DNA 27/11/2013 فرنجية..ودولة الممانعة

في هذه الحلقة يتناول نديم قراءة مقابلة سليمان فرنجية في برنامج كلام الناس

 
Posted in ربيع سوريا, يوتيوب | Leave a comment

مذبحة المسيحيين في دمشق 1860

dama4

الحي المسيحي في دمشق عام 1862 ويظهر الشارع المستقيم مع الكنيسة المريمية المحروقة (البناء العالي إلى اليسار)

مدونة غسان كرياكي

كيف ولماذا حصلت مذبحة المسيحيين في دمشق عام 1860؟ ما هو دور روسيا وفرنسا وبريطانيا وتدخلها في شؤون السلطنة؟ هل كانت نتيجة للصراع بين العلمانية ومبادئها من جهة والشريعة وقوانينها من جهة أخرى؟ ما دور القوى الإقليمية والصراع بين محمد علي (مصر) وآل سعود (الوهابيين في شبه الجزيرة العربية) فيها؟ هل لعب الفارق الطبقي وازدياد الفقر دوراً؟ لماذا تآمر حاكم دمشق العثماني مع ثلة من الإسلاميين المتعصبين على مسيحيي المدينة؟

تاريخ مدينة دمشق:

تعتبر مدينة دمشق واحدة من أعرق مدن التاريخ وهي تقع في الجنوب من دولة سوريا الحديثة. وهي أقدم مدينة في العالم عاش فيها الإنسان بلا انقطاع، حيث أثبتت الدراسات الجيولوجية أن الإنسان عاش فيها منذ الألف السابع قبل الميلاد. كما وجدت آثار تثبت أن الإنسان عاش في حوض بردى القريب منذ الألف التاسع قبل الميلاد، مما يجعلها تنافس أريحا على لقب أقدم مستوطنة في العالم قاطبة.

وعُرِفت أول الشعوب التي سكنتها بالكنعانيين وتبعهم العموريون، وقبل مجيء العرب سكنها الآراميون. وبسبب موقعها الإستراتيجي تنازعت عليها إمبراطوريات العالم في كل الأحقاب. قبل الميلاد تناوبت حضارات ما بين النهرين والفراعنة على إحتلالها. ثم جاء دور الحضارات الأوروبية (اليونانية والرومانية والبيزنطية) التي تنافست مع الحضارة الفارسية في السيطرة على بلاد الشام.

وجاء العرب المسلمين في القرن السابع للميلاد حيث اصبحت دمشق عاصمة أعظم امبراطورية في التاريخ في ذلك الوقت وهي الدولة الأموية التي امتدت حدودها من المغرب واسبانيا إلى الصين. وعاشت دمشق أوج مجدها لحوالي قرن من الزمن قبل أن تنتقل الخلافة إلى بغداد في عهد الدولة العباسية.

في عهد العباسيين تراجعت أهمية دمشق بشكل كبير لكن هذا لم يمنع الطامعين من محاولة السيطرة عليها. وما فشل فيه الأوروبيون (البيزنطيون والصليبون) نجح فيه المصريون. فحكمها الفاطميون والأيوبيون ومن ثم المماليك إلى أن جاء العثمانيون الأتراك ليحكموها لمدة أربعة قرون.

حكم المماليك دمشق إلى ما يقرب من قرنين ونصف من الزمن، ما عدا فترة قصيرة وقعت فيها دمشق في يد المغول الذين دمروا المدينة بشكل كامل وأحرقوا المسجد الأموي وقتلوا حوالي 50,000 من سكانها، منهم من مات في القتال ومنهم من مات في الحرائق التي افتعلها الغزاة.

الحياة الدينية:

تأثر السوريون عامة والدمشقيون خاصة بديانات الدول التي احتلتهم. ففي البدء غلبت الديانات الوثنية مع بعض التجمعات السكانية التي آمنت بالديانة اليهودية ومن ثم المسيحية إلى أن اعتنقت الإمبراطورية الرومانية الديانة المسيحية حيث بدأت المسيحية بالإنتشار الواسع. وبعد انقسام الإمبراطورية في القرن السادس للميلاد بقيت الكنيسة تتبع ديانة البيزنطيين الذين ورثوا حكم بلاد الشام.

بعد مجيء العرب المسلمين في القرن السابع، بقي معظم السوريين على دياناتهم إذا كانت سماوية كالمسيحية واليهودية، بينما حارب المسلمون الوثنيين حتى قضوا على وجودهم في كافة أنحاء الدولة الإسلامية. سمح المسلمون لأصحاب الديانات المسيحية واليهودية بالبقاء على دينهم بشروط ومنها أن يدفعوا جزية سنوية.

بعد إنشقاق الكنيسة في القرن الحادي عشر أصبح غالبية مسيحي سوريا يتبعون التعاليم الأورثوذوكسية التي كانت تعاليم البيزنطيين وعاصمتهم القسطنطينية (اسطنبول اليوم). وظل الأورثوذوكس يشكلون غالبية سكان سوريا إلى أواخر القرن الثالث عشر.

حين جاء الفاطميون المسلمون الشيعة في القرن العاشر بدأت حملات التشييع، وازدادت أعداد الشيعة تدريجياً ونشأت الأقليات التي تأثرت بتعاليمهم كالدروز والعلويين إلى أن شكلوا الغالبية العظمى من المسلمين السوريين. وبعد أن جاء المماليك في منتصف القرن الثالث عشر بدأ المذهب السني من الإسلام بالإنتشار حتى اكتسح كل الديانات وساعد على ذلك القوانين الصارمة التي وضعها المماليك والتي حدّدت كثيراً من حرية غير المسلمين. وأصبح الإسلام السني الطائفة الأكثر انتشاراً في دمشق وسوريا وظل كذلك حتى يومنا هذا.

في منتصف القرن التاسع عشر شكل المسيحيون 20% من سكان دمشق، غالبيتهم من الروم الأورثوذوكس. وكان هناك أقليات من كافة الطوائف الشرقية والغربية، حتى البروتستانت الذين شرعوا في حملاتهم التبشيرية في بداية القرن. وكان هناك أيضاً أقليات عرقية كالسريان الذين كان يدينون بالمسيحية.

وشكل السنّة غالبية مسلمي دمشق مع وجود أقليات من الطوائف الإسلامية الأخرى مثل الدروز، إلى جانب بعض الأقليات العرقية كالكردية التي كانت تدين بالمذهب السني.

كانت لدمشق أهمية كبيرة عند المسلمين وخاصة في عهد العثمانيين لأنها كانت مركز تجمع وانطلاق القوافل الذاهبة إلى الحج والقادمة من بلاد ما بين الرافدين ومن الجزء الشمالي للبلاد ومنها قوافل العاصمة اسطنبول. كان حاكم دمشق هو قائد الحج والحجاج. كما أصبحت قلعة دمشق قاعدة عسكرية هامة مزودة بكل الأسلحة والجنود لتأمين سلامة الحجاج وعادة ما تختار السلطنة خيرة ضباطها ليتولوا القيادة هناك.

الإحتلال العثماني:

وقعت دمشق وبلاد الشام تحت حكم العثمانيين منذ أوائل القرن السادس عشر بعد هزيمة المماليك. واستمرت الإمبراطورية العثمانية في التوسع حتى بلغت أوج عظمتها في القرن السابع عشر حيث سيطرت على معظم العالم العربي وآسيا الصغرى وجزء كبير من أوروبا الشرقية. لكن في نهاية القرن بدأت الهزائم تلاحق السلطنة وبدأت تخسر أجزاء هامة من أراضيها في أوروبا لصالح الإمبراطوريات الأوروبية التي بدأت تزداد قوتها.

نتيجة لهذه الهزائم المتلاحقة، بدأت قبضة السلطنة تضعف على الولايات البعيدة وبدأت تزداد قوة الرجالات المحليين في هذه المناطق. شكل الوهابيون من شبه الجزيرة العربية أول تهديد للسلطنة من الدول العربية، حيثوا اكتسحوا الحجاز وجنوب العراق وهاجموا سوريا في عام 1810 وأصبحوا على مشارف دمشق. لكن تحالف قوات حاكم دمشق العثماني سليمان باشا مع قوات الأمير بشير من جبل لبنان صدوا هجومهم ودحروهم.

وجاء أقوى تهديد لوجود السلطنة في العالم العربي من مصر التي أصبحت في حكم محمد علي باشا (1805 – 1848) من القوة بحيث أنه كان لها كل الفضل في القضاء على عصيان الوهابيين وثورة الإغريق. لكن فيما بعد خرج محمد علي عن طاعة السلطان العثماني واحتلت جيوشه سوريا وجزء من هضبة الأناضول وهددت اسطنبول نفسها. ولولا تدخل الإمبراطوريات الأوروبية وخاصة البريطانية لكانت سقطت السلطنة العثمانية.

علاقة الإمبراطوريات الأوروبية بالأقليات:

منذ بداية سيطرة العثمانيين على بلاد الشام بدأت الإمبراطوريات الأوروبية بالضغط على السلطنة بحجة حماية الأقليات. وكانت هذه الإمبراطوريات قد أنشأت علاقات مميزة مع الأقليات الدينية في سوريا منذ ذلك الوقت.

كانت أهم علاقات الإمبراطورية الفرنسية التاريخية هي مع الموارنة. وفي القرن التاسع عشر وسعت علاقاتها مع الكنيسة الكاثوليكية الشرقية. أما الإمبراطورية البريطانية فشكلت علاقات قوية مع اليهود والدروز والمسيحيين البروتستانت في بلاد الشام.

ورثت الإمبراطورية الروسية عرش الكنسية الأورثوذوكسية بعد سقوط الإمبراطورية البيزنطية. واصبحت عاصمتها موسكو تدعى (روما الثالثة) بعد أن سقطت القسطنطينية (روما الثانية) على يد العثمانيين. وحملت موسكو على عاتقها حماية الأقليات الأورثوذوكسية الموجودة داخل السلطنة.

وفي كل مرة ينتصر الأوروبيون في حروبهم مع العثمانيين تزداد شروطهم كي تعطي السلطنة حقوقاً أكثر لهذه الأقليات ويزداد تدخلهم في شؤونها الداخلية. وأحياناً كانت تنشب الحروب بسبب هذه العلاقة. ومن أشهر هذه الحروب حرب شبه جزيرة القرم (1853 – 1856) بين الروس من جهة والعثمانيين والفرنسيين والبريطانيين من جهة أخرى. وكان سبب هذه الحرب هو الخلاف حول من يتولى إدارة الأماكن المقدسة المسيحية في فلسطين بين الأورثوذوكس (حلفاء موسكو) والكاثوليك (حلفاء باريس).

محمد علي وابراهيم باشا:

كان دخول جيش ابراهيم باشا (ابن محمد علي باشا وقاهر الوهابيين) إلى سوريا عام 1831 إعلاناً غير مباشر لبدء الحروب الطائفية فيها، حيث أثار وقوف المسيحيين إلى جانب القوات المصرية نقمة المسلمين والدروز على السواء. ثم جاءت القوانين المصرية الصارمة، من فرض الضرائب إلى الخدمة العسكرية الإجبارية إلى الأعمال القسرية، لتزيد الطين بلة.

وكان محمد علي أول حاكم مسلم يخرج على قوانين الشريعة ويقيم المساواة بين الأديان وخاصة فيما يتعلق بدفع الضرائب (الجزية). وخلال فترة احتلاله لسوريا (1831 – 1840) أعطى صلاحيات هائلة إلى الأقليات المسيحية واليهودية على حساب المسلمين والدروز.

كل هذا أدى إلى حدوث بعض المناوشات بين الدروز والمسيحيين في مناطق متعددة من جبل لبنان والبقاع وكانت ثورة دروز حوران في عام 1838 أشدها. لكن المصريين وبمساعدة جيش من الموارنة وعلى رأسهم الأمير بشير اسكتوها.

لم تكن الإمبراطوريات الأوروبية سعيدة بازدياد قوة محمد علي فقررت أن تتدخل. ولفترة قصيرة توحد مسلموا ومسيحييوا سوريا (ما عدا قوات بشير) تحت راية العثمانيين على هدف طرد المحتل. وبمساعدة الأوروبيين، نجحوا جميعاً بالتخلص من المصريين الذين خرجوا من سوريا في عام 1840.

صعود محمد علي في مصر وظهور الحركة الوهابيية في شبه الجزيرة شكل نقطة تحول في الساحة السورية حيث بدأ الإنقسام يتجلى بصورة واضحة. إزدادت قوة التيار الوهابي في أوساط دمشق، وفي عام 1860 أصبح قوة فاعلة على الساحة سيظهر تاثيرها جلياً.

“التنظيمات” و”الإصلاحات”:

حكمت السلطنة العرب منذ البداية باسم الإسلام وأعطتهم الكثير من الصلاحيات طالما اعترفوا بقانون الشريعة الإسلامية وأعلنوا ولاءهم للسطان واحترموا قوانين السلطنة. وعاشت الأقليات الدينية في البداية بسلام محتفظة بحقها بممارسة دينها بشرط أن تدفع الجزية السنوية وهو ما نصت عليه الشريعة. لكن هذا لم يمنع المسؤولين الفاسدين من معاملة غير المسلمين كمواطنين من درجة ثانية ولم يمنع الإساءة إليهم في ظل العادات والتقاليد المتخلفة.

لكن في المراحل الأخيرة من عمر السلطنة بدأت الأمور والمفاهيم تتغير. فمن جهة، كان صعود الإمبراطوريات الأوروبية وتطورها العلمي والتقني وتقدمها في فنون الحرب وإلحاق الهزائم المتكررة بالسلطنة يثير رعب واهتمام الباب العالي على حد سواء. ومن جهة أخرى، بات نهوض حركات التحرر القومية في أراضيها وخاصة في البلقان يهدد وجودها بشكل عام وينذر بقلاقل في المناطق الأخرى أيضاً.

لقد شعرت السلطنة أن عليها أن تواكب العصر لترضي جميع القوميات التي تحت سيطرتها، وفي نفس الوقت عليها أن تلبي مطالب هذه الإمبراطوريات في إحداث تغيير جذري لسياساتها الداخلية وخاصة على صعيد مبادئ حقوق الإنسان التي جاءت بها الثورة الفرنسية وانتشرت في أورروبا كحقوق العدالة والمساواة بين المواطنين.

في 1839، أصدر السلطان محمود الثاني حزمة من القوانين الجديدة وسميت (التنظيمات). وتحت هذه القوانين حاول أن يساوي بين مواطني السلطنة بالحقوق والواجبات بصرف النظر عن دينهم أو عرقهم أو قوميتهم. وأصبح بإمكان غير المسلم أن يشارك في الحياة الثقافية والإقتصادية، وسمح له بالدخول إلى المدارس وتعلم اللغة العربية (التي كانت حصراً على المسلمين) واللغات الأجنبية.

تضاربت ردود الفعل على هذه القرارات. ففي حين رأى فيها المسلمون خروج على العادات والتقاليد وإذعان لرغبة الأوروبيين، لم يرضَ بها الأوروبيون وخاصة القسم المتعلق بالمساواة بين الأديان. فهي في فحواها لم تخرج عن قانون الشريعة.

لذلك وبعد حرب القرم، ولإرضاء حلفائه الفرنسيين والبريطانيين الذين ساعدوه على الروس، وضع السلطان عبد المجيد الأول تعديلات جديدة في عام 1856 وسميت (إصلاحات) أقامت المساواة الكاملة بين كافة مواطني السلطنة. فبالإضافة إلى ما سبق ذكره أصبح يحق لغير المسلم أن يتوظف في دوائر الدولة ويخدم في الجيش.

أما من ناحية القوانين المتعلقة بالدين فقد كانت أشبه بالثورة العلمانية، فقد رُفِعت الجزية الخاصة بغير المسلمين وأصبح من حق أي إنسان أن يتبع أي دين. لا يحق لأحد أن يُجبر غير مسلم على أن يصبح مسلماً وألغيت عقوبة القتل لمن يرتد عن الإسلام. وشملت الإصلاحات قطاع العدل والمحاكم الجنائية، فمنع التعذيب والعقوبات الجسدية، كقطع اليد.

رفض الإسلاميون المحافظون من مواطني دمشق كل هذه القوانين واعتبروها أنها معادية للشريعة الإسلامية وتخالف كلام الله وخاصة القسم المتعلق بمساواة غير المسلمين بالمسلمين. وبدأ التململ والإستياء يسود أوساطهم خاصة من أوروبا المسيحية التي لم تتوقف عن الضغط على السلطان ومن مسيحيي البلقان الذين يحاربون من أجل استقلالهم ويوقعون خسائراً فادحة في جيش السلطنة.

الحالة الإقتصادية:

على أثر إصدارالتنظيمات، نشأت علاقات تجارية متميزة بين الأوروبيين من جهة ومسيحيي ويهود سوريا من جهة أخرى. وبرزت بيروت كميناء هام يؤمن للأوروبيين التواصل مع الداخل السوري وخاصة دمشق. واعتمدت الدول الأوروبية على المسيحيين واليهود من سكان دمشق لمساعدتها كمترجمين ووكلاء تجاريين. فأصبحوا هؤلاء من الأغنياء واكتسب العديد منهم حصانة دبلوماسية بحصولهم على جنسيات أوروبية.

أدى ذلك إلى ازدياد غنى التجار المسيحيين واليهود على حساب التجار المسلمين وخاصة صغار الكسبة. كما تأثرت صناعات النسيج والحرير المحلية مع إزدياد الواردات الأوروبية والمنافسة على السوق المحلية. وانخفض الإنتاج المحلي منها إلى الربع تقريباً وأغلق العديد من الورشات.

وفوق كل هذا جاء الكساد الإقتصادي الذي أصاب أوروبا في عامي 1857 – 1858 ليزيد الطين بلة، فكثرت جرائم السرقة ولم تسلم حتى قوافل الحج القادمة من بغداد. ولجأ الكثير من التجار الدمشقيين المسلمين إلى الإقتراض من التجار ورجال الأعمال المسيحيين واليهود في دمشق وبيروت. حتى أن المسيحيين واليهود أصبحوا دائنين للحاكمين العثمانيين.

وفي عام 1858 وضعت السلطنة قانوناً يسمح للأوروبيين وأعوانهم في سوريا بشراء الأراضي من نبلاء دمشق المسلمين ليخفف عنهم عبء الديون. كل هذه التغيرات الإقتصادية لعبت دوراً في زيادة غنى الأغنياء وفقر الفقراء وكان اللوم كله ينصب على الأوروبيين وحلفائهم في المدينة من الأقليات الدينية.

مسيحيو دمشق بعد “التنظيمات”:

منذ مجيء الإسلام إلى بلاد الشام استطاع المسيحيون أن يتأقلموا مع القوانين الجديدة التي فُرِضت عليهم. ولما كانوا يشكلون الأغلبية من سكان سوريا في ذلك الوقت، لم يشكل دفع الجزية عبئاً ثقيلاً. وظل معظمهم على دينه إلى أن جاء المماليك في القرن الثالث عشر. فيما بعد، بدأ عددهم ينقص تدريجياً حتى باتوا من الأقليات. وكلما نقص عددهم كلما أصبح دفع الجزية أصعب، خاصة على الفقراء منهم. لذلك لا غرابة أن يستقبلوا خبر صدور التنظيمات (1838) وبعدها الإصلاحات (1856) بالفرحة العارمة. وأحياناً كانت ردة فعلهم مبالغ بها، فقد رأوا في هذه القوانين تحرراً من القيود التي كبّلتهم لقرون عديدة.

وبدأ المسيحيون بممارسة حقوقهم التي أعطتهم إياها هذه القوانين وخاصة في ما يتعلق بالمساواة مع المسلمين. دخلوا المدارس التي كانت ممنوعة عنهم والتحقوا بوظائف الدولة. وفوق ذلك أصبحوا يجارون المسلمين في عاداتهم التي كانت حكراً عليهم مثل ارتداء أنواع الملابس والألوان التي كانت حصراً على المسلمين من قبل. وإذا ما نشب شجار بين مسيحي ومسلم، لم يتردد المسيحي برد الصاع صاعين من الشتائم بعد أن كان يسكت على مضض.

وصلت سذاجة وجهل بعض المسيحيين ونشوتهم بحقوقهم الجديدة إلى درجة تحدي السلطات المحلية والتذرع بالقوانين الجديدة. فلم يحترموا حتى ذوي المكانات الرفيعة. ولم يدركوا أن هذا التغيير المفاجئ في مجتمع محافظ يحمل أخطار وخيمة وأن قلب العادات والتقاليد الإجتماعية بهذه السرعة سيغذي العداء الطائفي ويجر عليهم الويلات. لقد كانت هذه الممارسات تثير حنق المسلمين.

بعد إصدار الإصلاحات، أصدرت السلطنة قراراً يخص شباب الأقليات الدينية الذين لم تكن ترغب بهم في الخدمة العسكرية يُلزمهم بدفع ضريبة خاصة كبدل. رفض المسيحيون دفع هذا البدل، بعضهم بحجة الفقر خاصة أنهم يدفعون ضريبة سنوية للدولة، والبعض الآخر بحجة المساواة مع المسلمين حيثوا طلبوا عوضاً عن الدفع الذهاب للخدمة. كانت الدولة تحاول بشتى الوسائل أن تمنع المسيحيين من الخدمة العسكرية بحجة أنهم ضعفاء وجبناء.

وظل المسحيون يرفضون دفع بدل الجندية لسنوات رغم محاولات وجهاء المسيحيين الوصول إلى حل وسط بين الناس والحاكمين. حتى جاء عام 1860 عندما أصدر أحمد باشا حاكم دمشق العثماني قراراً بأنه على كل مسيحي دفع البدل عن السنة الحالية والسنوات السابقة. وكان هذا عبئاً كبيراً خاصة على الفقراء منهم وأشبه بالقرار التعجيزي.

لقد كان توقيت هذا القرار في أوج الحرب الطائفية في الجبل مثير للشبهة. فارتفعت أصوات الإحتجاج ضد الحاكم الذي انقلب على المسيحيين بكافة شرائحهم. فدعا عدد من وجهائهم إلى مكتبه وطالبهم بجمع الأموال من المخالفين وإلا سيسجن هؤلاء الوجهاء. ومارس نفس الضغط على رؤساء الكنائس.

كان رد شيوخ المسلمين وعلماء الأمة على هذه الإحتجاجات أن أصدروا الفتاوى إعتماداً على الشريعة دون أي إعتبار لقوانين التنظيمات والإصلاحات الصادرة عن الباب العالي. فأصدر إمام المسجد الأموي ومفتي دمشق فتاوى تؤكد أنه لا يوجد مساواة بين المسلمين والمسيحيين في الشريعة. وخرجت بعض الفتاوى تبرر للمسلمين قتل المسيحيين إذا لم يدفعوا الجزية لأنهم خارجون عن قانون الشريعة.

كانت هذه الفتاوى هي آخر ما يحتاجه الجهلة والمتعصبون من مسلمي دمشق لإعلان حربهم على مسيحييها، بل وحتى على كل مسيحيي سوريا. وبات من الحلال قتل رجالهم وسبي نسائهم والسطو على أملاكهم. أصبحت الجموع في حالة تأهب دائم للحظة إطلاق النفير العام الذي سيعلن بدء الهجوم الأخير على الحي المسيحي والقضاء على وجودهم في دمشق وإلى الأبد.

الصراعات الطائفية في سوريا:

بدأت تظهر الصراعات الطائفية في سوريا على عهد ابراهيم باشا على شكل حوادث صغيرة متفرقة في مناطق تواجد المسيحيين. ففي عام 1840، قُتِل قسيساً كاثوليكياً في دمشق واتهمت السلطات العثمانية اليهود بقتله في أحد طقوسهم الدينية. واعتقلت 13 يهودياً حيث مات منهم 4 تحت التعذيب قبل أن تفرج عن البقية تحت ضغط البريطانيين.

وفي عام 1950 ولأول مرة في تاريخ مدينة حلب، هجمت جموع من أغلبية المدينة المسلمة على مسيحييها الأغنياء وقتلت منهم العشرات وجرحت المئات. كان ذلك نتيجة لنقمة التجار المسلمين الذين عانت أشغالهم بسبب تفضيل الأوروبيين للمسيحيين في تعاملاتهم التجارية.

لكن أشد الخلافات كانت في جبل لبنان، حيث كانت الأمور تغلي على نار هادئة بين الدروز المعارضين والموارنة الداعمين لإبراهيم باشا، إلى أن ظهرت إلى العلن بعد خروجه من سوريا. فكان عام 1841 بداية النزاعات الطائفية بين الجانبين التي استمرت بشكل متقطع إلى أن تأججت بحرب شعواء في عام 1860.

بدأت حرب الجبل في 1860 على شكل ثورة شعبية قام بها الفلاحون الموارنة ضد إقطاعييهم الدروز. لكنها تحولت تدريجياً إلى حرب طائفية بين الموارنة والدروز. لم ترق هذه الثورة للعثمانيين. رأوا فيها تحد لسلطتهم في الجبل ومحاولة من الموارنة بدعم من رجال الكنسية لإعادة حكم الشهابيين (الأمير بشير) الذي انتهى بعد خروج المصريين بقليل.

وفي فترة ثلاثة أسابيع، بين 28 أيار و18 حزيران، قامت القوات الدرزية، وبتشجيع من العثمانيين، بحملة إبادة كاملة ضد مسيحيي الجبل والبقاع. فارتكبت المجازر في حوالي 200 – 380 قرية، من أشهرها مجازر دير القمر وجزين وراشيا وحاصبيا وزحلة. وقتل على أثرها ما بين 10,000 – 20,000 مسيحي (تختلف المصادر في عدد المدن والقتلى). وسرقت ونهبت البيوت والكنائس، ودُمِّرت كل كنسية حتى بلغ عددها حوالي 560 كنيسة وقتل كل الرهبان الذين لم يستطيعوا النجاة.

خلال كل هذا، لعب العثمانيون دور المتفرج، إذ لم يحركوا ساكناً لمحاولة وأد الفتنة. وحين لجأ الفارون من الموت إلى محمياتهم طلباً للحماية، لم يكتفوا بأخذ السلاح منهم بحجة أنه لا داعي له وأنهم سيحمونهم، بل لم يقاوموا الدروز حين هجموا عليهم، وتركوهم يعيثوا قتلاُ بالموارنة المحصورين بلا مفر. أما الذين نجوا فكانوا قد احتموا عند الدروز البسطاء بعيداً عن عيون الجنود. وكان المهاجمون يقتحمون بيوت الأمراء حيث لجأ المسيحيين ويقتلون الأمراء الذين حموهم ويسرقون وينهبون بيوتهم ثم يحرقونها. كما مدت القوات العثمانية العون للدروز في حربهم الحاسمة على زحلة التي كان سقوطها عبارة عن النقطة الفاصلة في هذا الصراع الدموي.

بعد سقوط زحلة، انتشرت الحروب في كل أنحاء سوريا وانضم المسلمون السنة والشيعة إلى الدروز في حربهم ضد المسيحيين بكافة أطيافهم وأين وجدوا. فاقتحم مسلمو بعلبك بشقيهم السني والشيعي بيوت المسيحيين في القرى المجاورة وعاثوا قتلأً ونهباً وحرقاً للممتلكات. ووصلت الفتنة إلى مشارف صيدا وجبل عامل واعتنقت الإسلام قرى بكاملها في الجليل الأعلى و محيط صيدا وصور خوفاً من الإبادة وكذلك فعل العديد من المسيحيين في قرى الريف الدمشقي خاصة وأرياف سوريا عامة.

تابع مسلمي دمشق أخبار سقوط القرى المسيحية في جبل لبنان، الواحدة تلو الأخرى، بسعادة غامرة ولم يشعروا بالأسف على الأرواح المزهوقة. كان اعتقادهم أن مسيحيي الجبل كانوا متعالين على الدروز وأنهم هم من بدأوا بالتعدي حين استغلوا وجود المصريين لمد سلطاتهم على حساب الدروز والإستيلاء على أراضيهم.

أخبار سقوط زحلة:

وجاء سقوط زحلة في 18 حزيران 1860 ليحدث ضجة هائلة في دمشق. كانت تعتبر زحلة المعقل الأخير للمسيحيين في سوريا. كان سقوطها هو نهاية أي أمل في النجاة من الموت. وكتبت الشعارات على جدران الكنائس تدعو إلى قتل المسيحيين. وعم الخوف كل تجمعاتهم. وبقدر حزنهم وقلقهم، كانت فرحة المسلمين والدروز في كل أنحاء سوريا حيث عمت الإحتفالات.

بعد سقوط زحلة تابع الدروز مع من انضم إليهم من المسلمين بغزوهم لقرى الجنوب وريف دمشق. فهرب الكثيرين من هؤلاء المسيحيين إلى دمشق وبدأ الحي المسيحي داخل سور دمشق يغص بهم وقدرت أعدادهم بين 3,000 – 7,000. وامتلأت البيوت والأديرة والكنائس بهم. ولأنه لم يكن هناك أمكنة كافية لاستيعابهم أضطر معظمهم مع نسائهم وأولادهم أن يفترشوا الطرقات ويتلحفوا السماء.

وما زاد الطين بلة أن القرويين الذين كانوا في دمشق لم يعد بإمكانهم العودة إلى ضيعهم في تلك المناطق لغياب الأمن في الطرقات، مما أدى إلى ازدحام المدينة بالناس. وشكلت عبئاً على سكانها الذين لم يُقَصّروا في مساعدة اللاجئين. حتى نبلاء دمشق من الأغنياء المسلمين مدوا يد العون بالمسكن وبالطعام.

وتحول الكثير من اللاجئين إلى شحاذين في الطرقات، وأصبحوا هدفاً سهلاً للإعتداءات والإهانات وسوء المعاملة من قبل المتعصبين الجهلة من المسلمين والدروز والأكراد. لم يحمل هؤلاء أي شفقة لهؤلاء المساكين. ولم يسلم حتى مسيحيي المدينة الأصليين من هذه الإعتداءات.

استشعر الأمير عبد القادر الجزائري، الذي كان مقيماً في دمشق وكان أحد وجهائها، الخطر المحدق وأخذ في إجراء المشاورات مع قادة المدينة ومجالسها وعلمائها لمنع الكارثة، لكنه مع ذلك أخذ بالتحضير للأسوأ. فقام بتجهيز 1000 من المقاتلين المتطوعين الأشداء معظمهم من رجاله الجزائريين لحماية الحي المسيحي في حال فلتان الأمن. وشجعه على ذلك القنصل الفرنسي، الذي كان أيضاً يستشعر الخطر، ومَوَّله بكل ما يلزم لتجهيز الفرقة.

ضغط قناصلة الدول الأوروبية على حاكم دمشق ليزيد الإجراءات الأمنية في المدينة لكن بلا فائدة. فبدلاُ من أن يحاول إسكات المتمردين وضع عدد من المدافع عند مداخل الجوامع وفي القلعة ليوهم المسلمين بأن الخطر المسيحي قادم. ثم وضع عدد من الحراس في الحي المسيحي بدعوة حماية الحي ليكتشف الناس فيما بعد أن معظم هؤلاء الجنود كانوا قد شاركوا في مذابح الجبل.

وفي أخر أيام حزيران قبيل عيد الأضحى، لما رأى المسيحيون كيف كان حكام دمشق ومسلميها المتعصبين يحتفلون بالنصر بإضاءة المشاعل وإشعال الحرائق وتزيين البيوت والمحلات في السوق وفي الأحياء المسلمة، أخذوا يرتعشون رعباً لشعورهم بأن المسلمين يكنون أشد العداء لهم وأن السلطات لن تحميهم. خاصة بعد أن وصلت أخبار تآمر الجنود العثمانيين مع المهاجمين في مناطق الجبل والبقاع، فاعتكفوا في بيوتهم خوفاً على أرواحهم.

وخلال أيام تخلى مسيحيو دمشق عن حرياتهم وحقوقهم وعن كل المكتسبات التي حصلوا عليها منذ “التنظلمات”. لم يعودوا يردوا على الإهانات وسكتوا عن التعديات عليهم في الأزقة وتوقفوا عن الذهاب إلى القهاوي أو زيارة الحدائق والمتنزهات. وتوقفوا عن المطالبة بديونهم من المتدينين المسلمين وأهملوا أعمالهم. وامتنع موظفي الدولة عن الذهاب إلى العمل فتوقفت وظائف الدولة لأنهم كانوا يشكلون نسبة جيدة من الموظفين.

الهدوء الذي سبق العاصفة:

دام اعتكاف المسيحيين في بيوتهم كل أيام العيد وفي اعتقادهم أن المسلمين سيهجمون عليهم في أي لحظة وقبل أن ينتهي العيد. وفي الوقت نفسه، أخذ العديد من مواطني الدول الأجنبية بمغادرة المدينة ومن بينهم عدد من المبشرين. وغادر معهم وبحمايتهم بعض من أصدقائهم وبعض المتنفذين.

أما العامة منهم فلم يكن باستطاعتهم الهروب لأن الموت كان بانتظارهم في كل أنحاء االمعمورة وجميع طرقاتها. وأخذ سكان الحي بتأمين أماكن للإختباء في حال بدأت الغزوة. ولجأ بعضهم إلى بيوت أصدقاءهم ومعارفهم من المسلمين الأتقياء.

لكن العيد مر بسلام ولم يحدث شيئاً. وخيم الهدوء على المدينة في الايام الأولى من شهر تموز. وتنفس المسيحيون الصعداء وبدؤوا الخروج من بيوتهم. وأمرت الحكومة الموظفين بالذهاب إلى أعمالهم. لم يستشعر المسيحيون المكيدة التي كانت تحاك ضدهم.

بدأت حجافل الدروز المقاتلين تصل من كافة الجهات لتتجمع حول دمشق وبعضهم دخل إلى وسط المدينة. أثار وجودهم المخاوف من جديد لكن مسؤولي الدولة والعلماء والنبلاء أكدوا للأمير عبد القادر ولوجهاء المسيحيين بأن شيئاً لن يحصل.

وفي صباح يوم الإثنين 9 تموز ذهب الموظفون إلى أعمالهم بينما ذهب آخرون إلى السوق للعمل أو لقضاء حاجياتهم بشكل طبيعي. كما ذهب الطلاب إلى المدارس.

إشعال الفتنة:

تضاربت المعلومات حول ما حصل في يوم 9 تموز والليلة السابقة والذي كان السبب في اشتعال الأزمة لكن معظم الروايات تكاد تجزم على ضلوع أياد شريرة في افتعاله.

استيقظ المسيحيون في صباح ذلك اليوم ليجدوا أبواب منازلهم وجدرانها وأرضية الأزقة مليئة بإشارات الصليب وكان قد رسمها بعض المشاغبين خلال الليل. فسّرها البعض على أنها محاولة لإثارة حماس المسلمين بأن الصليبيين قادمون.

لكن تبين فيما بعد أنها من صنع مجموعة من الأولاد الزعران بغرض التعريض بالمسيحيين ودفعهم للسير فوق صلبانهم. فما كان من حاكم دمشق إلا أن أحضر هؤلاء الأولاد وقرر أن يلقن المسلمين درساً. أو هكذا أراد للناس أن يعتقدوا. لكن في الحقيقة كان يحاول إثارتهم ضد المسيحيين.

فكبّل هؤلاء الأولاد بالسلاسل وأعطاهم مكنسات الزبالين وساقهم في موكب عبر طرقات دمشق إلى الحي المسيحي بغرض تنظيفه مما فعلوه في الليلة السابقة. لم يرق هذا العقاب للحشود المسلمة التي تجمعت حولهم. وكان مجرد رؤيتهم للأولاد وهم مهانين، ولمثل هكذا جرم، قد أشعل فكرة أن المسيحيين قد تجاوزوا حدودهم وأنه قد حان وقت تأديبهم.

وعندما وصل الموكب إلى سوق باب البريد المجاور للجامع الأموي ثار غضب الجموع وهجموا على الحراس القلائل وقاموا بفك قيود المساجين. خرج المصلون من الجامع على الضوضاء ولما علموا بما حصل بدؤوا بالهتافات الموجهة ضد المسيحيين. وعلى التو هجمت الحشود على الحي المسيحي ومعهم تجار السوق الذين أغلقوا محلاتهم.

وبسرعة البر ق انتشرت أخبار التمرد في أحياء المدينة وحتى الواقعة منها خارج السور. فهرع المتعصبون المسلمون من الشاغور والميدان، والأكراد من الصالحية، والدروز من جرمانا وكثيرون آخرون جاؤوا من أماكن بعيدة وهجموا بغزارة على الحي المسيحي. وقدر عدد الغزاة بين 20,000 – 50,000.

وخلال ساعات قليلة، غص الحي المسيحي بالمعتدين مما أعطى الدليل بأن الفتنة لم تكن عفوية وأن الجميع كانوا جاهزين. لم يكن العداء للمسيحيين هو الدافع الوحيد، بل كان هناك من يسعى لغنيمة فقط، حيث كان الجميع يعرف بغنى هذا الحي وفخامة محتوياته وخاصة كنائسه وأديرته. لذلك انضم الكثير من قطاع الطرق والبدو، وحتى النساء والأولاد شاركوا في الهجوم.

اليوم الأول من المذبحة:

استخدم المهاجمون كل أنواع الأسلحة كالعصي والسيوف والفؤوس والخناجر والسكاكين وبعضهم كان يحمل البواريد. بينما كان المسيحيون عزل إلا من أسلحة المطبخ والقليل منهم كان يحمل فروداً. لم يحترم المهاجمون حرمة أي منزل أو كنيسة أو دير. كانت لديهم أوامر بقتل كل شاب ورجل وكاهن يرونه أينما كان وعدم قتل النساء والأطفال.

سرقوا ونهبوا كل ما وقعت أيديهم عليه من مال وممتلكات. وبعد إفراغ البيوت و الكنائس من محتوياتها بالكامل أشعلوا النيران بها. وأحضر المهاجمون الجمال والحمير والبغال والأحصنة ليحملوا كل ما اغتنموه من البيوت والكنائس ليتقاسمونه فيما بينهم لاحقاً.

لم يرحموا أحداً حتى الشيوخ، ولم يستثنوا حتى الذين لجؤوا إلى دمشق هاربين من الموت في ضيعهم. وأحياناً كانوا يقتلون الأولاد ممن هم فوق العاشرة. أما من هم تحت العاشرة فكانوا يتركونهم على قيد الحياة بعد أن يختنونهم عنوة، حتى أنه مات عدد منهم لاحقاً من شدة النزيف. وكانوا يأخذون النساء الفتيات وخاصة البكارى ويغتصبوهن.

كانوا أحياناً يعطون المسيحيين فرصة للأسلمة وإعلان الشهادة وإذا رفضوا يقتلونهم. لكن إذا شكوا أنهم غير صادقين في أسلمتهم كانوا يقتلونهم أيضاً. قطعوا الرؤوس والأطراف ومثلوا بالجثث وأحرقوها. كما خطفوا عدد منهم لإستخدامهم كعبيد عند الدروز والبدو.

وما هي إلا ساعات حتى بدأ جنود الحرس الموكل بحماية الحي المسحي بالإنضمام إلى المهاجمين وبعد فترة انضم إليهم جنود من فرق أخرى. وغاب كل الضباط عن المشهد ولم يبقى أحد ليرد المهاجمين عن هؤلاء المساكين. والأسوأ من هذا كله هو أن جميع السياسيين وعلماء الأمة وأعضاء االمجالس الحاكمين إختفوا من الساحة ولم يحاول أحدهم إيقاف التمرد.

من الأماكن التي نُهبت كانت الكنسية المريمية الأورثوذوكسية ومكاتب بطريركيتها والبطريركية الكاثوليكية والكنيسة الأرمنية والمؤسسات الخيرية المسيحية. كما أُحرق مشفى خاص بمرضى الجزام، كانت تموله الكنيسة، مع مرضاه جميعاً. ودخل المهاجمون دير الأرض المقدسة الإسباني وقتلوا رهبانه الثمانية وكلهم من الجنسية الإسبانية. أما الدير الفرنسي فاستطاع عبد القادر وقواته أن ينقذوا رهبانه لكنهم لم يستطيعوا منع حرقه كاملاً. كما نُهبت وأُحرقت كل البعثات التبشيرية الأوروبية والأمريكية.

ولم تسلم القنصليات الأوروبية منهم. فكانت القنصلية الروسية، ألد أعدائهم وخاصة بعد حرب القرم، أول قنصلية هوجمت ونهبت وأحرقت وقتل مترجمها بينما احتمى القنصل في بيت عبد القادر. وجاء بعدها دور العدو اللدود الثاني وهي القنصلية الفرنسية التي احتمى موظفيها في بيت عبد القادر لكن القنصلية لم تسلم. وهوجمت القنصليات الهولندية والبلجيكية والنمساوية والأمريكية واليونانية. ونجا كل القناصل ما عدا القنصل الأمريكي والهولندي. ولم يسلم من القنصليات إلا القنصلية البريطانية، حليف السلطنة الأول، إلى جانب القنصلية البروسية (الألمانية).

ونجى من الموت غالبية موظفي الدولة وعمال البناء والحجارين وأصحاب ومستخدمي المحالات الذين كانوا في الأحياء المسلمة. فرغم محاولات المهاجمين النيل منهم لكنهم احتموا إما في قلعة دمشق، المحمية من قبل جنود هاشم آغا (الذي يقال أنه كان معارضاً لما يحصل، على عكس قادة محميات راشيا وحاصبيا)، أو في القنصليات البريطانية والبروسية. وبعضهم لجأ إلى بيوت اصدقائهم أو شركائهم من المسلمين أو بيت الأميرعبد القادر.

الأمير عبد القادر وشرفاء دمشق:

حاول الأمير عبد القادر التفاوض مع سلطات المدينة وشيوخها وعلمائها محاولاً إقناعهم أن ما يفعلونه هو ضد الإسلام لكنهم لم يستمعوا إليه ومنعوه من أن يقاتل المتمردين. فاقتصرت مهمته ومهمة شرفاء دمشق من المسلمين على المساعدة في مد يد العون للمسيحيين وإنقاذ ما أمكن منهم. فشرع رجالات عبد القادر وغيره من النبلاء بالطواف في طرقات الحي المسيحي من المدينة والبحث عن اي شخص، رجل أو امرأة أو طفل، وجلبه وإدخاله إلى بيت احد المسلمين الأتقياء، فغصت بيوتهم بأبناء مدينتهم الهاربين من جحيم الموت.

أما ما حدث في حي الميدان الواقع خارج السور فكان أقوى وقفة في وجه هؤلاء المتمردين. لقد اجتمع وجهاء الحي وقرروا أن يدافعوا عن المسيحيين الذين يسكنون الحي. لم يستطع اي متمرد من الإقتراب منهم خلال أيام المذبحة كلها. وسَلِم جميع المسيحيين الساكنين هناك. وأكثر من ذلك قام رجال الحي الشرفاء بالذهاب إلى الحي المسيحي داخل السور وإحضار ما أمكن منهم وحمايتهم في بيوت الحي. ونجحوا في إنقاذ المئات منهم.

عدد كبير من مسيحيي الباب الشرقي للمدينة، مع مطران كنيسة السريان الكاثوليك، هربوا إلى ضيعة صيدنايا ولجأوا إلى ديرها حيث كان يتحصن فيه جميع مسيحيي صيدنايا والضيع المجاورة. وكان هذا الدير قد بني على شكل قلعة حصينة. أما خارج اسوار الدير فقد نشب قتال حام بين الشباب المسيحيين من جهة وبين مسلمي الضيع المجاورة المدعومين بفرقة من الخيالة ارسلتها الحكومة لمساعدتهم من جهة أخرى. لم يفلح الغزاة في هجومهم وتراجعوا بعد فشل عدة محاولات لإقتحام الدير.

اليومان الثاني والثالث:

هدأت الأمور بعض الشيء في اليوم الثاني لكن النهب والسرقة لم يتوقفا. فتعرضت كل محلات المسيحيين في الأسواق إلى النهب. بينما لم يبقى شيء في الحي المسيحي. إلا بعض الرجال المختبئين في مخابئهم يخافون الخروج، حيث اختبأ البعض في غرف سرية والبعض الآخر في الآبار أو المجاري الصحية. ونجح بعض الشرفاء ورجال عبد القادر من الوصول إليهم ونقلهم إلى أحد البيوت في الأحياء المسلمة.

لكن في اليوم الثالث شاع خبر بأن مسيحيين مختبئين في بيت رجل مسلم أطلقوا النار على رجال مسلمين يحاولون إطفاء حريق قريب من بيت مسلم آخر. تبين فيما بعد أنه سوء فهم وأن المسيحيين ظنوا أن الرجال جاؤوا ليقتلوهم. لم يمت أحد من الرجال المسلمين بينما قُتِل هؤلاء المسيحيون كلهم في الإشتباك. رغم ذلك هبت الجموع المسلمة والكردية من أهل حي الصالحية وبينهم ضباط وعساكر وبتحريض من السلطات وهجموا على بيوت المسلمين الذين حموا المسيحيين.

هددوا المالكين بأن يسلّموا من في داخل البيت وإلا سيدخلون بالقوة وإذا رأوا شخصاً مسيحياً سيحرقون البيت. على اثر هذا التهديد، اضطر عدد من المسلمين البسطاء إلى تسليم ضيوفهم فقتل المئات منهم، بينما لم يستطع المهاجمون التأثير على النبلاء الذين رفضوا تسليمهم ومن بينهم الأمير عبد القادر الذي هددهم بالقتال إن تجرؤوا وتعدوا على المسيحيين في بيته.

الأيام التالية:

انخفضت وتيرة القتل والسرقة والنهب في الأيام التالية. وبعد أسبوع لم يعد هناك ما يسرق أو ينهب، بينما استمرت الحرائق لأسبوعين.

قتل في المذبحة ما بين 5,000 – 11,000 وبعضهم قضوا بسبب الحرائق واغتصبت أكثر من 400 امرأة و ونهبت كل البيوت والمحلات والكنائس والأديرة والمدارس والبعثات التبشيرية واحرقت جميعها. وتحول حوالي 1,500 – 3,000 بيت و200 محل إلى ركام. وسَلِم حوالي 200 – 300 بيت من الحريق لأنها كانت قربية من بيوت المسلمين، لكنها لم تسلم من النهب. ودُمِرت 11 كنيسة و3 أديرة. وقتل حوالي 30 كاهناً و10 مبشرين.

أما من بقي منهم على قيد الحياة فقد جُمِعوا في القلعة، حيث نصبت لهم بعض الخيام وبقي معظمهم في العراء لكثافة العدد. كانوا معظمهم من النساء والأطفال وكانوا في أشد حالات البؤس والجوع. ولم يتوقف خوفهم، خاصة وأنهم لم ينسوا ما فعله الجنود العثمانيون في الجبل عندما ادعوا حماية الهاربين قبل أن يقدموهم لقمة سائغة للمهاجمين. وكذلك لم يغادر الدروز المنطقة بعد، فهم ما زالوا يتربصون خارج أسوار المدينة.

لم يعد المسيحيون يشعرون بالأمان في دمشق رغم تطمينات القناصلة الأوروبيين وشرفاء المدينة. وبعد اسبوع بدأ نقل معظمهم إلى بيروت على دفعات وتحت حماية مشددة من رجال عبد القادر، ومن هناك هاجر العديد إلى فرنسا وأوروبا. وكانت بيروت من المدن التي لم يتعرض مسحيوها للإبادة بسبب وجود سفن الإمبراطوريات الأوروبية على شواطئها والتي حمتهم من هجمات دروز الجبل. ولم يبقَ في دمشق إلا بضعة آلاف فقط، بعد أن كان عددهم يفوق ال 30,000.

محاكمات فؤاد باشا:

عندما وصلت أخبار المجازر إلى الباب العالي ثار غضب السلطان. ربما كانت هناك تعليمات بإخماد الفتنة في الجبل باي ثمن، لكن ما حصل لم يخطر ببال أشد رجال السلطنة عداء للمسيحيين، وخاصة ما حصل في دمشق. فعلى عكس مسيحيي الجبل الذين بدؤوا الحرب هناك، لم يقم مسيحيو دمشق بأي عمل عسكري ولم يرتكبوا أي جريمة بحق السلطات العثمانية إلا تمنّعهم عن دفع بدل الخدمة العسكرية.

وسارع السلطان لاستدراك الأمور، إذ لم يشأ أن يدخل حرباً جديدة مع الأوروبيين. خاصة وأن باريس قد أرسلت قطعاً بحرية إلى شواطئ سوريا لتقصي الحقائق والتدخل إذا ما دعت الحاجة. فأرسل السلطان أحد أقوى قادة جيشه واسمه فؤاد باشا مع صلاحيات غير محدودة لإعادة الإستقرار وإحقاق العدل.

وفور وصول فؤاد باشا إلى دمشق قام باعتقال 800 شخص وأقام محاكماً استثنائية بحقهم بوجود قضاة عثمانيين أحضرهم معه من اسطنبول. حكم على 57 من المعتدين وبينهم بعض موظفي الدولة بالشنق وعرض جثثهم لأيام في أسواق دمشق. كما حكم على 110 من الجنود رمياً بالرصاص في الساحات العامة. وحكم على 168 بالسجن مع الأشغال الشاقة وحكم بالنفي على 145. وحكم على 83 بالموت غيابياً.

وتتابعت الإعتقالات والمحاكمات في الأسابيع والأشهر التالية. فحكم على 270 آخرين بالأشغال الشاقة و190 بالموت و146 بالنفي مدى الحياة. كما حكم على المدينة بأن تقدم 2,000 من شبابها للخدمة العسكرية في أماكن بعيدة من السلطنة.

عدا عن الجنود، كان أغلب المحكومين من الطبقة الفقيرة والعاطلين عن العمل وصغار الكسبة والتجار. وجاؤوا من كل أحياء دمشق الشعبية الفقيرة داخل وخارج السور وجاء بعضهم من الريف الدمشقي. وكان هناك عدد قليل ممن جاؤوا من القرى الدرزية في الجبل والبقاع كحاصبيا وراشيا.

كما كان بينهم بعض ميسوري الحال ومن هم محسوبين على الأغنياء، إلا أنهم كانو مديونين لبعض المسيحيين، مما أعطى الإنطباع لوجود اسباب شخصية لديهم للقتل.

بعد أن انتهى من التحقيقات مع الطبقة الفقيرة والوسطى، اعتقل فؤاد باشا 230 من الوجهاء والشيوخ وجميع أعضاء المجلس الحاكم وأهمهم إمام المسجد ومفتي دمشق الذين اعتُبِرا المحرضين الأساسيين للمذبحة بفتاويهما. وحكم على 13 من أهم وجهاء دمشق ومن ضمنهم الإمام والمفتي بالنفي إلى قبرص مع الأشغال الشاقة مدى الحياة. لم يكن بمقدور فؤاد باشا أن يكون أكثر صرامة معهم لمكانتهم الإجتماعية.

حُكم على حاكم دمشق العثماني أحمد باشا بالموت رمياً بالرصاص مع علي بيك قائد الفرقة التي كانت منوطة بمهمة حماية الحي المسيحي. كما حُكم بالموت على عدد من الضباط الآخرين ومن بينهم المسؤولين عن مذابح الجبل وغيرها ونفذت هذه الأحكام بعيداً عن أعين العامة لعلو مراكزهم في السلطنة.

مرحلة إعادة البناء:

طالب فؤاد باشا المسلمين بإطلاق سراح الأسرى المسيحيين الذين أجبروا على الأسلمة وكان عددهم 500 وأمر هؤلاء المسحيين بالعودة إلى دينهم. كما طالبهم بإعادة المسروقات والتي أعيد الكثير منها. وأمرهم أيضاً بتزويد المسيحيين بكل ما يحتاجونه من عفش كالأسرّة وغيرها.

أمر بإخلاء 4 حارات للمسلمين وأسكن فيها المسيحيين إلى أن يعاد بناء بيوتهم وخصص بيت من بيوتها ليكون كنيسة حيث تشارك باستخدامها كل المسيحيين من كافة الأطياف.

شكل مجالساً خاصة لشؤون المسيحيين وشرع في مشروع إعادة بناء الحي المسيحي، حيث استخدم اليد العاملة المسيحية والمال من خزينة الدولة. وتكفلت السلطنة بدفع تعويضات للمتضررين وجاء جزء كبير منها من مسلمي ويهود المدينة نفسها على شكل ضرائب، وأعفت منها الرجال المسلمين الذين ساعدوا المسيحيين خلال الفتنة والذين بلغ عددهم 2,000 رجل ومن بينهم رجال عبد القادر.

وحَصّلت الضرائب لهذا الغرض من كل مناطق ولاية دمشق الأخرى. وكانت ضريبة دروز الجبل والسهل أعلى من ضريبة المسلمين الدمشقيين لدورهم في مذابح الجبل وفي مذبحة دمشق على السواء.

قصة رجلين مسلمين ورجل مسيحي:

أحمد باشا:

عُين الضابط العثماني أحمد باشا حاكماً على دمشق قبل اشهر من المذبحة. لكنه قدم استقالته في خلاف مع السلطنة قبل أيام منها وكان الحاكم البديل في الطريق إلى دمشق حين حصلت المجزرة.

كثرت الأقاويل حول دور الحاكم والسلطنة في المذبحة. وكان هناك اعتقاد كبير بأن الحاكم كان يكن العداء الشديد للدمشقيين المسلمين الذين قتلوا عمه سليم باشا قبل 30 سنة وكان ينتظر اللحظة المناسبة للإنتقام من المدينة. أما المسيحيون فاعتقدوا بأنه كان يكن عداء خاصاً لهم بسبب ممارساته وتصريحاته ضدهم، وهذا بشهادة عدد من النبلاء المسيحيين الذين تعاملوا معه في عدة مناسبات.

مهما كانت الدوافع وراء القرارات التي اتخذها أحمد باشا فهي إن لم تدل على حقد دفين كانت بلا شك تدل على شخصية ضعيفة وجبانة وعلى سوء إدارة.

بدأ أحمد باشا بعد وصوله بتجنيد حثالة المجتمع وإعطائهم السلاح وتعيينهم كشرطيين أوحراس. وحين طلب منه قناصل الدول أن يحمي المسيحيين من الإعتداءات أرسل أسوأ رجاله من الذين عاثوا فساداً في حرب الجبل. وبدلاً من أن تردع هذه التعيينات أصحاب السوء كانت تشجعهم.

على الرغم أن مسيحيي دمشق لم يقوموا بأي عمل عسكري على الإطلاق وأنهم لا يشكلون أكثر من 20% من سكان المدينة فإنه قام بوضع المدافع عند مداخل الجوامع للإيحاء للمسلمين بأن المسيحيين يحضرون لهجوم وشيك. وحين حاصر الدروز المدينة وشكلوا تهديداً خطيراً للسلم فيها لم يضع أي حراسة على أبوابها. أعطت هذه الإجراءات الإنطباع بأنه يحضر لشيئ ما.

ثم حاول إشعال غضب الجموع عندما عرض هؤلاء الأولاد في السوق وهم مهانين. لكن الأبشع من كل ذلك أنه حين بدأت الفتنة لم يفعل شيئاً على الإطلاق ليوقفها. فهم لم يظهر أي انزعاج ولم يأمر جنوده بالتدخل لوقفها ولم يطلب معونة أي فرقة من خارج المدينة. وعلى العكس، فقد منع الأمير عبد القادر من التعرض للمهاجمين.

لم يكن أمام فؤاد باشا إلا أن يحكم عليه بالإعدام رمياً بالرصاص.

الأمير عبد القادر الجزائري:

كان المناضل الجزائري المنفي إلى دمشق لنضاله المشرف ضد الإحتلال الفرنسي للجزائر رجلاً يحمل مثلاً عليا. كان أقوى مدافعاً عن قيم الإسلام المثلى ولم يرضه ما كان يحرض عليه بعض الشيوخ المسلمون المتعصبون. كان من المعارضين الأشداء للفكر الوهابي التكفيري ومن مناصري الحداثة والإنفتاح.

بذل الأمير المستحيل لمنع هذه المجازر بمحاولاته المتكررة مع المسؤولين السياسيين والدينيين للتدخل أو حتى إصدار فتوى تحرم هذا القتل. لكن كل محاولاته باءت بالفشل. ورغم ذلك، لم يمنعه هذا من القيام بواجبه الإنساني، حيث عمل ليل نهار مع رجاله الأشداء على إنقاذ ما أمكن من المسيحيين. ويقدر عدد الذين أنقذهم هو ورجاله حوالي 11,000 شخص حسب تقديرات القنصل الفرنسي.

وفي اليوم الثالث حين حاصر المهاجمون بيته وطالبوه بتسليم الذين لجؤوا إليه، وقف أمامهم وقال لهم أنه لن يسمح لهم بالمرور إلا فوق جثته وتجهز مع رجاله لقتالهم. فما كان أمام المهاجمين إلا التراجع. وبعد انتهاء الأزمة تكفل مع رجاله بمرافقة كل الذين اختاروا الذهاب إلى بيروت وإيصالهم بالسلامة، رغم مخاطر الطريق الذي يمر وسط أراضي دروز الجبل.

بعد إنتهاء الأزمة، انهالت على الأمير رسائل الشكر والهدايا لموقفه المشرف وأعماله البطولية. وكان من أهمها رسائل شكر خاصة من ملكة بريطانيا فكتوريا ورئيس الولايات المتحدة الأمريكية إبراهام لنكولن. لكن أهم تقدير له جاء من عدوته اللدود فرنسا التي نفته إلى دمشق، فقد منحته أعلى وسام للشرف في الإمبراطورية (وسام الصليب العظيم للشرف) واعتبرته صديقاً للعالم المسيحي.

القديس يوسف مهنا الحداد:

وُلِد القديس يوسف مهنا الحداد في بيروت 1793 وتعمق في اللاهوت حتى أصبح كاهن الكنيسة المريمية الأورثوذوكسية في عام 1817، وبطلب من رعية دمشق لما رأوا فيه من ذكاء وفطنة وعلم وهو في سن الشباب.

كان الأب يوسف معروفاً بأعماله الخيرية وخدماته للبؤساء وإعانته للمرضى. ولمّا تفشّى الهواء الأصفر في دمشق سنة 1848، أظهر غيرة كبيرة في خدمة المرضى، غير مبال بإمكان التقاط المرض. وكان أحد أولاده قد مات من المرض. وكان يُعرف عنه أنه فقير. فقد كان يخدم الكنيسة بدون مقابل وكل مصروفه كان يأتي من أولاده ومن شغل أيديهم.

من منجزاته إحياء المدرسة البطريركية التي ذاع صيتها حينئذ. كان عالم باللغتين العربية واليونانية وقام بترجمة الكثير من الكتابات بين اللغتين. كان حكيماً وصاحب حجة وكان يقارع أكثر العلماء فقهاً بجدالاته معهم.

حين هجم المسلمون المتعصبون على الكنيسة المريمية، هرب متستراً بعباءة في أزقة الحي إلى أن وصل إلى مكان يسمى (قرنة الشحم) يبعد بضعة مئات من الأمتار عن الكنيسة. رآه مجموعة من الأشرار فعرفه أحدهم وصرخ برفاقه أنه “إمام النصارى”. فأمسكوه وبدأوا في تعذيبه أمام زوجة ابنه التي كانت ترافقه، طالبين منه أن يعلن إسلامه. وبدأوا يقطعون أصابعه واحدة تلو الأخرى وفي كل مرة يطلبون منه أن يؤسلم وهو يرفض. ثم قاموا بجدع أنفه وتشويه جسده وأخيراً ربطوه في قدميه وأخذوا يجرون جثته في أزقة وحارات دمشق.

في 8 تشرين الأول 1993، قام المجمع الإنطاكي المقدّس للروم الأورثوذوكس بإعلان قداسته. فأصبح يعرف بالقديس الشهيد يوسف الدمشقي. ويُحتفل في عيده في العاشر من تموز في كل عام وهو يوم استشهاده.

كلمة أخيرة:

تركت هذه المذبحة آثاراً عميقة عند الدمشقيين، إذ لم تشهد هذه المدينة، وهي إحدى أعرق مدن التاريخ، مثل هذا الحقد بين أبنائها من قبل. لم تكن هذه المرة الأولى الذي يحدث فيها قتل ودمار، لكن المجرمين عادة ما يكونون من الغرباء أو الغزاة. أما أن تقوم جماعة دينية من نفس المدينة ضد جماعة أخرى، على مرأى من الأجنبي، وبهذه الوحشية، فهو غير مسبوق.

استفاق المسلمون الأتقياء من الصدمة في حالة نفسية يرثى لها. كانت الدلائل على حدوث المذبحة موجودة منذ زمن، لكنهم لم يفعلوا شيئاً للحيلولة دون ذلك. كيف سمحوا للجهلاء والمتعصبين أن يشوهوا سمعة دينهم ويلطخوا وجه هذه المدينة المعروفة بتعدد ثقافاتها ودياناتها. كان يشكل الأتقياء غالبية مسلمي دمشق لكن صمتهم شجع الجهلاء على المضي في مخططهم بدون رادع. قال الفيلسوف الأيرلندي إدموند بورك: “أن لا يفعل الخَيِّرون شيئاً هو كل ما يحتاجه الشريرون لينتصروا”

أما المسيحيون فقد فقدوا ثقتهم بجيرانهم وبالنظام الحاكم. ورفض جُلّ من رحل منهم العودة إلى دمشق لفترة طويلة. وظلوا بعيداً حتى عام 1864 حين بدأ بعضهم بالرجوع وانضم إليهم بعض مسيحيي القلمون. كما سعى العديد منهم إلى الهجرة. وكانت هذه المجازر الدافع الأكبر وراء الهجرة الكبيرة من قبل السوريين إلى الأمريكييتين حيث بلغ عددهم أكثر من 100,000 مع حلول القرن الجديد.

ستظل هذه المذبحة وصمة عار في تاريخ هذه المدينة الفاضلة إلى الأبد. يقال بأن الشعوب التي لا تتعلم من أخطاء التاريخ تكون عرضة لتكرارها. فهل تعلم الدمشقيون خاصة والسوريون عامة من هذه التجربة المريرة؟ قد يأتيك الجواب في المثل الدمشقي الشهير الذي، كما يقال، وُلِد من رحم هذه المجزرة: ” تنذكر وما تنعاد”.

عبد القادر الجزائري وهو ينقذ مسيحيين خلال الأحداث 1860

عبد القادر الجزائري وهو ينقذ مسيحيين خلال الأحداث 1860

لاجئون مسيحيون بعد المجازر 1860

لاجئون مسيحيون بعد المجازر 1860

الأمير عبد القادر الجزائري 1862

الأمير عبد القادر الجزائري 1862

الحي المسيحي في دمشق مباشرة بعد المذبحة عام 1860

الحي المسيحي في دمشق مباشرة بعد المذبحة عام 1860

الحي المسيحي في دمشق عام 1862 (بعد عامين من المذبحة)

الحي المسيحي في دمشق عام 1862 (بعد عامين من المذبحة)

أهم المصادر مرتبة حسب درجة الأهمية لهذا المقال:

1 – An Occasion for War; Civil Conflict in Lebanon and Damascus in 1860. A book by Leila Tarazi Fawaz

2 – مجموعة مقالات باللغة العربية في مجلة “الكلمة” الصادرة عن الكنيسة الأورثوذوكسية في أمريكا الشمالية كتبها ابراهيم عربيلي أحد الناجين من المذبحة وهي من مذكراته عنها. نشرت عام 1913.

3 – Murder, Mayhem, Pillage, and Plunder; The History of Lebanon in the 18th and 19th Centuries. A book by Mikhayil Mishaqa ; Translated from Arabic by Wheeler M. Thackston, Jr. Mikhayil Mishaqa was the vice-consul for the USA and one of the survivors of the massacre and this book was his memoirs

4 – The Arabs; A History. A book by Eugene Rogan

5 – عشرات المقالات والصفحات على الإنترنت باللغتين العربية والإنجليزية وأهمها موقع “ويكيبيديا” باللغتين.

 
Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا | Leave a comment

ولاية الفقيه تعرض على أميركا تقاسم مناطق النفوذ في الشرق الأوسط‎

موقف ولاية الفقيه هذا يدق ناقوس الخطر للعرب

الإمبريالية الفارسية..

ولاية الفقيه تعرض على أميركا تقاسم مناطق النفوذ في الشرق الأوسط

بدر الدين كاشف الغطاء

نشرت ثلاث صحف ألمانية هي (برلينر زايتونغ) و(فرانكفورت روندشو) و(كولنر ستاتنزايغر) يوم 6/10/2013 مقالا لعضو البرلمان الألماني السابق الدكتور “يورغن تودنهوفر” كشف فيه أبعاد مخططات ولاية الفقيه التوسعية على حساب الأرض العربية.

فقد ذكر الدكتور “تودنهوفر” في مقاله: أن الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني لم يأت بجديد عندما عرض السلام على أمريكا، بل هو يتكلم ويتصرف على أساس العرض الإيراني الأساسي الذي قدّم لأمريكا منذ ثلاث سنوات ونصف. ويسرد الدكتور “تودنهوفر” تفاصيل هذا العرض قائلا إنه جاء بعد وساطة قامت بها الحكومة الألمانية، وأنه شخصيا تولّى تقديم هذا العرض إلى الإدارة الأمريكية يوم 26 نيسان 2010. ويسرد الدكتور “تودنهوفر” بنود العرض الإيراني الأربعة وكما يأتي:

1– تقدم إيران ضمانات موثقة وحقيقية تتعهد فيها بعدم صنع القنبلة النووية، من بين تلك الضمانات التزام الحكومة الإيرانية بعدم تخصيب اليورانيوم لأكثر من نسبة 20% المخصصة للأغراض الطبية.

2– الاستعداد للوصول إلى أتفاق مرض مع أمريكا حول تقاسم مناطق النفوذ في الشرق الأوسط.

3 – استعداد إيران للمساهمة البناءة في إيجاد الحلول للصراع في أفغانستان والعراق.

4 – الاستعداد للتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية لمحاربة الإرهاب العالمي بأفكار وإجراءات ملموسة.

ويمضي عضو البرلمان الألماني السابق الدكتور “تودنهوفر” قائلا إن الورقة الإيرانية نصت على (إن إيران تريد السلام مع الولايات المتحدة) وان إيران طلبت أن تكون المفاوضات مع الأمريكان على أعلى مستوى وعلى أساس الندية وبعيدا عن الصخب الإعلامي الأمريكي، كما اقترحت أن يكون وزير العدل الألماني السيد (شوبل) هو الوسيط لترتيب هذه المفاوضات.

وكما سيلاحظ القارئ فإن أخطر ما في بنود العرض الإيراني أنه يعرض على أمريكا تقاسم مناطق النفوذ في الشرق الأوسط. وتعبير مناطق النفوذ (في الألمانية

EINFLUSSSPHARRN

وفي الإنجليزية

SPHARE OF INFLUENCE)

هو تعبير تستخدمه الدول الأمبريالية لتحديد المناطق التي تقع تحت هيمنتها المباشرة أو شبه المباشرة، وهذا التعبير هو المقابل المعاصر لتعابير الأقاليم المحتلة أو المنتدبة أو تحت الحماية أو الوصاية، وهو أيضا المقابل الإنكلوسكسوني لتعبير (المجال الحيوي) الذي أبتدعه “أدولف هتلر” والنازية الألمانية لتبرير حروبها للسيطرة على العالم.

مرّ شهر تقريبا على نشر مقال الدكتور “تودنهوفر” ولم ينف أي مسؤول إيراني ما جاء فيه وخاصة الفقرة التي تعلن فيها إيران أنها تريد تقاسم مناطق النفوذ في الشرق الأوسط مع أمريكا. ويبدو أن إيران لم تعد تشعر بالحاجة لنفي محاولاتها للتحالف مع (الشيطان الأكبر) وحليفه الكيان الصهيوني أو لتغليف تلك محاولات بذرائع ظرفيّة كالحاجة للسلاح (إيران غيت) أو الحاجة لقرار من الأمم المتحدة يتهم العراق بإشعال الحرب (فضيحة ديكويلار) أو للتخلص من خصم جرّع الولي الفقيه السم الزعاف (غزو العراق) أو التعاون للقضاء على العدو المشترك (غزو أفغانستان)، خاصة وأن إيران اليوم أوهمت نفسها أنها أصبحت دولة نووية فلماذا لا تكون دولة أمبريالية عظمى أسوة بأمريكا، وإلى متى تواصل سياسة تخدير الرعاع بشعارات ثورية، وهم في النهاية رعاع!

لقد نشرت وثائق ومعلومات كثيرة عن سعي إيران للتحالف مع أمريكا والكيان الصهيوني على حساب شعوب المنطقة ومنها مقالنا المنشور في تشرين الأول 2008 بعنوان (إيران تساوم أوباما والبضاعة هي العراق)، لكنها المرة الأولى التي يعلن فيها عن وثيقة تقول فيها ولاية الفقيه صراحة أنها تريد تحديد مناطق نفوذها في منطقتنا العربية!

إن موقف ولاية الفقيه هذا يدق ناقوس الخطر للعرب الذين غلبت عليهم خلافاتهم وتفرقت كلمتهم حتى سامهم كل مفلس! لقد وصل السيل الزبى، وآن للعرب أن ينتفضوا على فرقتهم وأن يدافعوا عن وجودهم كأمة وكدول وكأفراد. إن مخططات ولاية الفقيه للهيمنة على ارض العرب هي تعبير عن عدوانية عنصرية طائفية مقيته وسعي لإعادة التاريخ إلى الوراء لاستعادة امبراطورية أسقطتها سنابك خيل المسلمين ولا تحتاج منا الكثير لإسقاطها، يكفينا أن نوحد بعض مواقفنا وأن لا نكتفي برد الفعل بل بالفعل المؤثر، ولتكن تلك الخطوات مقدمة لتفعيل آليات العمل العربي المشترك السياسية والاقتصادية، وإلا فسنصبح مرتعا لمن هب ودب من ضباع الأرض الطامعين في (مناطق نفوذ)، وسنكون النسخة الثانية من العرب البائدة لا قدّر الله.
والله المستعان

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

يونس بحري.. الشخصية العراقية الأسطورية التي خدعت العالم 1

مارشال في الجيش الألماني وصحفي وإمام جامع في اندونيسياsba
صديق ملوك ومؤلف كتب دفن من قبل امانة بغداد كمشرد في مقبرة الغزالي

يوسف محسن: الصباح

أسس ست عشرة اذاعة ، وأتقنّ سبع عشرة لغة ، وحمل خمس عشرة جنسية ، وتزوج تسعين امرأة زواجا شرعيا ، وأكثر من مائتي زواج مدني ، انجب ثلثمائة وخمسة وستين ذكرا ، ولا يعلم عدد الاناث ، حكم عليه بالإعدام اربع مرات وهو مؤسس اول اذاعة عربية في اوروبا العام 1939 تبث من المانيا ( هنا برلين .. حي العرب ) هكذا تذكر المصادر التاريخية عنه ، في فترة من حياته بالهند، كان يعمل كراهب في النهار وراقص في ملهى بالليل ويجد مع ذلك وقتاً ليقوم بعمل إضافي مراسلاُ لاحدى الصحف الهندية، وفي وقت آخر أصبح مفتيا في أندونيسيا ، وامام جامع باريس ، انه يونس صالح اغا والكتاب الذي صدر حديثا ( مذكرات الرحالة يونس بحري في سجن ابو غريب مع رجال العهد الملكي في العراق بعد مجزرة قصر الرحاب العام 1958 ) ، يحوي معلومات مثيرة ومزيجا من الواقعي والعجائبي والاسطوري التي تحملها تلك الشخصية .سيرة المغامرات

يذكر الكتاب ، ان يونس صالح خلف الجبوري ولد في الموصل عام 1900،غادر الى بغداد عام 1921 لينخرط في دار المعلمين، ولكنه طرد منها بعد مرور شهرين او ثلاثة ، عين بوظيفة كتابية في وزارة المالية حتى العام 1923 بعدها غادر العراق الى استانبول وانخرط هناك لدراسة العلوم البحرية ، ولكن الظروف الصعبة التي عاشتها تركيا بعد الحرب الاولى ومخاضها العسير في حرب الاستقلال جعلته يرجع ثانية الى العراق ، ولكنه قرر ان يغادر في نهاية عام 1923 في رحلة حول العالم ،انطلق نحو ايران ومنها الى افغانستان والهند وصولا الى الشرق الاقصى والملايو واندونيسيا ثم مر بالصين واليابان .وانتقل الى العالم الجديد بما في ذلك الولايات المتحدة وكندا ، واكتشف العالم لأول مرة ، ثم عبر الاطلسي ووصل اوروبا ، فانتقل من بريطانيا الى بلجيكا وهولندا وفرنسا والمانيا وصل مصر التي وثق علاقاته بأدبائها ومثقفيها وكتب في صحافتها .. ثم عاد الى العراق باسم (السائح العراقي ) العام 1925 ،
بعدها غادر الى الكويت ومنها الى السعودية حيث اخترق الاحساء ونجد والحجاز وعسير والربع الخالي وحده مشيا على الاقدام حتى وصل الى اليمن والتقى الامام يحى بن حميد الدين زعيم اليمن ، ومن هناك عبر البحر الاحمر نحو افريقيا واخترق ارتيريا والحبشة والسودان الشرقي ومن ثم السودان الغربي وعبر الصحراء الكبرى مشيا على الاقدام وحده ، وصل بعد 48 يوما الى جبال الاطلس ، ووجد نفسه في المغرب ، فزار فاس ومكناس و مراكش وكازابلانكا والرباط وطنجة ، ومن هناك عبر الى اوروبا نحو اسبانيا ووصل فرنسا والمانيا وبلجيكا وابحر الى انكلترا ، و دخل مسابقة لعبور بحر المانش، فتقدم يونس بحري بعلم العراق لدخول المسابقة قبل ساعات معدودة من بدئها من دون تحضير سابق أو تدريب. فعبر البحر وفاز بالمركز الأول مسجلاً سابقة لا مثيل لها في التاريخ الرياضي العراقي فأطلق عليه تسمية يونس البحري ومنح جواز سفر دبلوماسياً ألمانياً .
ثم رجع الى العراق وكتبت الصحافة العراقية مغامراته الجغرافية ، عاد مثقفا بلغات ومعلومات واسعة . ثم غادر العراق مرة اخرى عام 1929، ليلتقي بمؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبد العزيز آل السعود الذي كان معجبا به وصديقه الكويتي الاديب الامير عبد العزيز الرشيد ليكلفهما بنشر الدعوة الى الحج في جزر الهند الشرقية ، غادرا معا الى جنوب شرق آسيا ، وانطلقا الى الشرق الاقصى وصل بحري والرشيد اندونيسيا ، واصدر هناك العام 1931 جريدة ( العراقي والكويتي )

اساطير وحكايات
الملك ويونس بحري

كان يونس بحري في مجلس الملك عبد العزيز آل سعود حين جاء من يبشر الملك بمولوده الثالث والستين. وكان الملك عبد العزيز لماّحا، فلاحـظ نظـرة ولده وابتسامته، فسأله عما عنده فقال ولده: يبلغ عدد أولاد يونس بحري أربعة وستين. فسأله الملك عبد العزيز: هل صحيح يا يونس أن عدد أولادك أربعة وستون؟ فرد يونس بحري قائلا:ـ الذكور منهم فقط يا طويل العمر.

ابو لؤي

من النوادر التي حدثت له في سجن بغداد العام ، إنه وتوفيق السويدي كانـا في قاعة واحدة وكان كلاهما يُكنى بـ(أبو لؤي) وفي يوم جاء ضابط السجن مناديا: من (أبو لؤي).. فخاف السويدي لانه توقع أن يكون وراءه شر ولم يجب، واجابه يونس بحري وكانت المفاجأة أن الضابط أحضر مظروفاً يحوي مئة دينار فوقع بحري واستلمها وبعد أيام جاءت رسالة الى توفيق السويدي تقول: هل استلمت المئة دينار؟

خداع الملوك

من اساطيره قبل وفاته بفترة قصيرة جاءه أحد الزوار وكان يتحدث بشكل بطولي عن مقدرته حين خدع أحد أفراد شرطة الحدود وهرب بعض المواد بعد دخوله العراق من الحدود التركية، وبعد مغادرة هذا الرجل قال بحري: ضحكنا على ذقون ملوك ورؤساء سنين طويلة وهذا يتفاخر بأنه خدع شرطيا

جزيرة التماسيح

تفتق عقل يونس بحري عن حيلة بعد ان كان يعاني من الجوع والعوز وكان برفقته احد اصدقائه اللبنانيين ، اذ كانت هناك جزيرة مسيجة ويحرم الاقتراب منها كونها مليئة بالتماسيح ، فما من انسان او حيوان يقترب منها حتى تبتلعه التماسيح ، فاحتال يونس بحري على الناس ، اذ تحدّى الجميع واعلن انه سيخترق الجزيرة ، وان من يشاهده عليه دفع خمس روبيات ، فجمع مع صاحبه بحدود 300 روبية ، واستعد لمنازلة التماسيح ، وكان صديقه اللبناني يجمع النقود، ظهر يونس بحري لابسا الشورت ، وهو يذهب ويأتي راكضا ويقول لهم لابد من الاحماء والاستعداد ركض بعيدا مرسلا صاحبه الى مركز للشرطة مبلغا عن مجنون عراقي يريد الانتحار ، فهرعت الشرطة ليقبضوا على المجنون العراقي ، وهو يصيح بصديقه اللبناني يالله اشلع بالمدخولات ، حتى لا تراك الشرطة بعد ذلك خرج من مركز الشرطة ليقاسم صديقه اللبناني الاموال .

الملك فيصل الثاني

وصل الملك فيصل الثاني وكان ( صبياً ) الى باريس برفقه خاله عبد الاله ونوري السعيد وقد جاؤوا ليؤدوا صلاة الجمعة في جامع باريس الكبير الذي افتتح بمساهمة عراقية ، فسمعوا خطيبا مفوها بلحيته الحمراء وعمامته البيضاء وجبته السوداء وهو يخطب خطبة عصماء وبلهجة تقرب من لهجة اهل المغرب ، فاعجبا به ثم أمّ الجميع في الصلاة ، وبعدها التقى بهم للسلام ، فقال له نوري باشا السعيد : شيخنا الجليل اين تعلمت هذا الكلام العظيم ؟ فأجابه امامهم : تعلمته في مدينة الموصل ، فاندهشوا وقالوا له ما علاقتك بالموصل ؟ فنزع لحيته ورفع عمامته وقال لهم : انا يونس بحري ، فاسقط بيدهم واكرموه بعد ان كان قد لعب بخلقتهم ايام هتلر بشتائمه المقذعة واوصلهم الى الباب مودّعا ، وقال لهم : هناك في نهاية الشارع ملهى رائع يقدم برنامجا شرقيا مدهشا في الليل ، فلا يفوتكم .. وفي الليل كان الثلاثة يجلسون في الصدارة وبدأ البرنامج ، كان يونس بحري يعمل راقصاً في الفرقة الموسيقية.

يونس بحري بوذي

ترك يونس بحري اندونيسيا وشد الرحال الى ( تايلند). وكان هذا البلد يضم من المسلمين ما يوازي عدد البوذيين فيه. سمع يونس بحري ان هناك موسما دينيا بوذيا سنويا سيحل قريبا, حيث يختار الرهبان فتاة في عمر الزهور لتوضع في غرفة من معبد بعد ان تتم تعرية نصفها الاعلى من كل قطعة قماش, وتكون جاهزة لاستقبال الرهبان لوضع قبلة سريعة على وجهها كان طابور الرهبان طويلا. فيما وقف يونس بحري في هذا الطابور، وقد لبس ملابسهم الصفراء اللون وحلق شعر رأسه على آخره. كان يونس بحري يحاول كلما اقترب دوره للدخول الى العذراء في خدرها, ان يتراجع للوراء ويسمح لمن خلفه بأخذ دوره . وهكذا الى ان اصبح يونس بحري في آخر الصف. وجاءت اللحظة المنتظرة له, فدخل الى العذراء وكانت آية في الجمال دقيقة الاعضاء والبنية . وهاله ما وجدها عليه . فجلس القرفصاء على الارض, وطبع قبلة عميقة وطويلة على وجهها خلافا للتعليمات التي اخذها من كبار الرهبان الذين أوهمهم باعتناق البوذية. وخرج من خدر الفتاة مزهوا ومرددا في سره (الان عرفت سر انتشار البوذية) .

مفتي في اندونيسيا

في عام 1925 قابل يونس بحري الملك عبدالعزيز آل سعود لاول مرة , واستطاع اقناعه بأن يقوم بدور داعية في آسيا. اقتنع الملك به لأنه وجد نفسه امام شخصية جذابة مؤثرة ويجيد لغات حية قد تزيد على العشرين لغة. وشخصية ملمة بكل مايحيط بالدنيا من ثقافات ومعلومات . الى جانب مواهب اخرى منها انه كان خطيبا مفوها ينفذ الى قلوب ساميعه. اقتنع الملك عبدالعزيز به ايما اقتناع ومنحه المال وعدداً من المصاحف وطلب منه الانطلاق الى قلب آسيا . فكانت محطته الاولى أندونيسيا يوم كان هذا البلد المسلم الكبير يخضع للاحتلال الهولندي. وفي اندونيسيا تدرج في المناصب الدينية ليصبح بعد ذلك مفتي اندونيسيا العام . وفي يوم ما قدم عجوز طاعن في السن الى يونس يروم عقد زواجه من فتاة صغيرة في السن ورائعة الجمال, فبادره بحري بالرفض وافتى له بالحرام , ولما ذهب العجوز، فما كان من يونس الا ان تزوج هذه الفتاة .

حكم الاعدام

سبق أن حُكم ثلاث مرات بالإعدام خارج العراق وداخله حيث أصدر نوري السعيد حكم الإعدام بحقه غيابياً وفي أثناء الحرب العالمية الثانية حكمه الحلفاء وحُكم مرة في أفريقيا أثناء الحرب أيضاً اذ أرسل مبعوثاً عن الحكومة الفرنسية لمفاوضة إحدى القبائل الحاكمة وحين رؤوا أسمه على الجواز

(JOHANS BAHRI)

تصوروه عميلاً فرنسياً وحكموه بالإعدام. . وحين سأله الضابط المسؤول عن رغبته قبل ان ينفذ بالحكم في اليوم التالي طلب قنينة ويسكي. . فقال له: كيف تطلب مشروباً وتستسيغ شربه وأنت مقبل على موت محتم؟ فأجابه أنا مجنون حيث جئت هنا فلماذا لا أطلب المشروب؟ فضحك الضابط وجلب ماطلبه وفي الهزيع الأخير من الليل جاءه لا ليقتاده الى ساحة الإعدام بل ليهربه.

هنا برلين حي العرب

السيرة الذاتية في مقدمة الكتاب تبين انه ، امتهن الصحافة في وقت مبكر واصدر أول كتبه (العراق اليوم) عام 1924 المحفوظ في مكتبة الأوقاف في الموصل وكان محرراً رئيسياً في صحيفة (العقاب) وهي سياسية أدبية. دخل معترك السياسة كمعلق صحفي وإذاعي في بداية الثلاثينيات قبل وبعد تتويج الملك غازي الأول ملكاً على العراق عندما كان أحد أصدقائه المقربين لعدة أسباب منها ميول الملك غازي السياسية تنسجم مع تلك التي للصحفي يونس بحري وتتمثلان بمعاداتهما للسياسة البريطانية وانحيازهما الى حكومة (الرايخ الثالث) أي حكومة (هتلر). وكان يونس بحري أول مذيع قدم الملك غازي من إذاعة قصر الزهور.وقصة هذه الإذاعة أن الملك غازي كان مصوناً غير مسؤول ولا يمكن للمندوب السامي التدخل في شؤونه الخاصة كما لم يكن له سلطة رسمية على القصر الملكي باعتباره مندوباً سامياً والعراق تحت الوصاية البريطانية وعن هذا السبيل استطاع يونس بحري بصوته أن يعبر عن اراء الملك عبر هذه الإذاعة، و استطاع الملك غازي أن يعبر عن آرائه من خلال هذه الإذاعة وبصوت يونس بحري. وعند اغتيال الملك غازي كتب يونس قصة مقتله في صحيفة ( العقاب ) وقام بنفسه في توزيع نسخ الصحيفة على دراجة نارية، موضحاً أن عبد الإله ونوري السعيد قد تامرا مع الإنكليز واغتالوا الملك غازي بعد ذلك أدرك خطورة وجوده في العراق فاتفق مع القنصل الألماني في بغداد الدكتور كروبا على الهرب خارج العراق ، في هذا الاثناء وصلت الى بغداد طائرة ألمانية تحمل وفداً صحفياً وعند هبوط الطائرة صعد إليها يونس باعتباره صحفياً لمقابلة الوفد فعادت الى التحليق متجهة الى ألمانيا. وهناك أصبح أحد أقرب المقربين للقيادة النازية وبالذات لكوبلز وزير الاعلام ومنح رتبة عسكرية ألمانية بدرجة مارشال وكان يحمل على كتفه الصليب المعقوف في الحفلات الرسمية التي يحضرها وأسس الإذاعة العربية في برلين بإعلانها ذائع الصيت (هنا برلين حي العرب) وخصصت هذه الإذاعة تعليقاتها الرئيسة لمهاجمة الحلفاء ، ويقال انه كان يدخل على غوبلز من دون استئذان ، ووصل الى هتلر ، ووثق علاقاته مع الضباط الكبار ومع اعضاء الرايخ الالماني، فضلا عن دوره في استقدام العرب الهاربين او المتعاطفين مع المانيا ومع المكتب العربي.، زار بحري يونس الدوتشي موسليني الذي اعجب به .
ويذكر احد اصدقائه في الكتاب ، في احد صباحات عام 1945، جمعتنا الصدفة في مرسيليا بيونس بحري طليقا، يندفع نحونا يهنئنا ويعانقنا، فسألته: كيف استطعت الوصول إلى مرسيليا من دون أن تقع بيد الحلفاء؟ فقال: إنه خرج من برلين مع عدد من الأجانب قبل أن يحاصرها الروس، وحرَّف اسمه المسجل في جواز السفر بالأحرف اللاتينية، يوني باري جبوري، محرفا من يونس بحري الجبوري، وزعم للمحققين أنه كان معتقلا في ألمانيا وأطلعهم على أثر جرح قديم في جسمه من أثر شجار قديم، كأنه من آثار التعذيب، فسمحوا له بالسفر إلى باريس•

مؤلفاته

أصدر يونس بحري نحو ستة عشر كتاباً منها (العراق اليوم)، (الحرب العراقية البريطانية) وسلسلة (هنا برلين حي العرب) نحو عشرة أجزاء و (سبعة أشهر في سجون قاسم).. ومن الصحف التي أصدرها كان صاحب ورئيس تحرير صحيفة (العرب) الصادرة في باريس أواخر الخمسينات باللغة العربية كما أصدر صحيفة (أبو ظبي نيوز) باللغة الإنكليزية في (أبو ظبي) وأصدر مجلة (العراق والكويت) في اندونيسيا في منتصف الثلاثينات ، اصدر كتاب أسرار 2/مايس/1941، أو الحرب العراقية الإنكليزية. (بغداد 1968) وكتاب تاريخ السودان. (القاهرة 1937) ، وكتاب تونس. (بيروت 1955) ، وكتاب ثورة 14 رمضان المبارك. (بيروت 1963) ، وكتاب الجامعة الإسلامية. (باريس 1948) ، وكتاب الجزائر. (بيروت 1956) ، وكتاب الحرب مع إسرائيل وحلفائها. (بيروت 1956) ، وكتاب دماء في المغرب العربي. (بيروت 1955) ، وكتاب صوت الشباب في سبيل فلسطين الدامية والبلاد العربية المضامة. (1933) ، وكتاب العرب في أفريقيا. (بيروت) ، وكتاب العرب في المهجر. (بيروت 1964) ، وكتاب ليالي باريس. (باريس 1965) ، وكتاب ليبيا. (بيروت 1956) ، وكتاب محاكمة المهداوي. (بيروت 1961) ، وكتاب المغرب. (بيروت 1956) ، وكتاب موريتانيا الإسلامية. (بيروت 1961) ، وكتاب هنا برلين : حيّ العرب. (1 – 8 بيروت 1956) ، وكتاب هنا بغداد. (بغداد 1938) ، وكتاب وحدة أم اتّحاد ؟ 3 سنوات تخلق أقداراً جديدة : سورية – العراق – اليمن – الجزائر – الجمهورية العربية المتحدة. (بيروت 1963)

النهاية

عاد إلى العراق ليقضي ما تبقى من عمره يعد ان اكتهل في بيت أحد أقربائه الصحفي نزار محمد زكي الجبوري الذي كان يعمل في وكالة الأنباء العراقية ،وقد مات يونس بحري في بغداد ودفنته امانة العاصمة بمقبرة الغزالي في آذار من العام 1979، وكان نزار محمد زكي الجبوري في حينه مراسلاً للوكالة في بيروت.

عدنان آدم – مفكر حر

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

الشعب يريد بناء الوطن…

قبل ايام صدر قانون لتنظيم التظاهرات في مصر…البعض رحب و اخرون كثيرون انتقدوا القانون كونه يعتبر تراجعا عن قيمة إعلاء الصوت و الحق في الصراخ حينما يشعر الانسان بالوجع… بلا شك هناك الملايين ممن ما زال يشعر بالوجع… ذلك الوجع الذي شكل احد أسباب القيام بالثورة… او الثورات من بداية 2011 و حتى صيف هذا العام… بل لحد الان بدرجة او باخرى… و في هذا الاتجاه او ذاك… و من المؤكد ان هذه الحالة من التظاهر المستمر هو ما دفع الحكم القائم في مصر لإصدار هذا القانون الغريب… او غير الضروري وفق رأي القانونيين كون مواده موجودة فعلا في قوانين اخرى سابقة….رغم معرفة الجميع ان القانون الجديد لن يكون له تأثير حقيقي في الشارع و ربما تقتصر قيمته الحقيقية في المحاولة في خلق مسار جديد لتفاعل القوى الثورية و خاصة الشباب في مسار التطور الاجتماعي….

لكن بعيدا عن التأييد او الرفض لهذا القانون فان من المنطقي ان يتغير مفهوم التظاهر و الاعتراضات الجماهيرية و الكلام هنا ليس عن مصر وحدها… بل عن كل المجتمعات التي شهدت تغييرات سياسية أفرحت البعض و أغضبت اخرين و تركت الأغلبية دون أدنى حلول لمشاكلها التاريخية المزمنة و التي أعادت انتاج آلياتها بعد الثورات و بشكل عنيف…

تلازم العنف مع تظاهرات الثورة و خاصة تظاهرات ما بعد التغيير اصبح ظاهرة مقلقة بشدة ليس للأنظمة القائمة كما يعتقد الثائرون بل للمجتمع كله لان التلازم بين العنف و التظاهر يهدد الحياة اليومية للأفراد بغض النظر عن وظائفهم و أدوارهم السياسية او الاقتصادية و الاجتماعية او غيرها فحال طلبة المدارس و حال الموظفين في الدوائر و المؤسسات لا تختلف عن حال اللاعبين الرئيسيين … كما انها لا تختلف عن حال الفقراء و المهمشين و الجوعى… الكل يعاني حتى المتظاهرون أنفسهم… بل حتى الذين يقومون و يقودون اعمل العنف فهم يفقدون قيمهم و كرامتهم الانسانية و يتحولون الى أشلاء أخلاقية قبل ان يتحول بعضهم الى أشلاء جسدية…

أسوأ نماذج هذا التطور الخطير هو في العراق الذي ما زال يمارس أبناؤه و الدخلاء اليه من الأقطار الاخرى هذه الهواية الغريبة فيه منذ عقد من الزمان و لا حلول توجد و لا رؤى تطرح و كاًن الجميع قد استسلم لثقافة الانتحار الذاتي بهذه الطريقة او تلك…. هذه الثقافة التي امتدت الى سوريا منذ ما يقرب من ثلاث سنوات… تبدو الأجواء أمامها مفتوحة و ملائمة للتمدد في ليبيا و تونس و اليمن و هناك مؤشرات للتمدد الى بلدان اخرى و منها السودان و غيره….و طبعا مصر لم تكن استثناء فالعنف الملازم للثورة المستمرة اصبح حياة شبه يومية من مناطق البلد و النتيجة الآنية التي يراها هي زيادة متسارعة في آلية تعطيل الحياة اليومية و تكبيل المساعي التي تحاول ان تجد طريقا وسط الغبار و الدماء … حيث تبرز الان الحاجة الى منطق جديد…

منطق يحاول ان يفهم حقيقة غفل الكثيرون عنها و هي ان الشباب كان من المفروض… و ما يزال… ان يكون لهم مشروع اخر مختلف غير المنهج التقليدي و الذي يتراوح بين التأييد للنظام … اي نظام… او رفضه… مشروع يبنى على توليفة مختلفة لمبادئ تحقيق الأحلام و إدارة الصراع …. توليفة تعتمد على المشاركة الواقعية و شعار واقعي عملي يمنع الاصطدام و يمنح الأمل للجميع شعار…الشعب يريد بناء الوطن..

هذا شعار جميل لكننا لم نعهده بعد و نتمنى ان يعم في كل مكان…. لان واقع الحال هو ان الثورات العربية ما تزال تمارس هواياتها في الهدم… و لم يصل العقل و الوجدان عند الشباب مرحلة الرشد … الثورة ما تزال لعبة طفولية يلعب بها الجميع و متنفسا من كبت تاريخي مستديم…هدم كل شيء باسم الثورة يعبر عن مخارج سهلة للضغوط النفسية من منظومة اجتماعية سياسية اقتصادية و ثقافية متهرئة لم تعبر عن مطامح و حاجات الشباب و قدراتهم في التواصل … الحرية المفقودة و الكبت الجنسي و الفقر و البطالة و قلة الموارد و ضعف مشاريع التنمية… أن وجدت… و العيب و الحرام و معوقات التفكير… و …و… أشياء كثيرة تضع الشباب في دائرة تضيق يوما بعد يوم… تزيد البؤس و الحرمان و تراكم الشعور بالظلم و المذلة و الهوان… و توسع دائرة الضياع و اللا أدرية و الاحباط و عدم المسؤولية…. بكلام آخر… أنها دوامة تندثر فيها الرؤى و تضيق الأفق و تموت فيها الأحلام و الآمال …

وسط هذه الدوامة… و نتيجة تلاقي و تقاطع عوامل كثيرة و مصالح مختلفة … و ربما ايد خفية….فتحت فجاًة ثغرة في الجدار … فكانت الثورة التي أسقطت الكثير من القيم و المناهج المكبلة للتفكير و العمل… و اخرج الناس و خاصة الشباب رؤسهم يشبهون صغار الطيور و هي تصارع للخروج من عتمة البيضة التي حملت حياتها… و في صراعها هذا فان الشيء الوحيد الذي يقوم هؤلاء الصغار هو هدم جدار البيضة …. لا تفكير في بناء عش الآن .. بل الهدف هو الخروج حتى دون أدنى معرفة عن الخروج الى اين…

شباب اليوم … و كلهم ثائرون بشكل ما… هناك من يثور في الشوارع و الميادين… و هناك من يثور داخل البيوت… لكن القاسم المشترك هو أن الجميع ثائر في داخله… و بما أن المسارات مختلفة و الأهداف ضيقة و أحادية فان التصادم هو الأقرب الى الوقوع… هكذا هي الحال…

هل يستطيع القانون الجديد في مصر … او قوانين مماثلة في مجتمعات عربية اخرى… في خلق مسار جديد مختلف… نتمنى ذلك لكن الامر مشكوك به….. لان التغييرات العظمى في المجتمعات لا تكون عادة نتاجا للقوانين.. بل لابد من إيجاد مشروع جديد… و للأسف فان الرؤى غير متوفرة… على الأقل ليس على مستوى ثقافي عام … و لذلك فان القوانين قد تحدث آثارا عكسية … رغم النيات الصالحة… و المطلوب هنا ان الحكومات الجديدة تتفاعل بهذا الاتجاه مع القوى الاخرى لإنتاج مشروع اجتماعي جديد….و الحوار هو مفتاح واقعي جميل….. و الواقعية تبدأ بالابتعاد عن الصراع و العنف و قد تبدأ بشعار بسيط لكنه يعتبر ثورة حقيقة في مفهوم الواقعية… الشعب يريد بناء الوطن… نتمنى ان نرى الشباب في كل المدن العربية تخرج بهذا الشعار و تشارك في تحقيقه…. كل الحب للجميع…

أكرم هواس (مفكر حر)؟

Posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر | Leave a comment

” ايفين “

شاه إيران خمينى ايران نجادى ايران رومانى ايران جلو كباب ايران …

قامت الشاعرة الإيرانية "پروين غفارخانى" بإحراق نفسها في سجن "إيفين" الواقع شمال العاصمة الإيرانية طهران، بسبب رفضها زواج المتعة من قاضي إيراني.

قامت الشاعرة الإيرانية “پروين غفارخانى” بإحراق نفسها في سجن “إيفين” الواقع شمال العاصمة الإيرانية طهران، بسبب رفضها زواج المتعة من قاضي إيراني.

هذا اسم سجن رهيب مر على كل العصور يعتقد بأنه مغارة تحت الأرض لمسافة 8 كم يقولون فى نهاية السجن يوجد باب جهنم و الشيطان نفسه فى الغرفه الحمراء يحقق خصوصاً مع الفتيات و لا يوجد به اعدام لأن الموت المحقق هو من خلال الإجراء التحققيه فقط, و اللذى يدخل السجن يخرج الى باب جهنم مباشرة و لا يحتاج الى ” كردت كارت و لا فيزا و عندما يدخل المسجون يستقبله اية الله فسنجونى” و اللذى يصنف المساجين انواع؛ عربى و عربى و عربى و نساء و لكن كما قال لنا هدهد سليمان هنالك فتحة فى السجن بعد الباب السابع تُنقل النساء الى بيت ” آية الله جلو ُ كبابى ” و يشرب معها جاى زنكين قنداع و مع قطعة (قند) سكر مربعات و بعدها تتحول المرأة الى مربع واحد.

و السجن يطل على بحيرة روحانى و الدخول بها مجانى و يقول آية الله خستقى ان الدخول الى البحيرة صعب جداً إلا إذا دفعت اية الله تومانى خردة حلال و أمام مسئول السجن أية الله خوب حياتى و الغذاء الوحيد فى السجن كراعين باجة و كَله باجيه و اللحم حلال “حلال كوشت”.

هذه بمناسبة اعتقال الفنانة “بكاه انكهرانى” الأيرانيه.

اعتقد بنهاية هذه المقاله بكاه انبلعت و انزلطت.

‎هيثم هاشم – مفكر حر؟‎

Posted in الأدب والفن, كاريكاتور | Leave a comment

الأسد بعد اتفاق إيران

من الطبيعي أن تنصب الأسئلة الآن على مصير الأزمة السورية، وتحديدا مصير نظام بشار الأسد بعد اتفاق الستة أشهر بين إيران والغرب حول الملف النووي، فهل يشكل هذا الاتفاق خطورة على الأسد ويسرع بحل الأزمة السورية، أم أنه يضمن سلامة الأسد لفترة مقبلة؟
هناك رؤى مختلفة، وتباين في القراءات حول هذا الموضوع، وبالطبع كان من اللافت الإعلان عن موعد «جنيف 2» بعد اتفاق إيران مع الغرب بقرابة 24 ساعة. سألت دبلوماسيا أوروبيا عن رأيه في ذلك، فقال إن الأسد الآن تحت ثلاث مظلات تشكل له حماية للاستمرار لفترة أطول مما ينبغي.
يقول الدبلوماسي إن أول مظلة هي اتفاق التخلص من الكيماوي الذي جرى برعاية روسية – أميركية، وهذا يتطلب وقتا على الأقل إلى منتصف 2014. والمظلة الثانية هي مؤتمر «جنيف 2»، إذا عقد في موعده فعليا، وما قد ينتج عنه من قرارات، وبالطبع الجدول الزمني المطلوب لتنفيذها، وما الدور الإيراني فيها. والمظلة الثالثة هي الاتفاق الإيراني – الغربي حول ملف طهران النووي، حيث يقول الدبلوماسي إنه يتطلب وقتا، ولا أحد يعرف تماما ما جرى الاتفاق عليه بين واشنطن وطهران ليس في جنيف، وإنما في الاجتماعات الخمسة السرية التي جرت بين البلدين في مسقط!
وهنا يقول الدبلوماسي، إن الاتفاق الإيراني – الغربي هو أساسا، حسب المعلن، اتفاق حسن نيات، فهل يقدم الأميركيون على القيام بأمر يفسد الاتفاق مع إيران للتخلص من الأسد؟ ويجيب الدبلوماسي بأنه لا يوجد مؤشر أساسا على حرص الأميركيين على ذلك! وبالتالي من الصعب تخيل أن تقدم الإدارة الأميركية على عمل يعرقل مفاوضاتها مع إيران، خصوصا أن اتفاق الستة أشهر مع إيران يعني أن هناك مشوارا تفاوضيا طويلا أمام طهران وواشنطن.
عربيا يقول لي مسؤول عربي كبير على دراية بطبيعة علاقات إيران بالأسد: «سيكون نظام الأسد بمثابة الأحمق لو اطمأن لحظة لأي تقارب إيراني – أميركي»! ويقول المسؤول، إن إيران تدخل مفاوضات مهمة، بينما حليفها الأساسي بالمنطقة الأسد ضعيف جدا. وبالطبع هناك من يرى أن أفضل فرص إيران، وحتى الروس، هي الحفاظ على ما تبقى من النظام في سوريا، ومن دون الأسد، وخصوصا أن الأسد غير قابل للاستمرار، ولأسباب كثيرة. وعليه فنحن الآن أمام عامل الوقت، وهو دائما لعبة الأسد، فنحن الآن أمام ثلاث اتفاقات تتطلب مزيدا من الوقت، وهي إزالة الكيماوي بسوريا، واتفاق إيران والغرب، وهناك مؤتمر «جنيف 2» المقبل، وكل ذلك يدفع بحلول الأزمة السورية إلى منتصف 2014، وهو موعد الانتخابات الرئاسية هناك، والذي قد يمثل حلا للجميع، إيران والروس، وحتى الأميركيين، لخروج الأسد بأقل الأضرار، حيث لا مخاطرة أميركية، ولا خسارة كاملة للإيرانيين والروس، ولا انتصار واضحا لـ«الثورة» والثوار السوريين.
وكل ذلك يقول إننا أمام لعبة الوقت ما لم يحدث أمر ما على الأرض في سوريا يغير سير الوقائع والأحداث هناك.
tariq@asharqalawsat.com
منقول عن الضرق الاوسط

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

تغيب الثورة فيكثر المتحدثون باسمها!

عودنا نظام البعث على التحدث باسمنا دون تفويض أو تكليف منا. وعودنا أن ينسب ترهاته وسخافاته إلينا نحن الذين كنا ضحايا قمعه المخيف الذي أخرسنا، فهو لا يقرر ولا يقول، وإنما نحن نقرر له وندفعه إلى قول ما يقوله بالنيابة عنا. هذه العادة بلغت درجة من التهافت عرفها السوريون وقرفوا منها طيلة قرابة نصف قرن، جعلت أي حزبي مهما كان تافها ناطقا باسم الشعب الأخرس، الذي غالبا ما كانت عقوبة نطقه برأي أو وجهة نظر جسيمة وربما قاتلة.
وفي حين تعين الحكومات التي تحترم نفسها وشعبها ناطقا رسميا يعبر عن رأيها في قضايا ذات أهمية خاصة، كان أي بعثي يقول بثقة واستخفاف شديد بالحقيقة: إن شعبنا المناضل يريد كذا وكيت، كأنما قام قبل تصريحه بتوزيع استبيان ضمنه أسئلة تفصيلية حول ما يتحدث عنه، ثم قام بتحليل معطياته وفق قواعد علمية منهجية ومجربة تسمح له باستخلاص نتائج وعبر والتعامل معها كما يتعامل عالم اجتماع مادة كرس جهدا ووقتا لها، توصل بفضلها إلى مقاربة ملموسة تعكس الواقع وتعبر عنه.
غاب الشعب في العصر الأسدي المرعب، فكثر الناطقون باسمه، وتناقضت أقوالهم وتضاربت من دقيقة لأخرى، في الموضوع الواحد ذاته غالبا، تدفعهم إلى ذلك رغبة عارمة في تدويخ الشعب وجعله عاجزا عن التفريق بين رأسه وقدميه. واليوم، بقدر ما تغيب الثورة يتحدث باسمها ناطقون متنوعون لا يجمعهم أي قاسم مشترك، يعبر وجودهم ذاته عن معضلة واجهها الحراك المجتمعي منذ بدايته، دون أن يوجد لها أي حل إلى اليوم، تتجلى في افتقاره إلى قيادة، فردية كانت أم جماعية، وإلى خطة جامعة تتصل بالصراع الدائر في سوريا، وتقدم مقاربة موضوعية لمساره واحتمالاته، وللقوى التي ستنهض بأعبائه في كل مرحلة من مراحله المفترضة، كما تلزم المنخرطين في الثورة بانتهاج سلوك متقارب أو متشابه، والتفكير بطرق متماثلة، والعمل على تحقيق أهداف واحدة ضمن فترة زمنية متفق بصورة أولية عليها وعلى النتائج التي ستنجم عنها. بافتقار الثورة إلى قيادة، ووجود أخلاط من القادة ليس لدى معظمهم أي تجربة سياسية – ميدانية أو تهيئة فكرية – معرفية، لذلك تراهم يتخبطون في متاهات وجهات نظر متضاربة ورهانات متناقضة، لا عجب أن انقسم الشعب الثائر بانقسام الجهات التي يواليها، وتلك التي تتلاعب بعواطفه ومصالحه، التي أخذته غالبا إلى حال من الضياع حار معه في فهم ما يجري، ليس فقط لأنه ثار طلبا للحرية والعدالة والمساواة ثم وجد نفسه تحت ضغط تنظيمات ترفض الحرية وتعتبرها كفرا، بل كذلك لأن القوى التي تتحدث لغة الحرية، لغته الأصلية، المعبرة عن طموحاته وتطلعاته، تتراجع، في حين انقلب صراعه ضد نظامه، الذي تمحور حول مسائل داخلية، إلى صراع دولي طمر رهاناته تحت ركام كثيف من خلافات وحسابات دولية حجبته وأخذته إلى مشكلات لا ناقة له فيها ولا جمل.
أمام هذا التطور المزدوج، الذي أفاد الخارج فيه من عجز الداخل عن الارتقاء إلى مستوى ثورة من أعظم ثورات التاريخ وأكثر بسالة، نمت ظاهرة مرضية خطيرة النتائج، تتظاهر من خلال كثرة المتحدثين باسم الثورة السورية المغيبة، وتشعب آرائهم وتناقضها، وما أدى إليه ذلك من بلبلة واسعة ولا تني تتعاظم، ترتبت عليها نتائج ثلاث: يأس أصاب الثوار والشعب، وتنصل قطاعات واسعة من السوريات والسوريين من الثورة، وإلى اعتبارها محاولة خاطئة أو فاشلة لا سبيل إلى تفادي ثمنها الفادح بغير الانسحاب منها ووقفها، وأخيرا تهافت ما كان من جوانبها عابرا لتنظيماتها، التي لعبت دورا مهما في إدامتها واستمرارها، وجذبت جماهير كبيرة من المواطنات والمواطنين إليها.
من الصعب جدا إيجاد مخرج من مأزق الكلام المتناقض الذي يقوض ما بقي من ثورة في بلادنا، والسبب: لقد صار الكلام المتناقض مصدر أرزاق وأدوار، وسلما يصعد عليه المتسلقون إلى الثروة والسلطة، الذين يبتعدون عن الثورة وينزلون أفدح الضرر بها بقدر ما تأخذ بكلامهم، وتتعاظم صيغه الاتهامية والإقصائية حيال غيرهم، ويصير هدفهم إبعاد الآخرين عن مغانم هي كل ما يريدونه منها ويربطهم بها.
كثر المتحدثون باسم الثورة السورية، الذين يسهمون في تراجعها وتحولها إلى صراع لا يشبهها، يغرقها تحت ركام من كلام يكتم أنفاسها ويزهق روحها، والمصيبة أنه يعتبر إلى يومنا جزءا منها يعبر عنها!

منقول عن الشرق الاوسط

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

الجمال النائم

“الجمال النائم” أو” الأميرة النائمة “قصة من روائع الفلكور العالمي, ولها عدة مسميات وعدة نسخ في مختلف البلدان ولكن الفكرة واحدة تقريبا, فالنسخة الفرنسية  تأخذ اسم: “الجميلة النائمة في الغابة”,وفي النسخة الالمانية تأخذ اسم ” الزهرة البرية الصغيرة.

Sleeping beauty by Jolien Rosanne

Sleeping beauty by Jolien Rosanne

القصة

كان في قديم الزمان ملك و ملكة يعيشان في قصر فخم حياة سعيدة,و في احد الايام تمنت الملكة ان ترزق بطفلة جميلة و بعد سنوات تحققت امنية الملكة وولدت طفلة صغيرة فاقام لها حفلة كبرى بهذه المناسبة دعي اليها سبع جنيات,و عندما شاهدت الجنيات الطفلة تمنت كل واحدة منهن امنية للاميرة الصغيرة فتمنت الجنية الاولى لالميرة:ان تكون اجمل فتاة في العالم اما الثانية ان تملك عقل ملاك و الثالثة ان تكون رشيقة و الرابعة ان تكون راقصة و الخامسة ان تغني بصوت جميل و السادسة ان تعزف على كل الالات الموسيقية.و لكن عندما بدات الجنية السابعة تتمنى امنية للاميرة الصغيرة دخلت جنية عجوز الى القاعة. و هي في حالة غضب شديد لان الملك و الملكة نسيا ان يدعواها الى الحفلة وتنبات بموت الاميرة من جراء و خزة باصبعها من الة الغزل عندما يصل عمرها الى السادسة عشر,ثم اختفت العجوز الشريرة بعد ان تركت الجميع يبكون و يتالمون.

و في نفس اللحظة دخلت جنية طيبة و خففت من روع الملك و الملكة و قالت لهماابنتكما لن تموت)بل ستنام مدة طويلة..و انا لا املك قوة كافية لابطال مفعول الذي صنعته الجنية الشريرة ان الاميرة فعلا ستخز اصبعها بالة الغزل و لكنها لن تموت بل ستبقى نائمة مدة طويلة عام يوقظها امير شاب.

فاصدر الملك حالا قرارا لكي يحمي ابنته من الاذى و هو ان يسلم جميع دواليب الغزل الى الملك.

فقامت حاشية الملك و طافت ارجاء المملكة و جمعت كل المغازل فاحرقها الملك و لم يبقى في المملكة اية ال غزل فاطمان الملك على حياة ابنته.. و لكن بعد مرور خمسة عشر عاما كبرت الاميرة و اصبحت اجمل فتاة في المملكة كما تمنت لها الجنية الطيبة و عندما جاء ميلادها السادس عشر دهبت الاميرة لتلعب مع كلبها المدلل و اثناء سيرها سنعت صوتا غريبا ات من اعلى البرج فصعدت ادراجه حتى وصلت الى غرفة امراة عجوزة مع الة غريبة.

و سالت الاميرة العجوزة عن تلك الالة كحب استطلاع فقالت العجوزانها ال غزل اذا اردتي ان تغزلي مثلي فتعالي و جربي, و دفع حب الفضول الاميرة ان تتقدم من الة الغزل و جلست بالقرب من العجوز لتغزل و لكنها وخزت اصبعها و سقطت على الارض و كانت هذه الامراة العجوز نفسها الجنية الشريرة و عندما شاهد الملك ابنته ممدة على الارض بدون حراك حزن حزنا عميقا و خشي موتها و لكن الجنية الطيبة طمانته و قالت لهلا تحزن ايها الملك ان الامية لم تمت بل ستنام لمدة مئة عام و ساجعلكم تنامون معها في بفس الفترة حتى لا تخاف الاميرة عندما تستيقظ,فقامت الجنية الطيبة بتحريك عصاها السحرية فنام جميه من في القصر نوما عميقا.

و اصبحت الحياة في القصر هدوء تام بعد نوم الجميع و نمت حول جدرانه نباتات كثيفة و انتشرت اشاعات و اقاويل بين الناس على انه يوجد تنين متوحش داخل القصر الصامت.

و بعد مرور مئة عام صادف ان كان امير يتجول في المدينة و شاهد رجلا عجوزا فساله عن اخبار القصر و الاشاعات التي سمعها من الناس فاجاب العجوز(منذ خمسين عاما اخبرني والدي انه سمع من جده انه هناك اميرة نائمة في هذا القصر),فاندهش الامير بشدة و اتجه الى القصر ليرى بنفسه ما سمعه من العجوز.و اثناء دخوله الى القصر وجد الامير صعوبة كبيرة في شق طريقه فالنباتات كانت كثيفة جدا بحيث انه كلما قطع غصنا ازداد نموه بشكل عجيب فصاح:لم ارى او اسمع من قبل بنبات كهذا,و فجاة جاءت جنية شابة طيبة و اعطته سيفا كبيرا و له اشارة صليب في مقبضه.

و بفضل هذا الشيف استطاع الامير ان يقطع اغصان النبات و ان يصل الى القصر..و لكنه فوجئ بوجود تنين له لهب ناري و عندما امسك الامير سيفه ليرد عنه اللهب فانبعث ضوء من اشارة الصليب و تحول الى شعاع قوي اعمى الضوء القوي التنين فاستطاع ان يضع سيفه في رقبة التنين فتحول مباشرة الى جنية شريرة سرعان ما ماتت
عندما ماتت الجنية اختفت هي و النباتات الكثيفة التي غطت القصر فدخلت اشعة الشمس و تفتحت الازهار و غردت الطيور فحل الربيع بالقصر لاول مرة بعد مئة عام وقف الامير ينظر حوله و هو مندهشا فظهرت الجنية الطيبة و شكرته و قالت لهنحن بانتظارك يجب عليك ان توقظ الاميرة).

و عندما دخل الامير صالة القصر فوجد الملك و الملكة و الحراس و جميع من في القصر نيام,و عندما وصل الى الغرفة الخاصة بالاميرة وجدها في غاية الجمال امسك بيدها و قبل جفونها فاستيقظت الاميرة و في نفس اللحظة ابطل مفعول السحر و استيقظ كل من فب القصر.

اقام الملك وليمة كبرى و شكر الامير و قال له اطلب مني ما شئت فقال الامير(اريد ان اتزوج من الاميرة)فوافق الملك فورا و بارك جميع من في المملكة زواج الامير من الشاب الشجاع و الاميرة الجميلة.

و جاءت الجنيات السبعة ليحتفلن بالزواج و كانت امنيتهن هذه المرة ان ينجب الزوجان طفلا جميلا و عاشا حياة سعيدة ملؤها الهناء.

ندعوكم لسماع معزوفة الجمال النائم من ابداع تشايكوفسكي:

 
Posted in الأدب والفن | Leave a comment

علياء المهدي وصيغة جديدة الآذان

المرأة أكبرalia

المرأة أكبر

أشهد ألا إله ولا حاكم ولا أب

أشهد أن حقوق الإنسان فوق الله

حي على المعصية

حي على التمرد

الحرية خير من السجود

 
Posted in فكر حر, كاريكاتور | Leave a comment