حوار مع القرضاوي 4

عبد القادر أنيس

هذه المقالة الرابعة في سلسلة المقالات حول كتاب الدكتور يوسف القرضاوي ” الإسلام والعلمانية وجها لوجه”.
أتناول في هذه الحلقة فصلا تحت عنوان “فشل العلمانية في ديار الإسلام” ص 45.
يوسف القرضاوي – الاسلام والعلمانية وجها لوجه
وكتعليق تمهيدي على هذا العنوان علينا أن نلاحظ، إنصافا للتاريخ الحديث للأقطار العربية الإسلامية في الشرق الأوسط، أن كل المشاريع التنموية المعاصرة قد فشلت أو عانت من أزمات حادة بل عرف بعضها انسدادا حقيقيا أدى إلى انهيار الدولة أو كاد، سواء تمت تحت جناح الإسلام أم تحت جناح التجارب الأخرى باسم الاشتراكية والرأسمالية والقومية والإصلاحية الدينية والسلفية الأصولية لأسباب تتعلق بعجز هذه الأقطار عن إقامة الحكم الراشد نتيجة عدم تبني منجزات الحداثة مثل الديمقراطية والعلمانية والحريات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الجماعية والفردية.
بل بوسعنا أن نقول، تحديا لهذا العنوان القرضاويّ، إن الإسلام أيضا قد فشل في ديار الإسلام في أن يعطي دفعا لأية تنمية رغم أن بعض البلدان الإسلامية، تطبق الشريعة الإسلامية منذ تأسيسها قبل ما يقارب القرن مثل السعودية مثلا، إلى جانب بلدان أخرى تتخذ الشريعة مصدرا للتشريع منذ تأسيسها.
القرضاوي سوف يقدم لنا مثال تركيا العلمانية للتدليل على فشل العلمانية مع أن المحللين للأزمة التركية يركزون خاصة على أزمة التجربة الديمقراطية التركية التي تحولت بسبب غلقها للمجال السياسي في وجه قوى سياسية واسعة يمينا ويسارا حتى تحولت إلى ما يشبه الحكم الاستبدادي. وعليه فالعودة إلى الدين في تركيا هو نتيجة أزمة عامة سياسية واقتصادية وليس علامة صحة للمجتمع التركي وصحوة مخلّصة كما يتوهم الإسلاميون عندنا بانتهازية مقيتة وكانوا قبل ذلك قد ركبوا القطار الخميني ردحا من الزمن. بينما يدرك ذلك إسلاميو تركيا (وإن كانوا لا يحبذون هذه التسمية) ولهذا لم يحاولوا التخلي عن العلمانية كفصل بين المجال السياسي والمجال الديني ولا عن التوجه التركي للانضمام إلى أوربا العلمانية إلى حد الآن على الأقل.
يستهل القرضاوي هذا الفصل بقوله: “من أجل هذا لا يتصور للعلمانية أن تنجح في بلد إسلامي، لأنها مناقضة لطبيعة الإسلام، الذي تدين به الشعوب المسلمة، ومناقضة لمفاهيمه وسلوكه وتاريخه، ولا يوجد أي مبرر لقيامها، كما وجد ذلك في الغرب النصراني”.
أن يقول القرضاوي: ” من أجل هذا لا يتصور للعلمانية أن تنجح في بلد إسلامي، لأنها مناقضة لطبيعة الإسلام، الذي تدين به الشعوب المسلمة، ومناقضة لمفاهيمه وسلوكه وتاريخه”، فهو محق مائة بالمائة. نعم، لا يمكن أن تنجح العلمانية ولا الديمقراطية ولا أي مشروع نهضوي تنموي في بيئة يهيمن عليها الدين خاصة من شاكلة الإسلام السياسي كأيديولوجيا شعارها: “لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها” بما يعنيه من أن المثل الأعلى عند هؤلاء نموذج مثالي وجد في الماضي ويعمل القائمون على حراستها بالحديد والنار لفرضه وللحيلولة دون أن تتنور عقول الناس لتنفتح على الأفكار الإنسانية التي تنادي بالحرية والمساواة بين كل أبناء الوطن الواحد مهما اختلفوا من حيث المعتقد والجنس والعرق واللغة.
العلمانية بهذا المعنى مناقضة فعلا، كما قال القرضاوي، لمفاهيم الإسلام وسلوكه وتاريخه القائمة على الانغلاق الديني وعلى العداء للآخر المختلف دينيا ومذهبيا وفكريا. فلا مجال في دولة الإسلام للمواطنة الكاملة بين جميع مواطنيه مسلمين وغير مسلمين. بل إن كلمة مواطن لا حظ لها من القبول في شريعته وإن وجدت فهي تعني المواطن المسلم فقط، أما غير المسلم، بل المواطن السني في بلد أغلبيته شيعية أو المواطن الشيعي في بلد أغلبيته سنية يستحيل القبول به ومعاملته على قدم المساواة.
أما أن يقول القرضاوي: ” ولا يوجد أي مبرر لقيامها، كما وجد ذلك في الغرب النصراني”. فهي مغالطة كبيرة من ناحيتين:
من ناحية زعمه بأنه “لا يوجد أي مبرر لقيامها”، ومن ناحية زعمه بأن هناك “غربا نصرانيا”، هو يقبل العلمانية بطبعه خلافا للشرق الإسلامي الذي هو معاد للعلمانية بالضرورة.
خلافا لهذا الزعم فإن كل المبررات تدعو شرقنا التعيس للإسراع في تبني العلمانية كنظام سياسي لا بد منه لتحقيق شروط الدولة الحديثة: مساواة بين المواطنين، مواطنة كاملة، قانون واحد لكل المواطنين بدون تمييز ديني أو طائفي أو عرقي أو قبلي، إلغاء كلي للفصل العنصري بين مواطني البلد الواحد الذين يضطرون بسبب هيمنة الشريعة الإسلامية على قوانين الأحوال الشخصية إلى التواجد ضمن كانتونات وملل ونحل وطوائف خاضعة لشرائع مختلفة تحول دون قيام علاقات إنسانية بينهم كما هو حال البلاد العلمانية. بالإضافة إلى كون العلمانية ضرورة حضارية لا بد منها لإطلاق الحريات الفكرية والفنية والإبداعية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية بعيدا عن سيف التقديس التحريم والتحليل والتكفير والترهيب والإقصاء المسلط على رؤوس الأحرار ولأذكياء.
هذا من جهة المبررات، أما من جهة إلصاق العلمانية بالغرب بحكم نصرانيته فهو قول في غاية الجهل بحقائق التاريخ. إن الإسلاميين كثيرا ما يوهمون الناس بأن العلمانية قضية غربية نصرانية بامتياز، ولا علاقة لها بالشرق المسلم. يمررون هذا الكلام المخادع تحت ذرائع شتى بوسعنا دحضها بسهولة:
– كون المسيحية ديانة لا شأن لها بالسياسة استنادا إلى قول المسيح : “أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله”، هو قول أخرق يتجاهل أن الكنيسة حكمت طوال قرون بمرجعية تستند إلى كتب العهد القديم والجديد، وهيمنت بهما على حياة الناس في جميع تفاصيلها ولا تبتعد كثيرا عن شريعة الإسلام.
– كوننا كعلمانيين يمكن أن نجد في تاريخ الإسلام ما يضاهي قول المسيح السالف الذكر، مثل قول محمد : “أنتم أدرى بشؤون دنياكم”، وغيره من الأحاديث التي من السهل تقويلها أكثر مما أراده قائلها منها وتحميلها أكثر مما تحتمل مثلما فعلوا بقول المسيح.
– كون تاريخ الإسلام خلو من أي تنظيم سياسي محدد المعالم يمكن وصفه بالدستور الإسلامي كما يدعي الإسلاميون. لعل معاوية كان أفضل من عبر عن هذا الفراغ الدستوري عندما قال وهو يسعى لأخذ البيعة لابنه يزيد. “أيها الناس قد علمتهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض (توفي) ولم يستخلف أحدا فرأى المسلمون أن يستخلفوا أبابكر، وكانت بيعته بيعة هدى، فعمل بكتاب الله وسنة رسوله، فلما حضرته الوفاة رأى أن يستخلف عمر، فعمل عمر بكتاب الله وسنة رسوله، فلما حضرته الوفاة رأى أن يجعلها شورى بين ستة نفر اختارهم من المسلمين. فصنع أبوبكر ما لم يصنعه رسول الله وصنع عمر ما لم يصنعه أبو بكر، كل ذلك يصنعونه نظرا للمسلمين. فلذلك رأيت أن أبايع ليزيد لما وقع الناس فيه من الاختلاف ونظرا لهم بعين الإنصاف” (عن الإمامة والسياسة لابن قتيبة).
– كون الغرب حاليا ليس نصرانيا إلا كانتماء تاريخي، أما الدساتير والقوانين والمواثيق فهي وضعية لعل ما يتناقض فيها مع الأديان أكثر مما يتوافق. بالإضافة إلى الفصل التام بين المجال الديني والمجال السياسي من حيث رفض تداخل الصلاحيات والنفوذ ومن حيث ما يتمتع به المواطن من حريات واسعة في التعبير والاعتقاد والإلحاد والإيمان يعتبرها الإسلاميون أنفسهم جاهلية وكفر وإلحاد.
– كون الكثير من مظاهر حياتنا في البلاد الإسلامية قد تعلمنت رغم أنف الإسلاميين ورغم أننا قلما ننتبه إليها، بل ونحسبها من صميم الإسلام وهي في الحقيقية من صميم العلمانية الغربية وقد تآلف الناس معها أو كانوا كما قال طه حسين “مستعدين أحسن الاستعداد وأقواه للاتصال بأزمنتهم وأمكنتهم…. وهم يعلمون أن الإسلام بخير وأن الصلوات ستقام وأن رمضان سيصام وأن الحج سيؤدى، لا هم بالمسرفين في التدين ولا هم بالمسرفين في العصيان والفسوق”. مثال ذلك أن المسلمين، قبل هذه الحملة الأصولية الظلامية التي يسمونها صحوة إسلامية، كانوا يتعاملون في المجالات الاقتصادية من تجارة وتعامل مع البنوك ومن تأمينات وقوانين وضعية في شتى المجالات رغم كونها مستقاة من القوانين الوضعية الغربية. وها اليوم يتحدثون عن الإرادة الشعبية وليس عن الإرادة الألهية كما كان يتحدث حسن البنا والمودودي ويتحدثون عن الانتخابات وعن الديمقراطية وعن الدستور وكلها بدع حديثة ليس للمسلمين فيها حظ.
القرضاوي يضرب عرض الحائط هذه الحقائق الثابتة ويقول: “والاتجاه العلماني ـ على كل حال ـ يعوق انطلاق الأمة بكل طاقاتها، لأنه غريب عنها، دخيل عليها، لا يحركها من داخلها، ولا يخاطبها، باللسان الذي يهز كينونتها”.
فهل فعل الاتجاه العلماني هذا الفعل باليابان والهند والصين وكوريا وأوربا وأمريكا أم العكس هو الصحيح؟
وهل يجهل القرضاوي أن أمة الإسلام، إن صحت هذه التسمية، تعاني منذ قرون من انحطاط وتخلف لا علاقة للاتجاه العلماني به؟ وكيف تعوق العلمانية انطلاق الأمة وهي فكر وافد حديث في بلاد المسلمين تم تبني بعض جوانبه عندنا بعض تعرضه لتشوهات أفرغته من محتواه. ثم لماذا لم تعرف هذه الديار هذه الانطلاقة قبل احتكاكها بالغرب العلماني، ولماذا لم يتمكن الإسلام الذي هو ليس غريبا عنها من تحريكها من داخلها رغم أنه يخاطبها بلسانها ويهز كينونتها حسب تعبير القرضاوي؟
القرضاوي لا يجد إلا تركيا العلمانية ليضرب بها الأمثال حول فشل العلمانية، كأن يقول:
“وأبرز بلد إسلامي حكمته العلمانية، ونفذت فيه خططها، وضربت بيد من حديد كل من يقاومها، وخاضت في ذلك بحرا من الدم، هو: تركيا، بلد الخلافة الإسلامية الأخيرة، الذي قهره “أتاتورك” على تطبيق النموذج الغربي في الحياة كلها، في السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، والتعليم والثقافة، وسلخه من تراثه، وقيمه، وتقاليده، كما تسلخ الشاة من جلدها، وأقام دستورا لا دينيا، يعزل الدين عن الحياة عزلا كاملا، قامت ـ على أساسه ـ قوانين مجافية للإسلام كل المجافاة، حتى في شئون الأسرة والأحوال الشخصية”.
“فهل استطاع أتاتورك وخلفاؤه من بعده، ومعهم الدستور والقوانين، والتعليم، والإعلام، والجيش والشرطة، ومن ورائهم الغرب بكل جبروته وقوته، أن يجتثوا جذور الأفكار الإسلامية، والمشاعر الإسلامية، والتطلعات الإسلامية، والقيم الإسلامية، من حياة الشعب التركي المسلم؟”
القرضاوي محق نوعا ما في وصفه للطريقة التي فرض بها كمال أتاتورك العلمانية كما فرض نهجه في بناء الدولة التركية الحديثة، لكنه ينسى أو يتناسى أن الظروف التي قامت فيها تركيا الحديثة شأنها شأن ما كان سائدا فيما سواها من أمم كانت قائمة على النزعة القومية المتعصبة من اليابان إلى أمريكا مرورا بأوربا. أقول نوعا ما لأن أتاتورك لم يلغ الإسلام ولا هو فرض تدريس الإلحاد في مدارس الجمهورية التركية كما جرى في الاتحاد السوفييتي مثلا في غياب الحريات الفكرية الضرورية مما أدى إلى نتائج عكسية.
أما أن يقول عن أتاتورك إنه طبق ” النموذج الغربي في الحياة كلها، في السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، والتعليم والثقافة، وسلخه من تراثه، وقيمه، وتقاليده، كما تسلخ الشاة من جلدها، وأقام دستورا لا دينيا، يعزل الدين عن الحياة عزلا كاملا، قامت ـ على أساسه ـ قوانين مجافية للإسلام كل المجافاة، حتى في شئون الأسرة والأحوال الشخصية”، فهو قول مبالغ فيه حد تزوير حقائق التاريخ. فلا أتاتورك كان معاديا للدين الإسلامي حتى “أقام دستورا لا دينيا، يعزل الدين عن الحياة عزلا كاملا” ولا النموذج الغربي في الحياة كان قائما على هذه المعاداة للدين. فما كان يهم أتاتورك هو تخليص تركيا من البنى والهياكل والأفكار الشرقية المعادية لأسس دولته الحديثة. وحتى ابن باديس الجزائري، ورغم كونه مصلحا دينيا، فقد كان معجبا بالتجربة الكمالية حتى قال: “» في السّابع عشر من رمضان المعظّم (1938) ختمت أنفاس أعظم رجل عرفته البشريّة في التّاريخ الحديث، وعبقريّ من أعظم عباقرة الشّرق، الّذين يطلعون على العالم في مختلف الأحقاب، فيحوّلون مجرى التّاريخ ويخلقونه خلقا جديدا.. ذلك هو “مصطفى كمال” … وباعث تركيا من شبه الموت إلى حيث هي اليوم من الغنى والعزّ والسّمو… إنّ الإحاطة بنواحي البحث في شخصيّة “أتاتورك” (أبي التّرك) ممّا يقصر عنه الباع ويضيق عنه المجال، ولكنّني أرى من المناسب أو من الواجب أن أقول كلمة في موقفه إزاء الإسلام، فهذه هي النّاحية الوحيدة من نواحي عظمة “مصطفى أتاتورك” الّتي ينقبض لها قلب المسلم ويقف متأسّفا ويكاد يولّي “مصطفى” في موقفه هذا الملامة كلّها حتّى يعرف المسؤولين الحقيقيين الّذين أوقفوا “مصطفى” ذلك الموقف..فمن هم هؤلاء المسؤولون؟.. المسؤولون هم الّذين كانوا يمثّلون الإسلام وينطقون باسمه، ويتولّون أمر النّاس بنفوذه، ويعدّون أنفسهم أهله وأولى النّاس به، هؤلاء هم خليفة المسلمين وشيخ إسلام المسلمين ومن معه من علماء الدّين وشيوخ الطّرق المتصوّفون والأمم الإسلامية الّتي كانت تعدّ السّلطان العثماني خليفة لها، أمّا خليفة المسلمين فيجلس في قصره تحت سلطة الإنجليز المحتلّين لعاصمته ساكنا ساكتا، أستغفر اللّه، بل متحرّكا في يدهم تحرّك الآلة لقتل حركة المجاهدين بالأناضول، ناطقا بإعلان الجهاد ضدّ “مصطفى كمال” ومن معه، الخارجين عن طاعة أمير المؤمنين، وأمّا شيخ الإسلام وعلماؤه فيكتبون للخليفة منشورا يمضيه باسمه ويوزّع على النّاس بإذنه، وتلقيه الطّائرات اليونانيّة على القرى برضاه يبيح فيه دم “مصطفى كمال”، ويعلن خيانته ويضمن السّعادة لمن يقتله، وأمّا شيوخ الطّرق الضّالون وأتباعهم المنوّمون فقد كانوا أعوانا للإنجليز وللخليفة الواقع تحت قبضتهم يوزّعون ذلك المنشور ويثيرون النّاس ضدّ المجاهدين..وأمّا الأمم الإسلاميّة الّتي كانت تعدّ السّلطان العثماني خليفة لها فمنها ـ إلاّ قليلا ـ من كانوا في بيعته فانتقضوا عليه ثمّ كانوا في صفّ أعدائهم وأعدائه، ومنها من جاءت مع مستعبديها حاملة السّلاح على المسلمين شاهرة له في وجه خليفتهم فأين هو الإسلام في هذه (الكليشييات) كلّها ؟ … لقد ثار “مصطفى كمال” حقيقة ثورة جامحة جارفة ولكنّه لم يكن على الإسلام وإنّما ثار على هؤلاء الّذين يسمّون بالمسلمين، فألغى الخلافة الزّائفة وقطع يد أولئك العلماء عن الحكم ـ (نوفمبر 1938م) ـ
هذا الموقف الباديسي الإصلاحي كان على النقيض من موقف حركة الإخوان المسلمين في مصر التي واصلت التشبث بأوهام الخلافة ومازالت إلى اليوم.
هنا يجب أن نلاحظ أن انكماش مسيرة الحداثة في تركيا ليس مرده إلى طغيان العلمانية بقدر ما هو ناتج عن غياب إشاعة الديمقراطية الواسعة في الحياة التركية واقتصارها على حزبين أو ثلاثة أحزاب قومية تحت حماية العسكر، فظنت أنها ضمنت الهيمنة على البلاد إلى الأبد، مما أدى بها إلى الاستسلام للبيروقراطية والفساد السياسي. وهي ظاهرة لم تقتصر على تركيا العلمانية وحدها بل هي سمة كل الأنظمة التي غابت فيها الحياة الديمقراطية والمواطنة الكاملة والحريات فعاد المكبوت الديني والطائفي والعرقي أقوى مما كان.
ومع ذلك فإن تركيا العلمانية هي أفضل بلد في شرقنا المتخلف بفضل علمانيتها، ولا يجوز مقارنتها بأي بلد عربي وإسلامي في المنطقة. بل من حقنا أن نقول إن العلمانية التركية قد تمكنت من فصل تركيا عن شرقنا المتخلف بما لا يقارن مع أي بلد عربي.
يتبع

عبدالقادر أنيس فيسبوك

About عبدالقادر أنيس

كاتب جزائري
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.