كيف كانت حياة الأسرة في بلاد الرافدين ؟

كيف كانت حياة الأسرة في بلاد الرافدين ؟

كيف كانت حياة الأسرة في بلاد الرافدين ؟

بقلم : عضيد جواد الخميسي

كانت الأسرة في بلاد الرافدين القديمة تعتبر الوحدة الأساسية في بناء المجتمع ، وذلك عندما حافظت على مجمل عاداتها وتقاليدها بأمل ضمان استمرارها في المستقبل . وكانت وحدة الأسرة من الأهمية بمكان حيث استند إليها التسلسل الهرمي في كل من القصر والمعبد .

يرى عالم التاريخ “ستيفن بيرتمان” أن ؛”سكان بلاد الرافدين القدماء كانوا يعتقدون أن للعائلة أهمية رئيسية في استقرار المجتمع” (ص 275). فقد كان ربّ الأسرة هو الرجل الأكبر والمسؤول الأول في إعالة أسرته. وإذا كانت الأسرة من الطبقة العليا ؛ يكون ربّ الأسرة هو الرجل الذي من يمتلك الأرض . أمّا إذا كانت الأسرة من الطبقة الدنيا وأرضها مُستأجرة ، فالذي يدفع بدل إيجارها يكون بالتالي هو ربّها .

في العائلات المتفرعة ، كان الجّد معالاً والأب هو ربّ الأسرة . وينطبق هذا النموذج نفسه على الملك في حال تنازله عن العرش لصالح أحد أبنائه (كما في حالة والد الملك حمورابي ) . أمّا في المعبد ، فقد كان الإله يُعدّ “ربّ الأسرة” والكهنة هم المعالون . وكان يُنظر إلى العبيد على أنهم معالون أيضاً ، إلاّ أنهم يمتلكون هامشاً ضيقاً من الحرّيات ، وحسب طبيعة عملهم عند الأُسر الثرية .

كان عقد الزيجات يتم وفق ضوابط صارمة بين والد العروس والعريس أو والده . ولكي يعتبر الزواج قانونياً ، وجب مراعاة كل خطوة في مرحلة الخطوبة ، وخصوصاً بما يتعلق بحفل الزفاف والانتقال إلى منزل جديد أو بناء منزل جديد حرفياً .

وعلى الرغم من أن الناس يمكنهم أن يتعايشوا بدون زواج (أو في حالة الأزواج من نفس الجنس) ، إلاّ أنهم يعتبرون هم وأطفالهم (أو الأطفال المتبنون) خارج حماية القانون والخدمات الاجتماعية .

مارس الرافدينيون القدامى الرياضة ؛ كالمصارعة والملاكمة بين الذكور ومن جميع الطبقات ، والصيد بين فئات الطبقة العليا ، وكذلك مزاولة اللعبة الأكثر شعبية مثل ( الليدو)
Parcheesi
، و ألعاب النرد . واهتّم الناس أيضاً بسماع الحكايات والقصص والموسيقا ، والمشاركة في الرقص .

لقد كانت البيرة المشروب الأساسي في كل نظام غذائي عائلي ، إذ يتناولها الأشخاص من جميع الأعمار يومياً مع وجبات السمك ، ولحوم الخنزير والضأن ، وكذلك مع أطباق الخضار. وكانت العائلات تمتلك حيوانات أليفة ، وعادةً ما تكون من الكلاب . ويُعتقد أن طوق الكلب كان من مخترعات بلاد الرافدين ، وعلى الأرجح في سومر .

امتدت أهمية وحدة الأسرة إلى ما بعد الموت ؛ حيث كان يُعتقد أن أولئك الذين لديهم أقارب من المتوفين ؛ تكون أرواحهم أكثر سعادة في الآخرة من أولئك الذين ماتوا عازبين أو بدون أطفال (خاصةً الابناء الذكور) . كما لوحظ أن هذا الاعتقاد نفسه قد مورس في كل من بلدان النيل ، واليونان ، وروما ؛ بيد أن أقدم الصور ونقوش الحياة الأسرية وأهميتها في الآخرة ؛ أتتها من بلاد الرافدين القديمة خلال الألفية الثالثة قبل الميلاد .

تكوين الأسرة والزواج

في بلاد الرافدين القديمة غالباً ما كانت تعيش الأسرة النواة (الأم ، الأب ، الأبناء) مع – أو بالقرب – من أفراد الأسرة الممتدة (الأجداد ، العمّات والأعمّام وأبنائهم ، الخالات والأخوال وأبنائهم ، وكذلك جميع الأحفاد) . وكانوا جميعاً يشكلون جزءاً من العشيرة الكبيرة أو القبيلة . وكان زعيم القبيلة هو أكبر فرد من الذكور على قيد الحياة ، كما أن ربً كل أسرة ؛ هو الرجل المسؤول عن إعالة أسرته ، وجميع العبيد والخدم ، وكذلك أفراد الأسرة الممتدة من كبار السّن وغيرهم من ليس لهم القدرة على إعالة أنفسهم .

وكانت إحدى المسؤوليات المهمة التي تقع على عاتق ربّ الأسرة هي ترتيب الزيجات لذرّيته ، وأن يكون الأمر على محمل الجد .

كتب البروفيسور “ستيفن بيرتمان” التعليق التالي حول هذا الموضوع :

” في لغة السومريين ، كانت كلمة (الحُب) فعل مركب بمعناه الحرفي (دالّة الأرض )، أي ( ترك بصمة على تلك الأرض أو المكان ) . من بين السومريين والبابليين (ومن المرجح جدا بين الآشوريين أيضاً) كان الزواج في الأساس إعداد وتحضير لمشروع يهدف إلى ضمان وإدامة مجتمع واسع ومنظّم ومستقر. وعلى الرغم من وجود الميل العاطفي في العلاقة مابين الجنسين ، إلاّ أنه في نهاية الأمر تتوج تلك العلاقة بالزواج حتماً . وطالما أن الهدف الأساسي من نشوء العلاقة بنظر الدولة لم يكن الإرتباط من أجل الحب أو السعادة الزوجية ، بل هو بالإنجاب الذي كان هو الهدف الأسمى الذي يسعى إليه نظام الدولة ، وكذلك التوسع في النمو أو الزيادة البشرية لاستمرار المجتمع ، وذلك ضماناً للمستقبل “. (ص 275-276)

تُبرم عقود الزواج لإضفاء الطابع الرسمي والقانوني على الاتفاقيات التجارية المتعلقة ببيع الأراضي ، حقوق المياه ، والحماية المتبادلة ، أو لأي اتفاق يفهمه الطرفان فيه منافع لكليهما . وبصفتها اتفاقيات تجارية ؛ حيث تبدأ بعقد قانوني موقّع بختم من قبل ربّي أسرتي العريس والعروس وبحضور الشهود . ولم يكن للعروس والعريس أي علاقة بتلك الإجراءات ، وبعد ذلك يمكن أن تمضي بقية المراسيم وفق ما خُطط لها .

ومنذ اللحظة الأولى التي يتم فيها الاتفاق على الاتحاد بين العائلتين ؛ كانت هناك خمسة شروط لعملية الزواج يجب مراعاتها وفقاً للتقاليد :

1. عقد الزواج .

2. دفع عائلتي العروس والعريس لبعضهما البعض (المهر وسعر العروس) .

3. الحفل في أيام العيد .

4. انتقال العروس إلى منزل زوجها.

5. شرط النكاح بين الزوجين، ومن المتوقع أن تكون العروس عذراء في ليلة زفافها وأن تصبح حاملاً .

كان لمرحلة الخطوبة اهتمام خاص لما قبل الزواج . إذ كتب البروفيسور بيرتمان المقطع التالي عن بعض التقاليد المتبعة في بابل :

“كانت مرحلة الخطوبة مهمة جداً وتؤخذ بنظر الاعتبار خاصةً بالنسبة لأولئك الذين يفكرون بالتراجع عن فكرة الزواج بعد تلك الفترة . ووفقاً لدستور حمورابي :

ـــ إن الخاطب الذي يغير رأيه ، أو يفسخ الخطوبة ؛ سوف يخسر كامل المبلغ الذي قدمه لخطيبته (هدية الخطوبة) و كذلك سعر العروس الذي دفعه الى والد خطيبته .

ـــ إذا غيّر والد العروس رأيه ، ورفض خطيب أبنته لأي سبب كان ؛ عليه أن يدفع للخاطب ضعف سعر العروس الذي دفعه خطيب ابنته له .

ــ إذا رغب والد الفتاة بفسخ الخطوبة ، لوجود منافس آخر والذي دفعه لتغيير رأيه ، فإن الخطيب الأول وحسب القانون ؛ له كل الحق في الاعتراض على اقتران خطيبته بمنافسه ومنع ذلك الزواج ،رغماً من استلامه كامل حقوقه من والد خطيبته .

وكانت تلك العقوبات القانونية رادعاً قوياً ضد حالات التراجع عن العقود المبرمة بين العريس و ذويّ العروس، وحافزاً قوياً على اتخاذ القرارات المسؤولة والسلوك الاجتماعي المنظّم .” ( ص276).

عادة ما كان يسكن الزوجان الجديدان مع والدّي العريس في البداية كي يتمكنا من الانتقال إلى منزلهما الخاص . وقد يستقر بعض الأزواج في منزل الوالدين؛ حيث تأخذ الزوجة على عاتقها مسؤولية رعاية أفراد الأسرة الممتدة .

المنزل ـ القصر ـ المعبد

بالنسبة لأولئك الذين يستطيعون تحمّل تكاليف بناء منزل جديد ، أو الذين أُجبروا على الانتقال إلى منزل جديد بسبب الاكتظاظ ، كانت العملية منظمة مثل بنود الزواج . إذ يتم شراء قطعة أرض بموجب عقود قانونية مصدّقة بالأختام الأسطوانية ، وقبل الشروع بالبناء ، يُستدعى الأخوين “كابتا” و”مشدما” إلهي البناء والطوب والأساسات في طلب مباركتهما . وإذا نسيهما صاحب المشروع ، أو حتى تجاهل لأحدهما؛ فإن سوء الطالع سوف يرافقه حتى انهيار منزله. وبمجرّد الانتهاء من أعمال البناء ، يقدّم مالك المنزل قرابين الشكر والامتنان إلى الإله “أرازو” (إله البناء المكتمل) على ما تمّ إنجازه ، و لضمان أمن وسلامة المنزل في المستقبل .

في المناطق الجنوبية من بلاد الرافدين يتمّ بناء منازل الأثرياء من الطوب المجفّف بالشمس ؛ بينما كانت منازل عوائل الطبقة الدنيا ؛ تُشيّد من جذوع النخيل والقصب . ولابدّ من الإشارة إلى أن تلك المباني البسيطة كانت تعتبر منازل حقيقية وليست ” أكواخ ” كما نتخيل !. وصف البروفيسور “بيرتمان ” بناء هذه المنازل في تعليقه التالي :

” لبناء منزل بسيط ، يتم اقتلاع القصب الطويل من المستنقعات المحيطة ، ثمّ يُجمع على شكل حُزم رفيعة مربوطة بإحكام . يتم بعدها إقامة حفور ذات عمق مناسب في الأرض المُراد بناء المنزل عليها ، ثم توضع في كل حفرة حزمة واحدة من القصب . وبعد إتمام ملؤها وتثبيتها بحُزم القصب المرصوصة ، يتم ثني أزواج الحُزم التي تقابل بعضها البعض وتُربط معاً من الأعلى ، وبذلك تشكل قوساً . وبنفس الطريقة يتم ربط الحُزم المتبقية .. ثم بعد ذلك يُغطى السقف بحصران من سعف النخيل وجريدها ، مع الأخذ في الاعتبار فتحة باب المنزل ، والتي عادة ما تكون ضّيقة . والمنزل خالياً من النوافذ ” (ص 285).

ثمّ يواصل بيرتمان في تعليقه :

” أمّا لبناء منزل من الطوب ، حيث يُخلط الطين المتوفر على ضفاف الأنهار بالقش لتقويته ، ومن ثمّ تعبئته في قوالب خشبية صغيرة مستطيلة أو مربعة والتي يتم عزلها بعد جفاف الطوب الطيني على الأرض بتأثير أشعة الشمس الحارقة .. كان الطوب المجفف بالشمس غير مرغوب من قبل مجتمع الطبقة العليا ، بسبب هطول الأمطار السنوية التي تؤدي الى تلف وانهيار أجزاء كبيرة من جدران المنازل . لكن البديل ، هو فخر الطوب الطيني في أفران خُصصت لهذا الغرض . وقد كان الطوب المفخور باهظ الثمن ، بسبب الوقود واليد العاملة الماهرة اللازمة في تصنيعه. نتيجة لذلك ، فان منازل الملوك والكهنة الذين يميلون إلى هذا الخيار قد جعلوه بديلاً عن منازل الطوب الشمسي الذي يستخدمه عامة الناس .” (ص285-286).

معظم المنازل ليست فيها نوافذ بسبب أن الخشب كان نادراً ومُكلف في بلاد الرافدين ، وبالتالي فإن منازل الطبقة العليا هي فقط التي كانت تحتوي على النوافذ . أمّا وسيلة إضاءة المنازل كانت بمصابيح زيت بذور السمسم ، والفتحات الموجودة في السقف التي في أعلى الموقد . وفي العادة يتم إكساء الوجه الخارجي للمنازل المبنية من الآجر بطبقة طينية كحماية إضافية من حرارة الشمس ، كما أشار بيرتمان إلى شيء آخر في التعليق التالي :

” لم يكن هناك سوى باب خارجي واحد ، إطاره مطلي باللون الأحمر الساطع لمنع ولوج الأرواح الشريرة إلى المنزل ” (ص286).

بمجرد انتقال الأسرة إلى منزلها الجديد ، يتولى الرجل دور ربّ الأسرة حيث يؤسس فرع جديد للعائلة هناك . وطالما كانت الأسرة هي أساس المجتمع ، بالتالي فإن التسلسل الهرمي لكل من القصر والمعبد يتبعان تلك القاعدة . حيث في القصر ، يُعّد الملك “ربّ الأسرة” وهو المسؤول عن رفاهية أولئك الذين يعيشون فيه (عائلته ، وعائلته الممتدة ، والمسؤولون ، والموظفون ، والعبيد) . وبصفته ملكاً ، فهو مسؤول في مملكته ، وأن وجميع مواطنيها كان يُفهم على أنهم أبناؤه ويجب رعايتهم . ومن المعروف أن هذا النموذج في نظام الحكم قد أُتبع منذ زمن بعيد في ظل حكم الملك “سرجون الأكدي” (عام 2334-2279 قبل الميلاد) .

كان ربً الأسرة هو الإله في المعبد الذي يُعتقد أنه يسكن فيه. كما يُفهم أن المعبد هو موطن للإله أو الإلهة ، لذا فقد تم تشييده لتكريمه ، وأن هذا الإله هو مالك الأرض والمعبد وحتى إيراداته. وكان رئيس أو رئيسة الكهنة يديران ويشرفان على المعبد وفقاً لرغبات الإله ، ويخدمان الإله كوكلاء له ولا يمتلكان سلطة عليا . إذ يعمل هؤلاء الوكلاء وفقاً لإرادة الإله أو الإلهة بنفس الطريقة التي يتصرّف بها المستشارون والتابعون في القصر مع الملك ، أو سلوك أفراد الأسرة مع شخصية الأب .

الحقوق والعمل والترفيه

كانت الأعراف الرافدينية تسمح للرجل في أن يتزوج من امرأة واحدة فقط ولمدى الحياة ؛ لأن الرابطة بين الزوجين هي بطبيعتها انعكاس لعلاقة الملك المتزوج من (الإلهة) لضمان خصوبة الأرض وازدهارها . إلا أنه كانت هناك استثناءات ، وكما يراها البروفيسور “جان بوتيرو”:

“بمجرد أن استقرت الزوجة في وضعها الجديد أي في بيت الزوجية ، فالقوانين و القيود الاجتماعية تفرض على الزوجة في أن تكون تحت سلطة زوجها تماماً ، بمعنى ان يُطْلق للزوج العنان بما يفعل إن لم تكن زوجته مطيعة . وعلى الرغم من أن الزواج الأحادي ( زوجة واحد فقط ) كان شائعا في المقام الأول، ، فإن كل إنسان حسب أهواءه ومزاجه وإمكاناته المالية ، يمكن أن يضيف زوجة ثانية أو أكثر ، أو بالأحرى خليلات إلى الزوجة الأولى ” (بوتيرو ص115).

كان للمرأة حقوق متساوية تقريباً مع الرجل طوال معظم تاريخ بلاد الرافدين القديمة ، ولكن إذا تخلّت المرأة عن زوجها واتخذت عشيقاُ لها؛ تُعاقب بشدة ؛ بينما لا ينطبق الشيء نفسه على الرجل . وإذا تم القبض على امرأة متلبسة بفعل الزنا ؛ تُلقى في النهر ، أو يتم قتلها بطريقة أخرى .

ويمكن للمرأة أن تطلب الطلاق من زوجها إذا وجدت أنه مثلي الجنس وليس لديها مصلحة في مشاركته سريرها . وبما أن الزواج غايته الأساسية هو الإنجاب ، لذا فأن الرجل الذي يرفض مشاركة زوجته في نومه ؛ يُعدّ فسخاً لعقد الزواج المُبرم .

وإذا اختار الزوج ترك زوجته ، كان عليه إعالتها (باستثناء حالات الزنا أو الهجر) عن طريق إعادة ممتلكاتها (المهر) . ولكن إذا كانت الزوجة قد فكرت بترك زوجها دون سبب قانوني ؛ عند ذلك يمكن للزوج إجبارها على ترك منزل العائلة للعيش في الشارع . حيث لايوجد لديها خيارات كثيرة سوى كسب عيشها عن طريق البغاء. لكن في الوقت نفسه ؛ يمكن للمرأة أن تشرع في إجراءات الطلاق إذا كانت لديها أسباب قانونية ، وتمتلك أرضها الخاصة ، و تبرم عقوداً تجارية ، وتشتري وتبيع العبيد ، وتدير الأعمال التجارية. وكما هو معروف أن النساء كنّ أول من صنعن البيرة في بلاد الرافدين ، وهناك سجلات تاريخية موثقة لنساء يمتلكن حانات ومزارع ومشاريع تجارية أخرى .

عادة ما كان يعمل الرجال والنساء وحتى الأطفال فوق سن الرابعة أو الخامسة ، بدءاً من الشروق وحتى الغروب ؛ كلٌ حسب مهنته . وكانت الطبقة الدنيا مكونّة من تلك المِهن التي تسيّر شؤون الحياة العملية اليومية في المدن وضواحيها ، مثل ؛ المزارعين ، الفنانين ، الموسيقيين ، وكذلك عمّال البناء ، حفّارو القنوات والسواقي ، الخبازين ، صانعو السلال ، الجزّارين ، سقاة البيرة ، صنّاع الطوب ، صنّاع البيرة ، أصحاب الحانات ، البغايا ، الحدادين ، النجارين ، صانعو العطور ، الخزّافين ، صانعو المجوهرات ، الصاغة ، وصانعو العربات ، بالإضافة إلى الصيادين .

أمّا الطبقة العليا فقد شملت عدد من التجار الذين يزاولون عملهم التجاري الخاص بهم ، أو يعملون ضمن مجموعة التجّار. كما الأطباء بكليهما ( “أسو” وهو ممارس طبي الذي يعتمد التجربة والمعرفة ، و ” أسيبو ” الذي يعتمد السحر كعلاج ) . وكذلك هناك الكتّاب ، والمعلمين الخصوصيين ، وقادة فصائل الجيوش .

المهن الأخرى للطبقة العليا كانت تشمل ؛ المحاسبين ؛ المهندسين المعماريين ؛ صانعو القوارب ؛ والمنجّمين (الذين كانوا عادة من الكهنة) . وإذا كان التاجر الذي يمتلك عمله الخاص ، ولم يكن بحاجة إلى التنّقل بين المدن لعقد الصفقات ؛ يصنّف على أنه رجل ثريّ ومرّفه ؛ ويتلذذ باستمتاع مع أجود أنواع البيرة المتوفرة في المدينة بصحبة أصدقائه !.

لقد تمحورت الأنشطة الترفيهية حول الأسرة والمجتمع ؛ حيث تضمنت سرد القصص – التي قد تأخذ شكل العروض الدرامية و المسرحية الفكاهية – بالإضافة إلى ألعاب الطاولة والرياضة والصيد (للطبقة العليا) والعروض الموسيقية والمسابقات . أما لُعب الأطفال ؛ كانت لعبة رمي الكرات ، والأشياء الأخرى المشابهة لألعاب الأطفال في الوقت الحاضر مثل ؛ الدمى ، الأقواس ، السهام الصغيرة ، القوارب المصغّرة ، الأشكال الحيوانية أو العربات . كما أتاحت الأعياد الدينية فرصة للأنشطة الترفيهية مع تكريم الآلهة وشكرهم على هداياهم . وتحضر جميع العائلات تلك المناسبات بكل فرحة وسرور .

مراسيم وطقوس الوفاة

عندما يتوفى أحدهم ، يقوم أحد أفراد الأسرة بتطهير الجثة بالماء ثم مسحها بالزيت وتكفينها في المنزل . ثم تُدفن الجثّة في مقبرة خاصة (للطبقة العليا) ، أو في منزل العائلة أو بالقرب منه (للطبقة الدنيا) . كما تُدفن مع المتوفى حاجاته المفضلة مع أية أشياء أخرى يمكن أن تتخلى عنها الأسرة والتي حسب الاعتقاد قد تكون مفيدة له في العالم الآخر .

كانت حياة الآخرة في بلاد الرافدين ؛ عبارة عن عالم كئيب من الظلام حيث كل روح وبغض النظر عن مدى ثروتها أو قوتها ؛ تلقى نفس المصير في ذلك العالم البائس . ويستشهد بيرتمان بالعالم “جورج كونتينو” في هذا الصدد :

“ان الصورة التاريخية عن عالم الظلام هي بشكل عام كئيبة ومخيفة ، وقد وصِف في النصوص المدوّنة على أنه أرض اللاعودة ، مظلم ، موحش وقاسي ، وهو المنزل الذي لا يسمح في الخروج لمن يدخله ، والغبار يملأ بابه ومُقفل من الداخل . “(ص 281)

إذا مات أحدهم فجأة ، كانت الأسرة تجتمع حول سرير الموت الخاص به ، وأحياناً بحضور أحد الكهنة ، ومن ثم تقام الصلاة للآلهة من أجل عروج سهل . ويمكن تقديم تلك الصلوات إلى “گولا” إلهة الشفاء البابلية ، أو لابنها “نينازو” المرتبط بالتحوّل والانتقال إلى الحياة الآخرة . وقد يكون هناك أحد الأطباء ؛ إما آسو Asu (طبيب) أو آسيبو Asipu (معالج روحي) حاضراً أيضاً . كما يوضع كرسي بالقرب من فراش الميّت لكي تستريح روحه بعد مغادرة جسده ، ويضيف البروفيسور بيرتمان :”إن أولى القرابين الروحية هي البيرة والتمر والخبز المسطح لتقوية الروح في رحلتها الطويلة إلى العالم السفلي تكون بجانب المتوفي” (ص281 ). وبعد أن تترك الروح الجسد يتم التطهير والتكفين .

و بمجرّد انتقال الروح إلى عالم السفلي ، تبدأ بالاعتماد على ما يقدمه الأحياء من أضاحي ونذور . وإن الأرواح التي لم يتم تذكرّها والتي لا تتلق شيئاً من الطعام والشراب ؛ ستحاول العودة إلى عالم الأحياء للمطالبة بهما . وإذا فشلت بذلك ، عندئذ ستبذل قصارى جهدها في التشويش ، وبث الفوضى والرعب لعالم الأحياء .

قيل أن لدى إلهة عالم الأموات “إريشكيگال” سبعة أبواب بين عالمي الموتى والأحياء لمنع مثل تلك المشاكل والملاحقات ، بيد أنه كان يُعتقد أن الروح قد تتملص بطريقة أو بأخرى وتعود إلى حيث أسرتها ، مما يؤدي إلى سوء الحظ . لذلك فقد يتم تشجيع العائلات على مراعاة الدقة والحرص في أداء طقوس ومراسيم الدفن ، وذكر المتوفي من خلال طقوس الموت . وبهذه الطريقة ؛ فقد كانت الأسرة بمثابة الوحدة الأساسية للاستقرار في الحياة كما هي ما بعد الموت ، حيث يستمر أفراد الأسر في رعاية وتكريم المتوفين، كونها رسالة مهمة للأجيال القادمة .

ختاماً ؛ تلك هي الملامح الرئيسية العامة لصورة الأسرة في بلاد الرافدين دون الخوض في التفاصيل كثيراً . حيث لم تكن الحياة اليومية لسكان بلاد الرافدين مختلفة كثيراً عن حياة الناس الذين يعيشون اليوم في تلك المساحة من الأرض نفسها .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ستيفن بيرتمان ـ الحياة في بلاد الرافدين القديمة ـ مطبعة جامعة أكسفورد ـ 2005 .

جان بوتيرو ـ الحياة اليومية في بلاد الرافدين ـ مطبعة جامعة جون هوبكنز ـ 2001 .

صموئيل نوح كريمر ـ التأريخ يبدأ في سومر ـ مطبعة جامعة بنسلفانيا ـ 1988.

پول كريڤاشيك ـ بلاد الرافدين وميلاد الحضارة ـ ثوماس دوني للنشر ـ 2010 .

گويندولين ليك ـ اختراع المدينة ـ بنجوين للنشر ـ 2003 .

كارين نيميت ـ نجاة ـ الحياة اليومية في بلاد الرافدين ـ گرينوود للنشر ـ 1998.

ثورنتون وايلدر ـ مدينتنا ـ هاربر بيرينيال الحديث للنشر ـ 1938 .

About عضيد جواد الخميسي

كاتب عراقي
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.