مقتل ستالين

إنتهى العام الدراسي وبدأت العطلة الصيفيه وسيكون لدي متسع من الوقت لمعاودة الكتابه من جديد وسأبدأ من النقطة التي

غلاف كتاب / ستالين , بلاط القيصر الأحمر

توقفت عندها سابقاً حيث تحدثت عن حياة ونظرية تروتسكي في الثورة الدائمه .

اليوم سأتناول قضية مقتل ستالين , فبعد أن كان يعتقد ولوقت طويل بأن هذا الزعيم الروسي مات نتيجة نوبة مفاجئه ألمت به , هاهو أرشيف الكي جي بي يفتح بعد إنهيار الإتحاد السوفييتي ليتم الإطلاع على واحدة من الخفايا التي ما كان يمكن معرفتها سابقا ً وهذه المعلومه تقول بأن ستالين مات مقتولاً بحقنة سامه أشرف على إعطائها له مدير أمنه العام ( بريا ) ساعة دخول ستالين الى مضجعه ليلاً لينام بعد حفلة صاخبه .

الكتاب الذي يضم تفاصيل هذه الحادثة وتفاصيل أمور كثيرة غيرها عن الحياة في الإتحاد السوفييتي , وعن حياة ستالين الشخصيه وعلاقته بأفراد عائلته وحزبه جاءت على شكل كتاب يحمل عنوان ( ستالين _ بلاط القيصر الأحمر ) صدر في لندن عن مطبعه ( وينفيلد ونيكلسون ) عام 2003 ويقع في 596 صفحه من قطع كبير المتوسط ومطبوع بإقتصاد شديد في الورق بحرف حجم 11 . . أما لتحميل الكتاب أونلاين وقراءته باللغة الإنكليزيه فمن الرابط التالي :

Stalin: The Court of the Red Tsar

 الكتاب من تأليف الكاتب الأمريكي ( سيمون سيباج مونتفيور ) والذي كما سنرى كان قد تمكن من الحصول على الأذن بدخول مقر أرشيف الكي جي بي المحصن ذرياً ليعاين الوثائق الموجودة فيه .. ثم يخرج بعد ذلك لإجراء لقاءات مع شهود عيان على كل ما وقع بغية الحصول على الحقيقة كامله عن مقتل ستالين .

وفي النهايه هل سيخبرنا مونتيفيور بمن قتل ستالين ؟ كلا بالطبع , فهو سيخبرنا بأسماء المنفذين أما من يقف خلفهم من القتله فأنت تستطيع أن تعرف ذلك ببساطه اذا كانت لديك معرفة جيدة بالتاريخ تؤهلك للنبش في الخفايا .

وعلى الرغم من أن المؤلف حاول أن يعطي قصة مقتل ستالين أبعاد عائليه وعاطفيه وحزبيه وما الى ذلك إلا أن الحقيقه تبقى واحده وهي ان الأمريكان كانوا من يقف مباشرة وراء مقتل ستالين … ببساطه شديده .. لأن دوره كان قد إنتهى بالنسبة لهم وكان عليهم إفراغ الساحة منه ليتسنى للاعب جديد أن ينزل الى الساحة الدوليه بقوه لتنفيذ أغراض المرحلة التاليه في السياسة الأمريكيه حول العالم .

فطن الروس ( شرق أوربا ) والبريطانيون ( غرب أوربا ) الى السعي الحثيث للويات المتحدة الأمريكيه لجعل نفوذها يتغلغل في القارة الأوربيه , ولهذا عقد ملك بريطانيا مع قيصر روسيا معاهدة عام 1907 والتي من أهم مقرراتها تطويق قارة أوربا من الشرق والغرب وجعلها عصية بوجه أي تغلغل أمريكي فيها .

الرد الأمريكي على هذا المعاهده جاء بعد 7 سنوات حين أفلحت الولايات المتحده الأمريكيه في إشعال الحرب العالمية الأولى داخل القارة الأوربيه ( للمزيد من التفاصيل أرجو العوده الى موضوعي المنشور على الموقع تحت عنوان : الحرب العالمية الأولى و البلشفيه ) .

أثناء إنشغال اوربا بالقتال في الحرب كان يجري الإعداد لعمل حاسم يخرج روسيا القيصرية من حلفها مع البريطانيين , وهكذا فما أن دخلنا يوم 22 فبراير 1917 بالتقويم الجولياني – ويصادف يوم 7 آذار بالتقويم المعمول به في يومنا هذا , حتى وقعت ثورة فبراير التي أطاحت بالقيصر نيكولاس الثاني وقضت على الحكم القيصري في روسيا . 

بدلاً عن القيصر حلت حكومه مؤقته تحت حكم الأمير ( جورجي لڤوڤ ) ورأس وزرائها ( كيرنسكي ) , وكانت هذه الحكومه المؤقته في تحالف مع الليبراليين والإشتراكيين ويهدف الجميع الى الإصلاح السياسي والإجتماعي للوصول الى حكومه دستوريه منتخبه ديمقراطياً , وفي نفس الوقت قام الإشتراكيون بتشكيل قيادة ( سوفييت بتروغراد ) التي كانت تحكم الى جانب الحكومه المؤقته بما يعرف بالسلطه المزدوجه . 

 ليس من قبيل الصدفه , بل بتخطيط عالي الهمه , دخلت الولايات المتحده الأمريكيه الى الحرب بعد 27 يوما فقط من وقوع ثورة فبراير وكان ذلك يوم 3 نيسان 1917 بإعلان ويلسون الحرب على ألمانيا . الهدف من ذلك هو نشر الجيش الأمريكي في أوربا الغربيه لحماية المكتسب الجديد الذي يقع في اوربا الشرقيه والتأثير في سير الحرب والتأثير في مجريات الثورة الروسية نفسها من أجل منع أي احتمال لتنسيق روسي بريطاني في المستقبل _ ومن أجل هذا كانت البلشفية هي الحل .

 نعود الى تاريخ 26 حزيران 1907 وقعت سرقة ( بنك تفليس ) وهي عملية سطو مسلحه قام بها البلاشفه في المدينة الجورجيه ( تفليس ) التي تعرف اليوم بإسم ( تبليسي ) . بينما كانت الأموال تنقل في عربه من خزينة البريد الى خزينة البنك محاطه بعناصر الأمن تمت مهاجمتها بالقنابل والبنادق مما أدى الى قتل أربعين شخصاً وجرح حوالي خمسين آخرين وسرقة مبلغ 341 ألف روبل أي ما يعادل حوالي 4 مليون دولار أمريكي في يومنا هذا , قام بالتخطيط وشارك في التنفيذ بلاشفه من كبار الحزبيين بضمنهم : فلاديمير لينين وجوزيف ستالين ومكسيم ليتفينوف وألكسندر بوغدانوف , من أجل الحصول على المال لتمويل أنشطتهم الحزبيه , بعد هذه الحادثه هرب الجميع الى الخارج حتى لا يتعرضوا للعقاب , ومنذ عام 1907 وحتى عام 1917 كان لينين خارج روسيا . 

 بعد اسبوعين من دخول الولايات المتحده الأمريكيه الى الحرب العالمية الأولى عاد لينين الى روسيا وكان ذلك يوم 16 نيسان 1917 وكان في استقباله الى جانب حشد من حملة الأعلام الحمراء , الشيوعي المنشفي رئيس ( سوفييت بتروغراد ) الذي تجاهله لينين ووجه خطابه الى الجمهور محدثاً اياهم عن الأهميه الدوليه للثورة الروسيه .

 بريطانيا لا يهمها إن كان القيصر قد مات أو من يحكم اليوم .. المهم لديها أن تنسق بشكل جيد من أجل إعادة العمل بالحلف المبرم بينها وبين القيصر ولم يكن ذلك ممكناً إلا في ظل وجود حكم فردي وليس ( حكومة مؤقته مزدوجه ) يشارك فيها الشيوعيون , ولهذا كان على الأمريكان ان يمدوا البلاشفه بالمال ومختلف أشكال الدعم من أجل تمكينهم من السيطرة على السلطه وهكذا وقع إنقلاب أكتوبر البلشفي عام 1917.

 بريطانيا لم تستسلم وواصلت القتال منذ عام 1917 وحتى عام 1923 تحت قناع ما يسمى بالحرب الأهلية الروسيه , التي هي في الحقيقه ليست أكثر من امتداد للحرب العالمية الأولى , ففي يوم 3 آذار 1918 انسحبت روسيا من الحرب العالمية الأولى ووقعت معاهدة صلح مع ألمانيا . الولايات المتحده الأمريكيه وجيشها كان موجوداً على الأراضي الأوربيه وبواسطتهم تم توقيع الهدنه مع دول المحور يوم 11 تشرن الثاني 1918 .

 تفرغ الحلفاء الى قتال بعضهم من وراء قناع ما يدعى بالحرب الأهلية الروسيه لمدة ست سنوات , شاركت في هذه الحرب جيوش من 14 دوله على رأسها الولايات المتحده داعمه للبلاشفه من جهة _ وعلى الجانب الآخر تقف ( بريطانيا وفرنسا , استراليا , كندا , الهند , تشيكوسلوفاكيا , فنلندا , اليونان , ايطاليا , اليابان , بولندا , رومانيا , صربيا ) داعمين لكل ماهو معادي للبلشفيه . 

عند نهاية هذه الحرب نجحت الولايات المتحده الأمريكيه في تأسيس دولة بلشفيه لا تتعايش مع برجوازية أوربا ولا تتحالف معها , وبذلك حققت هدفها في تشتيت وحدة القاره الأوربيه لتتمكن من السيطرة عليها .

 عهد لينين كان عهداً مضطربا ً لسببين , الأول هو أن لينين كان يحكم على رأس مجلس سوفييت أعلى منقسم على نفسه ما بين رؤوس متعدده في هذا المجلس وكانت الصراعات ما بين هذه الرؤوس تسبب مشاكل كثيره عند تطبيق قرارات الحزب والدوله ( أمريكيا ً كان ذلك مطلوبا ً لتخريب آخر المعاقل التي بقيت للأوربين في روسيا بعد زوال الحكم القيصري واستيلاء البلاشفه على السلطه ) كأن تكون بنوك أو مصالح تجاريه أو معامل أو مزارع أو تنظيمات سياسيه أو حزبيه أو إجتماعيه قائمه بين الروس وسواهم من الأوربيين وبخاصه البريطانيين .

 السبب الثاني للإضطراب في عهد لينين هو أن لينين نفسه كان مريضا ً ويتمتع بإجازات مرضية طويله وآخر سنتين من حياته قضاها نقاهة في منتجعه البعيد .. وأخيرا ًمات الرجل .

 لم يكن من مصلحة الأمريكان أن يتسلم السلطة بعد لينين شخص مثل تروتسكي ( لمزيد من التفاصيل أرجو العوده الى موضوعي المنشور على الموقع تحت عنوان : الرفيق تروتسكي ) ولهذا فقد تم دفع ستالين الى الواجهه ليحتل المركز الأول في السلطه ويصبح قيصر روسيا الأحمر .

 تولى خلال حياته المناصب التاليه :

# القائد العام للحزب الشيوعي السوفييتي منذ 1922 وحتى 1952 .

# رئيس مجلس الوزراء السوفييتي منذ 1941 وحتى 1953 .

# وزير دفاع الإتحاد السوفييتي منذ 1941 وحتى 1946 .

# عضو اللجنه المركزيه للحزب الشيوعي السوفييتي منذ 1919 وحتى 1953 .

# عضو المكتب السياسي للجنه المركزيه للحزب الشيوعي السوفييتي منذ 1919 وحتى 1953 .

# عضو المكتب التنظيمي للجنه المركزيه للحزب الشيوعي السوفييتي منذ 1919 وحتى 1953 .

 نجح من خلال كل هذه المناصب في تعقب ليس أعدائه ومناوئيه فقط , ولكن حتى رفاقه وأهله وأفراد عائلته وسنرى الكارثة التي صنعها بزوجته .. وبعد موته كان إبنه وإبنته إثنين من المشكوك بهما في قتله من كثر ما نكّل بهما في حياته .

 ونجح في قتل عشرات الملايين من السوفييت الأبرياء في حملات التطهير التي شنتها أنظمة شرطته السريه إضافة الى عشرات الملايين ممن حصدتهم عودته الى الحرب العالمية الثانيه للوقوف بوجه هتلر ذلك البعبع الذي صنعته وأوصلته الى ما هو عليه البنوك والمصارف الأمريكيه العامله في أوربا .. وحين إنتهت ورقة هتلر وكان ينبغي تسقيطه أمريكيا ً وبلا رحمه .. سحق ستالين ما يزيد على 20 مليون سوفييتي لتحقيق هذه الغايه للأمريكان .

 وبنهاية الحرب العالمية الثانيه كلل للأمريكان جهودهم بالنجاح في فصل أجزاء القارة الأوربية عن بعضها حين أعلنت الحرب البارده وأُ نزل الستار الحديدي بين أقطار حلف وارشو من جهه والدول أعضاء حلف الناتو الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكيه من ناحية ثانيه .

 لا يوجد حال يدوم ولهذا فلن يبقى ستالين هو الورقة الرابحه بيد المصالح الأمريكيه .. فالحرب العالميه الثانيه إنتهت , ودول العالم خربة جوعى تبحث عن معيل .. والبنك الدولي جاهز ليكون هذا المعيل وهكذا وعلى حين غفله صعد المارشال تيتو ( الورقه الأمريكيه الجديده ) الى سدة الحكم في يوغسلافيا بتاريخ 14 كانون ثاني 1953 حيث كان مخططاً له أن يقود حركه جديده تدعى ( حركة عدم الإنحياز ) تسوغ لدول العالم الإشتراكيه والرأسماليه الإقتراض من البنك الدولي برهن أعناقها لديه الى الأبد كدول مستعبدة على أراضيها بالديون التي سيكون من المستحيل سدادها حتى يوم القيامه ( لمزيد من التفاصيل أرجو العوده الى موضوعي المنشور على الموقع والمعنون : حركة عدم الإنحياز ودورها في العالم ) .

 لهذا كان ينبغي إزاحة ستالين لفسح المجال الى اللاعب الجديد ( تيتو ) لكي يأخذ حرية ومساحة أكبر من الإهتمام الدولي .. ودون منغصات من محارب قديم ( ستالين ) إعتاد على اكليشيهات قديمه كانت تستخدم في التعامل لكي يصل الأمريكان الى النتيجة التي يبتغون الوصول إليها بنهاية الحرب العالمية الثانيه .

 سنة 1953 سنه كبيسه .. ولهذا إحسب منذ يوم صعود تيتو الى الحكم وحتى مقتل ستالين : 17 يوم باقي من كانون الثاني + 29 يوم شباط + 3 من آذار = 49 يوم فقط لا غير وتمت تصفية ستالين بحقنة سامه على يد مدير أمنه ( بريا ) .

 مات ستالين بعد يومين فقط في 5 آذار .. لكن خليفته نيكيتا خروشوف لم يتسلم منصب السكرتير العام للحزب الشيوعي السوفييتي إلا بتاريخ 7 أيلول 1953 . ولم يصبح رئيس مجلس السوفييت الأعلى إلا بعد ذلك بخمس سنوات وبتاريخ 27 آذار 1958 …… إذن من كان يحكم البلاد والعباد طيلة فتره ذلك الفراغ السياسي ؟ أرجو أن لا يظن أحد أن الحزب كان هو الحاكم .. لأن الحزب لو كان هو الحاكم لكان أعلن بأن ستالين مات مقتولاً .. ثم أعلن قاتله وحاكمه , ولكن أن تبقى الأسرار ( مخلله ) في أقبية الكي جي بي 60 عاما ً لتظهر في كتاب أمريكي , فهذا هو العجب .. كل العجب .

 أخيراً قرائي الأعزاء هذه دعوه ألكترونيه مني لكم لتصفح الكتاب على شكل وثيقه مصوره على لسان مؤلف الكتاب ( سيمون سيباج مونتفيور ) على شكل برنامج وثائقي بثته أغلب المحطات العالميه , عندها قامت قناة الجزيره بترجمته وعرضه ضمن مسلسل ( الجزيره _ وثائقي ) على هذا الرابط :

وألتقيكم في موضوع مقبل على خير إن شاء الله . ميسون البياتي – مفكر حر؟

About ميسون البياتي

الدكتورة ميسون البياتي إعلامية عراقية معروفة عملت في تلفزيون العراق من بغداد 1973 _ 1997 شاركت في إعداد وتقديم العشرات من البرامج الثقافية الأدبية والفنية عملت في إذاعة صوت الجماهير عملت في إذاعة بغداد نشرت بعض المواضيع المكتوبة في الصحافة العراقية ساهمت في الكتابة في مطبوعات الأطفال مجلتي والمزمار التي تصدر عن دار ثقافة الأطفال بعد الحصول على الدكتوراه عملت تدريسية في جامعة بغداد شاركت في بطولة الفلم السينمائي ( الملك غازي ) إخراج محمد شكري جميل بتمثيل دور الملكة عالية آخر ملكات العراق حضرت المئات من المؤتمرات والندوات والمهرجانات , بصفتها الشخصية , أو صفتها الوظيفية كإعلامية أو تدريسة في الجامعة غادرت العراق عام 1997 عملت في عدد من الجامعات العربية كتدريسية , كما حصلت على عدة عقود كأستاذ زائر ساهمت بإعداد العديد من البرامج الإذاعية والتلفزيونية في الدول العربية التي أقامت فيها لها العديد من البحوث والدراسات المكتوبة والمطبوعة والمنشورة تعمل حالياً : نائب الرئيس - مدير عام المركز العربي للعلاقات الدوليه
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.