ليس اطرف من الصرف الصحي في العراق

محمد الرديني

2012 / 8 / 25

جاءني ابو الطيب امس وهو”خربان” ضحك ليقول لي:لقد وصلني امس ايميل من شركة امريكية متخصصة بالصرف الصحي.
واكمل:يقول الايميل مانصه،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كل عام وأنتم بخير، يهديكم المركز الامريكي للبحوث أرق وأطيب تحياته ويتمنى لكم مزيدآ من التقدم والرقي ويسعده إعلامكم عن :-
) أحدث المراجع العلمية فى مجال الصرف الصحي (
مرفق ملف به التفاصيل
مــع التقديــــر
مسؤولة البحوث
رنيـم الحسينــي.
قلت له ، ربما حسبوك مختصا بالمجاري او مرشحا لوزارة الصحة في الانتخابات العراقية المقبلة.
سألني بشك: هل تعتقد ذلك؟.
اجبت: ربما
وحسبته يتساءل، لماذا لم يرسلوا هذا الايميل الى وزير الصحة العراقي فهو الاجدر بقرائته، ولكن ربما وضع على ايميله عبارة”سري للغاية”.. مسكين هذا العراق فعمر ازمة المجاري فيه بعمر ولادته منذ عشرينات القرن الماضي.
ايقظني صوته وهو يقول: يذكرني هذا الايميل بسنوات بغداد العجاف حين كان طفح المجاري من المناظر المألوفة والناس اعتادت ان تعبر الشوارع كما يعبر بقية الخلق نهر البندقية الايطالي.
قلت: أتذكر في سنة مرت على بغداد حين ارادت استضافة مؤتمر عدم الانحياز،وكان من ضمن الاستعدادات التخلص من طفح المجاري اذ ليس من المعقول ان يرى الضيوف وهم من علية القوم مياه المجاري وهي تنساب مختالة في الشوارع العامة، وهكذا كان،ولم يعد يعرف احد بعد ذلك اليوم كيف استطاعت امانة العاصمة ،وليس المحافظة،ان تتخلص من طفح المجاري بين يوم او ليلة وضحاها.
في تلك الايام بدت الشوارع وكأنها مغسولة بماء الورد بينما بدت فتحات المجاري في الشوارع العامة وكأن الماء لم يمسسها ابدا.
وتساءل الناس في حينها ،كيف امكن التخلص من المجاري بهذه السهولة؟ ولماذا لم تبادر امانة العاصمة بالتخلص من هذه المياه حفاظا على صحة وارواح الناس قبل ذلك؟هل ياترى حياة الضيوف اغلى من حياة هذا الشعب الغلبان؟.
الشعب العراقي شخصية واحدة تتمثل في حاتم الطائي..هذا الرجل الذي يهمه استعراض مآثره بين الناس فقط.. هذا الرجل الذي قيل في التراث انه ذبح حصانه لضيفه لأنه لم يجد مايطعمه به غيره،وظل الطائي بعد ذلك بلا حصان، يتنقل عبر الصحراء من مكان لآخر مشيا على الاقدام ولأنه كان ينتعل خفا خفيفا فقد تقرحت قدماه ولم يجد غير تراب الصحراء الحار يرشه عليهما عسى ولعل ان يخف الألم ولكن هيهات فحسرة الحصان الذي ضاع لن تعادلها اي حسرة..وتمنى لو عاش في هذا العصر فيمكنه على الاقل ان يحتفظ ببقية لحمه في ثلاجة ربما تكون وستنكهاوس الامريكية ويمكنه بعد ذلك ان يأكل من لحم الحصان شهورا بلياليها .. هل كان هذا الطائي راغبا ان يخلده التاريخ بهذا الكرم رغم انه كرم لامحل له من الاعراب؟لا أحد يعلم ،ولكن الذين خلدوه اولئك الذين وضعوا اسمه في المناهج العربية لطلاب مدارس المرحلة المتوسطة في العراق ولا ندري ماهي الغاية من اشاعة هذا الكرم الغبي بين الطلاب المراهقين غير استعراض العضلات.
ماعلينا..
وحين لم يكتب لمؤتمر عدم الانحياز ان ينعقد في بغداد عادت مياه المجاري تنساب مختالة في الشوارع العامة ويقال ان عددا من الحشاشين شاهد احد اكبر نهر للمجاري في شارع الرشيد يرفع يديه محييا الجماهير المارة بالقرب منه ضاحكا وكأنه يقول”على عناد الانحياز وقمته وقادته”.

About محمد الرديني

في العام 1949 ولدت في البصرة وكنت الابن الثاني الذي تلاه 9 اولاد وبنات. بعد خمسة عشر سنة كانت ابنة الجيران السبب الاول في اقترافي اول خاطرة انشائية نشرتها في جريدة "البريد". اختفت ابنة الجيران ولكني مازلت اقترف الكتابة لحد الان. في العام 1969 صدرت لي بتعضيد من وزارة الاعلام العراقية مجموعة قصص تحت اسم "الشتاء يأتي جذلا"وكان علي ان اتولى توزيعها. في العام 1975 التحقت بالعمل الصحفي في مجلة "الف باء" وطيلة 5 سنوات كتبت عن كل قرى العراق تقريبا ، شمالا من "كلي علي بيك" الى السيبة احدى نواحي الفاو. في ذلك الوقت اعتقدت اني نجحت صحافيا لاني كتبت عن ناسي المعدومين وفشلت كاتبا لاني لم اكتب لنفسي شيئا. في العام 1980 التحقت بجريدة" الخليج" الاماراتية لاعمل محررا في الاخبار المحلية ثم محررا لصفحة الاطفال ومشرفا على بريد القراء ثم محررا اول في قسم التحقيقات. وخلال 20 سنة من عملي في هذه الجريدة عرفت ميدانيا كم هو مسحوق العربي حتى في وطنه وكم تمتهن كرامته كل يوم، ولكني تعلمت ايضا حرفة الصحافة وتمكنت منها الا اني لم اجد وقتا اكتب لذاتي. هاجرت الى نيوزيلندا في العام 1995 ومازلت اعيش هناك. الهجرة اطلعتني على حقائق مرعبة اولها اننا نحتاج الى عشرات السنين لكي نعيد ترتيب شخصيتنا بحيث يقبلنا الاخرون. الثانية ان المثقفين وكتاباتهم في واد والناس كلهم في واد اخر. الثالثة ان الانسان عندنا هو فارزة يمكن للكاتب ان يضعها بين السطور او لا. في السنوات الاخيرة تفرغت للكتابة الشخصية بعيدا عن الهم الصحفي، واحتفظ الان برواية مخطوطة ومجموعة قصصية ويوميات اسميتها "يوميات صحفي سائق تاكسي" ومجموعة قصص اطفال بأنتظار غودو عربي صاحب دار نشر يتولى معي طبع ماكتبت دون ان يمد يده طالبا مني العربون قبل الطبع. احلم في سنواتي المقبلة ان اتخصص في الكتابة للاطفال فهم الوحيدون الذين يقرأون.
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.