هل يدفع الكورد الثمن … مرة اخرى..؟؟..

kurdcemetryربما يبدو هذا التساؤل سخيفاً للكثيرين كون الذين يدفعون الثمن هم اغلب الفقراء و المهمشين الذين يشكلون الأغلبية الساحقة في الشرق الأوسط … لكن لو وضعنا هذا التساؤل في معايير التطور التاريخي منذ قيام الدولة الحديثة فان الامر يبدو مختلفا… صحيح ان الدولة الحديثة لم تحقق الكثير “لمواطنيها” … الا ان الكورد عموما كانوا و ما يزالون يشكلون عنصراً ثابتاً في معادلة المهمشين رغم اضطراب التناقضات و الصراعات بين الأطراف و القوى المختلفة و دولها العديدة..

المحاولة الجدية الوحيدة للخروج من هذه المعادلة هي تجربة اقليم كوردستان العراق الذي اصبح واحة سلام و أمان و نموذج ديمقراطي ناجح قياسا بالمحيط …. رغم فشل السياسيين الكورد الى تحويله الى وطن لكل الكورد العراقيين … فالبعض ما يزال خارجا… اما الداخلون فتجمعهم الأحلام و الصراعات اكثر مما يجمعهم مشروع ثقافي-سياسي او منظومة اجتماعية اقتصادية موحدة…. هذه التجربة … ايضا رغم كل ما يكال لها من اتهامات بالتحكم بالشأن العراقي و محاولة تفتيت العراق بل و حتى التعاون مع داعش… الا انها لم تستطع ان تشكل نواة لجمع أطراف الأمة الكوردية التي يناضل من اجلها الكثير من الأحزاب و المنظمات السياسية و الثقافية منذ عقود طويلة… فالإقليم الذي بدأ نشوئه بصراع دموي شديد يبدو هذه الأيام و كأنه يفقد قدرته على التواصل مع اجزاء كوردستان الاخرى … هناك تناقضات داخلية لكن اخطر التحديات… تأتي مرة اخرى من تقاطع خطوط المتناقضات الخارجية…او ما يمكن ان نسميه ” تحالف الأضداد ” في الشرق الأوسط و العالم ( انظر مقالات سابقة لهذا عن هذا المفهوم )… سأحاول في ما يلي طرح الموضوع في ملاحظات…

اولا…في الأيام القليلة الماضية ظهرت بوادر لا يمكن ادراك آليات عملها الا على أساس مفهوم ” تحالف الأضداد”… أولها كانت مبادرة الرئيس بوتين لجمع تحالف بين ايران و السعودية و تركيا و الاْردن لإدارة الصراع ضد داعش… هذه الدول لا يجمعها شيء … لا في صداقة داعش و دعمها… و لا في الصراع ضدها… لان كل طرف من هذه الأطراف لها مصالح و استراتيجيات تتناقض عموديا و افقيا مع الأطراف الاخرى..

لو تركنا الاردن جانبا لانها ليست دولة رئيسية و لا تملك من امرها شيئا… الا ان كلا من الدول الاخرى تحملا مشروعا سياسيا تاريخيا و الاشكالية الاساسية ان هذه المشاريع لا تلتقي أبدا … بل ان وجود هذه الدول يرتبط ارتباطاً مباشراً بالصراع بين هذه المشاريع بشكل أننا لو افترضنا ازالة هذا الصراع لأدى ذلك الى ازالة هذه الدول… على الأقل وفق أسس وجودها الحالي.. (هذا موضوع طويل جدا سأناقشه في مقالات لاحقة … لان التركيز هنا هو على تأثير تلك التناقضات على الشأن الكوردي)..

ثانيا… بينما انفجرت قنبلة لتقتل العديد من الكورد و مناصريهم من الأتراك و غيرهم و يحتفلون بالانتصار الوحيد على داعش و هو انتصار أهل كوباني فان السلطات التركية وضعت هذه الجهات المتحاربة مع بعضها البعض (اي انها جمعت الكورد و مناصريهم اليساريين و داعش) في إطار واحد تحت الاٍرهاب و دعت حلف الناتو للدفاع عنها ضدهم …!!..كيف يمكن هضم هذا التناقض و لماذا عجلت الولايات المتحدة الامريكية بإعلان
PKK
منظمة ارهابية على ذات المستوى مع داعش…؟؟. هل هي مجاراة للمبادرة الروسية في جمع المتناقضات ام محاولة جديدة للتهرب من محاربة داعش عن طريق عدو جديد “قديم” و هو الكورد في تركيا و سوريا..؟؟.. رغم استبعاد دخول الناتو في حرب الكورد خاصة ان السلوك التركي قد يكون مرتبطا بتطورات السياسية الداخلية ( أزمة الانتخابات الاخيرة) لكن في المقابل قد يفقد الكورد رمزية كوباني و ايضا الدعم الغربي … الرسمي منه و الشعبي… الذي حصل نتيجة معركة كوباني..

ثالثا… بإعلانه أمس عن الاولويات في الحفاظ ببعض المناطق دون غيرها يبدو الرئيس بشار الأسد و كأنه يلمح الى تفكك سوريا… على هذا ما يأمله الأتراك و هم ما زالوا يحتفظون بأحلام ” اعادة إقليمي الموصل و حلب الى الحضن التركي”… رئيس الوزراء التركي سارع الى القول بان الإسترتيجية التركية في حرب ابحر و داعش سيعيد ترتيب الأوضاع في الشرق الأوسط… هل يدخل هذا في رد الفعل ازاء الاتفاق النووي بين ايران و القوى الغربية و أحجية تأثيره على التطورات في المنطقة… ام ان هناك ضوء اخضر أمريكي خاصة ان الأوضاع لا تختلف كثيرا عن الوضاع في سوريا … ربما هذا و ذاك و أشياء… لكن السؤال هو أين موقع الكورد في ” الخارطة الجديدة” … خاصة انه تم وضعهم في كيس واحد يجمع الذي هم “مع” و “ضد” ما يسمى الاٍرهاب العالمي..؟؟؟.. فلنتذكر ايضا زيارة الرئيس روحاني بالامس ايضا الى عاصمة محافظة كوردستان الإيرانية “سننهج” و قوله ان ايران ستحمي الكورد في أربيل و كركوك …. و التي تشكل تاريخيا اجزاء رئيسية من “ولاية الموصل” التي ما زال الأتراك يحلمون بها … كما ورد أعلاه…

رابعا…. التناقضات الكوردية ليست اقل أهمية في التطورات الحالية… فالكورد منقسمون مرة اخرى ليس فقط بالنسبة الى السياسة الداخلية و صراع المصالح بين الأحزاب و الأطراف الكوردية في اقليم كوردستان … الرئاسة و الدستور و غيرهما… و إنما ايضا في العلاقات الخارجية التي كانت يوما ما حلقة الوصل في التوصل الى الوئام السياسي و الشراكة بعد الصراع الدموي المرير…

الكورد لديهم اكثر من مشروع و هذه المشاريع تبدو متناقضة… و هذا التناقض يزيد من الهوة بين تحقيق احلامهم و بين مصالح الدول الكبرى و ترتيباتها المستقبلية في الشرق الأوسط… الرئيس برزاني يحمل مشروع الدولة الكوردية و قد حقق الكثير في هذا الاتجاه من حيث الحصول على دعم دول مؤثرة في المنظومة الدولية…. و لكن هذا المشروع يبدو للآخرين من الأوساط الكوردية و كأنه نمط قديم للإدارة و قد لا يجد متنفسا للتحقيق في إطار آليات العولمة التي تتقاطع مع أسس السيادة و الحدود الدولية التي نشأت الدولة الوطنية في القرن الماضي…

في المقابل يحمل الاشتراكيون الكورد في العراق و سوريا رؤى تتوافق اكثر مع آليات العولمة و ان كانت تعبر عن احلام النظم الشعبية غير القابلة للحياة و التطور في ظل الصراعات الدموية في الشرق الأوسط و الصراع العالمي حول الموارد و الارض الخصبة و غيرها… انهم يحلمون ببناء منظومة جديدة للتعايش السلمي و التضامن و التنمية بين الكورد و العرب و الفرس و المجموعات الاجتماعية الاخرى…و على ذات المستوى يبدو مشروع
PKK
و حزب الشعوب الديمقراطي في تركيا اقل طموحا على المستوى القومي الكوردي و اكثر فضفاضا مفتقدا الى الأسس العلمية و العملية لبناء مجتمع تكثر الحروب حوله لأسباب إثنية و دينية و سلطوية و اقتصادية…

اما الاسلاميون الكورد فانهم يحلمون ببناء مجتمع إسلامي يتمتع فيه الجميع بالعدالة و الإخوة وبعضهم يتحدث عن خلافة إسلامية سواء بالتوافق مع مشروع داعش او من غيره… رغم ان العدالة هي قيمة إنسانية كبرى الا ان المعضلة تكمن في كيفية تحقيقها و التجارب التاريخية تؤكد صعوبة ذلك حتى في ظل حكم المجموعات الدينية سواء الاسلامية او غيرها… اما مشروع الخلافة فهو يشكل اشكالية كبرى و ليس من احد يستطيع ان يقدم أطروحة عملية لكيفية اعادة بنائها و ما تفعله داعش لا يترك فرصة امام الكثيرين الا لرفضه …

في المحصلة… فان البون الشاسع بين مشاريع الكورد لا يحقق لهم في أفضل الحالات اكثر من الحفاظ على الوضع الراهن… لكن من المؤكد فان التناقضات الداخلية تهدد بضياع هذا الوضع ايضا رغم تقدمه و ترسخه عبر السنوات الاخيرة… هذه الخسارة لا تتعلق بالضرورة بالتراجع و عودة الأمور الى ما كانت عليه قبل بناء اقليم كوردستان… و إنما يعني خسارة التجانس الاجتماعي و السياسي في المجتمع الكوردي بحيث ان الأمور قد تتطور نحو بناء كانتونات جديدة متحالفة مع هذه او تلك الجهة من القوى الشرق اوسطية…

اما وضع الكورد … او جزء منهم… في ذات الاطار مع داعش فسيكون له تأثير سلبي شديد على كل المشاريع الكوردية سواء كان مشروع الدولة او اي من المشروعين الطوباويين الاشتراكي او الاسلامي… لابد ان نتذكر ان تركيا هي عضو في حلف الناتو و هناك التزام سياسي و اخلاقي تستغله الدول الغربية للتهرب من أية تعهدات ربما تم تقديمها للرئيس برزاني او لأي طرف كوردي اخر…

طبيعة هذا التهرب تشمل ايضا روسيا و الصين و الاطراف الاخرى في دول البريكس
BRICs
و حلفائهم في الشرق الأوسط الذين ربما يبني البعض آمالا على دعمهم…. و في النهاية قد تبقي ايران و تركيا نفوذهما في الحفاظ على الوضع الراهن … كما أشرنا… لكن هاتين الدولتين قد تطوران علاقاتهما مع الأطراف الكوردية الى مستويات اخرى قد تكون نمطا من الفدرالية او الكونفدرالية مما يعني شروخا جديدة في الأحلام الكوردية…

في هذا الوقت ايضا لا تظهر هناك أية مؤشرات لتغيير جوهري في مستوى العلاقات العربية الكوردية … و اقرب السيناريوهات هو “التعايش السلبي” الذي ساد منذ نشوء الدولة الوطنية و قد يتطور في لحظات تاريخية الى تجديد حالة الصراع الدموي…. خاصة ان العرب الذين يشكلون الأكثرية و يمتلكون ناصية الحكم ما زالوا يفتقدون الى اي مشروع واضح لبناء مجتمع تعددي… ليس فقط بينهم و بين غير العرب و غير المسلمين… و لكن فيما بينهم هم أنفسهم حيث تتجدد الصراعات حسب تطور الظروف العالمية و تناقض الصراعات الدولية فهي تتخذ أشكال سياسية… قومية .. قطرية… قبائلية… دينية… طائفية… الخ … و احيانا لأسباب تافهة لكنها مدعومة في كل الأحوال من الغرب..

هل يقترب الكورد من تحقيق احلامهم نتيجة الفوضى السائدة الان في الشرق الأوسط … ام ان عليهم الانتظار حتى تتمدد آليات التفكك الى تركيا و ربما ايران بعد سنوات طويلة من الصراع الدموي … و ما هي القيمة الاخلاقية في كل ذلك حيث لا شيء مؤكد غير المزيد من الدمار و الدماء و الأشلاء و الاغتصاب….؟؟.. حبي للجميع..

About اكرم هواس

د.اكرم هواس باحث متفرغ و كاتب من مدينة مندلي في العراق... درس هندسة المساحة و عمل في المؤسسة العامة للطرق و الجسور في بغداد...قدم الى الدنمارك نهاية سنة 1985 و هنا اتجه للدراسات السياسية التي لم يستطع دخولها في العراق لاسباب سياسية....حصل على شهادة الدكتوراه في سوسيولوجيا التنمية و العلاقات الدولية من جامعة البورغ . Aalborg University . في الدنمارك سنة 2000 و عمل فيها أستاذا ثم انتقل الى جامعة كوبنهاغن Copenhagen University و بعدها عمل باحثا في العديد من الجامعات و مراكز الدراسات و البحوث في دول مختلفة منها بعض دول الشرق الأوسط ..له مؤلفات عديدة باللغات الدنماركية و الإنكليزية و العربية ... من اهم مؤلفاته - الإسلام: نهاية الثنائيات و العودة الى الفرد المطلق', 2010 - The New Alliance: Turkey and Israel, in Uluslararasi Iliskiler Dergisi, Bind 2,Oplag 5–8, STRADIGMA Yayincilik, 2005 - Pan-Africnism and Pan-Arabism: Back to The Future?, in The making of the Africa-nation: Pan-Africanism and the African Renaissance, 2003 - The Modernization of Egypt: The Intellectuals' Role in Political Projects and Ideological Discourses, 2000 - The Kurds and the New World Order, 1993 - Grøn overlevelse?: en analyse af den anden udviklings implementerings muligheder i det eksisterende system, (et.al.), 1991
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.