أحلام سامي الجندي

الشرق الاوسط

جاء إلى بيروت من سوريا في الخمسينات والستينات شبان كثيرون من مختلف الأحزاب. لكن آل الجندي كانوا عائلة بكاملها: إنعام، وهو مدرس أدب عربي مرموق، وسامي، وهو طبيب أسنان، وعلي، وهو شاعر، وعاصم وهو الشقيق الأصغر. سامي أصبح وزيرا للإعلام ثم أبعد في المتغيرات المتلاحقة فذهب إلى تونس يمارس مهنته. وإنعام ظل في بيروت لا تغره فرص السلطة المتحركة. وعلي أعطي موقعا رسميا في دمشق.

لم ينس سامي الجندي في عيادته، ولا في مقاهي بيروت، شغفه وأمله الأول، «البعث»، الذي بدأ تجمعا رومانسيا مع أديب يدعى ميشال عفلق. وكيف ينسى وقد أصبح هو وعفلق ممنوعين من دخول دمشق التي أصبحت في ظل الحزب القائد، الذي لم يعد مجرد حزب صغير يخاطب عقول الأجيال الطالعة بل انتشر في المدارس والجامعات والجيش. وقد وجد الجيش أن لا حاجة به إلى الزعماء الشعبيين مثل أكرم الحوراني صاحب حماه، فأدخله السجن، ولا حاجة إلى مفكري الحزب لأنهم يبالغون في التفكير، ولا حاجة للذين يتساءلون كيف بدأ الحزب؟ وكيف تحول؟

في مذكراته من المنفى راح سامي الجندي يستعيد أيام الحلم الأولى فكتب أن الرفاق كانوا ينوون إغلاق سجن المزة وتحويله إلى فندق سياحي، فإذا به يتضخم ويتوالد في أنحاء سوريا. وأصبح المواطن السوري ينام وهو يشعر أنه سوف يستيقظ على نشيد عسكري والبلاغ رقم واحد. ولم يكن الصراع صراع أجنحة كما ترد المصطلحات، بل صراع قبائل وفرق وفرديات. وتولى الضباط إخراج بعضهم البعض وأحيانا إعدام بعضهم البعض. ويقول الجندي: إننا كنا نهتف ضد الاستعمار ونحن نسدي له الخدمات.

كنت أذهب إلى دمشق في تلك الفترة فأجد الجنود في الساحات كأنما في حالة حرب. ولا أنسى مرة ألقى مراسل «النهار» المقيم التحية على دورية تشرب الشاي قائلا: «يعطيكم العافية شباب» فرد رئيسها «ع شو ولاه يعطينا العافية. شايفنا محتلين إسرائيل وراجعين».

جميع المذكرات التي كتبها الجيل الأول من البعثيين وضعت في مرارة. من السجن أو من المنفى. مرحلة من الصخب القومي والتجارب العبثية في مصر وسوريا والعراق وسواها. دخل البعثيون والناصريون في صراع دموي وإلغائي. تدهور الاقتصاد في كل مكان. وبدل تحرير فلسطين امتد احتلالها إلى كل القدس وسيناء والجولان. وانتهت المغامرة في العراق بما ترون. وفي دمشق لا ندري ماذا تقول صحيفة «البعث».

About سمير عطا الله

كاتب صحفي لبناني الشرق الاوسط
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.