المتآمر

mindadgv1فازت فرنسا باثنتين من جوائز نوبل هذا العام، الآداب والاقتصاد. وطفق الفرنسيون يعبّرون عن فرحهم وسط الكوالح التي منوا بها أخيرا، من تدهور في السياسة وتخلُّف في النمو وفقر في الدور العالمي. لم تعد السياسة تصنع حجم الدول. اليابان والهند، وإلى حد ما الصين، ليست دولا سياسية أو عسكرية. ألمانيا واليابان ممنوعتان من حيازة قوة نووية بسبب تاريخهما العدواني السابق حيال الدول والشعوب المجاورة. واليابان التي تذوَّقت طعم الرماد النووي في الحرب والسلم، ترتعد للفكرة إذا خطرت لها.
بينما كان أهل العلوم يتنافسون على آخر الإنجازات في الطب والفيزياء والكيمياء، وفيما عرفنا أن العلماء اكتشفوا في الدماغ الجزء الذي يوجهنا في الطرق، كنا نلاحق الأخبار لنعرف أي رأس مسعف اجتماعي قُطع، وأي عاصمة سقطت في أيدي أبنائها، وأي رئيس سوف يحاصر ويرغم على توقيع اتفاق يحترمه هو، ويبلل حبره الفريق الآخر.
أيام «الكتلة الشرقية» لم يكن لدى دولها ما تفخر به في السياسة، فكانت تحرص على حصد الجوائز الأولمبية: جمباز على ركض على قفز. ولم تكن لدى الألمان الشرقيين صناعة، أو لدى رومانيا زراعة، أو لدى موسكو ما يكفي من القمح، فكانت تحرص على حصد جوائز اللياقة البدنية. وبما أن 90 في المائة من أهل هذه المسكونة يهتمون بشؤون الحياة وليس ببطولات القتل والذبح والسبي وتدمير الأوطان على رؤوس مواطنيها، فإن أي إنجاز إنساني بسيط يعوِّض عن إخفاق سياسي هائل. هكذا غطَّت جائزتان في الأدب والاقتصاد على فشل الحزب الاشتراكي الفرنسي في أن يكرر تجربة فرنسوا ميتران.
تركت الهند لجارتيها أفغانستان وباكستان أن تكونا موضوع الأخبار السياسية، وتحولت إلى الأنباء الأولى في العلوم والنمو والقضاء على الفقر. ولا يزال منه الكثير، لكن الهند وجارتها اللدودة الصين حققتا معجزتين بشريتين في بسط الكفاية البشرية، فيما تشعر طالبان بالغيرة من تقدم «داعش» وفكرها «المنير».
حتى المكافآت البعيدة عن العلوم كانت بعيدة عنّا وكنّا بعيدين عنها. فأين تبحث عن السلام وسط هذا الركام المجبول بالدماء والبكاء؟ وأين تبحث عن الآداب في عالم مجنون زائغ تائه ضائع في الأرض، تُسبى نساؤه ويُذلّ رجاله من أجل خيمة أو لقمة أو حذاء يقاوم الوحل؟
وهل تعرف ماذا أيضا؟ سوف يكتب لك أحدهم قائلا «لا يجوز أن نستمر في جلد الذات، إن ذلك يكسر المعنويات». أي ذات؟ ماذا بقي لنا مما ورثنا ومما أُعطينا؟ ما هو البلد الذي لم نضِعهُ والدولة التي لم نُفتِّتها والوطن الذي لم نشرِّده في الصحاري والبراري؟ وما زلنا نبحث عن «المؤامرة»! إنها فينا.
نقلا عن الشرق الاوسط

About سمير عطا الله

كاتب صحفي لبناني الشرق الاوسط
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.