ويل لأمّة يتمشيخ طبيبها و -يتدكتر- شيخها !!!

وفاء سلطان

ويل لأمّة يتمشيخ طبيبها و “يتدكتر” شيخها !!!
في الستينات من القرن المنصرم قام عالم النفس الامريكي ستانلي ميلغرامٍ، وفي سياق دراسته لمدى تأثير السلطة على السلوك البشري، بتجربة بسيطة وممتعة. تبرع حوالي عشرين شخصا نصفهم مدرسون ونصفهم طلاب ليكونوا عناصر التجربة.

قام العالم بوضع المدرسين في غرفة والطلاب في غرفة اخرى مجاورة. لا تستطيع اية مجموعة أن ترى المجموعة الاخرى ولكن تستطيع أن تسمعها.

طلب من كل مدرس أن يختار طالبا ما ويقوم بطرح مجموعة من الأسئلة عليه. أقنع العالم المدرس بأن يقوم بتعريض الطالب عندما يجيب اجابة خاطئة الى صدمة كهربائية عن طريق زر يكبسه، وأوهم المدرسين بأن الصدمة الاولى ستكون 45 فولت، ومع كل جواب خاطئ ستزداد قوة الصدمة بمقدار 15 فولت.

لم يكن الطلاب في حقيقة الامر يتعرضون لأية صدمة ولكن، وبالاتفاق مع العالم، راحوا يتظاهرون بالالم وبدأوا الصراخ. وكلما ازدادت الصدمة المفترضة قوة يزداد صراخهم علواً.

راح العالم يراقب حركات وتعابير المدرسين وهم يستمعون الى صراخ الطلاب. بدا المدرس، وتحت تأثير عذاب ضميره، مرتبكا ومكرها على القيام بعمل يدرك في غلالة نفسه أنه غير انساني، وكلما تباطأ في كبس الزر يصيح به العالم:
1 – من فضلك استمر.
2 – التجربة تتطلب أن تستمر، من فضلك استمر!
3 – من الضروري ان تستمر.
4 – ليس لديك خيار، يجب أن تستمر.

استمر معظم المدرسين بكبس أزرارهم، رغم أنّ الطلاب بدأوا بالضرب بكل ما أوتوا من قوة على الحائط الذي يفصل الغرفتين وهم يصيحون: نتوسل اليكم أن تتوقفوا عن تعذيبنا.

عند الانتهاء من التجربة عرض العالم الشريط على المدرسين وسألهم: يبدو أنّ صوتا في داخلكم كان يحثكم على أن تتوقفوا، هل أستطيع أن أعرف ما الذي دفعكم الى الاستمرار في عمل أنتم مقتنعون أنّه لا يتّفق مع مبادئكم؟!

وأجاب الجميع: إنّها قوة السلطة التي يمثلها عالم يقف إلى جانبنا بزيّه الأبيض ويأمرنا بضرورة الاستمرار.

ليس سهلا أن يتحرّر الإنسان من كابوس السلطة، مهما اختلف نوع السلطة، وخصوصا عندما تتجسد تلك السلطة في قوة البطش وتفتقر الى وجود سلطة اخلاقية كي تقلمها وتهذبها، كما كان ولم يزل الاسلام!

إن العقليّة التي تقولبت وعلى مدى أربعة عشر قرنا من الزمن تحت حدّ السيف، لن تستطيع وبسهولة أن تتحرر من سلطة السيف.

عندما أكتب عن الاسلام وما فعله من تشويه وتخريب في عقليّة المسلم، أستطيع أن أتفهّم الطريقة التي يرتكس بها بعض المسلمين لكتاباتي. إذ يصعب عليهم أن يكتشفوا بين ليلة وضحاها خلبيّة جهازهم العقائدي الذي حكمهم بالنار والحديد، وأقنعهم بأنّه ينطوي على حقائق مقدسة لا تحتمل الشكّ والسؤال.

يصعب على الإنسان أن يكتشف بأنّ ما يؤمن به ليس سوى وهما وسرابا.

الجهاز العقائدي للإنسان هو بوصلته التي تقوده إلى برّ الأمان، ومتى اكتشف الانسان نفسه في المكان الخطأ يفترض أن يشكّ في مصداقيّة بوصلته. لكنّ الأمر ليس مجرّد افتراض، إنّه أصعب من ذلك بكثير. عندما يشكّ الإنسان بمصداقية جهازه العقائدي يمرّ بخمس مراحل:

1- Shock and Denial الصدمة والرفض:
عندما ينهار جهاز عقائدي ما، أمام الحقائق العلميّة التي تدحضه، يصاب من يؤمن بذلك الجهاز بصدمة، كالتي تحدث لحيوان انبهر في منتصف الليل بضوء عال منبعث من سيارة فتسمرّ في مكانه لايعرف كيف يواجه خطورة السيارة التي تكاد تصدمه.

2- Anger الغضب:
بعد مرحلة الصدمة يدخل في حالة غضب، يصب خلالها جام غضبه على كل مصدر يشكّك بصحّة عقائده.

3- Bargaining المفاوضة:
في تلك المرحلة يضّطر الشخص، تحت ضغط الحقائق التي تدحض صحّة عقائده، أن يعترف بسلبية بعض الأفكار في تلك العقائد، ويبدي رغبة في تغييرها.

4- Depression الكآبة:
لم تعد رغبته في التنازل عن بعض عقائده تكفي لصدّ سيل الحقائق المتدفقة، فيدخل أمام احباطه في حالة كآبة يتصارع خلالها بين الحقيقة والوهم.

5- Acceptance and Willingness القبول والرغبة في التغيير:
يقتنع في تلك المرحلة بأنّ بوصلته قد قادته إلى المكان الخطأ فيشكّ في مصداقيتها ويقبل الحقيقة ويبدي رغبة في التغيير. في تلك المرحلة بالذات يكون قد كسر قالبه الفكري وحرّر نفسه من كابوس سلطته الدينية أو العقائدية.

الزمن الذي يستغرقه الشخص في كل مرحلة يختلف باختلاف الشخص نفسه. يبقى بعض الاشخاص يراوحون، كالحيوان المبهور في وسط العتمة من ضوء شديد تسلط على عينيه، يبقون في أماكنهم مدى حياتهم حتى تدهسهم الحقائق العابرة تحت عجلاتها، والبعض الآخر ينتقل من مرحلة الى أخرى بالسرعة التي يفرضها ظرف كلّ منهم.

عندما اقرأ ردود السادة المسلمين على كتاباتي أستطيع وبسهولة متناهية أن أميّز المرحلة التي يمرّ بها كل منهم، تؤسفني حقيقة واحدة وهي أنّ معظم المسلمين الذي دخلوا في المرحلة الأخيرة يراسلونني من وراء الكواليس ولا ينشرون رسائلهم في أيّ موقع من شدّة الخوف.

هذا النمط يزداد مع الأيام كمّا ونوعا ويجعلني متفائلة، لكنّه في الوقت نفسه يثير أسفي فالخوف من سيف الاسلام لا يزال يكبّلهم ويخنق أنفاسهم.

السيّد محمد العمّار طبيب مسلم متخصص في زيجات الرسول. صدمته مقالتي “هل يصلح الدهر ما أفسده الاسلام” فتسمّر في مكانه غير مدرك كيف يتجنب هول الصدمة.

قادته مرحلة الصدمة إلى مرحلة الغضب الذي صبّه دفعة واحدة وبلا هوادة. صبّه عليّ شخصيا وليس على افكاري لأنني، وفي حيّز اللاوعي عنده، مصدر الحقائق التي تشكّك بعقائده.

عكست عبارته الأولى مشاعر غضبه وجاء فيها:
الأخت الأمريكية أكثر من المحافظين الجدد، تحية طيبة وبعد:
أراد السيّد العمّار أن يذمّني بوصفه لي – الأمريكية أكثر من المحافظين الجدد- دون أن يدري أن عبارته قد أطربت اذني!

فالشعب الذي يقف وراء هذا البلد العظيم، من أقصى اليسار الى أقصى اليمين، هو جدير بالاحترام ومحظوظ من ينسب إليه!

الأمريكيّون، ياحضرة الطبيب، لا يكفّرون أحدا ولا يقطعون رأس أحد باسم إلههم. يودّون ويحترمون جارهم الهندوسي والبوذي والمسلم وعبّاد الشيطان ويعتبرونه مواطنا يتمتع بكل حقوق المواطنة الأمريكيّة. خلفاؤهم الراشدون لم يموتوا بقرا بالسكاكين، ولم يعرفوا في تاريخهم حجاجا كاليوسف الثقفي!

لا يحرقون بالغاز السام من يختلف معهم من أبناء جلدتهم، ولا يقلعون اظافر من ينتقدهم. لا يتاجرون بقوت فقرائهم، ولا يسرقون دواء مرضاهم.

تركوا حقوق الحرق والقلع والمتاجرة والسرقة للسادة المسلمين، كي لا يعتدوا على حقهم في براءة الاختراع!

نبيّهم لم يغز ولم يغنم ولم يسبي، وكلّ ما قاله: “إنّ الله محبّة”. لا يوجد في قواميسهم تعاريف للسبايا وما ملكت اليمين، ولا في كتبهم ازدراء لأيّ دين أو أيّ إنسان.

أيهما أشرف للإنسان أن يكون أمريكيّا أم كاتبا يلعق حذاء مجرم كصدّام حسين!

ماذا تريدني أن أكون إن لم أكن أمريكيّة؟! من أنصار السيّد حسن نصر الله، الذي رأيته مرّة يقبل يد آية من شياطين ايران فكدت أتقيأ أمعائي؟ أم من أنصار الزرقاوي ازغرد عندما يفجّر ابني نفسه ثمّ ادفع بالآخر؟!!

مولدي في سوريّة هو هدية الله لي، وقراري بأن أكون أمريكيّة هو هديّتي لله.
أرسلني الله مسلمة عربيّة لغاية عنده، وقررت أن أكون أمريكيّة لا دينيّة كي أصل الى غايته!

أمريكيّتي لم تقف يوما حائلا بيني وبين حبّي لوطني الأمّ وشعبي، وأنا أبذل قصارى جهدي لأنقذ ذلك الشعب من براثن عقيدته، ومعظم ما أناله على جهودي شتائمكم وتهديداتكم!

يقول جان جاك روسو: “يجب على الإنسان أن يخاطر بحياته من أجل أن يحميها”، ولذلك أخاطر بحياتي من أجل حماية حياة أفضل، ليس لي وإنّما للأجيال القادمة في وطني الأم.

يتابع الطبيب (!!) محمّد العمّار صبّ غضبه فيقول:
ورغم قناعتي أنك لا تصدرين عن فكر حر، ولا تحملين رسالة، بل تؤدين دورا كلفت به، مع طابور من مرتزقة الصحافة العرب، جندهم المحافظون الجدد كظهير للحملة العسكرية على العالم الاسلامي، (وأرجو المعذرة لعدم قدرتي على تصور موقع آخر لك انطلاقا من فهمي لما تكتبين).

لستَ بحاجة إلى الاعتذار فأنا أقدّر عدم قدرتك على استيعاب ما أكتب!
تعال نقرأ معا ما قاله يوما الشاعر الكبير نزار قباني رحمه الله،:
أحاول منذ كنت طفلا
َقراءة أيّ كتاب
تحدّث عن انبياء العرب
وعن حكماء العرب
وعن شعراء العرب
فلم أر إلاّ قصائد تلحس رجل الخليفة
من أجل حفنة رزّ..
وخمسين درهم..
يا للعجب..

وسؤالي: هل وجدت ـ يا دكتور محمّد ـ في تاريخ العرب بقجة أفضل من البقجة التي وجدها نزار قباني؟!!
طبعا لا!

ولذلك لا تستطيع أن تتصوّر بأن انسانا يعبّر عن رأيه إلاّ اذا كان مأجورا!
هذا هو تاريخكم ـ ياسيّدي الطبيب ـ وأنتم لا تستطيعون أن تفهموا شيئا خارج حدود ذلك التاريخ!

اعتدتم أن تقايضوا الكلمة بصحن رزّ والقصيدة بدرهم، فلا عجب أن تتهموني بالعمالة والارتزاق! كلّ انسان يرى العالم من خلال منظاره!

لقد نبش نزار قباني تاريخ العرب كي يفهمه، وأنا، وخلال حياتي هنا، حاولت أن انبش تاريخ أمريكا فلم أعثر فيها على شاعر واحد يقايض قصيدته بدولار أو حفنة رزّ. من لا يعرق في أمريكا يموت جوعا! تلك هي فلسفة ربّهم “بعرق جبينك تأكل لقمتك”!

لم أعثر في تاريخها كلّه على هارون الرشيد وجواريه، ولم أرى أثرا لأبي النواس. لا يقهقه خلفاؤها ولا يأمرون لمهرّجيهم بألف دولار. بيت المال في أمريكا ملكا لشعبها، والويل لمن يعبث بذلك المال!

يقول خير شعراء العرب، أبو فراس الحمداني، مادحا سيف الدولة:
فليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب

هل بإمكانك أن تتصوّر مدى ذلك الانحطاط الأخلاقي؟! يتمنّى شاعرك أن تتحول كل علاقة تربطه بالعالم إلى خراب، وأن تبقى علاقته بسيّده عامرة!

ألست فخورا بأجدادك؟ ألست خير خلف لخير سلف؟
ولذلك أتفهّم عدم قدرتك على استعياب ما أكتب، إذ لا تستطيع أن تتجاوز حدود ثقافتك، فالكلمة عندكم بصحن رزّ والقصيدة بدرهم!
…………………………..
يتابع الطبيب العمّار:
أولا- ارجو أن تسجلي تحفظي على التعريف الذي ذيلت به ردّك (عالمة نفس!!!!)، إن معرفتي المتواضعة بعلم النفس تجعلني أجزم أنه لا علاقة لك بهذا العلم، فقد خلت كتاباتك من أي تحليل يتكئ على أيّة ارضية معرفية، سواء علم النفس أو غيره من العلوم، كما أن اللهجة المتوترة والصوت العالي والاندفاع الشديد واللغة الهابطة، لاتتناسب مع تحصيل علمي محترم، وأغلب الظن أنك طالبة ثانوي انقطعت بها السبل، في مستوى الأول ثانوي (مع الاحترام الشديد للمتميزين من طلاب الأول الثانوي الذين ربما يؤذيهم مثل هذا التصنيف) أو ربما كنت تملكين شهادة جامعية أو درجة دكتوراه دولة من نمط ما كان يمنح السوفياتي في الإتحاد السوفياتي السابق، وهي تكافئ مستوى الثانوية من ناحية النمو العقلي والنفسي، إن الصوت العالي والإندفاع الشديد والإعتقاد الراسخ بأن ما تقولينه حقائق لا تقبل الدحض أو النقاش، وما يقوله الآخرين هراء محض، تعكس تعثرا في النمو العقلي والنفسي، كما تعكس قصورا في ادراك العالم والإنسان والتاريخ.

النقد ملكة عقلية لا تستطيع أن تنمو وتنتعش إلاّ في جو من الحرية والديمقراطية، جو يعلّم الانسان أن يحترم الآخر حتى ولو اختلف معه، وأن يلتزم بحدود الأخلاق عندما ينقده.

البيئة الإسلامية غنية عن التعريف، ولا أحتاج أن أخوض في أخلاقياتها النقديّة! إن بيئة تعلّم ابنها أن يقطع رأس من يجحد بآية من القرآن لعاجزة أن تفرض قبول الآخر وتلتزم بأخلاق النقد.

من أبسط قواعد النقد، أن يقول الناقد: قال فلان كذا وكذا وانا اقول كذا وكذا. ثمّ يقارع الحجّة بالحجة دون إسفاف أو تسفيه، لكن فاقد الشيء لا يعطيه!

ماذا قالت وفاء سلطان كي تستحق هذا التسفيه؟ أين هي حجّة طبيبنا السيد محمد العمّار؟ أين هي اخلاقياته؟ لماذا لم يظهر ماكتبته وفاء ودفعه الى تقييمها كطالبة ثانوي؟

أرجع الى قاعدة مهمّة في علم النفس تقول، ما يزرعه الوالدان يحصده الأبناء، والسيّد العمّار ماهو إلاّ ناتج ثقافة قمعيّة سفيهة لا تحترم الآخر ولا تعترف بحريته وحقّه في إبداء الرأي!

أما بخصوص طعنك بحملة شهادات الاتحاد السوفياتي سابقا، اؤكد بأن الخلل ليس في الجهاز التعليمي السوفياتي وإنما في حكومتك – ياسيدي- وفي أخلاقيّة شعبك.

الحكومة البعثية في دمشق توفد الى دول منظومة الدول الاشتراكية من تقيأه البحر من طلاب فاشلين قضوا سنوات في الثانوية العامة. يكفي أن تكون عضوا عاملا في حزب البعث، او يكون لك قريب في جهاز مخابرات السيّد الرئيس كي تطير الى روسيا.

يصل هؤلاء الطلاب الميؤوس من حالتهم الى هناك، جيوبهم مليئة وعقولهم فارغة. يتعاملون هناك مع شعب تعيس يقف على باب المؤسسة الاستهلاكية أربع ساعات ليحظى برغيف خبز، فيبيع الأستاذ الجامعي مادته بعلبة سردين، على ذمة البعض من هؤلاء الطلاب!

لقد قابلت في امريكا أطباء روس لا يقلّون كفاءة ومهارة عن الأطباء الأمريكان، فأرجوك لا تلقوا بأوزاركم على أكتاف الآخرين.

ذكرّتني بمقابلة استمعت اليها منذ أكثر من عشرين عاما في التلفزيون السوري، أجراها المذيع مع مخرج سينمائي روسي. حاول المذيع أن يوهم المشاهد بأنه يعرف من باض البيضة ومن أنجب الفرخة، فسأل المخرج الروسي: لماذا كلّ الأفلام الروسيّة هابطة فنيّا وأخلاقيا؟

فردّ المخرج الروسي بثبات وبلا تردد: ياسيّد! في روسيا لدينا من الأفلام الهابط جدا والجيد جدا، ولكنّ التجار السوريين عندما يأتون لاستيراد افلامنا يختارون هابطها، ونحن نحترم حقّ الاختيار لدى المشتري! فانكمش المذيع وتقلص كحلزون داهمته برشّة ملح!

هذا بخصوص شهادات الاتحاد السوفياتي، أما الشهادات العلميّة في أمريكا فلا تملك موقعا لبصمة حافر، ولذلك تستطيع مشكورا أن تحتفظ ببصمتك لنفسك فشهاداتي لا تحتاج إليها!
…………………………..

يتابع السيّد العمّار:
ثانيا – لا شك أنني أتفق معك، أن العالم الإسلامي يعاني مرضا خطيرا في علاقته بالتراث، ولكني أسألك – كعالمة نفس- هل تعتقدين أن شتم المرضى الجسديين أو النفسيين تقنية قادرة على الشفاء؟ هل تقدم الشتائم حلولا للأزمة التي تتحدثين عنها؟ هل الشتم تقنية قادرة على حل الأزمات، وتجاوز الصعاب؟ هل يعقل أن عالمة نفس!! لا يخرج منها ما يدل على اختصاصها سوى الادعاء، أين العلم الذي يحلل المشكلة، ويقترح الحلول، وينير السبل ويوضح المخارج الممكنة أو المحتملة؟؟؟

نلاحظ في بداية هذا المقطع بأن السيّد العمّار قد دخل في طور المرحلة الثالثة التي يدخل بها من يصطدم بخلبيّة جهازه العقائدي، ألا وهي مرحلة الـ” المفاوضة”. هو يتفق معي إلى حدّ ما، ويؤمن بأنّ العالم الإسلامي مصاب بمرض خطير. لكنّ الخطورة في رأيه لا تتعدى علاقة ذلك العالم بتراثه، دون أن يشرح ماذا يقصد بهذا الهذيان الفكري!

من خلال خبرتي الطويلة بقرائي المسلمين، لن يستغرق الدكتور العمّار زمنا طويلا كي يدخل المرحلة الرابعة التي سيصاب خلالها، وكنتيجة حتميّة لإحباطه، بكآبة حادة قاتلة!

قدرته على الدفاع عن ذلك التراث بكلّ قماماته هشّة للغاية، ولن تصمد طويلا أمام زخم الحقائق العلمية التي تفنّد وتدحض تراثه!

يقول الكاتب والمفكر السوري نبيل فيّاض: كلمّا ازدادت الفكرة هشاشة ازداد ارهاب المدافعين عنها! ولكن يبقى السؤال: إلى متى سيظل الإرهاب قادرا على الدفاع عن تلك الأفكار؟!!

يعود الطبيب العمّار الى سيل من الاتهامات دون أي برهان. أين هي الشتائم التي تقولها وفاء سلطان؟ لماذا لم تضرب مثالا وتعطيني الحقّ أن أدافع عن نفسي، كما أفعل أنا في الردّ عليك؟!

لقد اختلط عليّ الأمر ولم أعد أميّز بين الشيخ محمّد العمّار والدكتور يوسف القرضاوي. لقد سقط الطبيب في جبّة الشيخ وتسلل الشيخ إلى مخبر الطبيب، يا للكارثة!

يبدوا أنكم، ياسيدي الطبيب، تخلطون بين الصوت الجهوري والصراخ، وبين مطرقة وفاء سلطان التي تهدم قوالبكم الفكرية وسيف الحجاج الثقفي الذي يقطع رقابكم. لا عتب عليكم، فمن يحترق بالحليب ينفخ اللبن!

عندما يتكلّس الإنسان داخل قالب فكري كالمستحاثة داخل صخر يعود للعصر الحجري، يحتاج الأمر إلى مطرقة وفاء سلطان وليس إلى سيف الحجّاج الثقفي!

اشتهر عالم النفس الأمريكي John Grinder بقدرته على كسر القوالب الفكرية عندما يقع المريض رهينتها.

زار مرّة مصحا نفسيّا بعد أن سمع عن وجود مريض فيه يصرّ على أنّه المسيح وعلى الناس عبادته منذ سنين، وهو رهين غرفته وفكرته.
دخل إلى غرفة المريض وسأله: من أنت؟!
فردّ المريض: أنا المسيح وعليك أن تعبدني!
فنظر اليه الطبيب الشاب وهزّ رأسه، ثم خرج من الغرفة بعد أن أوحى للمريض بأنّه عائد. استغرب المريض مغادرة الطبيب للغرفة وبدت عليه علامات الدهشة.
عاد الطبيب بعد حوالي خمس دقائق وهو يحمل في يده مترا للقياس، ثم طلب من المريض أن يرفع يديه بمستوى كتفيه. فتساءل المريض: لماذا؟
لم يردّ عليه الطبيب وراح يأخذ قياساته بالطول والعرض ويسجّلها على قصاصة ورقيّة.

غادر الطبيب الغرفة مرّة اخرى، ثم عاد بعد قليل وبيده خشبتين ومطرقة وعلبة مسامير. وضع الخشبتين على الأرض بشكل متصالب، ثم راح يثبّتهما بالمسامير. صرخ به المريض: ماذا تفعل؟ فنظر اليه الطبيب وسأله: من أنت؟ ردّ المريض: أنا المسيح! فقال الطبيب: إذا كنت المسيح فالمفروض أن تعرف ماذا افعل. عندها صرخ المريض: أرجوك يابني، أنا فلان الفلاني ولست المسيح..لست المسيح.. هل تسمعني؟!!

ألم اقل لك يا دكتور محمّد بأن قوالبكم الفكريّة تحتاج الى مطرقة ومسامير وفاء سلطان؟!!
…………………………….

يتابع طبيبنا الشيخ:
ثالثا – فيما يتعلق بالقضايا التي أثرت، وأنا أتحدث معك – كعالمة نفس!!! – هل يعقل أن الرجل الذي قضى كل شبابه، مضرب مثل في العفة والنظافة، ولم تذكر عنه كتب التاريخ أية حادثة تلوث سيرته العطرة، هل يعقل أن يتحول بعد الخمسين من عمره إلى زير نساء؟ هل يستقيم هذا من وجهة نظر الطب النفسي؟؟ أنا ومن خلال معرفتي كطبيب أعلم أن مثل هذا التطور لا يتفق مع التطور البيولوجي الطبيعي للأفراد، ومن وجهة نظر الطب النفسي هل يمكن أن نتصور أن شخصا قضى شبابه الصاخب، وعنفوان قوته الجسدية مع امرأة تكبره بخمسة عشرة عاما، ولم يفكر خلالها في التعدد الأمر الذي كان مشروعا شائعا في الجزيرة العربية في القرن السابع، وبقي يحن إليها حتى بعد سنين من وفاتها، حتى كانت أحب نسائه إليه تشعر بالغيرة منها؟ هل يستقيم من وجهة نظر الطب النفسي أن نتحدث عن رجل هذه سيرته بمثل التخرصات التي ذكرت.

ما شاء الله! ما شاء الله! يحقّ لك أن تحصل على براءة اختراع في نظرياتك النفسية والبيولوجية تلك! يبدو أنّك تعلمت سايكولوجية وبيولوجية محمّد أثناء خطبة الجمعة وليس في أروقة كليّة الطبّ!

ياحضرة الطبيب، خديجة هي التي تزوجت محمد وليس هو الذي اختارها، كانت في الأربعين وكان في الخامسة والعشرين، فهي التاجرة الكبيرة الغنية وهو الفقير الضال اليتيم. لقد اشترته بأموالها كما كانت تشتري جمالها وبضائعها، ولم يملك في بيتها ظفرا يحكّ به جلده!

زواجها منه كان زواجا كنسيّا لا يسمح بالزواج من امرأة اخرى. تمّ ذلك الزواج قبل ظهور الإسلام بخمسة عشر عاما، باركه وشهد عليه القس ورقة ابن نوفل ـ ابن عمّ خديجة ـ على الطريقة النصرانية ووفقا لتعاليمها. ماتت خديجة قبل الهجرة بثلاثة أعوام وقبل نزول الآية (!!!) التي تبيح تعدد الزوجات!

أمّا ماذا يقول علم النفس بخصوص الرجال الذين يسقطون في حضن نساء بعمر أمهاتهن؟!!

عندما يحرم الطفل من عطف أمّه في سنوات عمره المبكّر لسبب أو لآخر، يظلّ ينشد ذلك العطف الامومي، في حيّز اللاوعي عنده، حتى آخر يوم في عمره. احتمال ولع هذا النمط من الرجال بالنساء الأكبر سنا أكثر بكثير من الرجال الذين شبعوا من عطف امهاتهم في طفولتهم. في تلك الحالة، يرى الرجل في زوجته المسنّة أمّه، ويبحث لديها عمّا افتقده في أمّه.

محمد فقد أمّه وهو في السادسة، وحتى في طفولته المبكرة لم يرضع منها، بل من امرأة غريبة كانت تدعى حليمة السعديّة.

هل تعرف، يا حضرة الطبيب المتطاول على علم يجهله، بأن الرضاعة هي أقوى عامل يساهم في تقوية الرباط بين الطفل وأمّه!

افتقر محمد الذي عاش يتيما فقيرا منبوذا في بيت عمه أبي طالب حنان الأم، وربّما تطلّع إلى ذلك الحنان في زواجه من خديجة. يكفي كي أبرهن على سوء أوضاع محمّد في بيت عمّه أنه ظلّ أميّا في بيت اشتهر بعلومه ولغته.

عندما تزوج خديجة وجد لديها، لا أشكّ في ذلك، حضنا دافئا وقلبا رحيما. لم لا، وقد استمتعت بشاب في عمر أولادها؟

وبغضّ النظر عن كون ذلك الزواج كنسيّا نصرانيّا، لا اعتقد أنّ محمّد امتلك من القوة بحضورها ما يمكّنه من اقتناء زوجة اخرى، فهو لا يستطيع أن يفوز بمالها ويتخذ زوجة سواها في آن واحد!

تسألني، هل من الممكن أن يتحول رجل بعد الخمسين من عمره إلى زير نساء؟ دعني أشرح لك الأمر من خلال معلوماتي العلميّة حول هذا الموضوع.

كان محمّد يدعيّ بأنه يمرّ في الليلة الواحدة على زوجاته التسع ويفرّغ في كل بيت نفس الحمولة! طبعا، ادّعاؤه هذا خرافة كبيرة.

معروف علميّا إنّ أكثر الرجال تبجّحا بقدراتهم الجنسيّة أقلّهم قدرة على ممارسة الجنس. قد يكون هوس محمّد بالجنس محاولة لتغطية عجزه، وعدم إنجاب محمد للأولاد من زيجاته اللاحقة يرجّح هذا الإحتمال.

عندما يعاني الإنسان من مشكلة ما تسبب له ألما شديدا في حيّز وعيه، يتدخل اللاوعي عندئذ ويدفعه إلى سلوك ما يخفف عنه حدّة ذلك الألم.

أضرب مثلا: شخص ما يعاني من ألم شديد سببته له مشكلة ما، يلجأ، ودون وعيه، الى التهريج والتنكيت كمحاولة لإخفاء هذا الألم.

يعتبر Rodney Dangerfield من أشهر المسرحيين الكوميديين في تاريخ أمريكا. سمعته مرّة في مقابلة يقول: جمعت ثروة هائلة جدا من إضحاك الناس، وأنا أعطي تلك الثروة لمن يستطيع أن يضحكني!

يدعى ذلك التصرف في علم النفس Defense Mechanism أي آلية دفاع. لا أستطيع أن افسّر الهوس الجنسي عند محمد، والذي دفعه الى القول بأنّه “أوتي قوّة أربعين رجلا”، إلا كآلية دفاع لجأ إليها حيّز اللاوعي عنده بغية التخفيف من حدة القلق الذي كان يشعر به حيال عجزه.

هذا من جهة ومن جهة أخرى، وطالما تدّعي بأنّك تعلم علم الأولين والآخرين في الطب النفسي والبيولوجيا، لماذا لا تتساءل في الوقت نفسه كيف يستطيع رجل في منتصف الخمسينات من عمره أن ينام مع طفلة في التاسعة من عمرها؟ هل تطوره البيولوجي والنفسي ـ على حدّ تعبيرك ـ يتوافق مع تطورها البيولوجي والنفسي؟!!
…………………………………………
يتابع:
رابعا – وعندما تتحدثين عن العنف، أستغرب وأسأل هل السيدة تعاني من عمى ألوان، أم أنها تعاني من حول أخلاقي أو أنها تعيش بضمير مثقوب، وأنا لا أريد أن أقول أن العرب والمسلمين ليسوا عنيفين، وإن كان مثل هذا الأمر يجب أن تتحفظ عليه عالمة النفس! لأن علم النفس لا يوافق على ربط العنف بدين أو بعرق أو بجغرافيا أو بتاريخ، لكني أسأل هذه (العالمة)،أي حضارة وأي عرق وأتباع أي دين هم الذي سجلت براءة اختراع محاكم التفتيش باسمهم تاريخيا، وأي حضارة وأي عرق وأتباع أي دين هم الذي سجلت براءة اختراع إبادة الحضارات باسمهم؟؟ وأي حضارة وأي عرق وأتباع أي دين هم الذين سجلوا براءة اختراع الهولوكست وأفران الغاز عبر التاريخ، وماذ أستفادوا من رسول المحبة؟

يا سيدي الطبيب، أرجوكم اعقلوا السنتكم الداشرة قبل أن تتكلموا! أنا لا أربط العنف بالمسلمين، بل أربط الإرهاب بالإسلام!

وإذا كنت عاجزا عن التمييز بين العنف والإرهاب وبين الإسلام والمسلمين فتلك مشكلتك وليست مشكلتي!

العنف موجود في كلّ زمان ومكان، لكنّ الإسلام عقيدة إرهابية. والمسلمون بشر ككلّ البشر، لكنّهم وقعوا ضحيّة تلك العقيدة!

القاعدة الذهبيّة في علم النفس، الذي تدّعي المامك به كذبا وافتراء، تقول: Beliefs drive behaviors أي العقائد تقود السلوك!

عندما يؤمن الإنسان بأن الله اشترى منه حياته مقابل الجنة التي سيفوز بها إن َقََتل أو ُقتل، سيتحول ذلك الإنسان الى إرهابيّ لا محالة!

التاريخ ـ ياسيّدي الطبيب ـ مليء بالجرائم التي ارتكبت على أيدي أناس ينتمون إلى جميع الأديان والأعراق والبلدان، لكن عندما يتمّ القتل بناء على عقيدة ’يفترض أنّها من الله فالأمر يختلف!

هتلر كان مجرما، لكنّه لم يعتمد على أقوال المسيح لتبرير جرائمه. الذين أقاموا محاكم التفتيش في أسبانيا لم يتلقوا الدعم من مسيحيّ العالم يومها بحجة نصرة المسيحيّة، أما القنبلة النوويّة الباكستانية فقد دخلت التاريخ الإسلامي تحت اسم القنبلة الذريّة الإسلاميّة!

هل تستطيع أن تتصوّر ما الذي سيحدث لو أنّ المفاعلات النوويّة الأمريكية من صنع بشر تؤمن بالآية التي تقول: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ
ألا تعتقد معي بأنّكم ستكبسون الأزرار في الليل والنهار؟!!
……………………………

يتابع:
خامسا – من الفضائح التي تجلل بها العالمة نفسها، وتفضح من خلالها حقيقة علمها، فضيحة اعتراضها، على كلمة نكاح وكلمة حرث في القرآن، ولو أن هذه الدّعية كلفت نفسها، عناء النظر في القاموس(كما كنت أعلم أطفالي وهم صغار) لتجنبت هذا المطب، فكلمة نكاح في القرآن ليست بمعنى الجماع، كما ذكرت عالمتنا، وإنما تعني عقد القران والزواج (فانظروا هذا العلم و هذا البحث!

يصرّ الدكتور محمد العمّار على أنّ معنى النكاح الزواج وليس الجماع، ولذلك اقترح عليه تجربة بسيطة، ولا تقل متعة عن تجربة الطبيب الأمريكي بيلغرام الذي ذكرتها في مستهلّ هذا الردّ.

من المعروف بأنّ الطبيب عندما يلتقي بمريضه يسجل أولا قصته السريريّة والعائليّة، وفي سياق تلك القصة يسأله عن الحالة العائليّة. لذلك أقترح عليه أن يسأل سيدة مسلمة، ولتكن محجّبة وتبدو مثقّفة إسلاميّا، السؤال التالي: هل أنت منكوحة أم عازبة؟

هو يؤمن بأنّ لغة القرآن هي اللغة الأكثر وضوحا وبيانا ولا شكّ بأنه يشجع المسلمين على استخدامها، فلماذا لا يطرح على مريضته ذلك السؤال بدلا من أن يسألها، هل انت متزوجة أم عازبة، ولنرى معا ردّة فعلها!

أنصحه قبل ذلك بلبس خوذة عسكرية خوفا من أن تكسرنافوخه بخبطة حذائها!
…………………………

ثمّ يتساءل السيّد العمّار: وأنا أقول لمن افتخرت بأنها ربة منزل، هل ترضيها الحياة التي تعيشها المرأة الغربية على صعيد الأسرة؟؟

ماذا تعرف ياحضرة الطبيب عن حياة المرأة الغربيّة على صعيد الأسرة؟!! كم بلدا غربيّا زرت، وما طول المدة التي قضيتها فيه؟!!

أنا على ثقة، بأنك لم تتجاوز حدود الحيّ الذي ولدتك به أمّك، فكيف تحكم على اناس لم تعش معهم؟

أنت والغرب ـ ياسيّدي الطبيب ـ مختلفان في مفهومكما للأخلاق. لو تستطيع أن تتجاوز، ولو قيد شعرة، فرج المرأة في مفهومك لها لاكتشفت أنّكم تحتاجون إلى عشرة آلاف سنة ضوئيّة من التعقيم بأشعة الليزر كي تتأهلوا للدرك الأسفل في سلّم الأخلاق العالمي!

انزل إلى الشارع في أيّة مدينة في أيّ بلد إسلامي وراقب الناس. راقب أخلاقيّات السير، أخلاقيّات البيع والشراء، أخلاقيّات التعامل في الدوائر الحكوميّة، أنظمة البناء، تخطيط الشوارع ….أو لكي أخفف عنك الحمل، ادخل إلى دورة المياه في المستشفى الذي تشتغل فيه. من خلال نظافتها تستطيع أن تقيس درجة أخلاقكم!

لا أريدك أن تفهم من كلامي بأن فروجكم مصانة والفروج الغربيّة مفتوحة لمن هبّ ودب. الفرق بينكم وبينهم، فروجكم مبرقعة، والله وحده يعرف ما الذي يجري تحت ذلك البرقع. أنا وأنت لسنا من كوكبين مختلفين، بل من الحيّ نفسه ويعرف كلانا، على الأقل كطبيبين، ما الذي يجري وراء الأبواب الموصدة!

إخفاء المعاصي ـ ياسيّدي ـ لا ينفي وجودها. تعفنتم من الداخل، ونوافذكم المغلقة لا تستطيع أن تثبت طهر بيوتكم!

تعال نتخيل معا بأن طفلة في البيت المجاور لبيتك تعرضت لحادثة اغتصاب من أحد ذكور عائلتها. بأمانة طبيّة، هل تستطيع أن تحدد لي النسبة المئوية لاحتمال سماعك بتلك الجريمة؟!! هل ينفي عدم سماعك بتلك الجريمة حدوثها؟!!

الساحل الغربي في أمريكا يبعد عن ساحلها الشرقي سبع ساعات طيران. لو أنّ طفلة تعرضت لحادث اغتصاب في أقصى الغرب سيسمع الأمريكي نبأ اغتصابها خلال دقائق في بيته في أقصى الشرق.

المجتمع الأمريكي، كأيّ مجتمع بشري، له مشاكله وجرائمه. لا أنا ولا غيري يستطيع أن يدعيّ بأنه مجتمع أفلاطوني ولا يهمّني أن يكون. لكنّ المجرم هنا يدفع الثمن باهظا، والضحية يعاد تأهيلها النفسي والعقلي من قبل المختصيّن الذين يسهرون في الليل والنهار على سلامة مجتمعهم.

منذ حوالي شهرين، تمّ تشخيص 8 حالات إصابة بجرثومة الإشريشيا كولاي E. Coli. قامت الدنيا ولم تقعد، واكتشفت الجهات الصحيّة المعنيّة بالأمر أن مصدر الإصابة الأكياس المختومة والتي تحوي أوراق السبانخ المقزّم Baby Spinach المغسولة والمعقّمة. صدرت الأوامر على الفور إلى كلّ مراكز البيع والمطاعم في أمريكا لإلقاء كل ما لديهم من تلك الأكياس في براميل القمامة. تكبدت الدولة من جرّاء ذلك ملايين الدولارات، لكنّ حياة انسان واحد في عرفهم الأخلاقي أهم بكثير.

في المحافظات الشرقية في سوريا ظل تجار اللحوم، ولمدة عامين، يبيعون الناس لحموم الحمير حتى نفدت كل حمير المنطقة. منذ يومين قرأت بأن الشعب السوري يأكل لحوما فاسدة، ولا يعرف أحد مصدر الحيوانات التي أخذت منها تلك اللحوم. أليست تلك أخلاق إسلاميّة؟!

في أوائل الأربعينات كانت سورية تحت الانتداب الفرنسي، ولسبب ما اضطر والدي أن يذهب إلى المحكمة في بيروت، فسوريا ولبنان كانتا آنذاك دولة واحدة. سافر والدي، رحمه الله، مصطحبا معه أخي الصغير وكان يومها ابن خمس سنوات وطفله الوحيد.

قبل أن تبدأ المحكمة بثوان ضرب أخي كرة كانت بيده على الأرض، فنطّت الكرة وسقطت فوق رأس القاضي الفرنسي. وبكل ما أوتي والدي من قوة صفع أخي على خده صفعة رجّت لها القاعة.

عندها جنّ جنون القاضي وطرد والدي خارج القاعة بعد أن أجّل المحكمة أسبوعين، ثم أمر الحرس بجلب أخي إلى المنصة. ظل والدي حوالي ساعة منتظرا في الخارج أن يعاد إليه طفله، الذي قضى أجمل وقت في حياته يلعب بكرته مع قاضي المحكمة حتى أعاد له رشده! منذ ذلك اليوم، يُقسم والدي، بأنّه لم يلمس ولدا بسوء، وكنا ثلاثة عشر ولدا.

بالله عليك ـ يادكتور محمّد ـ لو ظلت سورية مقاطعة فرنسية هل كنتم أكلتم لحم الحمير؟!! أم إنّ حكوماتكم الوطنية أفضل حسب مفهومك الإسلامي للأخلاق؟!

جئت إلى أمريكا بعد أن تشرّبت من السموم الإسلامية مايكفي لتسميم المحيط الهادي والأطلنطي. كنت أظن بأنني سأرى النساء الأمريكيات عاريات ومنتظرات فحول العرب عند مهبط الطائرة، لأكتشف بأن العهر الذي رأيته خلال ممارستي للطبّ في بلدي لا مثيل له في أمريكا إلا في أذهانكم!

جرّب أن تدخل إلى عيادة أي طبيب مختص بالأمراض النسائية في أكثر الأحياء الشعبيّة تعصبا وانغلاقا في مدينة حلب السوريّة، وسجل بأمانة طبيّة مشاهداتك ثمّ تعرف من خلالها على أخلاقكم!

لن أخوض في تجربتي الشخصيّة كطبيبة هناك الآن لأنني سأفرد لها بحثا خاصا لاحقا، وأنا على ثقة بأنّه لن يسرّكم.

ثم ما هي القيم العائلية التي تتميّزون بها ولا ترونها في المجتمع الغربي؟ صلة القربى كما تزعمون؟ كم ابن عمّ في سوريا يهنئ ابن عمه في العيد؟ وكم أخ يظل على علاقة طيبة بأخيه بعد زواجه ووفاة والديه؟

زرت سورية منذ حوالي ثلاثة أعوام بعد غياب دام خمسة عشر عاما. كم كانت دهشتي كبيرة عندما اكتشفت أنني أعرف عن أخبار زملائي الأطباء أكثر ممّا يعرف كل منهم عن الآخر، رغم أنهم يعيشون في نفس البلدة وبعضهم يشتغل في نفس المستشفى. فلقد كنت أراسلهم بين الحين والآخر وكانوا يبدون رغبة كبيرة في مراسلتي، ربّما لأنني أعيش في أمريكا، فلأمريكا في بلادنا، ورغم كل ما تتظاهرون به من حقد، سحر خاص والكلّ يحلم أن يهاجر يوما إليها.

شريعتكم حللت الزواج من أربع نساء، وسؤالي أيّة قيمة عائلية يمثلها رجل ينام كل يوم في بيت زوجة، هذا اذا افترضنا أنه يقسّم بيدره بالتساوي بين مضاجعه الأربعة؟ ما ذنب الأطفال الذين لا يرون والدهم في البيت عندما ينام في بيت آخر؟ إذا كان الرجل المسلم قادرا على أن يقسّم نطافه وأمواله بالعدل بين بعلاته، هل هو قادر على أن يعدل بين أطفاله الذين أنجبتهم تلك البعلات عندما يضنّ عليهم بتواجده ووقته؟!!

ترون القشّة في عيون غيركم ولا ترون المسمار في عيونكم!

ما هي القيمة العائلية التي تراها كطبيب في الآية التي تقول:
“فان أرضعن لكم فأتوهن أجورهن” هل خطر ببالك، ولو مرّة واحدة، أن تقرأ تفسير تلك الآية في أيّ كتاب تفسير تختاره؟ ألا يعتريك الخجل عندما تقرأه؟ عيب عليكم أن تطعنوا بأخلاق الغرب وتحافظون على تلك القمامة في كتبكم!

يقول التفسير: على الرجل عندما يطلق زوجته ولديها طفل رضيع أن يجلب له مرضعة ويسأل الأم والمرضعة عن الأجر الذي تريده كل منهما. إذا طلبت المرأة الغريبة مبلغا أقل يعطى الطفل لها. أيّ إله في الكون يقزّم العلاقة بين أم ورضيعها إلى علاقة بيع وشراء؟ ما أقبح ذلك الإله، وما أقبح تلك القيم التي تتبجّحون بها!
……………………………………
في المقطع الأخير من ردّه، يفيض علينا الدكتور محمّد العمّار من بحر علومه الطبيّة بالمزيد:
فالقرآن لا يقبل أن تكون هذه العلاقة عابرة ولاعابثة، وإنما يفترض أنها علاقة قاصدة دائمة يترتب عليها حقوق وواجبات ومسؤوليات، وليس كما هو شائع في الحضارة الغربية المعاصرة، فالعلاقة فعلا علاقة حرث واستنبات، ولايحق للمستنبت أن يدير ظهره وأن يتخلى عن التبعات، بعد حدوث الحمل بل هناك ميثاق لهذه العلاقة، سماه القرآن (ميثاقا غليظا)، يلزم المستنبت أن يتولى رعاية نبته، حتى يستوي ويستقل وتصبح لديه القدرة على إعالة نفسه، لا أن يشترك الرجل والمرأة في العملية فيمارسان رغبة أو حاجة مشتركة، ثم يولي الرجل وجهه ولا يعود يعترف بأي تبعات للفعل المشترك الذي مارساه معا، وتقع جميع التبعات الجسدية والمادية والنفسية على طرف واحد، فأرجو أن تتمكن هذه العالمة!! بعلمها من إدراك المعنى العلمي النفسي القانوني الأخلاقي لكلمة (الحرث) وتفهم أنها لفظة مقصودة وقاصدة لها دلالتها ومعناها، ولعلها تدرك أن الحياة الزوجية ليست ممارسة حب بل هي فعلا حرث واستبات، لذة يتلوها تبعات نفسية وأخلاقية وقانونية لكل واحد من الشريكين إزاء الآخر، ولا أعتقد أن العالمة النفسية وربة المنزل المحترمة تتطلع لعلاقة عابرة عابثة بين الجنسين تنتهي في حدود ممارسة الحب!!!.

أعترف ـ ياسيّدي الطبيب ـ بأنني لم أجد لعلومكم في الاستنبات والحرث أثرا في كتب الطبّ النفسي في أمريكا. يبدو أنكم تجاوزتم في معرفتكم لتلك العلوم الأمريكيين بسنين ضوئيّة!!!

الكتب الطبيّة في أمريكا متخلّفة جدا جدا!! تلك الكتب تصرّ على أن البذرة لا تأتي من الرجل وحده، وإنما من المرأة أيضا ومناصفة، ولا تعترف تلك الكتب بأن المرأة مجرد حاضنة لبذرة الرجل كما هو الأمر في كتبكم! فعلا أنكم تجاوزتم تلك الكتب بكثير!! هنيئا لكم!!

ولكنّني استغرب، مع كل هذا الاهتمام الذي يوليه رجالكم لحرثهم وزرعهم، لماذا تخرج محاصيلكم مسوّسة؟!!

لا أعتقد أن الشيخ محمّد العمّار قادر على تفسير هذا التسوّس، فالشيوخ لا تفقه كثيرا في علم الجينات والأمراض! لذا أترك شرف الجواب للدكتور يوسف القرضاوي، فقد سمعته مرّة يشرح الحيض عند النساء وأعجبني تحليله العلمي، وربّما يجد في كتب “الطبّ النبوي” التي تخرّج منها مايشبع رغبتي في معرفة الجواب!

أخيرا يذيّل السيّد محمد العمّار رده بتوقيعه:
د. محمد العمار
دكتور في الطب

وأمام توقيعه لا يسعني إلاّ أن أبكي وأندب مستقبل أمّة يتمشيّخ طبيبها و”يتدكتر” شيخها!!!

وفاء سلطان (مفكر حر)؟

 

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in ربيع سوريا, فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.