“عسكر”

‎Bassam Yousef‎    

هذة القصة مهداة إلى “تاج الدين عيزوقي” و”شحود شحود” و”عسكر”.
“عسكر”
“عسكر” رجل باكستاني قاده حظه العاثر إلى فرع فلسطين، رجل متوسط الطول في نهاية الثلاثينات من عمره لايتكلم إلا الباكستانية لذلك يظل صامتا طوال الوقت فما من أحد منا يتكلم الباكستانية.
رغم ان معتقلي حزب العمل الشيوعي في المهجع الثاني والذين يشكلون النسبة العظمى من نزلاء المهجع يعيشون ضمن نظام خاص بهم داخل المهجع فهم يتشاركون كل شيء الطعام والدواء والسجائر بينما يعيش الآخرون كل لوحده فإن عسكر قرر أن يعيش مع معتقلي حزب العمل.
لماذا اختار عسكر العيش مع جماعة حزب العمل .. لا أعرف، رغم أن الآخرين يتحاشون العلاقة معهم ، فهم عدا عن كونهم سياسيين مع مايعنيه هذا من خطورة كبرى، فهم أيضا من حزب تستنفر أجهزة المخابرات كل طاقتها في حملة اعتقالات واسعة ضده لاتزال مستمرة منذ أشهر .
يحمل عسكر صرة ملابس صنعها من قميص داخلي كان لونه أبيضا، ينقلها معه كيفما تحرك، وعندما يحين موعد النوم يدسها تحت رأسه، ربما تكمن الفائدة الوحيدة لهذه الصرة هي في كونه يستعملها كوسادة أثناء النوم.
الصديق المفضل لعسكر هو “تاج”، تاج صاحب الرأس المصاب بالصداع دائما، والذي يمضي وقته جالسا وهو يضع يده على رأسه متألما من صداع لايفارقه أبدا، وعندما تسأله عن حاله ينظر اليك بعينين محمرتين ثم يهز رأسه حنقا من سؤالك ليجيب :
– شو بدو يكون حالي …. يا اخي الم فظيع برأسي!!؟؟ .
ثم يعود الى وضعية المتألم الدائمة، بجانبه دائما يجلس عسكر، يجلس بلا حركة يحمل صرته المتسخة وعندما نشير له الى تاج يبتسم ثم يتخذ وضعية مماثلة لوضعية تاج المتألمة. ويفرك رأسه كما يفعل تاج تماما ، ويضحك، يراه تاج وهو يقلده فيضحك عندها يصبح عسكر سعيدا، فقد ضحك تاج أخيرا.

لم يتمكن عسكر من لفظ اسم تاج جيداً، هو يناديه “طاج” … يعرف عسكر أنه يلفظه بشكل غير صحيح لكننا ولأننا أحببنا طريقة لفظه له فقد حافظ عليها عسكر … ما إن يلفظ أحدنا اسم تاج على طريقة عسكر حتى يضحك عسكر …ويعيد الاسم مرة أخرى ” طاج ” مع حركة تقليد لألم الرأس الذي لايطاق.
عندما يحين موعد النوم يستنفر المهجع كله فالمساحة الضيقة تحتم علينا طريقة النوم ( التسييف) وهي طريقة يعرفها كل السجناء السوريين لكنها تبدو غريبة لمن لايعرفونها.
سننام جميعا بشكل جانبي، ومن يلينا في النوم سيكون معكوسا أي سينام أيضا بشكل جانبي لكن قدماه ستكون أمام وجه الشخص الآخر وقدما الآخر ستكون أمام وجهه.
عسكر هو مقابل تاج في التسييف، ورغم أن تاج أطول منه إلا أن عسكر يظل منتظرا حتى يأخذ تاج مكانه ليحتل هو مقابله.
في إحدى الليلات وبعد أن أنتهت عملية التسييف الصعبة وانحشر الجميع في المساحات الضيقة، جلس المكلفون بالسهر في المساحة الصغيرة المخصصة لهم بجانب الباب، أغفى من أغفى، وظل البعض متيقظا يجتر ذاكرته، وإذ بتاج يطلق صرخة مدوية.
لايمكن لأحد أن ينهض من مكانه، فمن يخرج قليلا من المساحة الضيقة التي حشر بها سيفقدها فورا لان الاجساد المضغوطة ستحتلها فورا، وقف الساهرون في مكانهم ليستطلعوا الأمر …كان تاج يشتم عسكر قائلا:
– العمى بعيونو عضلي ابهام اجري بكل قوته.
لكن عسكر يغفو … لم يتحرك ولم يفتح عينيه، طلب رئيس المهجع من الجميع النوم والسكوت لأن السجان سيأتي حالا، وفعلا لم تمض ثواني حتى فتح السجان شراقة المهجع ليسأل رئيس المهجع عن الصوت الذي خرج من المهجع، فرد عليه بأن أحد النائمين كان “مكوبس” .
صباح اليوم التالي يجلس تاج واضعا يده على رأسه المصدوع وبجانبه يجلس عسكر حاملا صرته، وعندما نسأله عن “طاج” يضحك يضع صرته جانبا ثم يشرح لنا بيديه وفمه كيف عض ابهام قدم تاج.
يبدو أن قدم تاج وفي احدى تحركاتها اصطدمت بوجه عسكر فآلمته، لم يكن أمام عسكر إلا أن يقبض عليها بكلتا يديه ثم يضع ابهامها في فمه ليعضها بكل مايستطيع .
يضحك تاج قليلا ثم يتذكر رأسه المصاب بالصداع فيعود الى صداعه.
هناك صديق آخر ل”عسكر” انه “شحود” وشحود أيضا لايلفظ عسكر اسمه بطريقة صحيحة فيناديه “شخود”.
ذلك الصباح ذهب “شحود” الى التحقيق، ظل فترة طويلة، كان صوت التعذيب يصلنا من خلال الفتحات المفضية الى ممر غرف التحقيق، عندما عاد شحود كان قد تعرض لجولة تعذيب قاسية، افسح الطبيب – المعتقل هو الآخر- له مكانا كي يعقم جروحه ويرى ان كان بامكانه فعل شيء ما له، وفي الفسحة التي تمدد شحود فيها والطبيب بجانبه كان عسكر يجلس مقرفصا قربهما وينظر الى وجه شحود المتألم ويبكي بصمت.

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.