زهران علوش: حالة كارثية في دوما ولن نتوقف عن الحملة الصاروخية ولن ننذر بعد اليوم

زهران علوش: حالة كارثية في دوما ولن نتوقف عن الحملة الصاروخية ولن ننذر بعد اليوم
nasra

Posted in ربيع سوريا, يوتيوب | Leave a comment

تلفزيون حزب الله اجرام الجماعات الاسلامية من الفقه اليهودي لانهم يعجنون الفطر بالدم

قال المعلق السوري “حسام شعيب” أن التضحية بالطيار الأردني كان “دليلا واضحا على وحشية الكيان الصهيوني”، مضيفا: “في الماضي، اعتادوا ان يستخدموا الدم البشري لعجن فطير [الفصح] والاكل منها “. وجاء هذا البيان على قناة المنار لحزب الله في 6 فبراير عام 2015.

Syrian commentator Hussam Shoei’b recently said that the immolation of the Jordanian pilot was “a clear demonstration of the barbarity of the Zionist entity,” adding: “In the past, they used to knead [Passover] matzos with human blood and eat them.” The statement was made on Hizbullah’s Al-Manar TV on February 6, 2015.

طبق اليهودي في يوم عيد الفصح يجب أن يحتوي على ستة أشياء طبق صغير من المعدنوس أو اي خضار مر للتذكير بمرارة العبوديه بيضه مسلوقه مع عظم زند مشوي كطقس لإكبار التضحيه كأس من الماء المملح لتذكر دموع اليهود عجينه من الجوز والدارسين والنبيذ الأحمر تمثل الشهداء وما عانوه عند مصارعهم كسرات صغيره من الخبز غير المخمر _ خبز الفتنه

طبق اليهودي في يوم عيد الفصح يجب أن يحتوي على ستة أشياء
طبق صغير من المعدنوس أو اي خضار مر للتذكير بمرارة العبوديه
بيضه مسلوقه مع عظم زند مشوي كطقس لإكبار التضحيه
كأس من الماء المملح لتذكر دموع اليهود
عجينه من الجوز والدارسين والنبيذ الأحمر تمثل الشهداء وما عانوه عند مصارعهم
كسرات صغيره من الخبز غير المخمر _ خبز الفتنه

Posted in English, ربيع سوريا, يوتيوب | 1 Comment

المتحدثة الرسمية جين ساكي ترد على اسئلة حول مقابلة الاسد مع بي بي سي

U.S. Embassy Damascus
المتحدثة الرسمية جين ساكي ترد على اسئلة حول مقابلة الاسد مع بي بي سي نيوز:“لقد حذرنا #سوريا من التعرض للطائرات الامريكية لكننا لا ننسق مع الاسد او حكومته… موقفنا لم يتغير. الأسد فاقد للشرعية ويجب ان يرحل عن السلطة… لا يمكن ان تكون هناك سوريا مستقرة و شاملة تحت قيادة الاسد”.

Jen Psaki responds to Questions about Asad’s interview with BBC News
“We have warned #Syria not to engage U.S. aircraft, but we’re not coordinating with Assad or his government. … Our position hasn’t changed. Assad has lost all legitimacy and must go. There cannot be a stable inclusive Syria under Assad’s leadership
usempassydamascus

Posted in ربيع سوريا, يوتيوب | Leave a comment

فصامي مجرم عنصري اميركي اغتصبه والده وشقيقته زنت محارماً مع اخوها الصغيرقتل 3 مسلمين

carolinacrimeتم الكشف عن هوية قاتل الشباب المسلمين التلاتة بدوافع عنصرية في ولاية نورث كارولاينا الأميركية..

اليوم على مسرح دكتور فيل ، وعلى برنامج الحجّة أوبرا :
انظروا الى هذا الوجه البريء الواقف أمامنا..
الضحية الوسيم اللي ابتلى بجيران مسلمين، هو شخص مختل عقلياً بسبب تعرضوا للاغتصاب من والدو و هو طفل ، و مصاب بالفصام نتيجة مشاهدتو لأختو عم تنام مع اخوها الصغير مرات عديدة امام عينو ..

و المشاهدين الاميركان المكسورين الخاطر حاطين ايدهون على تمهون من هول و فظاعة و وحشية اهل هذا الملاك اللي انقاد الى طريق الجريمة..

هاشتاغ كلنا هذا الوسيم المريض

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | 1 Comment

امة غبية تقدم الدين على الأخلاق

mtawiaaKASاحد الزملاء من قسم آخر، من الذين لا يصلون ، اتصل بي البارحة يقول اعطيت رقمك ابو البنت اللي خطبتها بيسألونك عن صلاتي واخلاقي ركز على صلاتي خلّ الأخلاق على جنب! قلهم اني اصلّي وما اترك الصلاة واصلي ركعتي الضحى واصوم الاثنين والخميس. وقاطعته قائلاً له :وتقود الجيوش للغزو وانك خليفة المسلمين وامام الحرمين وحافظ القرآن وصحاح الكتب! فضحكنا كثيرا
الحق يقال انه شاب رائع وخلوق جداً وبعيد تماما عن الدين ولذا، سأشترك بكذبته واقول لأب الفتاة انه يصلي لكن سأتحدث عن خلقه الحسن وحسن تعامله مع الآخرين وما اراه واشاهده والظاهر لي دون اي زيادة او نقصان.
ملاحظه/ زميلي خطب اكثر من مرة والرفض سببه انه لا يصلي!
امة غبية!
وستظل غبية!
طالما تقدم الدين على الأخلاق، وتحكم على الشخص من خلال صلاته وتديّنه.

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا, فكر حر | Leave a comment

مخالب

ropiraqueد. ميسون البياتي

إنطلقت بنا السيارة من نقطة الكرامة الحدودية الأردنية مع العراق , متجهة الى عمان , وضعت رأسي على ظهر مقعد السيارة , وشعرت برغبة ملحة الى البكاء , لكن إبني كان في حضني , ولم أكن أستطيع البكاء أمامه , ما ذنبه هو اللاجيء بعمر 3 سنوات ليتأكد في ذهنه معنى ذل البعد عن الوطن بدموع أمه وبكائها منذ الآن ؟

أدرت رأسي ونظرت من النافذة الى الطريق … فتذكرت ( عجيد القوم يا عونه .. يلوح المجد بعيونه ) كما غنتها له سوزان عطية .
ظهر ذات مساء في التلفزيون بصحبة عزت الدوري , في جلسه عنترية , للتطاول على مثقفي العراق , أيام بدأ المثقفون يجاهدون للعثور على أي وسيلة للهرب من الوطن .
كانا جالسين على كرسيين منفصلين ,, واحد مقابل للثاني . وكل واحد منهما يحمل ساقه اليمنى ليضع ( قندرتها ) على ركبة الساق اليسرى , في وضعية ذات معنى خاص جدا , حين يقوم مخرج الرئاسة الذي يصور اللقاء بالتقطيع بين صورة صدام وهو يتكلم , وصورة عزت وهو يجاوب … مرة يصير قفا قندرة صدام , ومرة قفا قندرة عزت , مقابل للكاميرا تماما , في وجه المشاهدين المثقفين الذين يوجه لهم الكلام .
تكلم صدام في البداية عن أهمية الثقافة والمثقفين في حياة المجتمع , ثم إلتفت الى عزت بلمحة مباغتة وسأله : رفيق عزت المثقفين العراقيين صايرين يتركون البلد وكل واحد يطلع حجة .. شلون اذا فرغ البلد من المثقفين ؟ شنسوي ؟ نروح نموت ؟
أجاب عزت وهو يضرب على ساقه في مكان قريب من ( القندرة ) ويقول : سيدي عندنا كذا عدد جامعات , تخرج مئات الآلاف من المثقفين كل سنة , اللي يعجبه يطلع خلي يطلع , حتى يترك مكانه للأحسن منه .
فجاوبه صدام وهو يضرب على ساقه قريبا من القندرة أيضا ويضحك ضحكة مجلجلة يخض معها كل جسمه : رفيق عزت , عود إذا البلد خلا من المثقفين .. أنا وياك نجيب كم كتاب نقراهم ونسد النقص , اللي يريد يطلع خلي يطلع ما أحد محتاج ثقافته .
صحيح أن الحياة لا تتوقف على وجود أحد , ولكن هل صحيح ايضا : أن العراق بغير حاجة الى أولاده ؟
وصحيح أني غادرت العراق .. ولكن هل كان ذلك بإرادتي ؟ وكم مثقف ومثقفة غادروا مثلي وبنفس طريقتي ؟ وربما أمر ؟؟؟
بعد عدة ساعات وصلنا الى منطقة العبدلي وسط عمان . كان علي أن أتدبر فندقا وطعاما في الحال فقد كنا أنا وإبني متعبين الى أبعد الحدود .
صباح اليوم التالي أجريت إتصالاتي مع الناس الذين أعرفهم في الأردن , والحمد لله أن الدنيا لا تخلو من الخيرين أبدا . خلال أسبوع كنت قد حصلت على عقد عمل في إحدى الجامعات الأردنية فحصلت على الإقامة , أجرت بيتا صغيرا وسجلت إبني في حضانة آخذه إليها كل صباح قبل الذهاب الى عملي .
لم أكن مرتاحه في الأردن , كنت جديدة على التشرد , وكانت تلك هي أيامي الأولى التي أتعامل بها مع عراقيي الشتات .
إكتشفت الحيلة والغدر والكلام بعدة وجوه .
بعضهم يحمل مشاكل مع الحكومة العراقية ويتعامل معي كوجه من وجوه تلك الحكومة , إضافة الى أني لا أستطيع التصريح أنني غادرت العراق لمشاكل مع الحكومة مخافة أن يصل كلامي الى السفارة أو الكثير من العاملين في الأمن والمخابرات العراقيين المنتشرين في الأردن .
كنت أخاف من السفارة العراقية , وكانت هناك الكثير من الحكايات عن سيارة السفارة التي تحمل أي عراقي تطلبه الحكومة العراقية لتعيده الى بغداد غصبا عنه . حكومة الأردن من جانبها كانت تؤكد بإستمرار أن لها مصالح مع الحكومة العراقية لن تضحي بها من أجل حماية عراقي هارب , لذلك فعلى العراقي الذي له مشاكل مع حكومته عدم البقاء في الأردن , وفيما بعد صدر بيان ملكي بهذا المعنى .
حكايات عجيبة غريبة كنا نسمعها عن أكاذيب العراقيين الذين يراجعون مكتب الأمم المتحدة للحصول على اللجوء الإنساني أو السياسي . هل تذكرون من سميناه ( الخاكي الطرطور ) في الجزء السابق من الحكاية ؟ وجدنا إبن أخته في الأردن وهو رجل متزوج وأب .
قدم طلبا الى الأمم المتحدة قال فيه إنه يرغب إعتناق المسيحية الكاثوليكية لكن العراق يجبره على الإسلام .
كما أنه شاذ جنسيا لكن القانون العراقي والديانة الإسلامية يحرمان اللواط .
إي هي هكذا … ومثل ما تقول الأمثال ( ما يجيبها الا رجالها ) و ( ثلثين الولد على الخال ) و ( هذا الشبل من ذاك الأسد ) .
العراقيون الذين يعيشون في العراق تهمهم السمعة لأنهم يعرفون أنهم سيظلون أمام وجوه بعضهم فترة طويلة . العراقيون الذين في الخارج أغلبهم لا يهمهم ما يمكن أن يقال عنهم , المهم تنفيذ ما في أذهانهم , لأنهم اليوم هنا وغدا في بلد آخر , والتعامل مع بشر بهذه الوضعية خطر جدا .
العراقيون الذين لم يحصلوا على عمل أو الذين يعملون في أمور بسيطة لا يهمهم الإحتيال والكذب وأحيانا حتى التفنن في أساليب السرقة .
عمري كله لم أقترب من أجواء كهذه وعليه فقد كانت أعصابي في حالة إستنفار دائم لما يمكن أن يحصل .
وصل رعبي من وضع العراقيين في الأردن الى أقصاه يوم سمعت أن سكرتير عدي قد جاء هاربا الى عمان وقدم طلبا الى الأمم المتحدة , فحملته الطائرة خلال عدة أيام الى أوربا , بينما إمتلأت شوارع الأردن بالأمن والمخابرات العراقية بحثا عنه .. تعرفهم من وجوههم وسحناتهم التي لم تكن تخفى على أحد .
عندها قررت مغادرة الأردن . درت على سفارات كثيرة بحثا عن فيزة فلم يمنحني إياها أحد .. في الأردن يوجد كلام عن جوازات مزورة وفيز مزورة ومهربين , وأنا بنت ناس يا ناس وأخاف من عواقب خطوات مثل هذه خصوصا وأنا أحمل معي طفلا في الثالثة من عمره . لذلك صفيت كل شيء خلال عدة أيام وقررت الذهاب الى ليبيا .
ليبيا كانت تسمح لنا بدخول أراضيها دون فيزة , ولكن هناك مشكلة واحدة , هي مشكلة الحصار الجوي عليها بسبب قضية لوكيربي .
ذهبت صباحا الى العبدلي وحجزت للوصول الى ليبيا عن طريق البر , قيل لي أن نكون موجودين في شركة النقليات عند التاسعة مساءا .
وضعت أشياءنا في حقيبة واحدة وأخذنا بطانية , إنطلقت السيارة من العبدلي عند التاسعة والنصف مساءا . وصلنا ميناء العقبة الأردني عند الثانية صباحا . كان الجو مثلجا , وباب الميناء مقفلة , لذلك كان يتحتم الإنتظار ست ساعات الى أن نصل الى الثامنة صباحا حيث يبدأ الدوام وتفتح الأبواب .
وضعت الحقيبة على الأرض وجلست عليها , وضعت إبني في حضني وإستعملنا البطانية كعباءة تغطينا بها … والحمد لله والشكر أن السماء لم تكن تمطر , إذ لا يوجد أي شيء يمكن الإحتماء تحته من المطر .
أمام عيني وعلى بعد حوالي كيلو متر يقع ميناء العقبة الإسرائيلي , منظم وإنارته كاملة , وتسمع منه صوت موسيقى تنبعث من إحدى صالاته … ترى هل يتعامل اليهود مع مواطنيهم أو أبناء جلدتهم .. كما نعامل نحن ؟
في ذلك الميناء لم نكن أكثر من كلاب سائبة .
عند الثامنة صباحا فتحوا باب الميناء فهرع الناس راكضين الى الحمامات والمغاسل وشراء الشاي , وبقينا ننتظر الى الرابعة عصرا حين قدمت العبارة المصرية لتأخذنا من ميناء العقبة الأردني الى ميناء النويبع المصري .
كانت العبارة قديمة ومن أقذر ما يكون , وبسبب كونها مصنوعة من الخشب وغاطسة طول الوقت في الماء لذلك صارت مرتعا لما لا يقل عن 100 ألف حشرة ( مردان ) أحمر يهاجمك بإتجاهات عجيبة . هذه الحشرات جعلت إبني يبدأ بالصراخ والعياط فحملته وصعدنا الى ظهر العبارة , جلسنا في مواجهة الريح حتى تقوم بدفع الحشرات بعيدا عنا .
البحر الأحمر منطقة مرعبة من الوحشة … البحر بعرض حوالي كيلومتر واحد تحيطه من الجانبين سلسلة من الجبال الصحراوية الصغيرة حمراء اللون .. وطول الطريق لن ترى غير نفسك .. ولن تلمح على طول الطريق لا إنسان ولا طير ولا حيوان .
في تلك اللحظات تذكرت سورة التين في قوله تعالى ( والتين والزيتون , وطور سينين , وهذا البلد الأمين , لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم , ثم رددناه أسفل سافلين , إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون , فما يكذبك بعد بالدين , أليس الله بأحكم الحاكمين ) .
لو لم أر بعيني وحشة طور سينين هذه , لما فهمت الآية التي يقسم الله فيها بثلاث متقابلات : جوف التين اللين مقابل قسوة نواة الزيتون , ومكة البلد الأمين مقابل وحشة طور سينين , والإنسان في أحسن تقويم مقابل رده الى أسفل سافلين , بأن الله سيؤاجر الذين آمنوا وعملوا الصالحات . الحمد لله تعلمت معلومة جديدة عن الحياة .
وصلنا الى ميناء النويبع المصري عند العاشرة مساءا … قبل فتح باب العبارة قام حرس العبارة المصريون بقسمة الناس الى قسمين : عراقيين على جهة .. وبقية خلق الله في جهة ثانية .
بإحترام وسرعة تم ختم جوازات بقية خلق الله وإنزالهم من العبارة .. ثم سمح لنا نحن العراقيين بمغادرة العبارة دون أن نستلم جوازاتنا . رموا لنا حقائبنا على رصيف الميناء كيفما إتفق .
سحبت حقيبتي وفتحتها أخذت منها ملابس لإبني ودخلت به الى جامع الميناء لأحممه قبل النوم ,, كان متسخا من أجواء العبارة بشكل كبير .
ولم تمر غير دقيقة … ودخل واحد من حرس الميناء علينا مثل الغضب الساطع , صارخا بعلوا صوته : تخشي هنا إزاي ؟ مين أزن لك ؟ مين سمح لك ؟
قلت له : أحمم إبني قبل النوم
فصرخ مصعوقا : يا عراقيين .. يا كلاب .. انتو كلاب .. يا بتوع صدام
أجبته بكل برود : إحنه كلاب ؟ يا مصريين .. يا عبيد لمن غلب .. يجمعكم الطبل وتفرقكم العصا .. يا بتوع حسني ؟
غادرت الجامع , ألبست إبني ثيابه ووجدنا سندويجات فول أكلناها , ومثل ميناء العقبة , جلسنا على الحقيبة وإستعملنا البطانية كعباءة تغطينا بها .
حين أصبح علينا صباح اليوم التالي ,, كنت قد مرت علي 48 ساعة دون لحظة نوم , وكانت أقدامي منتفخة من أثر الجلوس الطويل .
في السيارة التي ستقلنا من ميناء النويبع المصري الى مدينة السلوم الواقعة على الحدود مع ليبيا … سيصعد معنا عدد من الشرطة المصريين لأننا سننقل في كل الأرض المصرية مخفورين , بمعنى أنهم عاملونا معاملة المجرمين ولم نمسك جوازات سفرنا بأيدينا , طالما نحن في مصر .
وصلنا الى القاهرة كانت مستودعا كبيرا للزبالة , الكثافة السكانية العالية لا تتيح تنظيفها بشكل جيد . مررنا من أمام الأهرام , ثم إنطلقنا بإتجاه الإسكندرية . تغدينا في أحد مطاعم الإسكندرية , وأخذنا الخط الساحلي الشمالي لنصل الى مرسى مطروح التي كانت تعج بعمارات سياحية لن أبالغ اذا قلت أن عددها بالآلاف .
بعد مرسى مطروح وصلنا الى مدينة السلوم .
قبل وصول نقطة السلوم الحدودية , وكنا قد قضينا تحت مخفورية الشرطة لنا كمجرمين حوالى 24 ساعة … جمعوا منا ( إكرامية ) للشرطة الذين رافقونا .
وحين أنزلونا من السيارة وتم رصنا أمام الشباك , بدأت الشرطة بتسليمنا جوازاتنا , التي يتسلمها موظف الشباك ويختمها : مغادرة , ويعطينا إياها .
عندما تكون عراقيا وتريد العبور الى ليبيا عن طريق مصر , فكن على يقين أنك ستعامل معاملة المجرم , تستلمك الحكومة المصرية وتسلمك … بكل تحفظ … لأنك مجرم .. وهذا من أهم وأشد أعمال المصريين أمانة وإخلاصا كبشر .
منذ ذلك اليوم أقسمت أن لا أدخل مصر بعد في أي وقت ومهما كانت الأسباب , ولو يتعبد الطريق الى مصر بالذهب …. فلن أوسخ أقدامي بوضعها عليه .
تركنا نقطة السلوم خلفنا متجهين الى نقطة مساعيد الليبية , وصلناها عند الثانية صباحا . كان رأسي يتمايل نعسا , تم تفتيشنا بشكل دقيق جدا وختمت جوازاتنا : دخول .
غادرت بنا السيارة بإتجاه مدينة طبرق .
رغم تعبي الشديد إلا أنني كنت يجب أن أنزل في طبرق .. قدمت في كليتها ومعاهدها للعمل .
ركبت سيارة الى مدينة درنة وفعلت نفس الشيء .
ثم الى مدينة الزاوية , وقمت بنفس العمل .
ثم مدينة البيضاء ,, وجامعة عمر المختار .
المدينة كانت تاريخية رائعة أكبر من الجمال وأعز من الوصف , فيها لمحات من نضال الليبيين العظيم وقائدهم الخالد الشهيد عمر المختار ما لا تقدر الكلمات قوله .
حين ركبت السيارة الى مدينة المرج .. دفعت الأجرة , وضعت إبني في حضني , نمت ولم أر شيئا ولم أعرف أين نحن , حين سمعت السائق يقول : يا حاجًة .. يا حاجًة .. يا مدام وصلنا المرج .
قدمت في جامعتها ومعاهدها , وركبت السيارة الى بنغازي . المنطقة التي وقفت فيها سيارتنا ببنغازي , يسمونها (( الجنسية )) _ يعني _ (( الكاراج )) .
إكتشفت إختلافا هائلا في اللغة العربية التي يستعملها أهل المشرق العربي ومغربه الى حد التنافر التام , لذلك ورغم كوننا جميعا عربا ,, إلا أني ومنذ دخولي ليبيا شعرت انني بحاجة الى مترجم من أجل أن لا أطلع عن سياق الكلام .
بنغازي مدينة رائعة مثل كل مدن ليبيا … ذهبت فيها الى جامعة قار يونس ثم الى الجامعة المفتوحة , ثم معهد زليطن والمعهد التقني … قدمت طلباتي للعمل .
نظرت الى خريطة ليبيا فوجدت أني رغم كل هذه المسافة المهولة التي قطعتها داخلها .. إلا أنني لم أقطع إلا أقل من نصفها , لذلك قررت التوقف .
أجرت حيزا صغيرا جدا إسمه بيت في منطقة من بنغازي تدعى ( الدهماني ) , فيه سرير , وحمام , ومصباح , وبدأنا … أنا وطفلي , ننام طول الوقت ليلا أو نهارا , ونستحم عدة مرات في اليوم , ونأكل ونلعب مع بعضنا مثلما كنا نفعل في بيتنا في بغداد …. التي لن نراها بعد اليوم .
في هذه الأيام ثارت في بنغازي قضية الطبيب الفلسطيني والممرضات البلغاريات , حول حقن عدد من أطفال ليبيا بفايروس مرض الأيدز … لذلك حين مرض إبني أخذته الى عيادة خاصة وكنت مرتعبة حتى من أدوية الصيدليات .
كنت أتصل عدة مرات يوميا هاتفيا بجميع الكليات والمعاهد التي قدمت للعمل فيها سائلة عن نتيجة التقديم . قلت مع نفسي أعطي مهلة مدة شهر , فإن لم أحصل على نتيجة أتحرك الى جانب الساحل الغربي من ليبيا .
ذات صباح حملت إبني على كتفي مثلما كنا نحمله أنا وأبوه … عندما كنا في بغداد . وذهبنا الى سوق الحوت , كانت ترعبني جملة مكتوبة على الكثير من الحيطان في الشوارع , الجملة تقول : ( اللجان في كل مكان ) , ربما هي من أقوال القذافي في إحدى خطبه أو من كتابه الأخضر …. لكنها كانت تذكرني بمحاكم التفتيش ومسرحية فاوست التي كتبت ثلاث مرات , كتبها مارلو , ثم كتبها غوته , ثم كتبها بول فاليري . وتذكرت الشخص الحقيقي الذي بسببه تألفت هذه المسرحيات , وهو الدكتور فاوستوس الذي أعدمته محاكم التفتيش بتهشيم رأسه ضربا بكل جدران الغرفة التي كان يعمل فيها , يقال أن قطعا من دماغه وجدت عالقة في سقف الغرفة .. كل ذلك بحجة أنه باع نفسه للشيطان مقابل طلب العلم ,, يا الله العظيم .. خيالات الشعوب المقموعة كم فيها من الصور المعذبة !! .. ثم ربي , أهرب من صدام لأصل الى هنا ؟ ليش ربي !!؟؟
انعطفنا الى شارع سعد ابن أبي وقاص ودخلنا الى ( تشاركية اتصالات ) يعني ( مكتب اتصالات ) عملت اتصالاتي الهاتفية مع كل الجامعات والمعاهد الليبية التي قدمت لها أوراقي , حين أنهينا الإتصالات .. إشترينا كيلو ( أخطبوط ) مشوي على الفحم بطريقة فخمة ورائعة ليبية لا يوجد منها بكل الدنيا … وضعه لنا المطعم في صينية , وحملناه الى البيت ,, وإفترسناه كلينا .
حملت إبني الى الحمام … حممته , ورحنا للنوم .
عند العصر فزيت على صوت مزايق كردية تقرع في كل منطقة الدهماني .
ظنيت نفسي بالعراق .
من أين هذه المزايق الكردية !!!؟ أصابني الفضول , غيرنا ملابسنا وخرجنا لنستكشف الأمر فرأيت أكبر دبكة كردية يمكن أن تخطر على البال .. مئات الكرد يرقصون في حلقات عجبت أهل بنغازي كلهم الذين تحلقوا حول الكرد يتفرجون , حين سألت عن الموضوع قيل لي أن عائلة كردية عند هروبها الى ايران في أحداث حلبجة عند قصفها بالكيمياوي , ضاعت لهم طفلة صغيرة , ظنوها ماتت , لكنها كانت قد أنقذت من قبل عائلة كردية اخرى هاربة الى تركيا .
اليوم تعيش عائلة الفتاة في بنغازي …. والأمم المتحدة قبل دقائق سلمتهم البنت بعد بحث وتفتيش دام عشر سنوات .
إنتهت الدبكة الكردية بتنظيم الكرد زفة استقبال مكونة من مئات السيارات لتدور كل شوارع بنغازي وأحياءها .. أخذت إبني وعدنا الى البيت , وبدأت أبكي …
هل سأعود الى أهلي ذات يوم ؟
تذكرت أبي الذي أحبه حبا لا يوصف , أبي الذي ومنذ طفولتي المبكرة , قدرني وإحترمني ومنحني من الحب والإهتمام ما لم يمنحه لغيري .. وحين كبرت منحني الحرية والثقة ودعم الرأي والمساندة … كم أنا محتاجة لك يا ابي الآن .
سلامي على اللي حاضر معانا
سلامي على اللي خالي مكانه
بعيد وياكل ويشرب معانا
عزيزي وصاحبي .. وقلبي على قلبه
رجاءا لا تذكرونه أمامي أخاف يطير قلبي من ضلوعي
سلامي .
أيام غربة كثيرة مرت علي , أبكي أريد أبي , وأدعو الله يطول أعمارنا الى أن أراه مره ثانيه … أحبك يا حبيبي يا أبي .
حتى لا يرى إبني دموعي , دخلت الحمام بحجة الإستحمام , ناداني , فقلت له سنخرج , نذهب للعشاء في الميناء .
ميناء بنغازي ميناء حديث رائع العمرانية .. وأنت تقف فيه ترى أضواء جامعة قار يونس على الساحل الثاني من البحر .. اشتريت سندويجة للولد وكوبا كبيرا من عصير الليمون الطازج لنفسي , وجلسنا على إحدى المصطبات .
كنت أشعر أن إشتياقي لأبي يخنقني .. قمنا تمشينا الى فندق تبيستي , وهو فندق جميل يشبه فندق المنصور ميليا .. في العراق .. بغداد .. الصالحية .. الإذاعة والتلفزيون … رحمتك ربي .. كم هي بعيدة تلك الأماكن الآن !!!؟
من سنترال الفندق .. طلبت أهلي .. كلمت أبي … حكيت له نكتة تجلجل من الضحك , ما كنت أريده يشعر أني حزينة لأن ذلك سيؤلمه كثيرا , وصاني بنفسي وإبني وأن أتصل بإستمرار فوعدته وأنهينا المكالمة .
الحمد لله .. شعرت ببعض الراحة فجلست في استعلامات الفندق وتركت إبني يلعب في ركن لألعاب الأطفال . كنت أراقب التلفزيون … القذافي كان (( يتحجى )) تماما مثلما كان يفعل صدام … قال القذافي في ذلك الخطاب : يعتبون علينا كيف نفتح حدودنا ونستقبل كل العرب … وانا أقول يجي العربي الى ليبيا , حتى لو يذل .. أفضل مما يروح يبوس جزمة الأجنبي حتى يعيش .
وأنا أتفق معه في هذا تمام الإتفاق .. ولكن لحد الآن ما وجدت شغل .. وحين سأجد .. ليش هي راح تدوم !!؟؟
صباح اليوم التالي دفعت لصاحبة البيت أجرة أسبوع وأبلغتها اني سأغادر .. اذا تأخرت وأحبت هي تأجيره فقط تحفظ حاجاتنا في مكان أمين .
الليبيون طيبون وموضع ثقة الى حد بعيد .. ما زالت فيهم بداوة لم تخربها الحضارة التافهة .
ذهبت الى مكتب الخطوط الجوية لحجز تذاكر الى طرابلس فلم نجد … المسافة بين بنغازي وطرابلس مثل المسافة بين بغداد وعمان .. سنتعب كثيرا في الطريق , ولكن لا يوجد خيار آخر .
ركبنا سيارة أجرة من (( الجنسية )) , طلبت توصيلنا الى مدينة سرت , فيها معهد عالي سأقدم له .
سارت السيارة , ليبيا ليست أكثر من صحراء رملية واقعة على البحر , حتى ساحلها ليس أخضرا في كل نقاطه .
وصلنا سرت وهي مدينة صغيرة جدا كلها عبارة عن شارع واحد يضم مؤسسات الدولة العليا من وزارات وغيرها , قطعنا هذا الشارع سيرا على الأقدام .
كنت منهكة … قدمت طلبا الى المعهد العالي فيها … وقررت العثور على فندق للنوم , لكني لم أجد , قيل لي إذا تريدون المبيت … فليس هناك غير بيت الشباب الذي يفتح عند الخامسة عصرا .
وجدنا دكانا لبيع المأكولات .. إشترينا سندويجين صغيرين وقطعتي حلوى وتفاحتين وتمشينا لنجلس على رمل البحر .
قال لي إبني : ماما .. إعطيني الكيس أنا أشيله … وشيليني
ضحكت حتى بكيت . إبني كان مرهقا ايضا , حملته وقبلته . كان هو آخر إنسان .. من كل الذين أحبهم .. بقي معي
حين وصلنا الى رمل البحر , لعبنا كثيرا في داخل الماء , وحين بدأ حبيبي يأكل وجبته ,تذكرت الفنان عباس جميل ,وبدأت أنوح معه :
وين الأحبهم وين ؟
نوحي بقهر يا عين
قلبي صبر أيام
وشلون أصبره سنين ؟
وين ؟ وين ؟ وين ؟
وين الأحبهم ؟ وين ؟
حين حلت الساعة الرابعة والنصف توجهنا الى دار الشباب .. رأيت خطا طويلا من الرجال والنساء يريدون المبيت في المكان .. حين وصل الدور إلينا قالوا : لا يوجد غير سرير واحد متبقي . قبلته على أمل أن ننام أنا وإبني في نفس السرير .
حين صعدنا الى الغرفة .. كانت صغيرة تتقاسمها خمس نساء .. وفيها أسرة بحجم نصف سرير .
أخذت إبني الى الحمام وغيرت ملابسه .. وضعته في السرير وحين نام .. جلست على الأرض .. وضعت رأسي وذراعي على السرير قرب قدميه .. ونمت جالسة .. حتى الصباح .
عند الثامنة صباحا ركبنا السيارة التي ستوصلنا الى طرابلس عاصمة ليبيا . وصلنا مركز طرابلس عند الثانية ظهرا . من موقف السيارات سألت عن الجامعة … فأخذوني إليها . حين كلمت الموظف المسؤول عن التعيين عن عمل وقدمت له وثائقي .. قبلني على الفور . ربي ألف حمد وشكر لك . دكتورة عراقية خيرة ومن بيت أصل إستضافتني في بيتها عدة أيام ريثما أنهيت معاملة تعييني .
ذهبت الى مكتب الخطوط الجوية لشراء تذاكر عودة الى بنغازي لجلب حاجاتنا , تسلمت البطاقات وسافرنا بنفس اليوم .
من مطار طرابلس الى مطار بنينة في بنغازي لم تأخذ منا الرحلة إلا أقل من ساعة … وكان حبيبي الصغير فرحان جدا .. يقول : مماه … هذه أول مرة أصعد طياره .
جمعنا حاجاتنا … وضعناها في سيارة أجرة وعدنا الى مطار بنينة … قبل الإقلاع بلحظات ,, قالوا لنا إن الحجز مشغول لأسبوعين مقبلين .
وهكذا خرجت من المطار … شحنت أغراضنا في تاكسي … ومرة ثانية مشينا طريق العذاب الطويل من بنغازي الى طرابلس برا , حوالي 20 ساعة بالسيارة .
حين وصلنا طرابلس … قابلت رئيس قسمي في الكلية وطلبت سكنا .. في نفس اليوم تم تخصيص شقة سكنية لي في الطابق الرابع من العمارات الإيطالية في مجمع الجامعة . فرحت كثيرا . لكن الفرحة طارت مباشرة عند وصول الشقة .
كلها كانت بمساحة 3 × 4 متر .. وهذا ليس مهم . كان فيها سرير صغير نستعمله كنبة عند النهار … وهذا ليس مهم .
المهم … ما كان يصعد لها ماء .
وكان علي كل يوم تصعيد جكات الماء .. أربع طوابق , رياضة شاقة ولا شك , دونها تبقى قذرا , جائعا , عطشان .
إضافة الى عدم وجود ماء كان المجمع السكني قذرا كأنه مكب للنفايات , لذلك كنت قلقة طول الوقت على صحة إبني من هذه المشكلة .
بعد أربعة أيام من بداية عملي طلبني رئيس القسم وكان محمرا من الإرتباك وقال لي إنه مضطر لإنهاء عقدي مع الجامعة !
سألته عن السبب فقال : زملاؤك العراقيون ذهبوا الى العميد وبلغوه أن شهادتك مزورة , وأنك تعملين في المخابرات العراقية , وأنهم يخافون من وجودك في الكلية ربما تكتبين عنهم تقارير الى العراق .
طلب مني مصاحبته الى مكتب العميد الذي كان ضابط مخابرات ليبي يعمل مستشارا خاصا للقذافي إضافة الى عمله كعميد كلية .
قلت لعميد الكلية : أنا لست شخصية نكرة .. هل تقبل بشهادة ملحقكم الثقافي في بغداد الذي يعرفني شخصيا ليقول لك من أنا ؟
وأقرب من هذا هل تقبل بشهادة نائب رئيس جامعتكم الدكتورة نجاح القابسي التي أعرفها منذ عدة سنوات والتقيت بها في كل زياراتها الى بغداد ؟
أما عن عملي في المخابرات العراقية , فهذه كيف تريد أثبتها لك ؟ أجلب لك ورقة من المخابرات تقول إن الدكتورة ميسون البياتي لا تعمل لدينا وليست واحدة من منتسباتنا ؟؟
إقتنع العميد بكلامي وأمر بعدم الإهتمام بكلام زملائي وقال أنه سيعاقب كل من يحاول تكرار مثل هذه الإساءة .
غالبية العراقيين في ليبيا صدرت عنهم تصرفات لا تليق , وذاك من ذاك الذي إحترم نفسه , حتى أولئك الذين يتبجحون الآن بالشعارات … تستطيع تلصق لكل واحد منهم طينته بخده ,, كما يقول المثل .
أول إحتكاكي بموضوع الطائفية كان في ليبيا .. أنا إمرأة علمانية , أساسا لا يهمني الدين بأي درجة كي أتحسس من مسألة سنة أو شيعة , لكني بالتأكيد حين أرى شخصا يسمى نفسه بروفسير ويربي سلحفاة ذكر صغير في بيته ويسميه (( صفوان إبن المعطل السلمي )) في إشارة غامزة لامزة الى عفاف أم المؤمنين السيدة عائشة التي إتهمت بهذا الرجل في حادثة الإفك المعروفة … أستدل على مقدار وضاعة الممارسة الطائفية خصوصا حين تصدر عن بروفسير .. ومتخصص في الفن فوق ذلك ؟
حين كنت في ليبيا ظهرت الأغنية الجزائرية التي إشتهرت في وقتها والتي تقول : عبد القادر يابو علم ضاق الحال عليا , فقام واحد من خيرة دكاترة الجامعة العراقيين السنة يحمل اختصاصا علميا نادرا بتعليق علم أخضر صغير مكتوب عليه ( يا باز ياأبو صالح ) داخل سيارته وحين يركب السيارة يشغل هذه الأغنية طول الطريق , سألته لماذا يادكتور ؟ يقول : حتى ذولاك الجماعة يشوفون .
طيب والعلم والشهادات والتخصصات , وأحاديثكم العلمية , ومحاضراتكم العملية ؟؟ هل هذه للزينة ؟
كان العراقيون يغتابون بعضهم كثيرا ويتكلمون بشأن غيرهم فيما لا يخصهم , ويعتبرون وجودهم في ليبيا محطة للوصول الى أوربا , وجالسين واحد يراقب الثاني ماذا يفعل من أجل ذلك الوصول , والى أين وصل , ناس تراجع الأمم المتحدة وتؤلف أكاذيب عصماء في سبيل قبول لجوئها , آخرين يحلمون بالعبور الى مالطا , بعضهم تزوج من مغربيات ليتمكن من الوصول الى مضيق جبل طارق .
الشقة التي بجانب شقتي يسكن فيها الدكتور طالب البغدادي وهو دكتوراه بتخصص نادر غادر العراق في إيفاد لكنه لم يعد , وجاء الى ليبيا للعمل فيها . تربطني به إضافة الى الجيرة , زمالة تصعيد جكات ماء الى شققنا .. كنا نتدمر يوميا بهذه العملية .. أنا بالذات التي عندي طفل محتاج الى الكثير من النظافة والتنظيف .
الحكومة الليبية كانت تصرف لنا رواتبنا سنويا .. ولأنها بالدولار فقد كانت تسلم لنا في بنوك تونس أو الأردن حتى لا نستعملها بالتصريف في السوق السوداء , لذلك كنا نعاني أغلب الوقت من مشاكل مالية أو شحة ذات اليد وهذا مشكلة بحد ذاته .
ذات يوم شاهدت الدكتور واجما حزينا … خير دكتور ؟ قال والله رسالة من بغداد فيها أخبار أذتني , وأشعر كرامتي مجروحة لأن اليوم صرخ بوجهي شخص من الجامعة حين كلمته في قضية صرف مستحقاتنا المالية .
قلت له : مشيها يا دكتور .. نحن يجب أن نأخذ تطعيم ضد جرح الكرامة .
لكنه كان متألما فعلا .
أخذنا جكاتنا وملأناها ماء , ونحن نصعد حتى الطابق الرابع قلت له أن يخرج من البيت ويحاول تسلية نفسه لكنه قال أنه تعبان سيعمل شاي ويحاول ينام قليلا وهكذا إفترقنا .
بعد يومين سمعت طرقا على بابي , حين فتحت وجدت دكتور سوداني يسأل عن الدكتور طالب , قال إنه منذ يومين لم يذهب الى الكلية .
في اليوم الثالث جاء السوداني وسألني فقلت له أنني لم أره , قال تعالي معي .
حين وصلنا باب شقته , ضربها السوداني بكتفه ضربه قوية , انفتحت الباب فشاهدنا الدكتور طالب جالسا على السرير .. مسلما الروح .. وعليه علامات إنتفاخ قليل .
مثل المجنونة ركضت الى شقتي لم أكن أريد لإبني ان يرى هذه الحادثة وخلال خمس دقائق كنا قد غيرنا ملابسنا وذهبنا الى مدينة الألعاب .
عدنا عند التاسعة مساءا وكانت سيارة الإسعاف وجمهرة من الناس بجانب العمارة .. عندها حملت إبني وذهبنا لتناول العشاء في مطعم برأس الشارع ريثما ينتهون .
كنت أتحاشى العلاقة مع العراقيين قدر الإمكان .. أحاول جعلها جيدة ولكن بعيدة أو متباعدة .. وربطتني علاقة طيبة مع جارتي الدكتورة المصرية من كلية القانون متخرجة من جامعة السوربون , كانت سيدة عجوز وحيدة ولهذا فقد كنا طول الوقت أما عندها في البيت أو هي عندي في البيت .. صحيح أنها كانت ترهقنا بتدينها الشديد .. لكن الإرهاق لهذا السبب , أفضل كثيرا من التعرض للمشاكل مع غيرها من الناس . فجأة ودون سابق إنذار أنهت الدكتورة علاقتها مع الجامعة وعادت الى باريس لتعمل هناك كداعية إسلامية .
بعد أسبوع من رحيلها دعتني جارتي العراقية الدكتورة بثينة لشرب الشاي معها وكنا نتفرج على التلفزيون قناة إم بي سي , حين بدأت نشرة الأخبار , ظهر التايتل وقبل أن تظهر صور المذيعين أو كلامهم شعرت كأني أحلم لأني رأيت صورة عمي الشاعر عبد الوهاب البياتي تغطي كامل الشاشة وصوت يقول : البياتي في ذمة الخلود .
مباشرة عرفت أنهم قد وصلوا له .. صحيح انه مات بعمر 73 سنة لكن أخوته وأخواته الأكبر منه أحياء لحد اليوم .
كل العراقيين الموجودين في ليبيا بمختلف إتجاهاتهم قدموا لتعزيتي وقد تقبلت ذلك منهم شاكرة ممتنة .
بعد عشرة أيام جاء دكتور من كلية الطب لتعزيتي ثم بلغني شيئا خطيرا , قال : يا دكتورة انا اليوم صباحا كنت في السفارة العراقية ….. على لوح إعلانات السفارة معلق إعلان : الدكتورة ميسون البياتي مطلوبة للتحقيق وعلى من يعرف مكان عملها أو محل إقامتها تبليغها بذلك .
قلت له : الفضل للنشامى العراقيين أن السفارة تعرف محل عملي وإقامتي فإذا كنت مطلوبة للتحقيق أو غيره فيستطيعون إرسال تبليغ لي مباشرة , ومن دون هذا التبليغ الخطي أنا لن أدخل السفارة .
بقي إعلان طلبي للتحقيق معلقا على لوح إعلانات السفارة العراقية في طرابلس مدة ثلاثة أشهر , وقام النشامى ( المعارضة ) الذين يتسلمون رواتب من السفارة العراقية بتوصيل خبر الى عمادة كليتنا , أن الدكتورة ميسون البياتي كانت تعمل قوادة مع عدي … وإختلفت معه .. وغادرت العراق … وبسبب ذلك هي مطلوبة الآن للتحقيق .
ماذا أقول ؟ سمعة حرامي .. سمعة قاتل .. ولا سمعة قواد , وأين يعمل هذا القواد ؟ في أوساط طلابية . فلا سامح الله الظالم .. لا في الدنيا ولا في الآخرة .
أخضعت الى تحقيق أشد من شديد وأعسر من عسير .. للتأكد من ( مؤهلاتي الإجتماعية ) . والأهم من هذا كله أن شبهة عملي مع عدي كانت حافزا لليبيين لمعرفة أي معلومات عنه , خصوصا في تلك الفترة من عام 1999 عندما بدأت الحكومة العراقية تغازل أسامة بن لادن , للقدوم والعيش في العراق .
الليبيون كانوا مرتعبين من فكرة أن صدام قد نصب لبن لادن فخا .. يسلمه فيه لأمريكا مقابل فك الحصار عن العراق .
وصل تعب حالي الى حد لا يمكن أن يطاق .. فكلمت زوجي في بغداد , طلبت منه أن يأتي ليبقى معنا لفترة ريثما تهدأ الأمور … فأنا لا أعرف ما الذي سيحصل بعد ساعة . وكان وزير الثقافة والإعلام قد أحاله الى عدة لجان تحقيقية بسبب هروبي من البلد , كانت الوزارة تريد أي معلومات عني وتسعى بكل الوسائل لإعادتي الى العراق .
من أجل تأمين نفسي ضد الحكومتين العراقية والليبية , قمت بالإتصال بمكتب الأمم المتحدة في طرابلس .. من يدري ؟؟؟ ربما يلقى بي الليبيون في السجن .. أو يرسل لي العراق مذكرة إحضار . لهذا يجب أن يكون مكتب الأمم المتحدة على علم بقضيتي حتى يتخذ إجراآته عند أول تبليغ .
إستقبلني موظف الأمم المتحدة , الذي أبلغته أنني دكتورة أقوم بالتدريس في الجامعة وبنت أخ الشاعر البياتي الذي وصلت له الحكومة العراقية وإغتالته بطريقة ما .. بعد موته صنعت لي السفارة العراقية مشكلة مع الإدارة الليبية وأنا حاليا خائفة من الطرفين .. لا أريد من الأمم المتحدة شيئا غير التدخل اذا وقع أمر طاريء .
بدأ الرجل يسألني أسئلة عديدة .. فجأة وكأنه تذكر شيئا , قال لي : دكتورة أنت كنت تشتغلين في التلفزيون ؟
قلت : نعم في تلفزيون العراق من بغداد
فنظر بوجهي نظرة فاحصة .. شاكة .. متعجبة .. وقال بشكل مباغت : عليكي في مكتبنا هنا في طرابلس عشرين شكوى
قلت : من إشتكى علي ؟
قال : النساء اللواتي كنت تأخذيهن الى عدي .
كانت عايزة … وتمت .
الإدارة الليبية كانوا ناسا أشرافا فلم يغدروا بي , لكني تسلمت منهم تعليمات تقول : غادري ليبيا , من المحتمل تصل بحقك مذكرة إحضار , نحن لا نريد تسليمك , ولكن العراق قد يعاملنا بالمثل فلا يسلمنا ليبيين موجودين في العراق .
تكلمت مع زوجي .. اذا غادرت ليبيا .. الى أين أذهب ؟
لشدة وضعي وخطورة مشاكلي .. وعذاب حال العراقي الذي لا تقبله دولة على أراضيها .. كما تخليت عن زوجي حين غادرت العراق … سأتخلى عن إبني حين أغادر ليبيا .. تركته مع والده .. على أمل أن يلتحقا بي حين أرتب وضعي … أكبر ما كان يعذبني طيلة فترة غيابي عنهما .. أن يأخذ زوجي الولد ويعود به الى العراق .. ذلك معناه .. أنني لن أرى إبني الى أن يأذن الله .
وكنت كل ليلة حين أتمدد في سريري ,, عندي وصولي الى نقطة ما بين النوم والصحيان .. أسمع إبني يصرخ : ماما , فأفز مذعورة وأبدأ بالبكاء … فلا نامت عين الظالم .
وصلت الأردن التي ليس هناك بلد غيرها يستقبلني .. قادمة هذه المرة بواسطة طائرة أقلتني من مطار طرابلس الى مطار علياء في الأردن .. فالحصار الجوي كان قد رفع عن ليبيا بعد تسليم الليبيين عبد الباسط المقراحي والأمين خليفة فحيمة المتهمين في قضية لوكيربي الى السلطات الدولية .
الدنيا على كل ما فيها من سوء لكنها لا تخلوا من الخيرين , أنا وزوجي بشر علاقاتنا الإجتماعية واسعة جدا .. لذلك قمنا وكل من طرفه بالأتصال بمعارفنا لتأمين وضعي . لكننا كنا في فترة إمتحانات نصف السنة وهذه فترة ضعيفة جدا للحصول على عقد عمل دائم .. في نفس الوقت بقائي في الأردن بوابة العراق خطر جدا , فوفر لي الخيرون 3 عقود عمل مؤقتة …. أستاذ زائر , وإستشاري زائر في 3 دول عربية مختلفة .
بعد ثمانية أشهر من مفارقة إبني … حملتني الطائرة الى الأردن من جديد .. حين وصلت المطار ووجدت إبني في صالة المستقبلين .. تفرج العالم على جنوني .. صياحي .. ضحكي وبكائي .
أرسلت لي جامعة السلطان قابوس عقد عمل الى الأردن .. فقمنا بالمغادرة إليها .. سلطنة عمان دولة رائعة بناسها وأرضها وخيرها .. فيها هدوء ووداعة ووقار لا تجدهم في أي مكان . عملت في جامعتها الرائعة … لكن العراقيين الذين يعملون مع السفارة كانوا بإنتظاري .
دكتورة عراقية تعمل معنا في الجامعة … كانت تعمل في المخابرات العراقية حين قرر برزان التكريتي نشر جهازه في الخارج على شكل طلبة دراسات عليا , وهكذا حصلت الفاضلة على الدكتوراه .
كنت أعرفها من بغداد قمامة قميئة ضحلة ضئيلة وكاتبة تقارير , بعد عدة أشهر من وصولي الى مسقط .. راحت بلغت .. أن هذه ميسون البياتي التي تعمل مع عدي .. والأمر ليس إشتباه .. أخذت واحدة من قريباتي الى عدي .. وتعرضت قريبتي الى ضرب فلقة فإنكسر ظهرها .. وهي حاليا مشتكية على ميسون البياتي في مكتب الأمم المتحدة في بيروت .
إتصلت بي الجامعة .. وأبلغوني بهذا الكلام دون أي تعليق أو تحقيق .. كانوا ينتظرون ردي وتعليقي .
حملت نفسي .. وذهبت الى السفارة العراقية في مسقط , وكلمت السيد السفير الأستاذ فاضل شاهر .. وهو رجل خير لا علاقة له بدسائس السفارة التي تحركها جهات اخرى , تعمل مباشرة مع بغداد ودون الرجوع إليه , وعدني بالكتابة الى بغداد في كل الموضوع .
بعد شهرين جاء الرد من عدي يقول : عودي الى العراق .
قلت : طيب أرجع ولكن بعد أن أتم السنة الدراسية .. لن يسمح لي بترك العمل إلا بعد تسليم الدرجات .
كانت عندي فسحة من الوقت عدة أشهر أرسلت بها جواز سفري بواسطة البريد الى عدة سفارات … فحصلت على فيزة من بلد إقامتي الحالي . إشتريت تذاكر طائرة لي ولإبني . في يوم تسليم الدرجات وقبل أن تتصل بي السفارة العراقية , كان زوجي قد أوصلنا الى المطار فأخذنا الطائرة الى ديار الغربة البعيدة .
حين ختموا لي الجواز بكلمة : دخول .. تخطيت البوابة ورحت سلمت على أقرب شرطية أعطيتها جواز سفري وقلت لها إنني لن أغادر .
عكس ما نسمع من كلام الناس .. تم التعامل معي بهدوء وبشكل عادي , مشكلتي في هذا البلد أنني لا أعرف أحدا .. ولا أريد الإتصال بأحد .. لكني اذا إحتجت أبسط الأشياء فلا أعرف كيف أتصرف .
صدمة البعد , حاجز اللغة , عدم وجود أحد , عدم معرفة الخطوة التالية , كانت أمورا مدمرة . ورغم هذا بعد أسبوعين كنت قد أكملت تنظيم معاملة مع دائرة الهجرة وعلي الإنتظار الى أن تستكمل إجراآتها وهذا يتطلب وقتا ,, لا أحد يعلم كم يطول .
خرجنا من الفندق .. أجرت دارا صغيرة , سجلت إبني في المدرسة , وكان علينا أن نناضل هذه المرة من أجل جعل اللغة الإنكليزية هي لغتنا الأولى وندفع العربية الى الخلف , والحمد لله لم يكن ذلك شاقا بالنسبة لكلينا .
وفي الأيام التي أحتاج بها الى البكاء .. أفعل ذلك حين يذهب إبني الى المدرسة .
حين أخرج الى الشارع أحمل معي دائما ورقة وقلم أسجل كل الملاحظات عن الطريق .. أرقام البيوت , أسماء الشوارع .. كان عندي هاجس أنني لن أتمكن من العودة الى البيت اذا لم أفعل ذلك .
ذات يوم رن الهاتف في بيتي , شخص قال لي بلهجة عراقية : مرحبا دكتورة
أنا وزوجتي نريد نزورك للترحيب بك .
قلت : أهلا وسهلا
حين وصلا قال إن بعض العراقيين سمعوا بقدومي فبلغوا الحكومة ضدي وأنهم لا يرغبون وجودي هنا لأني كنت أعمل مع عدي
قلت له : وبعدين ؟
قال : أخذي نصيحة أخ .. ضباط أمن ومخابرات .. عذبوا وقتلوا وسجنوا , وحين هربوا من العراق وجدوا دولا تحميهم بعد أن إعترفوا بكل ما قاموا به … ماذا عملت أنت ؟ عرفت ناس على ناس ؟ ثم ماذا …
قلت : طيب حتى الحرامي الذي يعترف على نفسه يسأل أيضا من أي باب دخلت ومن أي شباك خرجت .. أنا اذا سألت مثل هذه الأسئلة ماذا سيكون ردي اذا لم أكن انا الشخص المعني ؟؟
فنظر الي وقال : أنت اعترفي الآن انك كنت تشتغلين مع عدي ,, وهذه الأشياء بسيطة ,, تتذكريها بعدين .
نظرت بوجهه وانا أهم بأن أصرخ : يا سافل , لكني تماسكت مصرة مع نفسي أنه لن يخرج اليوم من بيتي دون أن أهينه .
سألته : انت من العراق وصلت الى هنا مباشرة ؟
قال : لا والله أنا كنت أشتغل بالكويت وبعد الغزو طردونا وأنا ما كنت أحب أرجع للعراق بعد الذي حصل فوصلنا الى هنا .
قلت : أنا عشت في ثلاث دول خليجية وأعرف الأوضاع جيدا .. وعندي صديقات من عائلة الصباح نفسها .. هل تدري لحد الآن يوجد ربع مليون عراقي في الكويت .. الذين طردوا كانوا شرطة صدام فقط
قال : تقصدين انا شرطي ؟
تجاهلت سؤاله وسألته : أنت جئت من تلقاء نفسك تبلغني هذا الموضوع أم أحد أرسلك ؟
قال : نعم أنا مكلف من حكومة هذا البلد بالتفاهم معك حول الموضوع
قلت : شفت !!؟ الشرطي يبقى شرطي وين ما يروح . ومثلما حملت رسالة تحمل ردها . روح قول للحكومة الدكتورة ميسون البياتي تقول لكم أنا ليست لي أي علاقة مع عدي ولا أي علاقة بواحدة ثانية منتحلة إسمي إشتغلت معه , اذا تريدون تحققون أو تتصرفون أي تصرف هذا من حقكم ولكن تصرفوا بعدالة وبدون غدر .
منذ صباح اليوم التالي ولمدة عام كنت أخضع للتحقيق اليومي المطول الذي شاركت به عدة دول كل من مصلحتها تجميع أكبر قدر من المعلومات عن عدي الذي لم أكن أعرف عنه أي شيء بإستثناء أنه ابن الرئيس وأنه تجنى علي جناية كبرى بواسطة ميسون خضر عباس معلمته . عدة مرات صرت على حافة الإنهيار العصبي حين أنكر معرفتي به فلا يصدقني أحد .
أخيرا سقط النظام .. إجتاح الأمريكان العراق وأسقطوا صدام , واحد من المحققين ناولني عددا من مجلة تايم البريطانية على غلافه صورة مكتب صدام في القصر الجمهوري يشتعل .. بعد أسبوع منحت الإقامة الدائمة وتوقفت التحقيقات معي .
حين خرجت من هذه المحنة كنت خائفة متعبة … ثقتي بنفسي مهزوزة بسبب اسم ميسون البياتي الذي أحمله .. لكن الحياة توجب علي التصرف بإعتيادية وطبيعية .. فقبل كل شيء أنا أم .. ويجب أن أربي إبني تربية سوية .
ذات يوم إشتريت الصحف صباحا … وعلى الصفحة الأولى شاهدت صور جثتي عدي وقصي … يشهد الله أنني لم أشمت بهما .. ما الداعي للشماتة والموت طريقنا كلنا ؟؟ … ومن لم يمت بالسيف مات بغيره ؟
لكني حمدت الله أنه طول عمري , وجعلني أشاهد موت عدي .. بعد أن كنت أظن أنني سأهلك مظلومه ويبقى هو ظالما مخلدا في الحياة الدنيا . ما فرقي عنه اذا كنت أشمت بموته ؟؟
طيلة حياته كنت أدعي عليه , لكنه حين مات دعوت ربي يرحمه , فقد مات وإنتهت أعماله في الدنيا , وهو الآن بين يدي قادر مقتدر . وتذكرت الحديث القدسي الذي يقول (( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرما بينكم فلا تظالموا , والظالم سيفي أنتقم به , وأنتقم منه )) .
لكني أقول … إن إعدام صدام .. صبح العيد وليلة رأس السنة , أحزنني كثيرا , صدام لم يكن خروفا ليذبح بهذه الطريقة , لكنه كان رجلا إستعمله الأمريكان علينا , وضد مصالحنا , وحين إنتهى دوره , جاؤوا , ولم يمنحوه حتى محاكمة كاملة عادلة ومعلنة , لكنهم جزوا رأسه , بطريقة إنتقامية تخفي الكثير من الحقائق التي تكشف زيفهم هم ,
إنتظروا عقدا او عقدين من الزمان لتتكشف كل الحقائق .
على الأقل فرية إنتاج العراق لأسلحة الدمار الشامل التي تحجج بها بوش لغزو العراق ,, أثبت زيفها بعد أقل من عام واحد على الغزو ,, والبقية ستأتي .
كنت أفضل محاكمته عن حلبجة والأنفال قبل إعدامه بقضية الدجيل .
مؤكد تحاشى الأمريكان الدخول في ملفات شائكة مثل هذه , تكشف تورطهم في كل شيء ؟؟؟
عزاء صدام أنه مات بشجاعة كبيرة كسرت الفرحة في عيون أعدائه وأكسبته إحترام الكثيرين رغم كل الظلم الذي عاناه العراقيون على يديه . ورغم الحروب التي أدخلنا إياها والكوارث الإجتماعية التي صاحبتها أو نتجت عنها .
حين نفتقر الى العدالة في معاملة ظالم .. نحوله الى ضحية … مثلنا تماما … وهكذا مات صدام … رغما عن أنف الجميع .
أسوأ أنواع الجلادين في الحياة : هم أولئك الضحايا الذين يتحولون الى منتقمين .. فيقتلون ظالميهم بلا عدالة محولينهم الى ضحايا .
حين قدمت الى هذا البلد أرسلت شهاداتي للمعادلة فتمت معادلتها , لكني وجدت صعوبة شديدة في الحصول على عمل , لهذا قررت أن أقدم للدراسة للحصول على بوست كراديوت من هذا البلد لعله يعين عند التقديم على وظيفة , وهكذا قمت العام الماضي بالتقديم للجامعة فطلب مني ترجمة بعض الوثائق والشهادات , أرسلتها الى مترجم سوري بواسطة البريد على أمل ترجمتها وإعادتها بالبريد أيضا , في اليوم التالي رن جرس الباب واذا المترجم قد جلبها بنفسه , وقال انه يريد أن يكلمني في موضوع .
خير يا استاذ ؟ قال إنه يعمل مترجما مع دائرة الهجرة لهذا قضايا الكثير من طالبي اللجوء العرب تمر عليه . وقال هناك سيدة عراقية في العشرين من العمر ومعها طفل بعمر سنة واحدة موجودين في المحجر حالهما يصعب على الكافر , وسألني إن كنت أستطيع تقديم خدمة لهما , قال إن زوج الفتاة مقتول أثناء الغزو الأمريكي للعراق .
قلت له أخرجها من المحجر وسأستقبلها في بيتي الى أن يبت في أمرها , هيأت لها وإبنها مكانا وجهزته بالفرش والأغطية … لكن البنت لم تأت , ونسيت الحكاية .
بعد حوالي أربعة أشهر كنا نلعب الشطرنج أنا وإبني حين رن الهاتف .. صوت نسائي عراقي قال : مرحبا دكتورة . أنا سميرة التي كلمك عني الأستاذ المترجم .
كانت تسكن عند عائلة حبشية , وتعاني من الحياة معهم تماما , وسألتني اذا كانت تستطيع القدوم للعيش عندي . سألتها عن سبب عدم مجيئها منذ البداية للسكن معي فقالت إنها إتصلت بأهلها في العراق في وقتها وأبلغتهم , لكنهم لم يوافقوا , لكنها وبعد معاناتها مع الأحباش .. طلب منها أهلها الإتصال بي مجددا وسؤالي : أنا أي ميسون بياتي ؟ التي كانت تعمل في تلفزيون الشباب ؟ أم الثانية التي تعمل في تلفزيون بغداد ؟
مباشرة شعرت بكراهية أن تقدم هذه الإنسانة للعيش معي فقلت لها : أنا ميسون خضر عباس وكنت أعمل في تلفزيون الشباب .. ثم أنهينا المكالمة .
ثلاثة أيام بقيت أكلم نفسي بصوت عالي … بغداد تبعد عني 154 ألف كيلومتر .. وبعد كل الذي جرى لي .. في اليوم الذي أقرر أعمل فيه معروف بين الناس .. أواجه بهذا السؤال … آخرتها يا دنيا ؟؟
في اليوم الرابع .. أخذت إبني بسيارتي الى المدرسة صباحا .. وعند عودتي الى البيت , سرحت لحظة مع نفس الموضوع … فدخلت تحت لوري كان متوقفا أمامي … وتهشمت , لا أعرف كيف بقيت على قيد الحياة بعد كل تلك الكسور .
حين أفقت في المستشفى … شعرت أنني تحولت الى إنسان آخر .
لن أسكت بعد اليوم .
وسأواجه قضيتي ولن أهرب منها .
الشهر المقبل سأدخل المستشفى لإجراء سبع عمليات جراحية دفعة واحدة .
وأرجع لك يا دنيا , حتى أعرفك من هي ميسون البياتي .. أنا .
يقول مايكوفسكي :
ها أنا ذا أتنفس

…

Posted in الأدب والفن | 1 Comment

تبا للمستحيل

iraqmealد. ميسون البياتي

شوارع المنصور تغص كل عصر بالناس والسيارات , حين توقفت العمليات العسكرية بعد 45 يوم من القتال عاد البشر يدبون على أرضها من جديد , كانت الكهرباء مقطوعة لذلك عمدت المحلات الى إشعال الشموع والفوانيس لعرض بضاعتها للمشترين .
ذات عصر , شباب كانوا يتشكلون في مجموعات كبيرة .. يتحدثون بينهم بصوت عالي , بكلمات إستهزاء ساخرة , تبدو غير مفهومة , لكنها ( تصجيمات ) معانيها واضحة على كل حال , ثم ينطلق الغناء :
سلمتك بيد الله يا محملني أذية
يا ريت ما شفتك , إشجابك علي
يا خسارة تعبي وياك ماتستاهل أنا أهواك
ياظالم ما ترحم وما تكفيني عذابك
ما أبكي وأتألم لا يغرك شبابك
دنيا وبيها أعيش .. غصبا عني وعنك
ما أبقى بلا حب ولا أترجاه منك
سلمتك بيد الله ….
وكانت هذه كلمات أغنية لمطرب جديد ظهر قبل الحرب بحوالي سنة إسمه : كاظم الساهر . وأنت تنظر الى اللوعة الجماعية التي يؤدون بها أغنيتهم , فينضم لهم عدد آخر من الشباب ليتحول الشارع الى شبه أغنية جماعية , كان يقول وبلا جدال يدعو الى الشك أن هؤلاء البشر قد حولوا هذه الأغنية الى هتاف ضد صدام .
كنا نتحاشى الظهور بين الناس تلك الفترة فالناس ينظرون للمذيع الذي يرونه من على الشاشة كل ليلة .. وكأنه صدام نفسه . لذلك سمحت وزارة الداخلية لمن رغب منا بحمل سلاح بفعل ذلك . كما صدرت تعليمات مشددة بأخذنا الحيطة والحذر .
في موعد مغادرتي الصباحية الى الجامعة , وبسبب شحة البانزين , كنا جميعا نقف بإنتظار الباص في تجمعات بشرية كبيرة يزيد عددها على المئات .. كان ذلك أيام مفاوضات ( خيمة صفوان ) التي جلست فيها القيادة العراقية لتوافق على كل ما أملي عليها من شروط .. ليظل الحاكم ( منتصرا ) على كرسي الحكم . كل صباح كانت الطائرة الأمريكية تأتي وتحلق فوقنا نحن الواقفين في الشارع بإرتفاع خفيض لترتفع عموديا فجأة خارقة حاجز الصوت في حركة إستهتارية بمنتهى الإستهانة .
كان الماء مقطوعا بسبب عدم وجود كهرباء ,, ولا تدري لماذا توجد حنفية في الشارع على الرصيف المحاذي لسكة القطار في منطقة إسكان غربي بغداد , تسيل ماءا طول الوقت لذلك يتجمع الناس أمامها صفا لتعبئة جكاتهم .
كانت عندي عربة ( ترولي ) صغيرة كنت أضع عليها جك الماء وألزم دوري بين الناس . وكذلك مع قنينة الغاز التي كنت أستبدلها من المحطة القريبة من تمثال أبو جعفر المنصور .
الحمد لله أن الربيع أقبل فقلت الحاجة الى النفط لتشغيل المدافيء النفطية .
في هذه الفترة , صارت بيوت بغداد معارض للرايات السود للذين ماتوا وغادرونا في ذلك القتال المشين .. تبت يدا من أوقع على العراقيين ما أوقع . بعض البيوت كانت تعلق أكثر من 5 أو 6 رايات .
جريدة الثورة كانت تصدر تلك الأيام وعلى صدر صفحتها الثانية مقالة تغطي الصفحة بأكملها بتوقيع ( مقالة لكاتبها ) …. كاتبها يحمل العراقيين مسؤولية خسارة الحرب لأنهم لم يصمدوا في القتال . يا أبو عدي يرحم موتاك , التفكة كيف تصمد ضد الأواكس ؟ لو تريدنا نقاتل بالشجاعة والمباديء !؟ أنت شكد عتيك !؟ عبالك إحنه بعدنا بالقادسية ؟ سيدي هاي أم المهالك .. قصدي المعارك .
كنا على أعتاب تشكيلة وزارية جديدة .. لذلك تبارى السادة المسؤولين وكل يطمح من ناحيته أن يصير وزيرا أو مسؤولا في الوزارة الجديدة الى إطلاق شعارات رنانة وتسجيل كلمات للإذاعة والتلفزيون كانت عرضة لسخريتنا نحن المذيعين , كنا نحن الذين نقرأ الأخبار ومجبرين نسمع كل كلامهم فنصنفهم : هذا للداخلية لأن حسه الأمني قوي , وهذا للمالية لأن عينه على الإقتصاد .. صاحب مقولة ( ما نريد ديمقراطية.. إنت فصل وإحنه نلبس ) تخيرناه لأنفسنا وزيرا للإعلام … وهكذا .
والى أن صدرت التشكيلة الوزارية الجديدة .. وضاعت طموحات البعض في الحصول على منصب .. فقد غادر الكثيرون منضمين الى المعارضة . وكان الزيتوني العظيم بطل الإذاعة والتلفزيون الأسطوري الذي يستحق دخول إسمه الى موسوعة غينيس للأرقام القياسية كصاحب أكبر نذالة في العالم , واحدا منهم .
غمرت نفسي بالعمل في الجامعة صباحا والتلفزيون مساءا .. كنت أريد نسيان همومي .. كنت أذوي , نحفت نحافة موت , أما معنوياتي فقد كانت في الحضيض , لكني لم أجد أحدا يقتلني , فكان علي الإستمرار بالحياة , وفكرة الإنتحار بعيدة عن ذهني , لا أجرؤ عليها , يوقفني هاجس واحد : كيف ستعود الى الحياة كإنسان , إذا تمكنت من تنفيذ حكم الإعدام بنفسك ولم تمت ؟
زوجي رجل رائع , فنان وإنسان ومثقف , تناسى همه الشخصي في ضياع الوطن وفقداننا إبننا , وتفرغ لتمريضي , إحدى وسائله للعلاج , لم تكن إرغامي على الذهاب الى الطبيب الذي كنت ما زلت أرفضه , لكنه قال لي ذات يوم : ميسون .. ما رأيك لو نشتغل سوية في فلم وثائقى .. نكتبه سوية .. أنت تديرين لقاءاته المباشرة مع الناس في كل مكان .. وأكون أنا المخرج ؟
قلت : وهل تقترح موضوعا ؟
قال : نعم .. العراق الذي علم البشرية الكتابة قبل 6 آلاف سنة هل يستحق أبناؤه الموت بهذه الطريقة ؟ ونسمي الفلم بعنوان ( الجزاء ) .
وبعد عدة مداولات بيننا عن أي موت سنتحث , قال : موت أطفاله مثلا .
عندها عرفت أنه تلاعب علي من أجل إيصالي الى الموافقة على المشاركة في إنتاج يمس أقرب جروحي المدمرة .
قلت له : ولم لا ؟
زرنا لتسجيل هذا الفلم الوثائقي مستشفى صدام للأطفال في الوشاش , وقسم أمراض الأطفال في دار التمريض الخاص , ومختلف أقسام أمراض الأطفال في المستشفيات .
حين وصلنا الى باب مستشفى العلوية للولادة التي مات فيها إبني بكيت في الشارع ولم أستطع الدخول .
حين ذهبنا الى مدينة الطب , قال لنا مدير المستشفى : اذا تريدون تصورون فاجعة ما بعدها فاجعة , أرسلكم الى قاطع خاص , وضعنا فيه عشرين طفلا جلبوا من البصرة , مصابين بمختلف أنواع اللوكيميا والسرطانات , ظهرت عليهم بعد الحرب نتيجة إستعمال اليورانيوم المنضب الذي يغلف الإطلاقات التي أطلقها علينا الأعداء . حين صعدنا الى ذلك القاطع رأيت جريمة لا تقل عن جريمة قصف ملجا العامرية , ألا وهي جريمة إغتيال براءة الطفولة .
أطفال أعمارهم مابين الثالثة الى عشر سنوات , جميلون , وادعون , كلهم يعلمون أنهم مرضى , لكنهم لا يدرون ما هو مرضهم , يحتضرون بصمت وهدوء ووداعة , وينظرون إلينا نظرة تساؤل عن سبب وجودنا في ذلك المكان . يرافقهم آباء أو أمهات .. مذبوحون من الوريد الى الوريد .. لكنهم يبتسمون .
لا أدري كيف تمكن مصورنا من تصوير وجوههم , أشار إلينا الطبيب المسؤول عن القاطع لإجراء اللقاء خارج المكان .
حين دخلنا غرفته .. لنتفق , ومن دون ان ننظر في وجوه بعضنا , تكلمنا عما يمكن أن نحكي أو نسأل عنه , فجاة إلتقت نظراتنا .. فإنفجرنا بالبكاء .
بعد ساعة تمكننا من ضبط أعصابنا لتسجيل كلام الدكتور , لكنني لم أستطع ان أسأل , حملت المايكرفون فقط وأعطيت ظهري الى الكاميرا .
كنت أعتقد ما تعرضنا له , إبني وأنا هو نهاية العالم … لكني في ذلك المكان إكتشفت أن ما أصابنا كان هينا أمام ما وقع على بشر أخرين مثلنا لا يقلون عني وعن إبني إنسانية .. عندها بدأت بتقبل ما جرى لنا , غير أني لم ولن أسامح نفسي أني جبنت .. فقتلت إبني .
نهاية العام 1991 كلفني المخرج الأستاذ محمد شكري جميل بتمثيل دور الملكة عالية في الفلم التاريخي ( الملك غازي) , أجواء عمل الفلم غير المألوفة في حياتي , أخذت الكثير من وقتي وأنستني الكثير من الهموم .. وكانت محبة العراقيين وإحترامهم الكبير لي خير بلسم داوى الكثير من جروحي .. الله على طيبتكم يا عراقيين .. لا يدركها إلا من أذلته الغربة بالعيش بعيدا عنكم .
قدمت طلبا الى السيد وزير الصحة طالبة الموافقة على منحي إذنا بالعلاج خارج العراق , عند مقابلتي له سألني عن أشياء كثيرة , كان رجلا خيرا دافئا , قال : على مسؤوليتي هذه المرة تخرجين من المستشفى وإبنك بين ذراعيك . ثم رشح لي الاستاذة الدكتورة وسناء أحمد الياور , لتكون طبيبتي الخاصة بعد رحيل الدكتورة عفاف الجبوري عن هذه الدنيا بغدر الحرب .
أجريت عدة عمليات جراحية للتخلص من آثار الإجهاض الهمجي الذي أوقعته علي الطائرات الأمريكية ليلة قصف فرع أبو جعفر المنصور لحزب البعث العربي الإشتراكي . حالي حال أي بناية على أرض العراق دكتها الطائرات الأمريكية ويعاد ترميمها الآن تحت شعار : تبا للمستحيل .
شهر حزيران من عام 1993 حملت من جديد . سترك يا ربي .. إبني الشهيد حملت به في حزيران ايضا .
نتيجة للحصار الذي فرض على العراق بقرارات الأمم المتحدة والقرارات الأمريكية , بدأت مخازن السلع تفرغ من محتوياتها , كما بدأت قيمة العملة بالإنهيار .
حين وصل سعر كيلو السكر الى 6 دنانير , تم جمع عدد من تجار العراق وإعدامهم بإعتبار جشعهم هو الذي تسبب في إرتفاع الأسعار , لكن الحكومة وبعد فترة أصدرت قرارا بالعدول عن تجريمهم ومنحت عوائلهم مكافآات شهداء .
وماهي إلا فترة أقل من شهرين ويعلق سعر السكر ب 150 دينار للكيلو .. فعقد إجتماع طاريء لمجلس الوزراء , سأل صدام الحاضرين عن طريقة لوقف تدهور أسعار العملة وأسعار السلع لأن الناس ماتت من الجوع .
أجاب رئيس الوزراء : إذا كنت يا سيادة الرئيس تريد تخفيف هذا الإنهيار فأوقف أولاد عائلتك وعشيرتك عن التجارة .
عند نهاية الإجتماع تم إعفاء رئيس الوزراء من منصبه , وصار صدام رئيسا للوزراء إضافة الى كونه رئيس الجمهورية والقائد العام للقوات المسلحة .
سياسة تبا للمستحيل هذه عممت على كل الوزارات ومن لا يقدر , حتى لو كان ذلك عن إستحالة .. يعفى من منصبه .
الأقمار الصناعية التي كانت فوق سماء العراق بدأت تقوي إرسالها التلفزيوني وتفنن المواطنون في طريقة صنع أطباق لاقطة من مواد لا تخطر على البال .. وتناهى الى أسماع الحكومة ذلك .. فصدر قرار : كل من يعثر لديه على طبق لاقط , سيصادر منه , ويسجن صاحبه 6 أشهر .
في إجتماع مجلس الوزراء التالي طالب رئيس الوزراء وهو صدام هذه المرة , وزير الثقافة والإعلام بالتشويش على الفضائيات كما نقوم بالتشويش على الإذاعات , فكان رد الوزير أن ذلك محال , فهذا تقدم تكنولوجي لا يمكن لنا قهره . عند نهاية الإجتماع أعفي الوزير من منصبه و تبا للمستحيل .
من شروط خيمة صفوان : مزيد من الممارسات الديمقراطية , التعددية الحزبية , تعدد وسائل الإعلام والصحف .
بالنسبة للممارسة الديمقراطية , حلها هذه المرة ( الخاكي الطرطور ) عوضا عن ( الزيتوني العظيم ) .
صرح الخاكي الطرطور ( ما نريد ديمقراطية .. أنت فصل ونحن نلبس ) , وذلك ليس غريبا على رجل يتغزل بأثداء زوجته وحلماتها في مقالات منشورة يستجدي بها إكرامية من الدولة .. ورجاءا لا تخلونا نسمي بالأسامي , وإلا والله أقول إسمه , ومن أسعد أيام حياتي , يوم سمعت بعد الغزو الأمريكي في 2003 أنه هو الذي سلم نفسه للأمريكان ليحموه من ( حملة عمل شعبي ) لعراقيين يلاحقونه لقتله .
بالنسبة للتعددية الحزبية .. نشرت الدولة إعلانا عن سماحها بتأسيس الأحزاب .. ولكن تحت إشراف مقيت يجعل من أي حزب جديد . شيئا يشبه تلك النكتة القديمة التي تقول (( الحزب الفلاني لصاحبه حزب البعث العربي الإشتراكي )) لذلك لم تتأسس أي أحزاب .
بالنسبة الى تعددية الصحف ووسائل الإعلام .. تصرفت الدولة بشكل آخر … تم تأسيس كيان ( التجمع الثقافي في العراق ) … بإعتبار يا بعد عيني , أن العراق يملك كيانات ثقافية متعددة سيوحدها تجمع واحد , وصار عدي صدام هو الرئيس لهذا التجمع الثقافي …. هلوو أبو سرحان
تلفزيون العراق من بغداد وقبل الحرب كان يضم قناتين : القناة الأولى والقناة الثانية .
بعد الحرب صفى قناة واحدة أسمها : تلفزيون العراق من بغداد .
كما أخذنا بناية التلفزيون التربوي في الأعظمية وأسسنا فيها محطة تلفزيون بغداد الثقافي .
نظام البث العراقي هو نظام ( سيكام ) فرنسي بنته لنا فرنسا بالمليارات كشرط من شروط بناء المفاعل النووي وسلمتنا إياه عام 1976 .. ولست أدري من أين جلب لنا عدي أستوديو بث نظامه ( بال ) ليتم نصبه في استوديو قديم في الطابق الثالث من البناية كنا قد هجرناه منذ العام 1980 .. لإفتتاح تلفزيون الشباب .. أظن الأستوديو مسروق من الكويت . لأن الذي يشتري شيئا , فإنه يشتريه ضمن خطة , أما الذي يسرق شيئا فإنه يحمله مثلما هو .
حين بدأ بث تلفزيون الشباب بالنظام ( بال ) .. وتلفزيونات الناس أكثرها تعمل بنظام سيكام فقط , فقد أنزلت الى أسواق الكاظم في بغداد وبقية أسواق المحافظات أجهزة ( ترانس كودر ) بيعت بسعر 25 دينار تربطها على تلفزيونك لتتمكن من تسلم بث تلفزيون الشباب الذي تم إفتتاحه يوم 17 / تموز / 1993 .
حادثة طريفة وقعت في حدود تلك الفترة من الوقت . واحد من أعضاء القيادة القومية لحزب البعث العربي الإشتراكي قام بزيارة رسمية الى فرنسا , وهناك نظموا له جدول زيارات الى مختلف الأماكن ومنها متحف اللوفر , شاهد في اللوفر معروضات مختومة بختم ( مركز صدام للفنون ) , حين عاد كتب ذلك في تقرير , ومن نتيجة التحقيق الذي سببه ذلك التقرير , إلقاء القبض على شبكة كبيرة لتهريب الآثار والمخطوطات والتحف واللوحات .
الشخص المسؤول عن هذه العصابة ولأنه من ( المعيه ) فقد تم إعفاؤه من العقوبة وأكتفي بإحالته على التقاعد . أما أفراد العصابة وبضمنهم نساء فقد ظهروا في التلفزيون في تقرير فلمي أرسلته لنا مديرية الأمن العامة .. صباح اليوم التالي كان قد تم إعدام الجميع شنقا حتى الموت , بضمن هؤلاء سيدة كانت تعمل في الإذاعة .
في غضون هذه الفترة تم إعدام 73 ضابط من ضباط الجيش من عشائر الجبور والجميلات إنكشف للدولة أنهم ينظمون لقلب نظام الحكم عسكريا . نعم .. الدولة كانت قد وصلت الى حالة من الضعف والفساد الذي لم يسكت عليه لا الجيش ولا الشعب , لكن الحكومة كانت جائرة في عقوباتها التي توقعها على الناس بلا رحمة .
الشاعر محمد مهدي الجواهري والشاعر عبد الوهاب البياتي قاما في العام 1993 بحضور مهرجان الجنادرية في المملكة العربية السعودية , فأسقطت عنهما الجنسية العراقية .
ولأن الشاعر عبد الوهاب البياتي هو عمي , فقد أمرني عدي أن أظهر في التلفزيون .. في البرامج الثقافية التي أعدها وأقدمها لإستهجان ما قام به عمي وإنتقاده والنيل منه .
أنا وبعد كل الذي مر علي وعلى بلدي , وشاهده ناسي قبل شهور قليلة , هل يمكن أن أنفذ مثل هكذا أمر ؟ .. لكنني حامل , والعصيان قد يكلفني فقدان ولد جديد . لذلك زرت الدكتورة وسناء الياور مدعية إدعاءات شتى حتى جعلتها تدخلني مستشفى دار التمريض الخاص عدة مرات مددا تزيد على الشهر في كل مرة , الى ان أنهيت حملي .. هل يمكن أن يأتون الى المستشفى لإخراجي وجعلي أنال من عمي ؟؟
بعد أسبوعين من دخولي المستشفى , نقل عدي معلمته في ثانوية كلية بغداد , المدعوة ميسون خضر عباس التي كانت تعمل معه وقتها كمديرة في اللجنة الأولمبية الوطنية الى تلفزيون الشباب وبدأت تظهر منتحلة إسمي : ميسون البياتي . حتى لو كانت هي أيضا لقبها بياتي , فلا يجوز لها إستعماله معي , فأنا أستعمله منذ عشرين عاما كإسم شهرة أظهر به في التلفزيون وصار مثل العلامة التجارية لا يجوز لغيري إستعماله .. ولكن هل يوجد في العراق قانون .. العراق في هذه الفترة كان : حارة كل من إيدو إلو .
أنا لم ألتق ميسون خضر عباس وجها لوجه إطلاقا , ولا أعرف أي شيء عنها , ولا أتهمها بأية تهمة , لكن الناس يقولون انها قوادة عدي . وهكذا وبعد فترة قصيرة من بداية ظهورها في التلفزيون , صرت إذا تسال أي مواطن صغير أو كبير , جاهل او متعلم , رجل او إمرأة : من هي ميسون البياتي ؟ يكون الجواب : قوادة عدي .
وقد كان ذلك الأمر خطة مدروسة بعناية من أجل تدميري .. أنا التي أحظى بهالة ملائكية في نظر الكثير من العراقيين , عززها قبل عام من تاريخه قيامي بتمثيل دور المغفور لها الملكة عالية آخر ملكات العراق التي لم تزل لحد اليوم في قلوب العراقيين وتصوراتهم : رائعة , كأم , وإنسانة , وملكة .
العقوبة رادع وليست إنتقام , هناك قانون تضعه الدولة إذا تجاوزه المواطن تقع عليه عقوبة رادعة وليست عقوبة إنتقامية , لكن الدولة بعد أن سقطت هيبتها بسبب ما وقع في الحرب بدأت تفرض عقوبات إنتقامية على المواطنين .. وإلا ما معنى صلم الآذان وجدع الأنوف وقطع الألسن وبتر الأطراف , ورمي الناس للكلاب لتاكلهم أحياء ؟ هل هذه عقوبات ردع أم عقوبات إنتقام ؟
أنا ومن دون أن أرتكب جرما أو ذنبا .. فقط كنت مريضة في مستشفى فلم أتمكن من تنفيذ أمر التنكيل بعمي , قام عدي بتوقيع كل تلك العقوبات الإنتقامية علي .. فصلم كنيتي .. وجدع إسمي .. وقطع لقبي .. وبتر شهرتي .. ورماني لكلاب الناس , من كل أجرب , وضال , ودعي قيمة وشرف , لينال مني , بشبهة إسم واحدة غيري يشبه إسمي .
عقوبة التنكيل بالإسم .. أكبر كثيرا من عقوبة التنكيل بالجسد .. فلا سامح الله الظالم , كائنا من يكون , لا في الدنيا ولا في الآخرة .
مستشفى دار التمريض الخاص تعتبر من أحسن المستشفيات في بغداد والعراق , ومع هذا بدأت علامات الضعف تبان عليها , أغطيتها صارت قديمة , أثاثها قديم , والأهم من كل هذا ليس فيها دم ولا دواء كافيان .
قبل موعد ولادتي , كتبت لي الطبيبة قائمة طويلة بأسماء الأدوية وعدد قناني الدم التي نحتاجها , أخذت منها الورقة ودرت بنفسي على كل مذاخر الأدوية في بغداد لجمع المواد , التي لم أجدها إلا في مذخر رقم 6 قرب نفق الشرطة خلف مركز شباب الفاروق . كانت هناك شحة رهيبة تلك الأيام بالأدوية والدم والأمصال .
حين حلت ساعة ولادتي , كنت منهكة نفسيا الى الحد الذي قررت معه طبيبتي القديرة دفع سريري الى صالة العمليات لتوليدي بعملية قيصرية , قبل زرقي إبرة المخدر , داعبت خدي بأصابعها وسالتني : ميسون خايفة ؟ قلت لها : لا .. ولكني أتأمل أما نعيش كلينا أو نموت كلينا أنا وطفلي , لم تعد لي قدرة على الحزن من جديد .
ولا أدري كم مر من الوقت لأحس على صفعات على وجهي وصوت الطبيبة تصيح : ميسون إصحي .. جالك ولد .. قرت عينك .
حين إسترددت وعيي طلبت مشاهدة إبني , فقيل لي إنه في صالة الخدج , كان نحيفا صغير الحجم الى درجة كبيرة , فوضعوه هناك ولايمكن إحضاره هذه الساعة .
ساورني الشك أنه ربما ….. ولا أحد يريد إخباري الآن , فطلبت من الحشد من الأهل والناس أخذي الى صالة الخدج في تلك اللحظة , وأمام إصراري لم يجدوا بدا من إحضار سرير وضعوني عليه ودفعوني الى صالة الخدج ,, وهناك رأيت حبيب عمري وحياتي للمرة الأولى , وضعوه في حضني لدقائق , حمدت الله وبوسته , وسميته ( المأمون ) , أسم وزنه على وزن إسمي , وهو لأعظم خليفة حكم بغداد , أطلق الإتحاد الفلكي الدولي أسمه على واحده من أكبر الفوهات الموجودة على سطح القمر من جانبه المنير عام 1963 , إعترافا بفضل الخليفة المأمون في قياس محيط الأرض بوسائل بدائية جدا وبنسبة خطأ تقل عن 80 مترا .
لا أدري من أين جاء الهاجس أن إبني ربما يحصل له شيء بعد ساعة أو ساعتين , ولحزن الكل على حالي فقد يستبدلونه لي بطفل آخر , وأظل طول عمري مخدوعة أحب إنسانا أظنه إبني لكنه ليس إبني .
عندها كان علي أن أبحث عن أي علامة فيه , نقطة , شامة , أي شيء , فلم أجد , لكني لاحظت حد الشعر المثلث على جبينه , قلت مع نفسي هذه علامة إبني … اذا أحضروا لي طفلا بلاها فلن أقبله .. ومنذ تلك اللحظة وحتى اليوم .. أحب قبلاتي لولدي من ذلك المثلث على جبينه .
كل الزملاء الصحفيين والإعلاميين إستقبلوا خبر ولادة إبني وكأنه بشرى لكل واحد منهم وهم يعلمون مقدار معاناتي التي مررت بها . الزميل الصحفي مجيد السامرائي نشر لي تهنئة بولادة إبني على الصفحة الاولى من جريدة الثورة تقول : مبارك ماما ميسون .
مشاعر الأمومة إستغرقتني وأنستني الدنيا وما فيها مدة ثلاثة أشهر .. وذات صباح وانا في إجازة الأمومة , رن الهاتف في بيتي , قيل لي أن السيد وزير الثقافة والإعلام يريد مقابلتي وأنهم أرسلوا لي سيارة التلفزيون لإصطحابي الى مبنى الوزارة . لم أكن أدري ما هناك ليتم إستدعائي وأنا مجازة لمدة سنة .
في مكتب الوزير بادرني مدير المكتب بالسؤال : ميسون كيف تتجرأين تغلطين وتتجاوزين على الأستاذ ؟؟
قلت مبهوته : أي أستاذ ؟
قال : الأستاذ الرفيق مدير ثانوية الإسكندرونة
بطرف عيني لمحت رجلا في المكان , نظرت اليه ثم قلت لمدير مكتب الوزير : من هو مدير مدرسة الإسكندرونة ؟
قال : الأستاذ الواقف جنبك
التفتت إليه وسالته : أستاذ انا أعرفك ؟ ألتقيت بك سابقا ؟
قال : نعم أنت تجسرت علي بالتلفون بألفاظ خارجة تماما عن الذوق والأدب وقلت لي أنا ميسون البياتي .. وأين ما يعجبك روح إشتكي . وانا عجبني أشتكي عند الوزير واريد أشوف كيف ستتصرفين .
قلت : أستاذ هناك واحدة ثانية إسمها ميسون البياتي تعمل في تلفزيون الشباب , أنا حاليا في إجازة أمومة .
بعد التحقق من حيثيات الشكوى تبين أن ميسون خضر عباس هي المعتدية على هذا الرجل الذي حين عرف ذلك .. دار رأسه وخرج من الوزارة .
في اليوم التالي ذهب إليه زوجي في المدرسة , وطيب خاطره , وترجاه أن يذهب الى أقرب مركز شرطة ويشتكي علي من أجل أن نفتح القضية , لكن مدير المدرسة رفض ذلك , قال أن القضية وصلت الى مكتب وزير الإعلام ولم يتخذ بها إجراء , فما الذي يمكن ان يفعله مجرد مأمور مركز شرطة !!؟
السمعة العفنة التي صاحبت اسم ميسون خضر عباس كقوادة لعدي .. وإستعمالها لإسمي جعلنا أنا وزوجي وأهلي ندرك أن إستمراري بعملي في التلفزيون معناه المزيد من المشاكل كل يوم .. والمزيد من حط القدر وتنزيل السمعة . ولم يكن هناك قانون أو قوة تحمي من جور عدي , لذلك حين انتهت إجازة أمومتي , وبهدوء شديد , ذهبت الى إدارة التلفزيون , أنهيت علاقتي تماما مع الإعلام , وتفرغت لعملي كتدريسية في جامعة بغداد .
كنت أعمل في رئاسة جامعة بغداد في الجادرية . غرفتي فوق مصرف الرافدين فرع الجامعة مباشرة تحت غرفة الدكتور الحارث عبد الحميد رئيس قسم الباراسايكولوجي , والذي تم إغتياله رحمه الله بعد الغزو الأمريكي للعراق في 2003 , كنت سعيدة بعملي في الجامعة ولدي علاقة واسعة جدا مع عموم طلبة جامعة بغداد , من ناحية ثانية مع عموم أساتذة جامعة بغداد من مختلف الكليات والإختصاصات , ومن ناحية أوسع فالعمل في رئاسة جامعة بغداد أتاح لي التعرف على أغلب أساتذة الجامعات العراقية , وجميع رؤساء الجامعات العراقية والمؤسسات العلمية .
حادثة جلل وقعت تلك الفترة هي قيام عصابة بقتل الدكتور خضر الدوري رئيس جامعة بغداد السابق في وضح النهار لغرض سرقة سيارته , كان الدكتور رحمه الله شخصية محبوبة على مستوى الجامعة وعملية إغتياله آذتنا كثيرا وأثارت الفزع بين صفوف التدريسيين .
أعقبتها بعد فترة قصيرة قيام نفس العصابة بإغتيال وزير الأوقاف نوري فيصل شاهر لغرض سرقة سيارته أيضا . عندها عمت حالة من الهلع في عموم بغداد من هذه العصابة التي بدأت بتقتيل المواطنين لسرقة سياراتهم . عندها قام السيد رئيس الجمهورية , رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة بتشكيل لجنة خاصة من وزارة الداخلية للتحقيق في الأمر . بعد عدة ساعات من بدء التحقيق , بدأت أصابع الإتهام تشير الى مخازن اللجنة الأولمبية العراقية , وهي مخازن السيد رئيس التجمع الثقافي في العراق …. هلووو أبو سرحان قرت بك عين الثقافة .
عندها قام الوالد الحانق بركوب سيارته وإنطلق بها من القصر الجمهوري متجها الى الأولمبية , نزل الى المخازن وأحرق كل السيارات الموجودة فيها … ثم أحال أكثر من مئتي شخص من العاملين في الأولمبية الى القضاء بتهم القتل والسرقة والتزوير والإحتيال والسمسرة والدعارة , والإحالة ليست سرا بل تم نشرها في جميع الصحف العراقية .
أنهيت عدة أشهر في الجادرية في رئاسة جامعة بغداد … ولأن مخطط تسقيط إسمي بسمعة من نوع خاص , الذي كانت تديره اللجنة الأولمبية , لكراهية غريبة موجهة لشخصي تكاد تبدو وكأنها ذات دوافع شخصية … فقد تم الإيعاز من قبل الأولمبية الى الدكتورة هدى صالح مهدي عماش عميدة كلية العلوم جامعة بغداد , بقبول ميسون خضر عباس للتحضير لدراسة عليا في كلية العلوم … وصارت الخاتون ميسون تأتي الى الجامعة وتسمي نفسها منذالآن الدكتورة ميسون البياتي … غرفتها في الجامعة لاتبعد عن غرفتي أكثر من خمسين متر .. فهل يوجد عاقل يمكن أن يعتقد أن ذلك صدفة ؟ أم أنه خطة مدروسة لتسقيط أشخاص هم أنا .. وعمي الشاعر المعارض .. وربما العشيرة كلها … وإلا هل سمعتم عن إمرأة يقال أنها تدير شبكة دعارة حكومية مخابراتية الأغراض , تقوم بإستعمال لقبها عند إدارة هذا العمل ؟ لتضع رأس عشيرتها في الوحل ؟
كلانا نعمل مذيعات في التلفزيون , وكلانا ( دكتورات ) في جامعة بغداد , وكلانا إسمنا : ميسون البياتي …… هل يتحتم علي أن أحمل لافتة مخطوط عليها : أنا لست هي !!!؟
أين أنتم يا بياتيون ؟؟؟ تظلون ساكتين … وما تتكلمون ؟؟؟
لماذا تحملون لقبكم إذن !!!؟
الله وحده يعلم كم تحملت في تلك الفترة من نظرات الإزدراء وعبارات التجني من ناس تخلط بيني وبينها حتى وسط الحرم الجامعي . أما أكبر أنواع التعليقات الجارحة والضحك التهريجي فقد تلقيته بسببها من طلبة الجامعة .. في اليوم التالي مباشرة بعد أن ظهرت في التلفزيون وهي تدير حلقة من برنامجها مع مجموعة من الشاذين جنسيا وتسألهم أسئلة تقع في باب المحظور ضمن ثقافتنا العربية الإسلامية .
أي إمرأة في كل الدنيا , كلمة تكون كافية لخدش سمعتها فكيف اذا إستعدت ( دولة ) للإساءة لسمعة إمراة ؟؟
ذات يوم أنهيت عملي في الجامعة وذهبت الى حضانة الجامعة تسلمت إبني وعدنا الى البيت , حين وصلنا رأيت البوابة الحديدية الخارجية مفتوحة ,, قلت من المؤكد أن زوجي قد نسي إغلاقها حين غادر البيت صباحا . وأنا أدلف الى حديقة الدار شاهدت رجلين وسيدتين في حديقتنا , سألتهم من أنتم ؟
قالوا : جايين عليك يادكتورة
نظرت الى وجوههم كانت ملامحهم غريبة .. المرأتين تربطان عصابتين سوداوين حول رأسيهما في وضعية حداد , أما الرجلين فيرتديات غترا مقلوبة . يا ساتر يا ربي , ماذا هناك ؟
قالوا أنهم من أهل بعقوبة منطقة الحديد , لديهم بنت متخرجة من الإعدادية , قالت لهم أنها إتصلت بميسون البياتي وستذهب اليها للعمل في التلفزيون , ومنذ أسبوعين غادرت البيت ولم تعد .
إتصلوا بميسون خضر عباس , فقالت لهم إنها لا تدري عنها شيئا , وأرسلتهم يبحثون عن إبنتهم عندي .
قلت لهم : منذ سنة ليست لي علاقة بالتلفزيون .. وميسون خضر عباس وحدها التي تعمل في تلفزيون الشباب .
والد الفتاة كان منهارا تماما وأخذ يبكي .
أدخلتهم الدار وقدمت لهم شايا .. توسلت بهم أن يذهبوا الى أقرب مركز شرطة ويشتكون علي … لكنهم رفضوا .
حين يكون الظلم غاشما , تحتار الناس في أمرها كيف تتصرف !! مخافة التعرض الى ظلم أكثر غشامة , كان الله في عوننا جميعا .
حين غادروا بقيت واجمة .. ثم تقيأت .. وبدأت أبكي .
حين عاد زوجي الى البيت , حكيت له كل شيء .. هو أيضا ضحية .. ظل واجما عدة ساعات , بعدها قال لي : تريدين أنتظره بالشارع وأقتله ؟؟
قلت : أنا من يجب أن يفعل ذلك
نظر إلي وقال : ميسون أنت أم .. إهتمي بإبنك وإصبري .. يجيلها يوم .
معدلات الغلاء كانت آخذه في التحليق عاليا , بيع المقتنيات وأثاث البيوت صار ظاهرة عامة , وبعد زيادة 2000 دينار الى راتب كل موظف سقط الدينار العراقي تماما .. وصل سعر رغيف الخبز الى 100 دينار .
الحصة التموينية التي كانت توزعها الحكومة كانت من أردأ النوعيات , ولا تصل في مواعيدها المحددة , ناهيك عن كمياتها غير المعقولة الشحة .
مثلا وصلت كمية السكر الممنوحة للمواطن الواحد لمدة شهر في بعض الأحيان : نصف كيلو سكر ….
عندها تداعت النكتة العراقية الى إستعمال الأغنية لإنتقاد الأوضاع , في تلك الفترة ظهرت أغنية لكاظم الساهر تقول : اللي يريد الحلو يصبر على مره ,,, لكن العراقيين حولوها للسخرية من سكر البطاقة التموينية بقولهم : اللي يريد الحلو ينتظر الحصة .
أما النكات التي قيلت في الطحين المليء بالمسامير ونشارة الخشب , فحدث ولا حرج .
القائد كان يمنح المواطن ( مكرمة ) كل رمضان , هي عبارة عن ( دجاجة ) مجمدة عليه أن يكتفي بها شهرا كاملا .
حصة كل طفل من علب الحليب بلاركون زنة 450 غرام هي أربع علب في الشهر .. تكفي الطفل لعشرة أيام فقط … وعليك أن تتدبر من راتبك ( الفخم ) شراء ثمانية علب أخرى لسد إحتياجه , يتلاعب بأسعار علب الحليب هذه : العرض , والطلب , وسعر الدولار , ومناسبات ( قومية ) لابد من الإحتفال بها ببذخ وأريحية . فذات 28 نيسان ومع الإحتفال بأعياد ميلاد القائد المنصور بالله حفظه الله … وصل سعر حليب البلاركون الى 2800 دينار للعلبة الواحدة , فيما وصل سعر طبقة البيض الى 6000 دينار … وحتى يأخذ القاريء تصورا عن مدى إرتفاع هذه الأسعار أقول : ذاك الشهر كنت انا الدكتورة أستاذة الجامعة أتقاضى راتبا شهريا مقداره 4500 دينار .
هل يدري أحد كيف كان يعيش العراقيون !!!؟
أتذكر حادثة ذات دلالة أحب سردها هنا … كلفتني رئاسة جامعة بغداد بحضور إجتماع للجامعات العراقية يتم عقده في الجامعة المستنصرية , وفي الطريق من الجادرية الى شارع فلسطين .. تعرضنا الى حادث مرور شنيع , كادت تنقلب بنا السيارة لأن سائق الجامعة الذي معي كان نائما خلف المقود . بدأت بالصراخ ووبخته على فعلته , فقال معتذرا : دكتورة والله ليل البارحة كله ما نايم .
قلت : عندك دوام الصبح .. لماذا تبقى ساهرا طول الليل ؟
قال : دكتورة .. أنا أشتغل في مزارع الأستاذ عدي أثناء الليل .. العيشة مرة
قلت : وماذا تزرعون في الليل ؟
قال : أنا لا أزرع .. عملي فقط أقشر بيض !!!
قلت : تقشر بيض !!؟
قال : نعم دكتورة .. انت تدرين الأستاذ عدي الله يخليه إشترى من الدولة مفاقس الصقلاوية , ولهذا فهو يتحكم بكل كمية البيض التي تنزل الى الأسواق العراقية , قبل مدة وصلت الى العراق عدة أطنان من البيض مساعدات من إحدى الدول , هذه اذا توزعت على المواطنين راح تكسر سعر البيض بالسوق لذلك أمر الأستاذ عدي أن يسلق هذا البيض ويقشر ويقدم كعلف الى أحواض السمك التي تعود له .. ولهذا فعملي طول الليل هو تقشير بيض مسلوق .
قلت : إنتبه على الطريق ووصلنا سالمين .
منذ بداية الإرتفاع الجنوني للأسعار .. كنت قد ألزمت نفسي تطوعا بعدم أكل البيض , كنت أتصور لو أن كل بالغ فعل ذلك فربما وبشكل ما نعطي فرصة لتوفير بيضة لطفل صغير هو أحوج منا إليها لبناء جسمه وأعضائه ودماغه …… لكن ممارسات حقيرة من النوع أعلاه , تجعل حتى تضحياتنا الصغيرة تلك : مضحكة , ولا داعي لها .
وسط كل ذاك الحال الكالح .. ظهر صدام ذات ليلة في التلفزيون وهو يستقبل أطفال مدرسة إبتدائية أعمارهم تقارب العشر سنوات , ويرتدي ملابسه العسكرية حدثهم عن النظافة واللياقة البدنية , وأهمية العناية بأوزانهم , ثم قال إنه يعتني بوزنه ولياقته البدنية بشكل كبير , ولكن لأن البعض قد يفسر نحافته على إنها ( جوع ) أو ( من قلة الأكل ) , لذلك صار يأكل كثيرا هذه الأيام , وهو يحب : المعلاك وثريد البامية , وأن على الجهات التي تفرض الحصار على العراق أن تعرف أن الحصار هو على الشعب فقط . لأن صدام لن يجوع حتى لو صار سعر رغيف الخبز ألف دينار , وأن على العراقيين أن ( يناضلوا ) من أجل رفع الحصار .
كلمة ( يناضلوا ) هذه أليست كلمة غائمة وغير واضحة المعنى ؟ ما الذي يتحتم على العراقي أن يفعل ليرفع الحصار ؟ هل هناك خطوات عملية لهذا النضال ؟ أين هو ( ماسلو ) صاحب نظرية علم النفس المسماة : نظرية هرم الحاجات ؟ أبسط حاجات العراقيين التي تقع في أسفل الهرم , كانت غير موجودة , وعليهم أن ( يناضلوا ) من أجل إثبات ذاتهم كعراقيين , ألا يتقاطع ذلك تماما مع الطبيعة البشرية , وكما تحدد النظرية ؟؟؟
وسط هذه الهجمة من إرتفاع الأسعار, وموت الناس البطيء بسبب شحة أو إنعدام كل شيء , كانت العائلة الحاكمة تتصارع فيما بينها على إقتسام أكبر ما يمكن من النفوذ والغنائم , وذات صباح , لم نسمع إلا والإذاعة تذيع أن حسين كامل وأخوه صدام كامل أنسباء السيد الرئيس القائد قد هربا خارج العراق بصحبتهما كريمتي القائد وأحفاده منهما .
قبل ذلك بيومين كان عدي قد أطلق النار على عمه وطبان وابن عمه أحمد وطبان , الذي كان طالبا في كلية القانون جامعة بغداد . عند صباح اليوم التالي تسلمنا في الجامعة أمر ترقين قيد أحمد من كلية القانون , وهذا ينبيء أن الصراعات كانت حادة جدا داخل العائلة .
في تلك الأيام وصلت حدة وشدة الحصار الى مديات لا يمكن تصورها , شارفت مدخراتنا على النفاذ .. وحين ننظر الى الأمام .. فنحن ننظر الى مجهول نتوقع الهاوية السحيقة في كل خطوة من خطواته .
علاقاتي الطيبة مع الناس ومحبتي لهم وتواضعي , تجعل بعضهم يتطوع لخدمتي بما لا أتوقع , ذات يوم جاءت دكتورة من إحدى الكليات الإنسانية زوجها يعمل مدير أمن تركض الى غرفتي بالجامعة , قالت لي : ميسون إلحقي نفسك .
قلت : خير ماذا هناك ؟
قالت : فضيحة كبيرة بين عدي وميسون خضر عباس , كذا تفاصيلها , ( وهي تفاصيل مشينة جدا يعذرني القاريء من كتابتها ) . عدي عاقب ميسون بسببها بكذا وكذا.. وكذا .. كما أمر عدي بحجزها في الرضوانية وطردها من اللجنة الأولمبية , ياميسون .. هناك من يتصلون ببيتنا يوميا عشرات المرات يسألون من منكن هي صاحبة هذه الفضيحة ؟ أنت ؟ أم هي ؟
حين كانت الود متصلا بين عدي وميسون خضر عباس .. تم تدميري , واليوم وبهذه الفضيحة الجديدة فإنه يتم القضاء علي قضاءا مبرما .
ميسون خضر عباس , حملت إسمي : ميسون البياتي , وظهرت به في تلفزيون الشباب لمدة عام ونصف فقط … لكنها سامحها الله .. لطخته لي الى الأبد .
حملت نفسي وذهبت الى السيد وزير الإعلام كلمته عن كل الحكاية … بعد يومين كانت قد تمت إعادتي الى تلفزيون العراق من بغداد لقراءة الأخبار مرة واحدة في الأسبوع مع تقديم بعض البرامج الثقافية ,, ظهوري على الشاشة هذه الفترة كان يخدمني لقتل أي إشاعة علاقة لي بما جرى للاخرى .
مرت الأيام وجاء العيد … ليلة العيد وصلنا بيان من الرئاسة يعلن عودة أنسباء القائد وبناته وأحفاده من الأردن الى العراق .
بعد عدة ساعات ,, وصل بيان ثاني .. يعلن أن بنات القائد قد طلقن ازواجهن طلاق إستنكاف من العشرة .
آخر يوم العيد كنت أغطي فترة ختام التلفزيون أرتدي قميص أحمر وجاكيت أسود .. جاءني أمر بخلع الجاكيت الأسود والظهور بالقميص الأحمر فقط … كانت الدولة معيدة … قبل ساعات كانوا قد ذبحوا حسين كامل وأخوته وأبوه … جلبوا لنا شريط قتلهم لبثه على المواطنين , وقبل ثواني من عرضه جاء أمر بعدم العرض .
ولم تمض إلا عدة أشهر فيتعرض عدي الى ضربة مسلحة عندما كان يتجول بسيارته في المنصور … الحمد لله والشكر .. الله ألهاه بنفسه .. ولم يعد له مجال لأذية أحد .
عند إفاقة عدي من ضربته القاتلة أعطى إفادة أنه يشتبه أن الذين تعرضوا له بأعمار طلبة جامعة , ولهم لحى تشبه لحى الإيرانيين .
بعد أيام كنت أداوم في التلفزيون … زار صدام ولده عدي في المستشفى , وفي تلك الزيارة .. تم عقد قران عدي على إبنة علي حسن المجيد .. هل كان عدي في تلك اللحظات بحاجة الى زواج ؟ ….. أم هي حكاية تصدعات خطيرة داخل العائلة الحاكمة يتم ترميمها بمثل هذه الزيجات ؟
جلبوا لنا شريط تسجيل مراسيم عقد القران في المستشفى .. والخبر كان من المفترض أن أقرأه أنا في جريدة المساء .. قبل وصولي الى هذا الخبر بدقيقتين , إنفتح باب الأستوديو ودخل محرر سحب الخبر مني بناء على تعليمات رئاسية .
في اليوم التالي صباحا كنت أحمل إبني الى حضانة جامعة بغداد في الجادرية المقابلة للقسم الذي أعمل به … كان يمتد تحت تمثال صدام في ساحة برج الجامعة خط طويل جدا من الطلبة الذكور , أجبروا على الإصطفاف ليتم إلتقاط صور لهم , تؤخذ لعدي عله يتعرف على مهاجميه من بينهم , وعلى خطورة معنى ذلك , إلا أن الأخطر منه , هو وقوف سيارتين ( بيكب ) مرقطة لقوات الطواريء في ساحة الحرم الجامعي .. مركب عليهما رشاشات آلية مرتبطة بأحزمة رصاص , مستعدة لرمي الطلبة عند أتفه حركة غير عادية .. الرماة الذين كانوا يقفون خلف الرشاشات الآلية , كانوا يرتدون على رؤوسهم أكياس مرقطة من القماش , وليس فيها غير فتحات للعيون .
خوف شنيع بارد يصيبك وأنت تعبر ( الأرض الحرام ) تلك ذاهبا بطفلك الى دار حضانته , ولاتدري عند أقل خطأ بشري ما الذي يمكن ان يقع !!؟
مرت الأيام ثقيلة , تطحنها الحاجة الحقيقية الى أشياء أساسية , غذاء ودواء وكساء ومختلف الحاجات التي من دونها بدأنا نعود الى العصر الماضي . بدأت سحنات الناس وأشكالهم تتبدل , وبدأت قلوبهم تقسى وأخلاقهم تتغير , إمتحان الحصار عرى الكثير من الدوافع البشرية الزائفة .. وضاعت الكثير من القيم .
أعداد كبيرة من المثقفين أخذوا ينزلون مكتباتهم الى شارع المتنبي لبيعها سدا لحاجتهم الفعلية الى المال , لاأظن المثقف يستطيع بيع كتاب لو لم تكن به حاجة قاتلة , لذلك إعتدنا أنا وزوجي بين فترة وأخرى أن نذهب الى شارع المتنبي لتصفح المعروض من الكتب , وشراء بعضها .
ذلك اليوم , تناوبنا على حمل ولدنا على أكتافنا لنحميه من زحمة الناس ونحن ندور بين بسطات الكتب التي رصت على رصيف الشارع من الناحيتين , ولا أذكر لماذا قررنا ذلك اليوم وكان يوم جمعة أن نذهب الى سوق الشورجة !!؟
إرتفاع الأسعار , كان جزء منه لأسباب حقيقية مثل زيادة الطلب عن العرض , أو تدهور سعر الدينار العراقي , لكن جزءا آخر منه يعود الى ظاهرة الإحتكار . دخل الى عالم التجارة عدد كبير من الأثرياء وصاروا يشترون البضائع بأموالهم ويحتكرونها الى أن يشتعل سعرها في الأسواق فيبدأون بتصريفها على مهل ليبقى سعرها مرتفعا .
خلال تلك الفترة بدأت مفاوضات العراق مع الأمم المتحدة التي عرفت بمفاوضات ( مذكرة النفط مقابل الغذاء والدواء ) ترأسها الدكتور عبد الأمير الأنباري سفير العراق في الأمم المتحدة , تصريحات الرجل , دكت إحتكارات السوق العراقية دكا , تراجعت الأسعار الى ربع معدلاتها , الحاجة التي كنت تحصل عليها بألف دينار صار سعرها 250 ,, مع التصريحات المتفائلة حول التوصل الى إتفاقات مع الأمم المتحدة , كان المحتكرون ينزلون بضائعهم الى الرصيف لبيعها إستعجالا ,, وكان ذلك يجعل أسعارها تتهاوى … بسبب ذلك تحول إسم الدكتور عبد الأمير الأنباري الى : عبد الأمير أبو البواري …. وأنت تتجول في الأسواق صرت تسمع هتافات البائعين وهم يصرخون : بيع … بيع قبل ما يقرا المذيع .
أي تصريح متفائل يقرأ من الإذاعة والتلفزيون , كان كافيا لملئ السوق بالبضاعة .
رغم الدور المهم الذي لعبه عدي كرئيس للتجمع الثقافي , إلا أنك لاتستطيع أن تتعامل معه على أنه ( رجل دولة ) , بل هو بنفسه يجبرك على معاملته ( كولد ) يحاول بناء مجده الشخصي في ظل أبيه .
لم يكن يتحمل مسؤولية الأوامر التي يفرضها على العاملين معه بنفسه فيحميهم من غضب والده وعقوباته .
في تلفزيون الشباب على سبيل المثال , كان يعطي الصلاحية الى فاحصي الأفلام والمسلسلات التي يعرضها , بقبول المسلسل أو الفلم مثلما هو , بما يحتويه من جنس أو عنف , أو أي ما تكون الممنوعات الواردة فيه , حين يتم عرض المادة , ويأتي إعتراض من الوالد على ذلك , فإن عدي لم يكن يصحح التعليمات الممنوحة الى الفاحصين , لكنه كان يعاقب الفاحصين , ضرب بالفلقة , وحجز في الرضوانية , وعقوبات أخرى من هذا المستوى تتكرر بإستمرار .
صحيفته ( بابل ) لم تكن صحيفة جدية , على خطورة كونها ملتزمة من إبن الرئيس , لأن جرة قلم من الرئيس كانت كافيه لجعل إبنه يتراجع . والمقالات التي تنشر فيها تعتبر في أغلب الأحيان ( تغريدا خارج السرب ) يعبر عن رأي عدي وحده .
أيام التفاوض على ( مذكرة النفط مقابل الغذاء والدواء ) أعطى عدي أوامره الى كتابه بإستهجان المذكرة , فصدرت مقالات تحوي أفكارا من نوع ( نفط العراق : من قرار التأميم الخالد _ الى مذكرة النفط مقابل الغذاء والدواء ) .
بعد ساعة من نزول عدد ذلك اليوم من صحيفة بابل الى الأسواق , تم إعتقال إثنين من الصحفيين , كانا قد كتبا في هذا الموضوع , عدي ظل ساكتا , لم يحمهما من غضبة أبيه , لكن منظمات حقوق الإنسان ظلت تصرخ , على إعتبار أن الصحفيين من ( معتقلي الرأي ) …
أي رأي ؟؟ …. والله كانت أوضاعنا مهزلة .
أقر وأعترف وأأكد … أن الفساد الأخلاقي لمعظم الناس , هو السبب الحقيقي لمعظم المشاكل التي تقع بين البشر , الإنسان حين يكون صالحا أخلاقيا يتعامل بإيجابية مع محيطة فلا تقع منه إلا أقل إحتمالات المشاكل , في حين الفاسد أخلاقيا يكون نقطة إستقطاب لها .
وحين يكون الحاكم ظالما … فهو يظلم بقراراته .. لكن هناك ناس ( فاسدة ) تعينه على إصدار تلك القرارات وتنفيذها .
رغم جور الحصار في تلك الفترة .. إلا أنني كنت أحس أني إنسانة سعيدة . إبني يملأ حياتي سعادة , عملي في جامعة بغداد يحمل لي الجديد والمثير والطريف كل يوم . وكنت داخل الجامعة منهمكة في كتابة العديد من البحوث في وقت واحد وأتابع ترقياتي العلمية بشكل مستمر .
أما عملي في التلفزيون فقد صار أكثر كفاءة … صرت أعد جميع البرامج التي أقدمها , ولم يعد يعجبني تقديم برنامج من إعداد أحد , وتعاوننا أنا وزوجي على إعداد وإخراج العديد من البرامج التلفزيونية المتألقة مثل البرنامج الدرامي الإجتماعي : حذار من اليأس , والبرنامج الثقافي الرائع : حوار في كتاب , إضافة الى العديد من البرامج الخاصة التي لم تكن إلا حلقة واحدة لتغطية مناسبة ما مثل برنامج : يوم القدس , وبرنامج : تعلولة بغدادية .
خلال هذه الفترة صار ظهوري بين الناس لافتا للنظر .. وهذا بالتأكيد يثير حفيظة الكثيرين . لاأحد يحسدك حين تكون قبيحا أو فاشلا أو مكروها … لكن جمالك سيثير عليك أحقاد كل القبيحين الذين خلقهم الله على الأرض .. وكأن الجمال سبة . وحين تكون ناجحا فإن نجاحك سيؤلب عليك كل الفاشلين الذين لا يدرون كيف يخطون طريقهم أو يقولون كلمتهم . أما حين تكون محبوبا .. فتلك هي الطامة الكبرى , سيركض وراءك كل الذين يعانون من الهجر والإهمال وإفتقاد الود , باحثين عن عيوبك لتجسيدها , كي يقولوا للغير : إنها لا تستحق المحبة .
عانيت من كل هذا .. وانا أعمل في التلفزيون مدة 25 سنة , وإزدادت معاناتي خلال السنوات مابعد 1990 لأني صرت أكثر بريقا .
حتى تكمل …. في يوم بغداد , عرض لي برنامج التعلولة البغدادية , البرنامج من إعدادي وتقديمي وإخراج زوجي . طول البرنامج 3 ساعات , تحدثنا فيه عن بغداد منذ وضع لها أول خط على الأرض في أيام الخليفة المنصور , وحتى تحليق الأواكس الأمريكية فوقها . وكنا عامدين متعمدين أن لا يذكر أسم صدام في البرنامج أو إسم القيادة التاريخية الفذة , البرنامج كان عن بغداد .. ولها فقط . وأتمنى لو كانت هناك نسخة باقية من البرنامج ليعاد عرضها .
كما قلت … حتى تكمل … كان البرنامج ما زال يعرض على الهواء , حين إتصل مدير مكتب رئيس الجمهورية , أبلغ الإذاعة والتلفزيون بشكر الرئيس لي كمعدة ومقدمة للبرنامج , وشكره لزوجي المخرج .. وتكريمه لنا مع جميع الأساتذة والمختصين الذين ظهروا معي في ذلك البرنامج , صباح اليوم التالي جاء محاسب الرئاسة الى التلفزيون وسلمنا صكوكا معنونة الى البنك وغادر .
صحيح أن المبالغ التي كانت في تلك الصكوك لم تكن مبالغ كبيرة من النوع الذي تعود صدام أن يصرفه للمواطنين .. لكنها كانت ( تكريم ) أثار حفيظة الكثيرين والكثيرات ممن يعملون معنا في التلفزيون … كما ان الخبر وصل الى عدي , الذي تذكر عصياني وتسويفي لأوامره … وهذا ما سيفتح على قضية جديدة .
ضابط الإتصال بين مديرية الأمن العامة ودائرة الإذاعة والتلفزيون إتصل بي وأبلغني أن العميد مسؤول الثقافة الإعلام في الأمن العامة يريد مقابلتي
وهدوء كل العراقيين يخافون , لكننا مجبرين حبا بالنجاة والسلامة أن نتعامل بصبر وابتسامة , فقط المغلوبون على أمرهم يفهمون معنى ما أقول .
سألته بهلع مغلف بالود : أين سنلتقي ؟
قال : نحن نسقنا مع ضابط أمن جامعة بغداد وسنأتي لزيارتك غدا في مكتبك بالجامعة عند العاشرة صباحا .
راجعت ملف حياتي : لم أفعل شيئا , لم أقل شيئا , ربي نجني من ساعة الغفلة وصاحب السوء .
في اليوم التالي جاؤوا ,, مباشرة سألوني عن علاقتي بعبد الوهاب البياتي , قلت لهم : نسبا هو عمي , لكني لااعرفه , لأني لم أره ولم ألتق به .
وفهمت منهم أنهم يسألون عما يمكن أن ألحقه به من أذى
قلت لهم : ولكن ما علاقتي به ؟… إذا كانت لكم مشكله معه .. حلوها مع بعضكم , ما علاقتي بالموضوع حتى تورطوني به ؟؟
أخذوا مني عناوين كل العائلة , أهل عبد الوهاب , أخوته وأخواته , وأرقام هواتفهم , وأماكن عملهم , ووعدوني بزيارة تالية , وراحوا .
بقيت أتقلب على جمر بانتظار التالي من الأمر , أنا أعرف أن هذه القضية تحركت من جديد بإيعاز من عدي , وإلا ما الذي ذكر الدولة بعبد الوهاب البياتي بعد 4 سنوات من سحب الجنسية منه ؟؟
بعد حوالي عشرين يوما كنت أقرأ الأخبار في التلفزيون , حين غادرت الأستوديو كانت سماعة التلفون بانتظاري , وكان المتحدث شخصا لا أعرف اسمه من ديوان رئاسة الجمهورية , أمرني بمقابلته بعد عشر دقائق في استعلامات القصر الجمهوري / كرادة مريم / خلف مستشفى الطفل العربي , تكلم معي بلهجة صارمة فهمت منها أنه قد وقعت الواقعة .
لم يكن يعنيني في تلك اللحظة غير إبني الوحيد ( المأمون ) ذي السنتين ونصف والذي ما كنت أدري , هل سأعود الى البيت لأحضنه أم أن قبلتي له هذا الصباح كانت آخر قبلة !!؟
في القصر الجمهوري عوملت بالزجر والعنت , تصوروني إمرأة تخاف من غلظة الكلام وعلو الصوت , وأمروني أن أعيد بخط يدي كتابة مقالات ضد عمي أعدوها وأن أرفق معها صور حديثة لي تصلح للنشر , ليتم نشر كل ذلك فيما تيسر تحت هم يد حكومة العراق من صحف ومجلات عراقية وعربية وأقليمية . وأعطوني مهلة عدة أيام لإتمام ذلك .
طبعا كانت المقالات كلها سب وإهانة , لايمكن أتصدر مني بحق رجل هو بالنسبة لي بمثابة والد , والدي الحبيب عبد الرزاق الذي محبته في نفسي هي مثل محبتي لولدي المأمون لا أقل ولا أكثر .
أنا متأكدة أن هذه المشكلة لم تكن بأمر من صدام , ما الذي ذكره بعمي ؟ وهل يملك صدام شجرة أنساب ليعرف قرابة الناس من بعضهم ؟ وهل يأمر بالتعامل معي بذلك الشكل المهين بعد عدة أيام من تكريمه لي ؟
لذلك أصررت على مقابلته لأسمع الأمر منه شخصيا . لا يمكن بعد هذه الخدمة الطويلة وتحمل المسؤولية أن تأمرني الدولة بأكل لحمي , فأنفذ على الفور ودون مقاومة .
خلال يومين كنت قد قابلت وزير التعليم العالي , ووزير الإعلام , ووزير العدل بحكم صداقتنا أنا وزوجي معه , طلبت منهم ترتيب مقابلة لي مع صدام لكنهم قالوا إن ذلك غير ممكن . رفعت سماعة الهاتف وإتصلت بوزارة الداخلية طالبة مقابلة الوزير محمد زمام عبد الرزاق فأعطيت موعدا في اليوم التالي .
طلبت منه مقابلتي بصدام لكنه قال إن مقابلته لصدام تتم دون موعد مسبق لإحتياطات أمنية وهو لا يدري موعد المقابلة المقبلة حتى يعدني بشيء . لكنه رفع سماعة الهاتف وإتصل بسكرتير طه ياسين رمضان طالبا لي موعدا لمقابلة أبو مريم , قال إنه الوحيد الذي يقابل صدام أسبوعيا , كما أنه يملك من الصلاحيات ما يمكنه من وقف تنفيذ أي أمر إذا لم يكن صدام هو الذي أمر به فعلا .
صباح اليوم التالي كنت في بناية الزقورة في شارع أم العظام , حيث المقر الرسمي لعمل طه ياسين رمضان , حين فهم سبب طلبي مقابلة الرئيس , قال لي إنني إعلامية ناجحة وتنفيذي مثل هذا الأمر سيخدمني كثيرا , ووعدني بتحقيق ما لا أتمكن من أن أحلم به من إمنيات وبتدخل شخصي منه , اذا نفذت المطلوب مني .
والشهادة لله , طه ياسين رمضان أبلغني في تلك المقابلة أن سلسلة مقالات شاعر العرب الأكبر عبد الرزاق عبد الواحد ضد عمي عبد الوهاب البياتي والتي عنوانها ( أنا والبياتي ) كانت مقالات مدفوعة الثمن والحافز من قبل الحكومة العراقية , وأنها تحولت بعد ذلك الى كتيب أو كتاب , بدفع من الحكومة العراقية أيضا ..
خرجت من بناية الزقورة خائبة الرجاء .
هو هذا حبك يا عراق ؟
لا صاحبك صاحب ؟
ولا صديقك صديق
ولا إبنك إبن
وما بقى بيك شيء حلو غير بس التمر .. لابل حتى تمرك حشُف
25 سنة كنت شايلني بعيونك .. هسه وصلت حدها , راح تنزلني على التراب ؟
بعد الحب وبعد العشرة .. نلتقي مثل الأغراب
واحد ما يعرف بالثاني .. ولا كأنا كنا أحباب
ماتت لهفتنا المجنونة
ما أقساك .. وما أقساني
أتساءل وحدي وأتألم .. يا ترى من بينا الجاني ؟
في كل بقاع الأرض .. حين يكبر الإنسان وينجح ويضحي , يقدر تقدير عالي يستحقه .. إلا في العراق , العراق يعامل أبناءه على الأغلب , مثلما تعامل الكلبة جراءهها . حالما يكبرون قليلا تبدأ بعضهم عضا قاسيا مبرحا , لتعلمهم الفطام . تمنع عنهم حليبها وحضنها وحنانها ودفئها , وتعلمهم على الجوع بجفائها وغلظة قلبها . فتدور الجراء على الأبواب بحثا عما تأكل , وتتعلم النوم في الشارع .
حين تتظافر عوامل الوضع الخاص مع عوامل الوضع العام , فإن ذلك قد يؤدي الى كوارث على المستوى الشخصي .
تكلم معي زوجي كلاما مخيفا .. قال لي إن عنادي لن يخدمني , بل سيوصلني الى التهلكة , في المرة السابقة حين طالبني عدي بموقف معلن من عمي ورفضت .. هتكوا لي إسمي … هذه المرة ما الذي يمكن أن يقع ؟ إضافة الى أن الدولة لو أرادت , فإنها قادرة بمختلف الوسائل على إجباري تنفيذ ما تريد وأنا الممنونة .. فلماذا أدفعهم بعنادي الى سلوك مثل هذا الطريق ؟
لكني كنت أرى موقفي من حقي … واحد من أبسط حقوق الإنسان أن يحافظ على نفسه بعيدا عن النزاعات والمشاكل , اذا كانت لهم مشكلة مع البياتي الشاعر , ما علاقتي أنا بها ؟ ثم ماذا فعل البياتي الشاعر ؟ شارك بحضور مهرجان الجنادرية ؟ طيب , تم سحب الجنسية العراقية منه مقابل ذلك , أليس هذا أكثر من كافي بحق علم من أعلام العراق ؟
كان الحل الأفضل لحماية نفسي في هذا الوقت العصيب هو مغادرة العراق . لكنه كان حلا مكلفا الى أبعد الحدود , قررناه أنا وزوجي , شاعرين بفداحة قرار يشبه الإعدام , لكنه إعدام بلا موت , فزوجي لم يكن يستطيع مصاحبتي .
كانت له زوجة أولى وولدين مراهقين منها .. ولم يكن يستطيع ترك ولديه في العراق دون أب , في وضع العراق خلال النصف الثاني من التسعينات . وأنا أحترم قراره هذا وأقدره وأثني عليه ,, فلا خير في رجل يتخلى عن أولاده , ومهما كانت التضحيات .. وحتى لو كانت من أجلي .
إتصلنا بطيبين من أهل العراق هاماتهم أعلى من هامات نخل العراق ونخوتهم أعلى من عنان السماء . قلنا لهم : إنتهت
بعد عدة ساعات طرقوا بابنا ووضعوا في يدي جواز سفر فيه اسمي وصورتي , واسم ابني وصورته .
وضعت أشياء بسيطة لي وإبني في حقيبة يد ومعها وثائقي . ولبست ملابس إسلامية لإخفاء هيأتي , ومن منطقة الصالحية ركبنا سيارة أجرة وغادرنا العراق الى الأردن .
حين وصلنا الى منطقة الكيلو 160 بدأت أتلفت خلفي .. أنظر الى العراق الذي لن أراه مرة ثانية .
في نقطة طريبيل الحدودية ,, فكرت بالعودة الى بغداد ,, عدة مرات أخرج جواز السفر من حقيبتي وأعيده إليها .
أرجع الى بغداد وأفعل ما تطلبه من الحكومة .. كل الناس ستسامحني وتعذرني وسيعرفون أنني كنت مجبرة على ذلك .
ولكن هل تحترمين نفسك يا ميسون بعد كل العار الذي ألحقه عدي بإسمك , تعودين صاغرة وتنفذين تعليمات حقيرة لا داعي لها ولا داعي لتنفيذها ؟
حين سلمت جواز سفري الى الشباك … شعرت أنني مباشرة , صرت وحدي , لا وطن ولا أهل ولا زوج ولا أصدقاء ولا جامعة ولا تلفزيون .. ولا حتى عمل أو إقامة في المكان المجهول الذي أنا مغادرة إليه .
من تعب كل عمري لم أحمل معي غير شهاداتي وإبني ذاهبة بهم في طريق مجهول , عبرت بنا السيارة من نقطة طريبيل العراقية الى نقطة الكرامة الأردنية … شارع طويل يربط بينهما يمتد على طول الشريط الحدودي الفاصل …
تلك اللحظات شعرت بنفسي , جروة صغيرة كانت ترضع , باغتتها من مرضعتها عضة مدمرة , جعلتها تكفر بالدفء والحنان والحليب , فغادرت لتأكل وتنام في مزبلة الغربة .
قبل وصول نقطة الكرامة .. شاهدت علامة دالة على الطريق مكتوب عليها (( آخر حدود الكرامة )) .
فعلا .. الوضع في العراق جعلنا نعبر آخر حدود كرامتنا .
وتبا للمستحيل

Posted in الأدب والفن, ربيع سوريا | 1 Comment

فيديوعجوز تلقن غلمان داعش درساً تقتلون بعضكم مثل الحمير ارجعوا إلى الله

رائع.. عجوز تلقن غلمان داعش درساً لن ينسوه وجهاً لوجه : “ارجعوا إلى الله
syrchild

Posted in ربيع سوريا, يوتيوب | Leave a comment

مخاوف بين أهالي مدينة الرقة من اليورانيوم المشع

 ابو ابراهيم الرقاوي : موقع الرقة تذبح بصمتResidents walk along the Tal Abyad street market in Raqqa, ahead of the upcoming Muslim Eid al-Adha holiday

يعيش أهالي مدينة الرقة في دائرة موت يومية , فقصف النظام في الصباح , واصوات هدير طائرات التحالف التي تستهدف مقرات داعش , بينما سوط تنظيم داعش يلاحق المدنيين على أصغر الأمور ليبقى أهالي مدينة الرقة هم الحلقة الأضعف .

ولكن الموت قد يتجسد بأشكال عديدة منها الموت البطيء الذي يتخوف منه أهالي مدينة الرقة بشكل كبير في الفترة الأخيرة , إذ يدور حديث الشارع الرقاوي حول الأثار البعيدة لقصف طائرات التحالف بالقنابل الحديثة والتخوف من أن تكون تحوي اليورانيوم المشع والفسفور الابيض التي تؤدي على المدى البعيد الى التشوهات الخلقية وأمراض السرطان والامراض الغريبة وتلوث الجو وغيره وبسبب عدم دفن مخلفات هذه القنابل تحت التربة يبقى الموضوع يشكل مصدر قلق كبير لأهالي المدينة , إلا أن هذا الحديث لا يتجاوز مرحلة الشكوك .
و تتعرض مدينة الرقة الى قصف عنيف دائم من طائرات التحالف الدولي التي بدأت حملته على مدينة الرقة منذ 23 من سبتمبر 2014 مستهدفة مقرات تنظيم داعش موقعة مئات القتلى من مقاتلين التنظيم بالإضافة الى 3 مدنين قامت الرقة تذبح بصمت بتوثيقهم منذ بداية الحملة .
وفي حديث الشارع الرقاوي لا يستذكر الناس سوى قصف المدن العراقية , حيث أن التلوثّ الناتج عن انفجارات مستودعات الأسلحة ، وبخاصة ذخائر اليورانيوم المخزنة , أدت إلى كارثة صحيّة في العراق , فنتجت تشوهات لدى بعض الأطفال العراقيين أثناء الولادة , ومنها حالات برأسَين أو بعين واحدة، وبعضهم يصاب بعدد من الأورام أو التشوهات على مستوى الوجه وبنية الجسم بالإضافة إلى عدد من المشاكل المعقدة في الجهاز العصبي” .
هذه ليست سوى غيض من فيض فالتشوهات الخلقيّة مترتبة عن التلوّث الناتج عن الأعمال العسكريّة .
حوالي 14،7 بالمئة من أطفال العراق يولدون مشوهين أي أكثر بأربع عشرة مرة من النسب المسجلة في هيروشيما وناغازاكي. ويعاني أطفال العراق تشوهات قلبيّة أكثر بثلاث عشرة مرّة من النسب المسجلة في أوروبا ومشاكل في الجهاز العصبي أكثر بثلاث وثلاثين مرّة بالمقارنة مع أوروبا .
والخطير في الأمر هو ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان لدى الأطفال بحوالي 12 ضعفاً منذ العام 2004 , كما أضحت نسبة الذكور للإناث 86 صبيّاً لكل 100 فتاة، مما يدل إلى أن الضرر الجيني أثّر على الذكور أكثر منه على الإناث .
فلو اعتبرنا أن الفلوجة هي هيروشيما العراق فهل تكون الرقة هي ناغازاكي سوريا , لا يزال هذا السؤال لا جواب له ويبقى الخوف والترقب بين أهالي مدينة الرقة هو سيد الموقف .

Posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا | Leave a comment

خناجر

نشرت «الشرق الأوسط» يوم الأحد (8 فبراير/ شباط) صورة لزعيم حوثي يجلس على أريكة واسعة تضيق بضخامته، وقد elhothibossوضع على وسطه خنجرا في زخرفة وارتفاع مباني صنعاء القديمة، وبسط ساعديه فوق جانبي المقعد العريض. في علم النفس شيء يسمّى «لغة الجسد»، لا أؤمن به كثيرا أو قليلا. الرئيس السوري الراحل نور الدين الأتاسي (توفي في السجن) طبيب جراح عُرف عنه إلمامه بالأمراض النفسية. وذات يوم دخل على عيادته صديق لنا وألقى بنفسه على سرير الفحص وقال له: «يا لؤي، معي مرض نفسي». فنهره ضاحكا: «قم من عندك.. قم؟ المرض النفسي يعانيه ذوو المشاعر».
إذا كان المقصود بـ«لغة الجسد» الرسائل التي يبعث بها الإنسان، قصدا أو عفوا، فهذا صحيح. سرعة الغضب وطيب السريرة، وسرعة الصفح وأفعوانية الخبث، والقدرة على التمثيل، كلها رسائل تبعث بها الوجوه، وليس الجسد.
بعض الزعماء العرب طوَّروا ذلك إلى لغة الجسد حقا. الأكثر بلاغة كان خنجر الزعيم الحوثي: آسفون، ليس لدينا لكم عرض آخر. تفضلوا، هذه أحجامنا وأحجام خناجرنا. من عادة الرؤساء في العالم أن تُلتقط لهم الصور وهم يدشنون مشروع سد جديد، أو مستشفى جديدا، أو جامعة أو مدرسة. هناك من الرؤساء العرب من يتعمَّدون أن تُلتقط لهم الصور ومن حولهم حراس مخيفو الهيئة، مفترسو السمات. يفترض في العادة، أن يُطمئن الزعيم مواطنيه، ولو اضطر إلى «فوتوشوب»، فأين عثر الزعيم الحوثي على خنجر بهذا الحجم؟ صورة معبّرة حقا، تكاد تكون مرسومة بموجب تعليمات لجنة التعبئة في الحركة: نسخة منها إلى الشعب اليمني، ونسخة مصدَّقة إلى الملهم الإيراني، ونسخ مرفقة بالهوامش إلى دول مجلس التعاون، ونسخة بأحرف مذهبة إلى وكالة الطاقة النووية في فيينا.
للصور لغة خاصة. وتلك الفائقة التعبير تُنشر تحت عنوان «بلا تعليق». ولها جوائز عالمية مثل الآداب والفنون. وأحب أن ألفت أنظار اللجان الدولية إلى صورة الرجل الحوثي مدججا بحجمه الرياضي (مثل مصارعي السومو في اليابان)، وبخنجره مالئا مقعدا لثلاثة أو أربعة من الأحجام اليمنية المتوسطة، المائلة دوما إلى النحول.
تحرص الأنظمة على بث صور الرعب. ما من وعد آخر. المشاريع صعبة، والخير مكلف، والتطور مُتعب. الإنتاج الأكثر سهولة وضمانة هو الرعب. وقد اقتنعت دولة «داعش» بجدوى التجربة، فلم تكلف نفسها شيئا آخر. بدأت بقطع رؤوس الأجانب وانتهت بإحراق شاب عربي في السابعة والعشرين. سوف تحتار لجان الجوائز: خنجر الرجل الحوثي أم خناجر «داعش».
نقلا عن الشرق الاوسط

Posted in الأدب والفن, كاريكاتور | 1 Comment