جا سبع من الغربة

جا سبع من الغربة
الأرقش / المحطة
من أوراق الأمس
محطّة قصيرة، مع ( المحطّة ) / كتابة معدلة للنشر
( قرّب الموعد، و الشوق اكتمل )
( الانتظار، خلق المحطة، و شوق السّفر جاب الترين )
( و لما بيصير وقت الترين، لا تعود تهتم إذا ما في سكّة )
مسرحية المحطة و هي من قمة أعمال فيروز و الأخوين رحباني
و بعد أن نقول ذلك نكون و بكل تأكيد قد ظلمنا الأعمال الأخرى.
هذه المسرحية هي عميقة وواسعة بنفس الوقت .
فكرتها الفلسفية تعتمد على أن الشخص الواعد المؤمن برسالة لا بد أن تصل و هو قد يُجابه، يُحارب، يُستغل، و حتى يُتَّهَم بالجنون.
و يأتي من يحاول سرقة القضية و امتلاكها ًصارت إلنا المحطة ما عادت إلكون ً
لكن بالنهاية، لا يصح إلا الصحيح، و ربما الواعد المبشر لا يصل ، لكن الرسالة تستمر و تصل
فالناس إلى بر الأمان إلى الحلم المنشود، وطن الشمس (أهلي ندروني للشمس و لطرقات)
وً ( الانتظار خلق المحطة، وشوق السفر جاب الترين )
و ( يا قاطع التذاكر، لما بيصير وقت الترين، لا تعود تهتم إذا مافي سكّة )
و من عبقرية الأخوين رحباني أن كل عمل هو متعدد الأهداف و الجوانب و كذلك كل أغنية فبحسب الشعور و الحالة يمكن اسقاطها لتكون للحبيبت أو للأم أو للوطن.
منهم من نسب هذه المسرحية إلى أنها تحكي حياة الفيلسوف جبران خليل جبران، و منهم من قال
إنها تعبر عن المعلم المفكر سعادة، أما البعض الآخر فقال لا بل تُجَسِّد رسالة السيّد المسيح
و الذي كانت قوته في ضعفه، بشَّرَ و دعا للسلام و استشهد لأجله. و حتى من قال إنها تمثل سيرتهم أنفسهم أي ًفيروز و الاخوين رحبانيً
عندما بدأت مراحل صياغة هذا العمل و بدؤوا كعادتهم عرض الفكرة على المقربين، كان من نصح بعدم القيام به و قالوا إن في هذا العمل سر أو لغز تشعر به و لكن لا يمكن تفسيره.
شكراً لله لأنهم انجزوا العمل على كل حال و أغنونا و اتحفونا به. فمن مؤمن بقضية
و برسالة و إن وقف ضده الجميع، و عاداه و استغله الكثيرون، فكل هذا لا يحيده عن ايمانه،
فكثرة الظلام لا تُزيل بصيص النور.
لقد أسعفني الحظ بحضور هذا العمل على المسرح و قد كن طفلاً صغيراً
هذا العمل هو قمة في الحبكة و العرض، و قد ظُلم لعدم وجود تسجيل مرئياً له، فالتسجيل الصوتي لا يعطيه حقه فبالإضافة إلى المفاجآت الجميلة و منها مثلاً صوت السيدة فيروز يصدح قبيل دخولها المسرح حيث لحظات الترقب تدب في قلب الحضور، إلى أغنية نهاية الموسم الرقيقة من هدى و ايلي شويري، إلى رقصة النار بثياب فرقة الدبكة السوداء و سلالمهم، شالاتهم الأرجوانية و التي كانت تعلوا و تغفوا مثل ألسنة اللهب المتراقصة.
لكن هنالك ثلاثة أمور في المسرحية محفورة في ذاكرتي، أوّلها المقدمة الموسيقية للأستاذ الياس رحباني حفظه الله، عندها انتابنا شعور غريب و كأن كراسي المسرح غدا لها أجنحة و كأننا فقدنا الجاذبية و بدأنا نطير في السماء .
الأمر الثاني هو العبقرية الهندسيّة في صوت وصول القطار ( الترين ) حيث أشبع المسرح بعشرات مكبرات الصوت و قد تم إثارة الصوت ببدئه خفيفاً من الخلف و من ثم نقله إلى الأمام
و ارتفاعه عالياً صفاً بعد صف جالباً هدير قطار قادم فبدأ الحضور بالتطلع للوراء و قد انتاب كل شخص شعور المفاجأة و هم يترقبون قطاراً قادماً سوف يحطم الجدران و يظهر فجأة.
أما الأمر الثالث فهو اللحظة التي بدأت فيروز ( وردة ) تشكك بنفسها و رسالتها، و هنا ظهر
بجلاء عبقرية الآخوين رحباني فهما آول من أدخل السينما على المسرح عندما يحاول الشك الدخول لنفسها و احباط رسالتها فكان ذاك الحوار الفلسفي الرائع ما بينها و بين ضميرها حول الصراع الأزلي ما بين المكان و الزمان و تداخلهما الأبدي فتتجلّى فيروز على المسرح بشخصية وردة و إلى جانبها صوت الشك متجلياً بصورة و صوت فيروز من خلال اسقاط سينمائي على المسرح فها أنت تعيش نشوة خلق هذا العمل على المسرح و بلحظة ساحرة هنالك فيروزتين اثنتين على خشبة مسرح واحدة، لقد كان شعور فرح مفعم و حبور دافق ترقص له القلوب و طبعاً ككل أعمالهم الداعية للخير و المحبة كذلك فهنا رسالتهم تختتم بختام المسرحية بصوت فيروز الذي يصدح
ًأنا إيماني الفرح الوسيع
من خلف العواصف جايي ربيع. ً
و ما أحوجنا لرسائلكم هذه الأيام
ما احوجنا للإيمان
هذا العمل سيذهب في التاريخ ليكون من أعمق و أهم الأعمال المسرحية، فمن هو مؤمن بقضية
و برسالة و إن وقف ضده الجميع، و عاداه و استغله الكثيرون، فكل هذا لا يحيده عن ايمانه،
فكثرة الظلام لا تبدّد بصيص النور.
تسألني من أين أنا ؟
أنا من بلاد أنجبت الأبجديّة،
و الكتب السماوية
و فيروز
أما حضور العمل بحد ذاته، فله قصته ، و للحديث بقية.

5142673346_1b731bef35_z

About الأرقش

كاتب وطيبيب سوري يعيش بأميركا
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.