاريخ يُثبت ويُبرهن ذلك ، ومصر وتونس وليبيا نماذج قريبة جداً في تاريخنا المعاصر ، فتلك الدول وغيرها كانت المعادلة مطروحة بها على نفس المنوال( إمّا المستبد أو البديل الفاشي الديني والفوضى والإستعمار … الخ ) . ورغم ذلك ثارت تلك الشعوب بعد عقود من تفعيل تلك المعادلة وإستخدام المستبد لها وتوظيفها في تخويف شعبه من طموح التغيير أو التطلع للثورة عليه .

فغالباً ما تُسفِر سياسة التخويف المتبوعة بسياسة التجويع والتهميش والإضطهاد والكبت والقمع والتنكيل إلى صياغة المعادلة على وزنٍ أكثر خطورة على المستبد وعلى نظامه ، حيث تستحيل المعادلة بعد معاناة الشعب إلى الصياغة التالية (( إمّا الموت جوعاً ومرضاً و الحياة فقراً وجهلاً ومعاناةً وتهميشاً ، أو مواجهة الموت وكسر حاجز الخوف ، جدار حماية المستبد الأساسي )) وهذه الحالة هي ما تُعرف بالغضب .
فلا سلاح يقضي على الخوف مثل الغضب ، فتخرج الملايين الجائعة والمهمّشة والتوّاقة لصناعة مصيرها وإسترداد حريتها للشوارع كما رأينا ظهيرة يوم 28 يناير بمصر عام 2011 ، غير عابئة أو مكترثة بالرصاص والقتل ، فالتناقض وصل حدّه ومبلغه ، والغضب أعمى غريزة الحرص على البقاء وباتت المعادلة إمّا نحنُ أو هم .
لذلك فسياسة التخويف من البديل لم ولن تُثمر إلاّ عن نقيض ما تصبوا إليه ، وستكون المخدر الذي أنام المستبد وبثّ فيه روح الطمأنينة الخادعة وحرّضه على السدر في طغوانه آمناً جانب الشعب ، فيصير كمن رانت عليه غشاوة تمنعه من رؤية الخطر المحدق من حواليه ، خطر يحمل عنوان الغضب الشعبي المُحصّن ضد الرصاص .

لذلك فإستشراء السؤال عن البديل قد يكون مجرّد نجاح ( راهن ) للمستبد ، لكنه قطعاً لا يُسمنه ولا يُغنيه من جوع ولا يؤمِّنهُ من خوف ، نعم هو سلاح فاعل بيده اليوم ، لكنه سرعان ما سيفقد فاعليته غداً، فهذا السؤال الذي يُراهن عليه هذا المستبد هو في جوهره زائف ومخادع ، فالشعب لا يحتاج لبديل للمستبد ، فنحن لا نحتاج لبديل للجلاد ، وعمر البشير وزمرته الحاكمة وكافة الطغاة أهون من أن نحتاج لبدائلهم كي نحمي ونُعمِّر أوطاننا ، فما هم إلاّ محض أصفار على اليمين وجودها من عدمهِ واحد ، بل وجودها كارثة تستلزم التخلص منها ، فالشعب لا يحتاج لبديل لهم ، بل هو محتاج لمحاربة بدائلهم ، وأيّ خيار يُطرح كبديل لنظام البشير هو خيار مرفوض ، فالأزمة ليست في إسم الجلّاد ولكن في ديدن الجلد .

إنتهى عهد ثقافة ( الراعي والرعية ) وولّت حقبة ( ولي الأمر ) و ( زعيم الأُمّة ) ، بل وحتى عهد المواطن والمواطنة أوشك على الإنتهاء ليحلّ محلّه عهد ( مابعد المواطن ) ، حيث أصبح البديل هو الإنسان الفرد الفاعل ، المشارك ، الصانع ، المُبدع ، والذي لا يقتصر دوره فقط على ترشيح أو إختيار وإنتخاب الرؤساء والحكام والبرلمانيين ، ولكنه أصبح سلطة رأي عام تُراقِب وتُحاسِب وتُهدِّد بالإضراب والعصيان المدني واللجوء إلى مقاضاة الحكام والرؤساء ، وتضغط وتُمارس أقصى درجات التدخل السافر في إدارة شؤون الدولة .

لذلك فلا بديل لنظام الإنقاذ ، و لا بديل لعمر البشير ، أو هذا ما يجب أن نعمل عليه . فالبشير ليس رئيساً حتى نبحث عن بديلٍ له ، لكنه مجرم وجلّاد ، وهذا النظام ليس نظاماً حقيقياً لكنه مصدر للفوضى ومبعث للتفرقة والتشظِّي ، ونحن لا نحتاج لا لجلّاد ولا لأسباب تشظِّي، لذلك المطلوب ليس فقط العمل على إسقاط هذا النظام الفوضوي أو الرئيس المجرم ، ولكن إسقاط بدائله المحتملة ، إسقاط الطائفية والعنصرية وثقافة الخوف ، لا نحتاج لصناعة بديل ، ولكن نحتاج إلى صناعة الفرد الفاعل والمتفاعل والمتنج و المبدع الذي لن يحل مكان البشير ليتحول إلى بديلٍ له أو مجرمٍ مثله ، ولكنه سيأخذ خانة عمله المناسب له ، ويمارس دوره بفرادة بمعية الفاعليين الإجتماعيين في مختلف حقول إنتاجهم وإبداعهم .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
معاً ضد كلّ سلطة ظلامية تمنع العقل الإنساني من الوصول إلى نور الحرِّية حباً في الإستبداد وتعلقاً بالسيطرة !

Posted in ربيع سوريا, فكر حر | 1 Comment

أبعد من سوريا وايران

موناليزا فريحةmonalisa
فتح الملعب السوري لروسيا آفاقاً رحبة فتجاوزت مصالحها الضيقة في هذا البلد والدفاع عن رئيس قد تتخلى عنه عاجلا أم آجلا. لم يعد أحد يتوهم ان موقف موسكو من النظام هو دفاع عن آخر حليف لها في الشرق الاوسط، أو تحصين لسوق أسلحة أو لمنشأة طرطوس البحرية. لم يعد عداء فلاديمير بوتين للمعارضة مجرد رد فعل رئيس يحكم بلاده بقبضة من حديد، على نضال شعب من أجل الحرية.بات واضحا أن المواجهة ليست مع العالم على سوريا، وإنما هي مواجهة مع أميركا على دور روسيا ومكانتها في العالم.
وجد الكرملين في سوريا فرصة لاعادة ترسيم النظام العالمي وفرض نفسه شريكا اساسيا فيه. في يوغوسلافيا، عجزت موسكو عام 1999 عن الدفاع عن حلفائها من الضربات الاميركية.ومنذ “الثورة البرتقالية” في أوكرانيا عام 2004، يقلقها تغيير الانظمة المهندس في الخارج. مع صدام حسين وكيم جونغ – ايل، حاولت عبثا الاضطلاع بدور الوسيط مع واشنطن.
للمرة الاولى، تبدو موسكو أٌقرب الى تحقيق هدف، وهي تسعى بثقلها لانجاحه.أخذت التسوية الكيميائية لسوريا على عاتقها. فعندما تخوف أحد أعضاء الوفد السوري الذي زار موسكو في التاسع من أيلول من تفكيك الترسانة الكيميائية بحجة أنها تهدف الى ايجاد توازن استراتيجي مع اسرائيل التي تمتلك السلاح النووي، لم يتوان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، استنادا الى “وكالة الصحافة الفرنسية”، عن الرد “أننا أفضل سلاح لديكم”.
إذا انتهت التسوية الكيميائية في سوريا الى خاتمة سعيدة،وأدت لاحقا الى وقف للنار واتفاق سياسي، وهو ما يبدو مستحيلا في الوضع الراهن، يكون بوتين قد نجح في تحقيق هدفه البعيد في استعادة المساواة مع واشنطن على الساحة الدولية. ولان موسكو تعرف أن نجاحها هذا يتطلب تعاونا من ايران، الشريك الاساسي للنظام السوري على الارض، فهي لن تدخر جهداً للتحرك على جبهة الجمهورية الاسلامية ايضاً. وفي ظل التقارب الخجول بين طهران وواشنطن، قد تجد موسكو فرصتها في محاولة ازالة عقبات لا تزال قائمة بين الجانبين.
حتى الان أخفقت محاولات سابقة لموسكو في التوسط بين طهران والمجتمع الدولي في شأن البرنامج النووي الايراني.ويعزو مسؤولون روس ذلك بوضوح الى شخصية الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، وإذ يبدو الرئيس حسن روحاني شريكا ملائما أكثر للتفاوض، ربما بذل بوتين ما في وسعه ليكون عرابا لتسوية نووية بعدما صار الاب الروحي للتسوية الكيميائية.
لن يكون سهلا على واشنطن أن تقبل موسكو ندا لها على الساحة الدولية، ولكن في عالم متحول كهذا حيث ترتفع أصوات تطالب بـ”نوبل” السلام لبوتين، ويثني فيه وزير الخارجية الاميركي جون كيري على جهود الرئيس بشار الاسد، لا يعود غريبا الا يرضى قيصر الكرملين بأقل من هذا الدور.

*نقلاً عن “النهار” اللبنانية

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

علينا إنقاذ مسيحيي سوريا , لكن من ماذا ؟

(صحيفة لوموند ديبلوماتيك) ترجمه من الفرنسية مالك عيطة لصالح كلنا شركاء jesus_cross_crucifixion
نجيب جورج عوض ( أستاذ مشارك في علم اللاهوت المسيحي ، هارتفورد ، كونيتيكت ، الولايات المتحدة الأمريكية )

منذ اندلاع الثورة السورية في آذار 2011، في الشرق كالغرب ، ارتفعت الأصوات المنادية لحماية المسيحيين من جحيم الحرب وحمايتهم من التطهير العرقي و الديني التي قد تحدث حتماً في حال سقوط نظام الأسد و مجيء الإسلاميين المتشددين إلى سدة الحكم . لكن في الواقع ، وجدوا المسيحيين أنفسهم في ثورة شعبية حولها نظام مستبد و حركات متطرفة إلى حرب مفتوحة لم يسبق لها مثيل .
ونتيجة لذلك ، أصبحت أرض سوريا ساحة مفتوحة للتصفيات التاريخية والإستراتيجية و السياسية لجميع اللاعبين في المنطقة .أما المسيحيين فقد وجدوا أنفسهم سجناء بين اختيارات وتوجهات مختلف الأساقفة من جهة ، و من قبل وسائل إعلام بشار الأسد التي تقوم على الفبركات والترويع من جهة أخرى .
نظام “ديماغوجي” و صارم :
معظم رجال الدين في سوريا ، سواء كان مسيحيا أم مسلماً ، كان يخضع لديماغوجية و رعاية قوية جدا من النظام السلطوي – الذي أشرف عليها حافظ الأسد شخصياً و أورثها لأبنه.
وهكذا فمع اندلاع الثورة ، أعطي لهؤلاء الكهنة جميع التسهيلات الممكنة في وسائل الإعلام الرسمية للترويج بأن التصفيات الجسدية والتطهير العرقي لجميع المسيحيين ستحصل مباشرةٍ في حال سقوط النظام السوري . ومن هنا يصبح الأسد المسيح “المخلص ” لكنائسهم ، و عائلته ضمان لسلامة مسيحيي الشرق .
على الأرض السورية منذ 1400 سنة ، عاش المسلمين و المسيحيين جنبا إلى جنب في وئام تام . فمن هنا نتساءل ما المانع من استمرارية هذا التعايش بعد رحيل النظام الديكتاتوري ؟ ولماذا المسيحيين السوريين ليس لديهم مصير الا مصير أشقائهم من مسيحيي العراق ؟ منذ الأيام الأولى للثورة ، بدأ النظام آلته الدعائية القوية و المصممة لإرهاب الأقليات وإقناعهم بأنّ في حال نجاحها ، ستكون كارثة ,فهنا بدأ العالم أيضاً بتصديق البروبوغاندا .
عندما فتحت الحدود وسمح لتدفق الإرهابيين والجهاديين و المتطرفين من جميع الأنواع، من أجل زيادة تأثير التعصب والتطرف الديني الأكثر وحشية . شعر المسيحيون في سوريا بقمع وإرهاب النظام الذي أخد بعاتقه معاقبة كل من يقف مع الثورة . وقد تسارعت مؤخراً وتيرة المقابلات التي أجراها بشار الأسد مع وسائل الإعلام الأجنبية ذات التوجه المسيحي . فمهمتهم بسيطة: يطلب منهم ,بكل مصداقية, تصوير الإسلام على أنّه يقوم بذبح الأطفال المسيحيين . وهذا ما ينافي كل الحقائق التاريخية والثقافية ، والاجتماعية. ولكي ينجح في طرح معادلته فقد قام بإعطاء صورة سلبية لغير المسيحيين على أنهم عنيفون ومفترسون .
الخضوع لنظام إجرامي :
هذا النظام المهيمن ، يستخدم المسيحيين –بدهاء- كبطاقة في لعبة بقاءه على قيد الحياة . أنه لا يحمي الأقليات بل العكس تماماً فهو يستخدمهم لحماية نفسه . يجب إنقاذ المسيحيين السوريين من المواقف المدمرة الذي تبناها كبار رجال الدين في التسلسل الهرمي الكنسي و الذي أختار الخضوع لنظام دموي إجرامي بدلاً من احتضان المجتمع السوري ككل ، وأن يقف مع المظلومين في مواجهة الظالم . علينا أن نعي أن الأنظمة وقادتهم فانون، وأما التعايش بين الشعوب فهو أبدي.
لأصدقائنا في الغرب من المسيحيين و غير المسيحيين ، أعني ما أقوله : عندما تسمعون عن سوريا ، تأكدوا من سماع الصوت الحقيقي لا صوت التي تريدون أنتم سماعه- بشكل إرادي أو غير إرادي – . إذا كنتم حقاً تريدون إنقاذ المسيحية في السورية ، أتوسل إليكم ، أن لا تنصتوا للأكاذيب أو الفبركات التي يصنعها رجال الدين المتحالفة مع النظام السلطوي . تذكر أن خضوعهم لبشار أي مسيحهم المدمر هو خضوع مطلق . لا يمكن للمسيحيين السوريين أن يصدقوا البروبوغاندا التي تتباهى بحماية الأقليات ، وأن سكوتهم هو مجرد الخوف من الانتقام.
عندما تفكرون لمصلحتهم، تجنبوا إسقاطا مشاكلكم مع الإسلام. تماماً كإخوانهم وأخواتهم في مصر فهم يدعمون تطلعات شعوبهم المسلمون و العلمانيون و سوريا مجردة من الإرهاب والاستبداد و الجهاديين ، دون تعصب ، و دون تكفير ، و القضاء على الفساد . أنقذوا مسيحيو سوريا ، قبل كل شيء ، من الإرهاب والتخويف التي تخنقهم هذه العائلة .

Posted in فكر حر | Leave a comment

المارشال تيتو

د. ميسون البياتي mb2

بعد أن نجحت الولايات المتحدة الأمريكية في تنصيب نظام ماركسي في روسيا قضت به على التحالف الروسي البريطاني الذي وقع عام 1907 كان من مصلحتها أن يتواجد نظام ماركسي آخر في البلقان خاصرة أوربا الرخوة المطلة على 5 بحار هي : الأسود , إيجه , الأيوني , الأدرياتيك والأبيض المتوسط

أولاً لأن ذلك يسهل عملية الوصول الى أي جزء مطلوب من القاره بسرعة قصوى , وثانياً وهو الأهم للحيلولة دون إحتمال أي تقارب بين شرق القارة الأوربية وغربها يعيق التحرك الأمريكي فيها , وثالثاً أهميه تأسيس التجارب الماركسية التي ستتولى مهمة قيادة العالم في المرحلة التي ستعقب الحربين الكونيتين نيابة عن الولايات المتحدة الأمريكية وخدمة لأهدافها

رحلتنا في هذا الموضوع ستكون مع طريقة توصيل المارشال تيتو الى حكم يوغسلافيا

ولد تيتو عام 1892 في كرواتيا التي كانت تابعه الى الإمبراطورية النمساويه الهنكاريه , أتم دراسته الإبتدائيه عام 1905 وحصل على عمل كصبي ميكانيكي تحت التدريب

عام 1910 انضم الى نقابة عمال المعادن , والحزب الإشتراكي الديمقراطي الكرواتي

وفي العام 1913 عمل لفترات متقطعه في عدة أماكن منها شركة مرسيدس بنز , ودايملر كسائق لتجريب السيارات عند إنتاجها

وفي نفس العام التحق بالجيش النمساوي الهنغاري حيث بعد تدريب قصير في مدرسه لضباط الصف تم تعيينه رقيب في الجيش وكانت وحدته في زغرب

حين وقعت الحرب العالمية الأولى تم اعتقاله عام 1914 لأنه كحزبي اشتراكي ديمقراطي كان معارضاً للحرب , وفي العام 1915 تم إرساله الى جبهة القتال ضد روسيا . جرح وأسره الروس وأخذوه الى مستشفى بقي فيها حوالي سنه الى أن شفي فتم إرساله الى السجن

نظم السجناء عملية هروب فخرج معهم وبقي في روسيا وإنضم الى أحدى الجماعات البلشفيه . حين نجحت ثورة أكتوبر الإشتراكيه البلشفيه إنضم الى الحزب الشيوعي الروسي ثم عاد الى المملكه اليوغسلافيه عام 1920 وإنضم مباشرة الى الحزب الشيوعي اليوغسلافي الذي كان قد تأسس عام 1919

رغم أن الحزب الشيوعي اليوغسلافي كان قوياً ويملك 59 مقعداً في البرلمان إلا أنه أصبح حزباً محظوراً بعد قيام أحد الشيوعيين بإغتيال وزير الداخلية اليوغسلافي . خلال هذه الفتره عمل تيتو كميكانيكي في أماكن مختلفه منها محطة قطار ثم في حوض لبناء السفن

1928 أصبح سكرتيراً للحزب الشيوعي المحظور – فرع زغرب , تم إعتقاله وحوكم على نشاطه السياسي وأرسل الى السجن 5 سنوات

عام 1934 أرسله الحزب الشيوعي اليوغسلافي الى فيينا حيث كانت اللجنه المركزيه للحزب قد فتحت مكتبها هناك . عام 1935 سافر الى الإتحاد السوفييتي ليعمل لمدة عام واحد في قاطع البلقان من الأممية الثالثه ( الكومنترن ) بعدها تمت إعادته من قبل الكومنترن ( لتطهير ) الحزب الشيوعي اليوغسلافي . عام 1937 أمر ستالين بقتل أمين عام الحزب الشيوعي اليوغسلافي المحظور ( ميلان گوركيژ ) في موسكو وتعيين تيتو في محله

6 نيسان 1941 إجتاحت كل من ألمانيا وإيطاليا – المملكه اليوغسلافيه , بعد 4 أيام استغل الكروات المناسبه لإعلان استقلالهم عن المملكة اليوغسلافيه , 17 نيسان هربت الحكومه اليوغسلافية الى الخارج تاركين رئيس أركان الجيش اليوغسلافي ( دراژا ميهالوفيچ ) لتقرير شؤون القتال بمعرفته وهو يرأس وحدات التحرير النظاميه التي تدعى ( چيتنك ) على أن يمدونه الدعم من الخارج

استغل تيتو هذه الفوضى من أجل الدعاية لنفسه وذلك بإعلان الحرب على كرواتيا بسبب إنشقاقها عن المملكة اليوغسلافيه , ثم صدر بياناً تحدث فيه عن اهمية وحدة التراب اليوغسلافي فإنتخبه حزبه قائداً عاماً ل ( أنصار ) التحرير وهم مليشيا غير نظاميه من أعضاء الحزب

كانت القوات الأمريكيه تزود الطرفين الأنصار والچيتنك بمختلف الإمدادات . وإعتماداً على كون تيتو قائداً عاما ً لمليشيا الأنصار وفي ظل غياب وجود حكومه , قام تيتو بتشكيل حكومة مدنيه 21 كانون الأول 1941

كان ثقل الحرب الحقيقي على القوات النظاميه بالطبع , رغم أنها كانت تضطر بسبب حدة القتال الى الإنسحاب الى الغابات أو الجبال في بعض الإحيان . وبعد أن أنهى دراژا ميهالوفيچ وقواته الجزء المهم من القتال كان ينبغي التخلص منهم لموالاتهم للملك , ومن أجل تأسيس يوغسلافيا دولةً شيوعيةً ماركسيه

الملك اليوغسلافي بيتر الثاني , الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت , رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرتشل و الرئيس السوفييتي جوزيف ستالين في ( مؤتمر طهران ) 1 كانون الأول 1943 قرروا الإعتراف بتيتو وأنصاره والتخلي عن دعم ميهالوفيچ والچيتنك

17 حزيران 1944 وقعت ( معاهدة فيز ) لدمج حكومة تيتو بحكومة الملك اللاجيء في لندن . تحت الضغط قام الملك اليوغسلافي بيتر الثاني 12 أيلول 1944 بإذاعة خطاب من راديو لندن طالب فيه الچيتنك بالتحول الى أنصار تحت قيادة تيتو . لكن غالبية الچيتنك لم يذعنوا للنداء واستمروا مع قائدهم ميهالوفيچ لمعرفتهم أن ملكهم كان مجبراً على ذلك النداء

28 ايلول 1944 وقع تيتو مع موسكو اتفاقية سماح مؤقت للجيش الروسي بالدخول الى يوغسلافيا لضرب الجبهة الألمانيه مما أدى الى دحر الجيش الألماني , ثم غادر الجيش الروسي يوغسلافيا

13 مايس 1945 وقعت المعركه بين الأنصار والچيتنك قتل فيها الچيتنك ومن تم أسره أعدم رمياً بالرصاص بعد ذلك . 13 آذار 1946 تم أسر رئيس أركان الجيش اليوغسلافي ( دراژا ميهالوفيچ ) وأحيل الى محكمة شيوعيه حكمت بإعدامه رمياً بالرصاص

نفذ فيه الحكم يوم 17 تموز في مكان مجهول ودفن في مكان مجهول أيضاً , ومن سخرية القدر أن الحكومة الأمريكية كانت وقتها قد كرمته بوسام لتعاونه وإنقاذه حياة طيارين امريكيين سقطوا في خطوط الحجابات مع العدو , سُلِم الوسام الى إبنته بعد 66 سنه على أعدامه وكان ذلك عام 2005

تيتو خلال تلك الفتره يشغل منصب رئيس وزراء البلاد تحت حكم مبهم لا تدري هل هو ملكي أم جمهوري .. ولطرد الملك بيتر الثاني تم إجراء اقتراع حول موضوع شكل الدوله , قاطعه الملكيون وإنتخب فيه الشيوعيون الجمهورية بالإجماع

29 تشرين الثاني 1945 أعلنت الجمعيه التأسيسيه اليوغسلافيه رسمياً خلع الملك بيتر الثاني وإعلان الجمهوريه والإعداد للدستور . عام 1953 أصبح تيتو رئيساً للبلاد خلفاً ل : إيڤان ريبار

حتى من قبل أن تنتهي الحرب العالمية الثانيه كان يجري الإعداد للإنشقاق اليوغسلافي السيوفييتي تحت إدعاءات مثل : إن يوغسلافيا حررت نفسها بنفسها دون اعتماد كبير على قوات الحلفاء , وأن لها دواعيها الخاصه التي تجعلها تطالب بحرية أكبر من بقية دول الكتلة الشرقيه التي لها أسباب أكثر وضغوط أكبر من أجل الخضوع الى السيطرة السوفييتيه

وأنه على الرغم من أن تيتو كان حليفاً رسمياً لموسكو إلا أنها ومنذ العام 1945 كانت قد جندت عليه شبكة جواسيس داخل الحزب الشيوعي اليوغسلافي لمتابعته عن قرب

بعد نهاية الحرب العالمية الثانيه ضُمّت الى يوغسلافيا المقاطعه الإيطاليه ( أستريا ) ومدينتي ( زادار ) و ( ريجيكا ) ورغم هذا طالب تيتو بميناء تريستا مما سبب تصعيداً بينه وبين الولايات المتحدة الأمريكية التي تفرض نفوذها المباشر على ايطاليا خاسرة الحرب , هذا التصعيد أدى الى إمتعاض السلطة السوفييتية في موسكو وتوجيه اللوم لتيتو أنها غير قادرة على المواجهه في هذه الفتره فلماذا يجرها الى ذلك دون استشارتها ؟

كما أبدت موسكو تبرمها من دعم تيتو للجانب الشيوعي اليوناني في الحرب الأهلية اليونانيه واتهمته ب ( تصدير الثوره ) الى اليونان في محاولة لنشر ( التيتويه ) إضافة الى رغبته تأسيس ( إتحاد بلقاني ) مع كل من بلغاريا وألبانيا

عام 1948 أنشأ تيتو خطه اقتصاديه يوغسلافيه مستقله عن موسكو مما أدى الى تصعيد دبلوماسي حاد أدى الى طرد يوغسلافيا من مكتب الإعلام الشيوعي ( الكومنفورم ) ومحاولة اغتيال تيتو عدة مرات

حالما وصل الخلاف بين تيتو وستالين الى هذا الحد .. مدت الولايات المتحدة الأمريكية يدها بالدعم الى تيتو من خلال ( خطة مارشال ) مقابل القيام بدور أكبر في العالم وهو المبادره الى تأسيس آلة الحرب الأمريكيه ( حركة عدم الإنحياز ) التي ستسلم العالم النامي كله دون أن يدري الى عبودية البنك الدولي والولايات المتحدة الأمريكيه تحت شعارات السلم والإنسانية والتعايش

ميسون البياتي – مفكر حر؟

Posted in فكر حر | Leave a comment

عاجل وخطير مسرب علي جمعه للسيسي اضرب في المليان

Posted in ربيع سوريا, يوتيوب | Leave a comment

جنيف 2.. هل سينجح حقا؟

يدور حديث متشعب ومفعم بالشكوك حول مؤتمر جنيف 2 وما إذا كان سينجح. ويبذل الجباران الكبيران الأميركي والروسي جهودا محمومة لجعل عقده مسألة حتمية من دون أن يكون لدى أي منهما الثقة بأنه سينجح إذا ما جرى عقده.

في نظر الجبارين، يبدو انعقاد مؤتمر جنيف 2 أمرا قائما بذاته وكأنه منفصل عن أي بيئة سياسية، أو سيتكفل بنقل المسألة السورية من طور الحرب إلى حتمية السلام، بعد أن بلغ احتجاز الوضع السوري حدا صار من الضروري معه القيام بإجراء دولي يساعد على الخروج منه، ما دام تدخل الخارج العسكري مستحيلا ووقف إطلاق النار بين المتصارعين غير ممكن.

ثمة عقبتان تقفان أمام نجاح جنيف هما بكل اختصار: الخلافات الأميركية الروسية، وتناقضات مواقف النظام والمعارضة في سوريا.

– لن يكون نجاح جنيف ممكنا من دون حد أدنى من تفاهم أميركا وروسيا على حل مقبول لديهما، يكون مقبولا في الوقت ذاته لدى أطراف الصراع السوري. بغير ذلك لن يكون هناك أي معنى لاتفاق السوريين، لأنه سيتعارض حكما مع مصالح أحد الجبارين وسيكون بالتالي مرفوضا منه. في ظل التنافر الأميركي الروسي، سيكون هناك بالضرورة مشكلات لا تقبل الحل بين طرفي المفاوضات السوريين، المتعارضي المواقف والمصالح بدورهما. والحقيقة أن نص جنيف نفسه ملتبس ويجعل الحل صعبا إن لم يكن مستحيلا، لأن مواقف الروس تتعارض معه، بسبب دعمهم غير المشروط لسياسات النظام المتعارضة مع تطبيقه: من وقف إطلاق النار، إلى سحب الجيش من المدن، إلى إطلاق سراح المعتقلين، إلى السماح بالتظاهر السلمي، إلى تشكيل جسم حكومي بصلاحيات كاملة يشرف على الجيش والأمن والقضاء، وأخيرا، إلى إقامة نظام ديمقراطي. يمارس النظام بدعم روسيا سياسات مضادة لما أقره الخمس الكبار في جنيف، فهل يعقل أن يوافق الروس على اتفاق يتعارض مع بقاء نظام ساندوه طيلة ثلاثة أعوام ونيف، ويضع حكم البلاد بين يدي معارضة يعتبرونها أصولية ومعادية لهم؟. بالمقابل، هل سيوافق الأميركيون على اتفاق لا يضمن مصالحهم الشديدة التعقيد والتشعب، لمجرد أن السوريين وافقوا عليه؟. أعتقد أن من السذاجة الإيمان بذلك.

– لن يتفق الطرفان السوريان المتصارعان، ما لم يؤمن الطرف الحكومي أنه سيهزم، وينقطع بالتالي الدعم الروسي والإيراني اليومي له، وما لم ير أن من الأفضل له التخلي عن الحكم لصالح تسوية وطنية تنهي الوضع الشاذ المتمثل في تسلط أقلية سياسية وفئوية على الأغلبية الرافضة لسلطتها وحكمها. بالمقابل، ليست المعارضة السياسية والمسلحة موحدة إلى درجة تجعل الاتفاق مع الائتلاف ملزما لجميع أطرافها، حتى إن شاركت هيئة التنسيق والكرد في وفده وتطابقت وجهات نظرهما مع وجهات نظره. هناك اليوم لدى الطرفين المتصارعين قوى وتيارات سترفض بالتأكيد أي اتفاق يجري الوصول إليه بينهما، ستتمكن من مقاومته ومقاتلة من يعقده، لذلك يرجح أن يدخل نجاح مؤتمر جنيف سوريا في طور من الاقتتال يكون أقرب إلى حرب أهلية ستنشب في صفوف المعارضة والموالاة، بدل أن يدشن مرحلة من السلم الأهلي والأمن الوطني. هذه النقطة، فضلا عن اتفاق الجبارين بصفته شرطا لازما لنجاح جنيف، يجب أخذها بعين الاعتبار عند تقويم فرص نجاح جنيف 2 وما سيترتب عليه من نتائج وأوضاع. ولعله من المفيد التذكير بأن تدخلا دوليا مباشرا من نوع ما سيصبح عندئذ حتميا، لتهدئة الأوضاع وضمان تطبيق الاتفاق: المرفوض من أوساط وقوى كثيرة قادرة على تعطيله أو إحباطه.

لم أناقش ما إذا كانت المعارضة ستنجح في تشكيل وفد موحد ولديه رأي موحد. وما إذا كان للنظام مصلحة في الذهاب إلى مؤتمر يعني تطبيق بنوده المتفق دوليا عليها نهايته المؤكدة. ولم أناقش أيضا إن كانت مناورات النظام التي وعد بها وليد المعلم ستضع حدا لانعقاده بعد ساعات أو أيام قليلة من انطلاقه، لأن مناورات المعلم ستكون ضرورية لتفادي النتائج الكارثية التي ستترتب على نجاح جنيف وإنقاذ نظام قرر أن الطريقة الوحيدة للبقاء في السلطة هي إبادة شعبه، لكنه سيجد نفسه في المؤتمر أمام مواجهة ممثلين له يطالبون بحقوق يعطيهم إياها جنيف، في التسليم بها نهايته الحتمية. أخيرا، لم أناقش أدوار التنظيمات الإرهابية التي شرعت تفتك بالجيش الحر والمنظمات المدنية والسياسية التي أنتجتها ثورة الحرية، الكافرة في نظرها.

هل سينجح جنيف، إن حدث وانعقد حقا؟. أعتقد أنني عرضت بعض المصاعب التي تعترض انعقاده وقدمت ملامح أولية لجواب عن هذا السؤال الذي سيحيرنا قبل المؤتمر، مثلما ستحيرنا بعد فشله!.

منقول عن الشرق الاوسط

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

ذئب أم حمل أم ماذا؟

بالنسبة لأي شخص يستمتع باستعارة جيدة، كانت زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى الأمم المتحدة بمثابة يوم مشهود بالنسبة للحملان والذئاب على حد سواء. لقد وصف روحاني بأنه «ذئب في ثوب حمل» و«حمل في ثوب ذئب»، ووصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رئيس إيران السابق، محمود أحمدي نجاد، بأنه «ذئب في ثوب ذئب».

ومع ذلك، فإن القضية المهمة ليست من هو روحاني، وإنما أي نوع من الدولة يرغب نظام إيران في أن تصبح عليه إيران في القرن الحادي والعشرين وما الدور الذي ستلعبه الطاقة النووية في تشكيل تلك الهوية. من ذلك المنظور، نجد أن ثمة تساؤلا واحدا وثيق الصلة: هل إيران راضية بأن تكون كوريا شمالية كبيرة أم أنها تطمح لأن تكون صينا فارسية؟

لقد بنت كوريا الشمالية ترسانة نووية صغيرة لسببين: حماية ذلك النظام من التهديدات القادمة من الخارج ومن التهديدات من الداخل. ويعني هذا أن قيادة كوريا الشمالية تعتقد أن الأسلحة النووية تجعلها محصنة ضد أي تغيير للنظام من الخارج وأن العزلة الدولية التي قد صاحبت برنامج كوريا الشمالية النووي تبقي شعبها في مستوى متدن، معتمدا على نظام دائم منخفض السعرات من ناحيتي الغذاء والمعلومات.

إنها استراتيجية بقاء ماكرة لنظام مجنون: قبضة حديدية نووية تبقي العالم بعيدا من ناحية وشعبه منعزلا وضعيفا من ناحية أخرى،

يعتمد كل القادة في كوريا الشمالية على السيارات السريعة والأطعمة السريعة المستوردة.

تنظر القيادة في إيران أيضا إلى السلاح النووي بوصفه ضمانا محتملا ضد تغيير النظام من الخارج، وبالتأكيد يستفيد البعض داخل القيادة الإيرانية، وتحديدا الحرس الثوري، من العقوبات في أرض الوطن. وكلما زادت عزلة إيران، قل التنافس الاقتصادي الذي تحظى به قوات الحرس لشبكتها الضخمة من الشركات الصناعية، وارتفعت قيمة موانئ التهريب وزادت عزلة شعب إيران عن الاتجاهات الدولية التي تثمر عن أشياء مثل الثورة الخضراء عام 2009. لم يرغب هؤلاء المتشددون مطلقا في رؤية سفارة أميركية في طهران.

لكن إيران ليست كوريا شمالية. إنها حضارة عريقة، تضم مواهب بشرية عظيمة. لا يمكن أن تبقي شعبها بمعزل إلى الأبد. نظريا، لا يتعين على النظام الإيراني أن يبقي العالم بعيدا ويكبح جماح شعبه كي تكون إيران دولة قوية مؤثرة. لكن هل يقبل قادة إيران تلك النظرية؟ البعض يقبلها. إن قرار الدخول في مفاوضات مجددا إشارة واضحة على أن اللاعبين المهمين هناك لا يعتقدون أن الوضع الراهن – العقوبات المدمرة – عملي بالنسبة لهم. ولأنهم ليسوا كوريا شمالية، فإن العقوبات الآن تهددهم بالاستياء من الداخل. لكن ما مقدار «التأمين النووي» الذي يستعدون للتخلي عنه للتحرر من العقوبات؟ هل هم مستعدون للتضحية بسلاح قوي واحد ليصبحوا مجددا دولة قوية، ليكونوا أقرب إلى الصين، التي هي نصف صديق ونصف عدو ونصف شريك تجاري ونصف منافس جيو سياسي لأميركا، لا عدوا دائما؟

هذا ما يتعين علينا أن نختبره، «نحاول منذ فترة استخدام ديناميكيات السيطرة في احتواء إيران، إلى حد أننا عمينا عن حقيقة أننا نرغب بالفعل في أن يغير الإيرانيون – لا سيما النخب الحاكمة – سلوكهم»، بحسب العقيد مارك ميكليبي، وهو ضابط بحري متقاعد ومشارك في تأليف «قصة استراتيجية وطنية» لهيئة الأركان المشتركة الأميركية. يقول: «الأمر يتعلق بأن أكون صلبا جدا تجاههم، وأنا بالطبع لا أثق بهم، لكنني أعتقد أيضا أننا بحاجة لمنحهم خيار تغيير سلوكهم».

وأضاف نادر موسى فيزادي، المؤسس المشارك الأميركي ذو الأصل الإيراني لشركة «ماكرو أدفيزوري بارتنرز» ومساعد سابق رفيع المستوى لسكرتير عام الأمم المتحدة، كوفي عنان: «لو كنا نملك القدر الكافي من الحصافة والتفكير الاستراتيجي والتحرر من وهم قدرتنا على إعادة صنع الدول وفقا لتصورنا الخاص، علينا أن نبدأ في النظر لإيران بوصفها الصين المحتملة في الشرق الأوسط، بكل الوعود التي تحملها وكل التحديات التي نعرفها عن مدى صعوبة المسار مع الصين منذ رحلة نيكسون».

ستكون عملية الوصول إلى هناك متقطعة، وبالتأكيد قبيحة في بعض الفترات، ولكن، إذا تمت على الوجه الملائم من جانب إيران ومن جانبنا، فقد تؤدي إلى إعادة التكامل التدريجي لإيران في الاقتصاد العالمي، وتمكين الطبقة المتوسطة الشابة المتعلمة بها «وظهور مراكز قوى كثيرة داخل إيران، على نحو مماثل لما خضع له الحزب الشيوعي في بكين خلال فترة الثلاثين عاما الماضية»، حسبما أشار موسى فيزادي. كلا. ليس هذا مثاليا. «في عالم مثالي، قد نرى تحولا أسرع بكثير إلى مجتمع حر بالأساس. لكن في حالة ما إذا كان بإمكان انفراجة سياسية مع الغرب أن تحرم نظام إيران من مبرر الأعداء الأجانب والتعقيدات الخارجية، فقد ترى إيران مسارها نحو الشرعية أيضا عبر الإصلاح وإتاحة الإمكانات الاقتصادية والتكنولوجية والتعليمية الهائلة للشعب الإيراني، تماما كما هو الحال بالنسبة للصين».

إن قادة الصين ليسوا كشافة أيضا. لكننا قد وجدنا علاقة مستقرة تقوم على المنفعة المشتركة مع بكين «علاقة مع عدو مستتر». ما زلت متشككا في قدرة نظام إيران على توليد الإجماع الداخلي من أجل القيام بتحول مماثل. لكن بعدها، لم ير كثيرون أن بمقدور الصين أن تفعل المثل.

يتخذ وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، الموقف الصحيح: لا رفع لعقوبات مقابل أي شيء أقل من الوقف التام لأي تسليح محتمل لبرنامج إيران النووي. هذا هو الاتفاق الوحيد الذي يستحق أن نملكه والسبيل الوحيد الذي تستطيع إيران من خلاله تقرير ما إذا كانت صينا في زي فارسي، أو شيئا على هذه الشاكلة.

*خدمة «نيويورك تايمز»

منقول عن الشرق الاوسط

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment