عربي يفشل في كره السادات

عادة ما تستقر التيارات الحزبية على أعراف خاصة بها وتتمسك بأدبيات يلتزم بها أتباعها، والتيار القومي العربي من أكثر التيارات الحزبية اتصافا بذلك، فللتيّار أنظمة عربية يدافع عنها وأخرى يهاجمها، بدلا من تقييم العمل السياسي لهذه الدولة أو تلك، ووزنه بميزان المصلحة العربية التي ترومها هذه الأحزاب، مع الإقرار بأن هناك أقلية من القوميين ــــ ينشطون كأفراد ـــــ بريئون من هذا الوصف القاسي.
وموقف التيار القومي العربي من الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات لا يخفى على أحد، فمن أدبيات ذلك التيار أن السادات “خان” الأمة العربية عندما أقام علاقات دبلوماسية مع عدوها الأول الكيان الإسرائيلي، وعادة ما يناقش أنصار هذا التيار خطوة إبرام معاهدة السلام مع إسرائيل في إطارها الضيق زمانا، ويجردها من أبعادها وهي معطياتها السابقة ونتائجها اللاحقة.
وكأحد المنتمين لهذا التيار المؤمنين بالتضامن العربي، أقول ناقدا: عندما قادني عقلي وقلبي لوضع أقدامي في جادة التيار القومي العربي متغذيا على شحنات من التاريخ والجغرافيا والثقافة واللغة ووحدة المصير لأمتنا العربية؛ لم أشاهد في البداية أنور السادات إلا من خلال صورته الشهيرة حيث يقف بجوار جيمي كارتر وبيغن لحظة توقيع اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية. وعندما أسمع اسم السادات في نقاش لا أسمعه إلا عند الحديث عن الصلح مع إسرائيل وخيانة القضية العربية، حتى تصورت أن الرجل ما هو إلا سياسي عادي كان يقف في الصف الخلفي للزعيم جمال عبدالناصر، ودفعته الأقدار إلى الواجهة بعد وفاة جمال المفاجئة عصر الثامن والعشرين من سبتمبر/أيلول 1970م، كونه نائب الرئيس المعين في العام السابق بعد تساقط بعض رفاق الثورة اثر هزيمة 1967م.
ومن خلال رحلة البحث في التاريخ العربي المعاصر كانت أدوار أنور السادات تمر أمامي في الأسطر المكتوبة، وتشير إلى أن الرجل على أقل تقدير له تاريخ نضالي ضد الاستعمار، ثم تبين أنه من الشخصيات السياسية التي طحنتها الحياة وظروفها القاسية، ومارس أعمالا متنوعة انعكست بالإيجاب عليه من حيث فهم الحياة وأحوال الناس واحتياجاتهم، فعمل ضابطا في الجيش (1936) ثم قبض عليه (1939) لاتصاله بالألمان ومعاداته للانجليز وأدخل السجن فهرب منه وظل يتخفى ويعمل بأعمال خاصة في المقاولات وكسائق لوري، وتم العفو عنه بقوة القانون لسقوط الأحكام العرفية آنذاك، إلا أنه ما لبث أن عاد لدائرة المتابعة الأمنية بعد مقتل الوزير أمين عثمان (1946) فسجن مرة أخرى وخرج بحكم براءة بعد أكثر من سنتين، وكان عليه أن يؤمن لقمة العيش فاتجه للصحافة حيث بدا بنشر يومياته بالسجن في حلقات، ثم مارس الأعمال الحرة حتى أعيد للجيش مرة أخرى (1950) بفضل وساطة صديق له مقرب من الملك فاروق.
وكان لرحلة الأعوام الأربعة عشر تلك ما بين كفاح وعذاب أثرها على تكوين الرجل النفسي ومكنته من الشعور بالناس، قبل أن يدخل في مرحلة النشاط العام بعد نجاح ثورة 23 يوليو 1952م، وقد قال لأحد القادة العسكريين بعد أن تولى الرئاسة أثناء نقاش مطول عن استعدادات الحرب وكان ذلك القائد يخشى من تبعات شن الحرب بأسلحة غير كافية وغير حديثة على الجبهة الداخلية، قال له الرئيس السادات بكل إيمان وثقة وشجاعة: “لا عليك من الشعب فأنا مسؤول عنه من الإسكندرية لأسوان وسوف ينزع المواطن جلابيته ويعطيها لكم عندما تنطلق الطلقة الأولى”.
واستجاب القدر لمقولة قالها السادات صغيرا “إن صحّت” حيث كاد أن يغرق في “الترعة” وسأله أحد أصدقاءه: “بماذا كنت تفكر أثناء غرقك يا أنور؟” فقال: “إن مصر ستخسر أنور السادات” ولم تخسر مصر أنور السادات فتولى قيادة البلد الجريح في مطلع العقد القاسي على العرب عقد السبعينات.
لقد بدت صورة الرجل تستفزني؛ فهي تتعارض مع القناعة التي احتفظت بها وبدا الرجل ينتصر على قناعتي ويلتهمها شيئا فشيئا، حتى أجبرني على التوسع في معرفته أكثر وأكثر.
كانت المحصلة أن أنور السادات مواطن عربي مصري مخلص، خاض تجارب الحياة بكل أشكالها، فتضوّر جوعا وتقلب عوزا وشعر بالحزن حينا والخوف أحيانا، وكابد الظروف بالعلم والقراءة والصبر، فالتحق بالعمل العسكري ومارس النشاط العام وقارع الاستعمار، وأدخل السجن أكثر من مرة. واشترك بثورة أسقطت النظام الملكي وأصبح أحد كبار مسؤولي الدولة في العهد الناصري، حتى شاءت الأقدار أن يقود مصر في أخطر وأصعب مراحل حياتها عشية وفاة جمال عبد الناصر.
لقد وجّه أنور السادات جهده على مدى ثلاث سنوات لخوض الحرب مع إسرائيل ونجح في المهمة وكان عليه _ وهذه لا تقل صعوبة عن الحرب_ أن يستثمر نتائجها خاصة أنه تمكّن من وضع قدمه في أرضه المحتلة سيناء محطما أسطورة ” جيش إسرائيل الذي لا يقهر” وعليه استعادة كامل الأرض بعد أن وضعت الحرب أوزارها؛ قبل أن تبرد حرارة المدافع ويسكن غبار العبور، فللزمن مرض اسمه “الركود”، لذا اقتنص اللحظة ووقّع سلام الشجعان مع العدو.
ونستشهد من مذكرات شارون عن رؤية اسرائيل لطبيعة ما سيتم الاتفاق عليه حيث يقول: “كان المأمول هو احتفاظ إسرائيل بشريط المستعمرات الإسرائيلية داخل سيناء إلا أن تصلّب الموقف المصري والتزام بيغن بالمضي قدما في عقد الاتفاق مع مصر حال دون ذلك” وفي حقيقة الأمر كانت صورة السادات الدولية بعد الحرب واعتباره كسب جولتها وخشية من تجدد المعارك في المستقبل، ما ساعده على احترام الأمريكان له فضغطوا على بيغن للانسحاب الكامل من سيناء.
وقد دفعني التقليل من دور الرجل في خطة الخداع والتجهيز العسكري والمعنوي للمعركة التي أدت لعبور قناة السويس واقتحام خط بارليف ظهر السادس من أكتوبر عام 1973 للمحاماة عنه ، فعلى الرغم من أن بصمات الرجل حاضرة في كل قرار وكل منعطف في ذلك الحدث الكبير إلا أن هناك من حاول تحوير النجاحات تلك عن السادات وهي نجاحات تحسب لكل من ساهم فيها إلا أن حضور قائد مركزي في حينه والحاجة المستمرة للتنسيق ما بين العمل العسكري والسياسي والاستخباراتي توجب الاعتراف له بالدور الحاسم الذي خلّده له التاريخ إلى الأبد.
وحتى القادة الذين تم نسبة النجاحات الميدانية لهم كسعد الدين الشاذلي كان اختيارهم من قبل السادات جزء من خريطة التفاصيل العامة للمعركة، ويدلل على عمق القراءات للأشخاص والاحتياجات التي كان يتميز بها السادات، فعزل قادة لعدم اقتناعهم بخوض الحرب في تلك المرحلة، وعين آخرين رأى أنهم الأنسب لها، ومارس تلك الأعمال كقائد سياسي يشرف على المنظومة العسكرية، فعينٌ سياسية وأخرى عسكرية.
لكل ذلك فقد فشلت كعربي أن أكره أنور السادات، ونجحت عن قناعة وبعد تأمل وتحليل وبعد أن فعل بنا التاريخ ما فعل خلال الثلاثين سنة الماضية في أن أقف وأحيي الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات؛ لما قام به لشعبه في مصر أولا وللعرب ثانيا؛ مستغلا كل ما توفر لبلده من إمكانيات محدودة في حينه بمقابل المهمة الكبرى التي قطع على نفسه عهدا ليتمّها رغم الظروف القاسية عليه وعلى شعبه نفسيا وسياسيا، وهي تحرير الأرض التي كانت محور تفكيره وعمله، ومسيطرة على لغته السياسية والإعلامية طيلة حكمه.
وأنقل لكم ما كتبت في مذكراتي في إحدى الرحلات لسيناء:” .. من شرم الشيخ التي وصلتها عن طريق طابا برا قادما من مدينة العقبة الأردنية بحرا؛ أكتب هذه المرة. قطعنا مسافة تقارب 300كم عبر شاطئ سيناء الشرقي وعبر الجبال أحيانا، كلها أرض عربية مصرية، تحمل مواقعها إشارات باللغة العربية، وفي مدنها: طابا، نويبع، دهب، شرم الشيخ، مئات الفنادق وآلاف العاملين والموظفين المصريين، كلما قطعنا بضع عشرات من الكيلومترات يزور خيالي أنور السادات مهندس هذه المشاريع الأول، وكنت أتساءل: لولا (خيانة) أنور السادات! كيف هذه الأرض هي كائنة، وبيد من ستكون، وما شكل خليج العقبة المطوّق بالعديد من المدن العربية وساكنيها؟ .. سيناء 25/8/2017م”انتهى. لا أعلم هل رفاقي من القوميين يدركون هذه الأثمان الحقيقية التي أوفت العديد من الفواتير العربية التي طالما نظّرنا حولها وطالبنا بتحقيقها. أدعوهم للاستجمام في ذلك الشاطئ العربي.
ليس الغرض من هذه المقالة الثناء على الرئيس أنور السادات، وهو يستحق ذلك؛ لكن الهدف الأعمق؛ مراجعة السياسات والمواقف العربية من منطلق الممكن؛ للسير بهذه الأمة قدما إلى الأمام. فالقرار السياسي على الرغم من كونه ينطلق من منصة عقائدية ابتداء، إلا أنه يتأثر بالعوامل المحيطة وفي هذا المسار ينبغي أن تحضر الحكمة التي ما إن غابت عن القائد إلا وقضت عليه، لقد غابت الحكمة عن هتلر وحطمت مشروعه المتصاعد، وغابت عن أنطون سعادة فأنهت عبقريا فتح التاريخ له الأبواب، وغيرهم وغيرهم.
وكثيرا ما أضع مقارنة عابرة بين عهدين كانا مثار نقاش وجدل، وهذا الجدل _حقيقة_ ليس متعمق في نظرته للأحداث من قبل كثير من المؤرخين: هما مرحلة معاوية التي أعقبت مرحلة علي، ومرحلة السادات التي أعقبت مرحلة عبد الناصر، ففي حين يرى البعض أنه لو لم يحكم معاوية لكنا أفضل حالا كأمة، ولو لم نعرف السادات لكنا أكثر عزا، كنت أقول وفقا لشاطئ الأمان الذي نقلنا له الرجلان: لو لم يسخرهما الله كل في زمانه، ما هو بديل ذلك الشاطئ!؟
يوسـف بن عـلي الشاعـل / باحث عربي / ([email protected])

This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.