والله نشمية يابنت اللامي

محمد الرديني

ذكر طرفة ابن العبد قبل وفاته بساعات طرفتان عن العراق (يقصد الهلال الخصيب)، وحين وضعت زوجته طريفة اذنها على فمه لتسمعه جيدا قال وهو كعادته يلثغ بالراء:
سأذكر لك يابنت العم آخر طرفتان (قل طرفتين صح مو؟؟).
انا زوجك ياطريفة فلا تعلميني قواعد اللغة بعد هذا العمر.
الطرفة الاولى تتعلق بالمغنية الرشيدة ليلى نظمي التي اشتهرت باغنية “انا ما شربش الشاي”، والطرفة الثانية تتعلق بشيء لم اسمعه في حياتي يسموه الناس هذه الايام بالديمقراطية بالعراق.
واذا كنت تسأليني يابنت العم عن الطرفة الاولى فسأقول لك اني وقبل شهور حملت سيفي وزوادتي طلبا لقضاء اسمه بابل في الهلال الخصيب وتفاجأت حين وصولي الى هناك انهم يطلبون مني تأشيرة الزيارة، وفجأة تنبه لي احدهم وهو على مايبدو مسؤول كبير من خلال النجمات التي يحملها على بزته فناداني للاقتراب منه وسألني:
ياطرفة هل جئت تطلب نارا ام تشعل البيت نارا.
قلت لا والله لا هذا ولا ذاك بل جئت اشرب الشاي الكسكين عندكم.
ضحك بملء شدقيه ورد: ياطرفة ان شاينا مليء ببرادة الحديد وقد وزعوه علينا مجانا فيما نسميه بالبطاقة التموينية والناس هنا هاجت وماجت ولكنهم لم يستطيعوا شرب الكسكين بعد الافطار فارحل من عندنا حياك الله وبياك.
رحلت يا طريفة وفي قلبي لوعة.
واستمعت الى صوتي وانا اغني بطريق العودة “ما اشربش الشاي اشرب آزوزة انا”.
وفي طريقي عرجت على شمال الهلال الخصيب فرأيت جمعا من الناس على قارعة الطريق فسألتهم عن بوابة كردستان فضحك الكثيرون منهم وسألني احدهم من أي بلاد انت يا اخا العرب، الا تعرف ان الدخول الى تلك الاراضي يحتاج الى تأشيرة دخول.
عدت ادراجي الى الصحراء الغربية ولم اكد اصل الى ينبوع ماء واستقر بي الجلوس حتى رأيت شابة في مقتبل العمر تقف على رأسي وتصرخ: هل انت طرفة بن العبد؟ واذا كنت كذلك فلم لم تسمع بخبري حين تظاهرت مع حشود في ساحة التحرير ووجدت نفسي في زنزانة مظلمة يحيطون بي رجال مقنعون .. ضربوني لا بل اشبعوني ضربا فصحت باعلى صوتي انا بنت اللامي ايها الناس.. ضحكوا وسمعت احدهم يقول دعك من ذلك فلا مجال للتظاهرات والاحتجاج الان. خرجت من عندهم وانا اشعر بتورمات في كل جسمي.
حين انتهت مما قالته صحت: هل لي بصنيع يابنة العم.. اتركيني بحالي فانا ابحث الان عن اسم المغنية التي غنت “انا ما اشربش الشاي”.

About محمد الرديني

في العام 1949 ولدت في البصرة وكنت الابن الثاني الذي تلاه 9 اولاد وبنات. بعد خمسة عشر سنة كانت ابنة الجيران السبب الاول في اقترافي اول خاطرة انشائية نشرتها في جريدة "البريد". اختفت ابنة الجيران ولكني مازلت اقترف الكتابة لحد الان. في العام 1969 صدرت لي بتعضيد من وزارة الاعلام العراقية مجموعة قصص تحت اسم "الشتاء يأتي جذلا"وكان علي ان اتولى توزيعها. في العام 1975 التحقت بالعمل الصحفي في مجلة "الف باء" وطيلة 5 سنوات كتبت عن كل قرى العراق تقريبا ، شمالا من "كلي علي بيك" الى السيبة احدى نواحي الفاو. في ذلك الوقت اعتقدت اني نجحت صحافيا لاني كتبت عن ناسي المعدومين وفشلت كاتبا لاني لم اكتب لنفسي شيئا. في العام 1980 التحقت بجريدة" الخليج" الاماراتية لاعمل محررا في الاخبار المحلية ثم محررا لصفحة الاطفال ومشرفا على بريد القراء ثم محررا اول في قسم التحقيقات. وخلال 20 سنة من عملي في هذه الجريدة عرفت ميدانيا كم هو مسحوق العربي حتى في وطنه وكم تمتهن كرامته كل يوم، ولكني تعلمت ايضا حرفة الصحافة وتمكنت منها الا اني لم اجد وقتا اكتب لذاتي. هاجرت الى نيوزيلندا في العام 1995 ومازلت اعيش هناك. الهجرة اطلعتني على حقائق مرعبة اولها اننا نحتاج الى عشرات السنين لكي نعيد ترتيب شخصيتنا بحيث يقبلنا الاخرون. الثانية ان المثقفين وكتاباتهم في واد والناس كلهم في واد اخر. الثالثة ان الانسان عندنا هو فارزة يمكن للكاتب ان يضعها بين السطور او لا. في السنوات الاخيرة تفرغت للكتابة الشخصية بعيدا عن الهم الصحفي، واحتفظ الان برواية مخطوطة ومجموعة قصصية ويوميات اسميتها "يوميات صحفي سائق تاكسي" ومجموعة قصص اطفال بأنتظار غودو عربي صاحب دار نشر يتولى معي طبع ماكتبت دون ان يمد يده طالبا مني العربون قبل الطبع. احلم في سنواتي المقبلة ان اتخصص في الكتابة للاطفال فهم الوحيدون الذين يقرأون.
This entry was posted in الأدب والفن, فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.